eKtab
EN ع
نساء في مهب الحب
Read free sample

نساء في مهب الحب

by غيداء طالب

Page 1
والأذن تعشق أحياناً

هكذا بدأت قصتها معه ذات مساء... بكبسة زرٍ على حاسوبها، و«like» أسفل جملةٍ له في صفحة إحدى قريباتها على الـ «facebook». لفتها يومئذ تعليقه الساخر، وراقتها لغته العربية التي باتت غريبةً عنها منذ زمنٍ بعيد. لوهلةٍ أولى، بدا لها خبيراً بطباع النساء ومكرهن. ومع أن تعليقاته لم تنمَّ عن أي حسٍّ رومنسي قد يستهوي الجنس اللطيف، إلا أنها استشعرت في كلامه دفئاً خاصاً، ورقياً عالي النبرة...

هو... سليل الاغتراب بلا منازع. تناقلته مقاعد الطائرات طويلاً، ورمت به من بلدٍ إلى بلد. صارعته الحياة فصارعها، وعجنته بين يديها بقسوة، فاحتال عليها حد المساكنة...

وهي ابنة المنفى... ولدت من رحمٍ معارضة حتى النخاع، فقذفتها رياح السياسات العربية مع عائلتها على شواطئ أوروبيةٍ باردة الرمال، وسط زوبعةٍ من الأحكام الاستبدادية، والنفي العشوائي الجائر. وهناك، في صقيع الغربة، راحت ترسم كل يومٍ شمس بلادها بألوان لا عدّ لها ولا حصر. تنثرها دفئاً هنا، وتزرعها قمحاً هناك، ثم تجلس بمحاذاتها، تستظل بفيئها مرةً، وتمتلئ بها مطراً مرةً أخرى. ولكن المؤسف أنها عندما كانت تفتح عينيها، لم تكن ترى أمامها سوى جدران غرفتها، وبعض ألوانٍ زيتيةٍ بعثرتها ريشتها على مساحةٍ بيضاء باردة، برودة الثلج المكوَّم على أطراف الطرقات...

في اليوم التالي، جلست تطالع صفحتها على الـ«facebook» كالمعتاد، ففوجئت باسمه، وبالخط العريض، يطلب ضمها إلى قائمة أصدقائه. اعتبرتها مكافأةً لها على إعجابها برأيه بالأمس، إلا أنها شعرت بإحساسٍ غريبٍ يداعب قلبها. بسرعة، وبدون أي تفكير، راحت إصبعها تضغط على زر «confirm» وتوافق موافقةً شديدة اللهجة.

وانطلقت منذ ذلك الحين رحلة تقصِّيها عن حسبه ونسبه وأصدقاءه ومعارفه وكل من يمت إليه بصلة، حتى آخر اسمٍ في قائمته... فتشت فوراً في مجموعة الصور لديه عن كل جديده، وكل قديمه، ووجدت نفسها أمام صورةٍ حديثةٍ له في العمل. راحت تحدق ملياً إلى تفاصيل وجهه، وإلى خطوط جبينه وغمازتيه. كان وسيماً جداً، يفيض شباباً وحيوية. توقفت طويلاً عند لون عينيه. كان فيهما إغراءٌ عجيب... بريقٌ يلمع فوق مساحةٍ قاتمة السواد، لم تر في حياتها مثيلاً لها... كان سواد عينيه أشبه بليلٍ مقمرٍ من ألف ليلةٍ وليلة، صافياً ودافئاً دفء الربيع في أحراش بلادها...

لم تفهم سر انجذابها السريع إلى وجهٍ لم تصادفه يوماً حتى في أحلامها، على الرغم من أنها تشعر في أعماقها أنها التقته في عالمٍ ما، وفي لحظةٍ ما، وأنها حتماً تعرف الكثير عن عينيه...

