Page 1
مقدمة الكتاب
إنَّ من أصعب الكتابة في علم النفس وجاراته من المعارف هي الكتابة في موضوعين: موضوع المتخلفيّن عقليًا وموضوع المتفوقين عقليًا. فالكتابة عن الدماغ ومعطياته في العقل والعواطف بين هذين الحدّين ممكنةٌ لأنها تتناول الأوسط الشائع وتتعامل مع المُعدّل المقبول حيث لا تسود الغرائبية في السلوك ولا اللبس في تفسير هذا السلوك.
وتكاد الكتابة عن المتميزين أو المتفوقين تفوقُ صعوبةً الكتابة عن متخلفي العقول. والبطل فردٌ حَقّق الإبداع، بمعنى هذا أنه تميّز بغض النظر عن طبيعة تميزّه واتجاه كتلتهِ حيث يمكن أن يكون تميزًّا في الخير (البطولة الإيجابية) أو تميزًّا في الشرّ (البطولة السلبية أو السالبة).
وإذا اختفى نبل القصد من البطولة كانت سالبة على أنها موُجبَةٌ معطاءةٌ مفيدة عند توفرِّه. انَّ دراستنا للبطل تتركّز في تميّزه وتحقيقه الاختلاف الذي جعله فردًا يواجه جمهورًا كما تتركزّ عليه موضوعًا لا ناتجًا للموضوع.
فهُناكَ أفرادٌ قَدّموا للناس الخير بحكم أنهم أبطال، وهناك أفرادٌ أساءوا إلى غيرهم جماهيرَ وشعوبًا بحكم أنهم أبطالٌ في القدرة وأشرارٌ في العطاء. معنى هذا أننّا نناقش في البطولة ما لها وما عليها... ما لها عندما تخدم الناس،... وما عليها حينما تُدان.
لقد ظهر الكثيرون من الباحثين الذين لا يعتبرون البطل بطلًا إذا كان مجرمًا أو شريرًا لأنهم كانوا يُعرِّفون بالبطولة عطاءً. ولكننا هنا نشير إلى القدرة الفردية التي يختلفُ بها صاحبها عن الناس ليكون مبدعًا في أفكاره ومسيرته على الرغم من اتجاهها.
ولو أخذنا المبدعين بما فعلوهُ من إبداع لاعتبرنا كلَّ من صنّعَ الأسلحة وشاد معامل الأسلحة مجرمًا حيث يعرف الجميع انَّ الحروب مهما كانت غاياتها فإنّها تعبيرٌ عن الانغلاق الفكري وتعطّل أدوات الحوار وتخلفّ الإنسان عن الوصول إلى غاياته عبر الحل السلمي وليس عبر الحروب.
ولكننا واجدون انَّ للحروب رجالاً جعلتهم أبطالًا أفادوا من تسمية الحروب بتسميات مضللة منافقة كمُسمّى «الحروب الوطنية». وحرب الدفاع تعني انَّ هناك في الطرف المقابل حربًا للهجوم. ولا يوجد إنسانٌ على وجه الأرض يقول يومًا: إنني مُعتدٍ وآثم بحقِّ غيري، والعصرُ الحديث لم يُشهْدنا على وزارة في دولةٍ من الدول تتولّى شؤون الحرب واسمُها «وزارة الهجوم»، فكلُّ وزارات الحروب في كل الشعوب تُسمّى «وزارات الدفاع» تمويهًا ونفاقًا.
وعلى فرض ظهور البطل الحربي الذي «يدافع» عن وطنه، أفلا يعني هذا أنَّ هناك البطل الحربي الذي «يهجم» على الآخر من أجل وطنه. ان هذا يقودنا إلى ملاحقة الظاهرة التي شاعت وتظل شائعة بين شعوبٍ ترى في غُزاتها لشعوبٍ أُخرى أبطالًا مُحرريّن فيما هم رجالٌ غزاة ظالمون مخربّون في نظر أبناء الشعوب التي تمّ غزوُها أو احتلالها.
إننّا نتكلّم هكذا لأننا نتكلم عن علم نفس عالمي لا تحدِّهُ حدود ولا تؤثّر فيه نظرة إقليميةٌ ضيّقة. بهذا الاستدراج (وسمّه استدراجًا) نريد القول إنَّ البطولة تتمتّعُ بمعاييرها بغضِّ النظر عن موضوعاتها.
ولذلك سيجد القارئ قصدنا حينما ألحقنْا بمعايير البطل معيار (نبل القصد من البطولة) فقط لنُميِّزَ بين البطل الموجب في نظر بعض والبطل السلبي في نظر بعضٍ آخر.
Page