كانت البداية الكترونيةً مئة في المئة، بعيدةً عن كل أنواع العواطف وصفاتها وفئاتها ولكن... من قال إن التكنولوجيا الحديثة عاجزةٌ عن قلب المقاييس وضخ العواطف في عمق الآلات الباردة، فحتى لوحة مفاتيح الحاسوب كانت تستشعر نبض قلبها عندما كانت تكتب له، فتميل الحروف طوع يديها وتتسابق الكلمات اليه.

في البدء، كانت تتأنى كثيراً في اختيار تعليقاتها، وصوغ جملها على صفحته أو تحت صوره. ثم شيئاً فشيئاً، بدأت تتخلص من جديتها معه، ومن تلك الهالة التي أحاطت نفسها بها، خصوصاً وأنه كان يتمتع بحسّ فكاهيّ على درجةٍ رفيعة، وسرعة بديهةٍ جذابةٍ إلى أقصى الحدود.

لطالما سألت نفسها عن طبيعة إحساسه بها، وعن مدى لهفته لقراءة تعليقاتها. تساءلت كثيراً إن كان فكّر مرةً في مشاهدة صورها مثلاً، أو صور لوحاتها؟ وفي أي زاويةٍ من زوايا قلبه تراه أدرج حروف اسمها؟ في زاوية الأصدقاء، أم المعجبات، أم عابري الوقت الضائع؟

لطالما عاتبت قلبها على مدِّه العاطفي الذي لا جزر له. وعلى حبّ أحادي الأطراف، فكيف السبيل لمدِّه بطرفٍ آخر، كيما يتوازن ويستقيم وجوده؟

ربما كانت سعيدةً بصداقته المفاجئة، بصراحته، بتلقائيته وثقافته، ولكنها كانت تبحث معه عن شعورٍ آخر، وعن حنينٍ مختلف.

استفاقت ذات صباحٍ على أحلى معايدةٍ تلقتها في حياتها. كان يتمنى لها بالفرنسية صباحاتٍ يملؤها الدفء، وأياماً تفيض نوراً وحبوراً... كان بريدها الإلكتروني يغص يومئذ بالعبارات الجميلة والتمنيات بالعمر المديد في ذكرى ميلادها، إلا أنها استشفت في جملته المقتضبة تلك، صدقاً لا يمت إلى المجاملات بأي صلة. لم تنتظر طويلاً، وبعقلٍ أوروبي يستثمر الوقت ويقدسه، ردت عليه سريعاً بشكرٍ يتجاوز الشكر بأشواطٍ قليلة، طالبةً منه رقم هاتفه الشخصي...
Page 2
رن هاتفه سريعاً واصطفت على شاشته أرقامٌ أوروبية التسلسل، مجهولة العنوان، فكانت هي... صوتاً غارقاً في الأنوثة، كسول الوقع، ذا لثغة مثيرةٍ بحرف الراء، ولكنةٍ عربيةٍ بإضافاتٍ غربية...

كان في أسلوب تعارفهما الهاتفي الكثير من الانجذاب الواضح دون تفسيرٍ محدد، أو ربما على قاعدة «الأذن تعشق قبل العين أحياناً»... ربما استهواه منذ البداية خجلها المرتبك، أو غموضها الآسر. فبدت له فتاةً على قدرٍ كبيرٍ من العمق والحزن في آنٍ واحد. أما هي فلم تتفاجأ بذكائه وقوة حضوره. كان يحدثها كما دائماً، بثقةٍ واضحة، ويستعرض على مسامعها بين الحين والآخر بعضاً من سخريته المحببة.

كان إحساسها به يقظاً منذ اللحظة الأولى، إحساساً يفوق الإعجاب والصداقة وربما الحب أيضاً. كأن تشعر أنك أمام شخصٍ تريد أن تمضي الوقت بأسره إلى جانبه، أو أن تسهر طول الليل في أحضان صوته. كأن تشعر أنك جاهز لأي مغامرةٍ معه، مستعدٌّ لأي حتفٍ على يديه... كأن تستشعر الارتياح التام في حضرته، والاستمتاع التام بحديثه، فإذا ما سكت أوجعك صمته، وإذا ما رحل استعمرك الفراغ.

هكذا كانت تشعر تماماً كل مرةٍ كانت تهاتفه فيها، إنه شخصٌ قريبٌ منها حد اللمس، مع أن المسافات التي تفصل بينهما تتعدى حدود الصحارى والبحار. شعورٌ قد يصعب وصفه ويتعذر فهمه، ولكنه يتوغل عميقاً بين أوردتنا، يتجذر فينا رغماً عنا ويستشري كالوباء في كل ذراتنا...

إنه الحب... صوتٌ ذو ملامح دافئة، يأتيها كل صباح ٍ ممتلئاً بشمس الصحراء، فيحملها عبر الهاتف، ويجول بها في عوالم لا حدود لها. يجتاز بها جسوراً شاهقة العواطف، باذخة الهوى، ويمشي بها على رمالٍ لن تطأها يوماً سوى أقدام العاشقين... فهل يمكن للمرء أن يصحو ذات صباح ويجد نفسه مغرماً بشخصٍ لم تره عيناه، ولم تلمسه يداه؟

شخصٌ يهوى لعبة العواطف المتقاطعة، ويعرف كيف يملأ مربعاتها الفارغة بكلماتٍ وردية اللون، وموسيقية الوقع... فكم يلزمها من التمارين كيما تجاري ذكاءه العاطفي؟ وكم يلزمها من الثبات كيما تقاوم صوته حين يلفظ اسمها بنبرةٍ رجوليةٍ آسرة؟

أما هو... فلم يكن يبذل أي مجهودٍ إضافي كي يبقي أشواقها في حالة تأهبٍ مستمر. كان عفوياً جداً، وصريحاً جداً. وعلى الرغم من الكلام المعسول الذي كان يرشه من وقتٍ لآخر على طبق حنينها الساخن، إلا أنه لم يكن يبالغ في التعبير عن مشاعره نحوها، أو في التغزل بجمالها مثلاً... كان يعلم تماماً أنها فتاةٌ عادية الشكل ومألوفة الملامح، لكنه كان يشعر أنها دافئة الروح، عميقة الفكر وراقيةٌ بدرجة ممتاز... لم يتخيل يوماً أنها كبقية النساء مثلاً، قد تتوسط حلقة نميمةٍ صباحية، أو تنتظر دورها كي تقرأ لها إحداهن حظها المتواري في فنجان قهوةٍ على الطريقة العربية. كان لصورتها في عينيه بريقٌ يختلف عن كل ما لمع أمامه ذات يومٍ في وجوه من عرف من نساء، مع أنه لم يلتقها بعد... لكنه كان يستشف في صوتها براءةً ملائكيةً عجيبة، لا طاقة له على مقاومتها...

كان يشعر أحياناً أنها أوروبية الطباع إلى حدّ ما، غربية العقلية ربما، ولكن بدفءٍ شرقي الملامح، وهذا سببٌ مباشر في انجذابه نحوها. فلطالما أعجبه ذلك المزج اللذيذ الذي كان يضفي على شخصيتها بريقاً فاتناً.

استمرت بينهما لعبة العواطف المستترة أياماً وشهوراً... كان أسلوب التلميح سيد الموقف، وكأن كلاً منهما ينتظر التصريح من فم الآخر كيما يجود هو باعترافاتٍ أثقلته. كانا يتحادثان يومياً عبر الهاتف أو عبر الانترنت، وكلما طال بينهما وقت الحديث، أسرع الشوق في الفتك بقلبيهما بعد انتهاء المكالمة. وهكذا... حتى استطاعت هي ذات يوم أن تضرب على وتر أشواقه، وتستغل نقصاً موقتاً في مناعته العاطفية، فانتزعت منه اعترافاً برغبته العميقة في الارتباط بها...

اعترافٌ أثلج قلبها ودغدغ غرورها الأنثوي. ومع أنه كان متوقعاً إلى حدٍّ ما، إلا أنه أربك تفكيرها، وشغلها بعض الشيء عن لوحاتها وريشتها... هي التي كانت تلجأ إلى ألوانها كلما أتعبها التفكير، لم تعد تجد فيها اليوم أي سكن ٍ لها... لم تجد فيها سوى بعض ظلالٍ ذكورية، قد تكون بداية لوحةٍ صاخبة ستحمل ذات يوم ٍ توقيع عينيه.

اتفقا أخيراً على لقاءٍ قريبٍ سيجمعهما للمرة الأولى وجهاً لوجه، وقلباً لقلب. سيذهب إليها أخيراً وسيلتقيها للمرة الأولى، على أرض الغربة التي لا يعرفان متى الشفاء منها، فمتى كان للغربة رغبةٌ في جمع شمل العاشقين؟ سيذهب إليها أخيراً، على الطريقة الشرقية، كما يذهب عريسٌ إلى عروسٍ انتظرته دهراً بأكمله...

تباطأت وتيرة الأيام التالية وهما مأخوذان بالانتظار. كان في التأشيرات الأوروبية بعض العراقيل عندما يتعلق الموضوع بجواز سفرٍ عربي. فكم من العمر يُهدَر خلف أبواب المهجر، وكم من الجهد يراق في سبيل ختمٍ أجنبي...

أرهقها انتظاره، وأتعبها التفكير في لهفة لقاءٍ أول. كانت تهرب من التفكير فيه، إلى رسم ملامحه وتدوين أسرار ابتسامته، حتى أنهت لوحته في وقتٍ قياسي وكأنها كانت تجمع أجزاء وجهه في لعبة «بازيل». كانت تأنس بوجوده معها، في غرفتها، بين أشيائها الحميمة، وإن داخل إطارٍ خشبي... تجالسه كل مساء، تروي له حكايات طفولتها اليومية، وتنتظر أن يبادلها هو أيضاً مغامراته الصبيانية. ففي عينيه شقاوةٌ مخضرمة، تختصر ماضيه الطفولي الحافل، وتعيده في لحظةٍ طفلاً متمرداً، يملؤه الجنون...

أخيراً... ابتسم لها القدر معلناً قدومه. سيأتي أخيراً... يا كل الشوق الذي اختمر طويلاً في كل شرايينها، سيأتي... يا كل أحلامها التي عانقت ابتسامته ليالي بأكملها، سيأتي... غداً، سيأتي. وسترسم الحياة لها هذه المرة لوحةً ثنائية الملامح، وبألوان ربيعية.
Page 3
أشرقت شمسها ذلك الصباح من بين جدران المطار... من ممراته التي لا يبدو لها اليوم نهاية، ومن زوايا قاعاته المرتقبة بصمت. كانت تنتظر وصوله بلهفةٍ واضحة، فاضحة، ومربكة وكأن جميع الحاضرين معها في تلك القاعة، يتابعون أحداث قصتهما بشغف. كأنهم يقرأون بين سطور أفكارها جنوناً منَكَّهاً برغبةٍ شرسة، ويتوقعون بين لحظةٍ وأخرى انفجاراً عاطفياً زُرعَت عبواته في أعماق عينيها.

إنه الانتظار... داخل أسوار الوقت... وازدواجية الشعور... وتراكم الأفكار... فيا ليته يدري ماذا تفعل بها لحظات انتظاره. كيف تشعلها، كيف تحرقها وكيف تنهيها... في عتمة عينيه... عيناه... هل هذه عيناه؟ تطلان من بعيدٍ كفجرٍ وليد؟ أيعقل أن يكون هو؟ وهل هذا بريق طلته؟ كانت عيناه تبحثان عنها في زحمة الوجوه... وسرعان ما اهتدى القلب إليها...

أقبلت عليه ووقفت في دائرة استكشافاته الأولية. مصافحةٌ خجولة وباقة ورودٍ مخملية أتعبها الانتظار... كلماتٌ قليلة وبعض خطواتٍ في ممرٍّ عابقٍ بنسمات عطره. لم يكن عطراً مألوفاً بالنسبة إليها، لكنه عطرٌ يشبهه إلى حدٍّ بعيد، دافئ كلون عينيه، جذابٌ وجريءٌ حد الجنون...

كانت تمشي بمحاذاة صمته، مذهولةً بطول قامته، مأخوذةً بابتسامته المربكة، وهي تحاول أن تقرأ في عينيه كل الأفكار التي خطرت بباله لحظة رآها. فلم يكن لرد فعله دلالاتٌ واضحة. لم تشعر بانبهاره الذي كانت تحلم به، ولا باللهفة المجنونة التي كانت تتوقعها منه...

كان يبدو لها هادئاً، ومتماسكاً، فيما ترتعش هي فرحاً وخوفاً وشوقاً، من رأسها إلى أخمص قدميها.

استقل معها سيارتها الصغيرة واتجها نحو المنزل. كانت نسائم الصباح الباردة تتغلغل فيهما، وتنعش حديثاً بدأ تواً، متقطع الأوصال. فغالباً ما تكون حالة الطقس هي المخرج الأفضل والأسلم عندما نعلق في نفق الأحاديث المرتبكة، مع شخصٍ لا نعرف كيف نمسك بخيط أفكاره.

بدا لها مستمتعاً بما حوله، مذهولاً بالمظاهرالأوروبية الحضارية التي لا تجمعنا بها أية قواسم مشتركة. كان يحدثها عن الواقع الذي يعيشه العرب عموماً بكثيرٍ من الحزن، ويحوك المقارنات بسخريةٍ مؤلمة.

ثم... حطت العربة رحالها أمام المنزل بتوقيتٍ صباحيّ شتوي.

كانت تسكن في الطابق الثاني، شقةً صغيرةً يؤثثها الدفء البنفسجي الهادئ وذوقٌ نسائي بامتياز. كانت اللوحات تعتلي جدران الصالة، وورودٌ ربيعيةٌ تتوزع في الزوايا، وتكسر صمت الوحدة.

جلس على الأريكة المقابلة لها، على مسافةٍ كافيةٍ لرصد ارتباكها، وراح يتأمل بهجتها وهي تعدّ له وجبة الفطور. قامةٌ قصيرة ونحيلةٌ، شعرٌ عربيٌّ بسواده الكثيف، ووجنتان لونهما الخجل من نظراته التي كانت تتفحصها نقطةً نقطة...

كانت تتمتع بوجهٍ هادئ الملامح، خالٍ إلى حدٍّ ما من أي شحناتٍ خطرة أو ذبذباتٍ جاذبة قد تتسبب مثلاً بانقطاع نفسٍ ذكوري، أو بإشعال حريقٍ داخلي في قلب رجل...

أسعدتها نظراته وهي تعتلي كل مرتفعات جسدها، ثم تعلو وتهبط بمهارةٍ مدروسة... أربكتها، وأيقظت أنوثتها. تراها أعجبته؟ وهل تطابقت صورتاها في عينيه، أم أن الواقع فاق أحلامه حسناً؟ وماذا لو كان يتوقعها بشكلٍ آخر، ولونٍ آخر، وعبقٍ آخر؟ كيف ستتمكن من استنطاق أفكاره وانطباعاته عنها؟

كان الفطور أوروبي الوقع والشكل والطعم. طاولةٌ صغيرةٌ وكرسيان... سنتيمتراتٌ قليلةٌ تفصل بين جسديهما. ومع ذلك، كان الاقتراب محظوراً دون أي حظرٍ حقيقي. كان الهدوء يكتنف الجلسة بمجملها... شعرت وكأن من يجلس أمامها الآن لا يمت بأي صلةٍ إلى ذلك الشاب الذي كان يحدثها ليالي بأكملها عبر الهاتف. كان هادئاً وشبه صامت، وكأن البرود الأوروبي انتقل إليه بالعدوى، وانتزع منه حيويته واحتجزها في المطار بتهمة المشاكسة، بانتظار وقت المغادرة، حيث يمكنه عندئذ فقط أن يستعيدها كاملةً. ومع أنها كانت تخبئ له الكثير من الكلام والكثير من الاعترافات العاطفية إلا أنها وقفت أمامه مكبلة الشفتين وقد فرغت جعبة حكاياتها من محتواها.

ماذا تقول له؟ إنه فاق توقعاتها حضوراً ووسامةً وذكاء؟ بماذا تصارحه؟ بأنها لم تخشَ شيئاً في حياتها كخشيتها لقاءه، وأنها ربما لن تندم على شيءٍ في حياتها إلا على خسرانها حبه؟ حاولت في البداية أن تأخذ الموضوع على المحمل الحسن، وأن تعطيه فترة راحة، فقد يكون مجهداً بفعل ساعات السفر الطويل، ولكنها كانت تشعر في أعماقها بحاجزٍ يفصل بينهما، لا علاقة له بشعوره بالإرهاق الجسدي. حاجزٌ شاهق، كُتبَ عليه بالخط العريض، «الاقتراب ممنوع، خطر الحب»... ولكنها لم تكن تشعر بأنه يخشى حبها طوال الفترة السابقة، فلماذا يتردد الآن؟ ولماذا اتشحت عيناه فجأةً بالبرود؟

شعرت بشيءٍ من الإحباط يتسلل إلى أعماقها رغماً عنها... يحاول أن يكدر فرحتها بوجوده. فحاولت أن تبقي على ابتسامتها ملتصقةً بشفتيها. ولتمعن في التمثيل، تقمصت دور اللامبالية، وعرضت عليه أن تقله ليستريح في الفندق حيث تنتظره غرفةٌ حجزتها له مسبقاً بناءً على طلبه.

كانت تحاول أن توحي له بأنها طبيعيةٌ تماماً، وكأنها لن تستجدي أشواقه ولن تستعطفه ليبقى معها وقتاً أطول. فما زال العنفوان بنسخته العربية، وبرغم كل تناقضاته، يسكنها... ولن تحاول البحث عن بدائل أوروبية بنسخٍ أكثر تطوراً...

أما هو، فلم يناقش اقتراحها، ولم يتردد في الموافقة... ووجدت نفسها وحيدةً من جديد، وهي تراه يأخذ أمتعته من السيارة ويتوجه نحو الفندق. كان الوقت قد قارب الظهر. تبعثرت أفكارها أمام عينيها وداهمتها الكآبة على عجل. فشعرت برغبةٍ عارمة في البكاء... ولكن لماذا؟؟؟ فكل ما حدث حتى الآن كان متفقاً عليه مسبقاً. تراها اعتقدت أنه بمجرد أن يراها سيركع أمامها شغفاً وسيؤدي لعينيها فروض الطاعة العشقية؟ ألم يخطر ببالها احتمالٌ ضئيل بأنها قد لا تنال إعجابه كما تتمنى، أو أنه لن يكون بمستوى أحلامها مثلاً؟
Page 4
وهطل المطر دون موعد... وجرفت سيوله دموعاً تساقطت غزيرةً على خديها، معلنةً قرب النهاية. كانت تلك المرة الأولى التي تقرأ فيها قصةً بدأها الكاتب بالنهاية مختزلاً كل البدايات، دون أن يعبأ بأدوار أبطالها وأدائهم، ولا بتتابع أحداثها وحبكتها... فكانت الأسوأ على الإطلاق...

حملتها قدماها فجأةً ورمتا بها عند أطراف البحيرة المجاورة، حيث يرابض الحنين، منزوع القوى. كانت في ذروة الحزن، ولا طاقة لها حتى على الشكوى فصمتت، والآهات تتصارع داخلها... راحت تحاكي الطيور سراً، وهي تحاول أن تفكر في سيناريو مناسب قد ينقذ غرورها الأنثوي، ويلملم ماء وجهها الذي سيريقه عن غير قصد، رفض فارسها المتوقع... ولكن، ما من أفكار واضحة في هذا الضباب المتزاحم أمامها. ربما عليها المبادرة بالهجوم، وإعلان عدم رغبتها في الارتباط به تفادياً للإحراج، فهذا أفضل الحلول حتى الآن. وسترى حينئذ إلى أين ستجرها حبال الأحاديث غير المتوقعة مع رجلٍ غير متوقع المزاج...

أما هو... فقد لاذ بصقيع غرفته، في ذلك الفندق المتواضع هرباً من نار تساؤلاتها الصامتة. كان يبحث في قاموس العواطف والمشاعر عن مفرداتٍ لإحساسه بها... عن تفسيرٍ لشعوره الغامض لحظة رآها. كان إحساساً غريباً بالنسبة إليه، لم يعرفه قط، ولم يستطع حل لغزه... هل كان فتوراً أم بروداً؟ هل كان خيبةً أم ندماً؟ هل كان شفقةً أم حرجاً؟ لم يجد الإجابة الشافية، ولكنه حتماً ليس الحب. كان على يقينٍ من ذلك... فللحب شرارةٌ لا يخطئها قلب، وعبقٌ يخترق كل مسامات الوجود، فلماذا لم يستنشق عبيره؟ ولماذا لم يشعر برغبة العشاق في احتضان معشوقهم عمراً، و تقبيله دهراً؟ لماذا لم ترتجف يداه لحظة صافحها، ولم يشتعل قلبه فرحاً أمام ابتسامتها؟ أسئلةٌ حائرة تحوم في فضاء أفكاره. ربما كانت أنثى الصفاء... امرأة أكثر براءةً مما اعتقد، أو أقل أنوثةً مما توقع... ربما كانت باذخة الخجل، مفرطةً في الهدوء حد الملل، أو ناصعة التفكير كطفلٍ صغير... وربما كانت تفتقد ذلك التوقد الذي يغري الرجال عادةً ويلهم أفكارهم، فيستفيضون بأحاديث مشتعلة، واعترافاتٍ ساخنة...

هي حتماً فتاةٌ من عالمٍ آخر، بعيدٍ تماماً عن مركز اهتمامه، ومختلفٍ كثيراً عن طبيعة محيطه. لم يفهم سر انجذابه الغريب لها على الهاتف، فيما هي في الواقع شيءٌ آخر. وهل يختلف إحساس المرء إلى هذا الحد بالأشخاص والأشياء من وراء حجبٍ …أو هاتف؟ تساءل كيف كان لإحساسه أن يكون لو أنه التقاها وجهاً لوجه قبل التعارف الهاتفي؟ هل كان سيرغب في الارتباط بها فعلاً؟ هل كان سيعيش وهم حبها؟

أفاق من أسئلته على واقعٍ مربك وهو أن عليه الاختيار بين طريقين كلاهما صعبٌ وشاق. فإما أن يستمر في ما بدأه معها عبر الهاتف ويرتبط بها فعلاً حتى يشاء الله أمراً كان مفعولاً، وإما أن يلوذ بالفرار، ويرمي بها في أتونٍ من عذابٍ ومرارة...

ألقى بأفكاره جانباً ورمى بنفسه فوق السرير مستسلماً لجحافل النوم القادم بزخم...

ترافقت ساعات المساء مع موجاتٍ من البرد العاصف والحزن الخانق. لم يتصل بها منذ وصوله إلى الفندق. فالتهمها الفضول... ماذا عساه أن يفعل الآن؟ هل ينام؟ كل هذا الوقت؟

كانت تنتظر هاتفه على أحر من الجمر، مع أنها لا تدري بأي وجهٍ ستقابله، ولا بأي كلامٍ ستبدأ حديثها معه. كانت تخشى أن تخذلها الجمل ويغلبها الحنين.

وعند التاسعة تماماً بتوقيت شوقها رن الهاتف، مثقلاً بسحب صوته. كان يبدو مبتهجاً، ومستمتعاً بحديثه معها. لم يُطل الكلام... كان في انتظارها على العشاء في مطعمٍ يتوقعه فاخراً بالقرب من الفندق. لم تسرف في تبرجها ولم تهدر الكثير من الوقت أمام مرآتها وألوانها. كانت ذخيرتها معطفاً أسود، وهو لونه المفضل، وبعض زخاتٍ من عطر «ديور» على جسدها وشعرها...

اقتربت منه وهو غارقٌ بين طرفي جريدة، ألقت التحية بهدوءٍ تام. خلعت معطفها وجلست قبالته، فاردةً أشواقها وابتساماتها... كان يفيض حيويةً ومرحاً وكأنه مخلوقٌ ليلي لا يصلح إلا للأوقات المسائية. تأملها بتفصيلٍ ممل، وصالت عيناه وجالتا في مساحة وجهها الصغير وملامحها الطفولية التي تختزن الكثير من البراءة. كانت تبحث في نظراته عن لهفةٍ ما، أو عن رغبةٍ ما... ربما كانت تستشعر دفئه بين حينٍ وآخر، وتصطدم بنكتةٍ هاربة بين جملةٍ وأخرى. ومع أن مزاجه بدا لها مختلفاً عما كان في الصباح، إلا أنها لم تحظَ بضالتها المنشودة في عينيه... ثمة بريقٌ لا تصدره سوى عيون عاشقة، وثمة احتراقٌ لا يشعر به سوى جسد ألهبه الغرام. وهي لم تلمح أي بريق في عينيه، ولم تلمس أي احتراق في كفيه، وكل الابتهاج الذي يضفيه حضوره على الجلسة لا يعدو أن يكون قناعاً يداري به شعوره بالخيبة. ومع ذلك تناولا العشاء معاً على وقع أخباره الساخرة، ونكاته المزروعة ألغاماً مخجلة. أربكها مرحه الذي لم تستطع أن تجاريه، واشتعال حضوره الذي كان يلتهم المكان برمته...

قارب الوقت منتصف الليل فأصبحت كسندريلّا، تطالع ساعتها وكأنها على عجلةٍ من أمرها. استعدت للمغادرة ببضع كلمات، فانسحبت يده فجأةً من علبةٍ مخملية صغيرة، وأخرجت خاتماً ذهبياً ينم عن ذوقٍ رفيع. لم يكن خاتم زواج طبعاً، بل عربون صداقة... قدم لها الهدية دون أن يلامس يدها ودون أن يرهق تنهداتها. فكان الخاتم مفاجأة السهرة ومسك الختام...

غادرته على عجل دون عناقٍ أو مصافحة، واصطفت النظرات فوق النظرات من شباك سيارتها وكأنها تقول له «استبقني قربك، لا رغبة لي في الرحيل بعيداً عنك، أريد أن أمضي الليل على إيقاع ضحكاتك، استبقني أرجوك...» ولكنه لم يقرأ سطور عينيها وتركها وحدها مع الليل، يتسامران كعاشقين ومضى...

كان طريق العودة إلى المنزل طويلاً على غير عادة، مليئاً بمطبات الألم والإحباط. لم تغادرها عيناه لحظةً واحدة، وكأنهما ارتسمتا في أحداقها... وعادت إلى منزلها، تجر أذيال الخيبة المرة. حاولت الاستسلام لوسادتها، لكن ابتسامته المزروعة في زوايا ذاكرتها أرقت نومها، وأيقظت أفكارها... حاولت أن تعثر على عبارةٍ في غمرة حديثه المتشعب، قد تعطيها أملاً حقيقياً أو توحي لها بشعور حبٍ متوارٍ خلف كلمات، ولكنها عادت فارغة اليدين... نظرت إلى صورته المعلقة أمامها على الحائط... كم تحبه، وكم يمعن في إيلامها... فانهمرت دموعها...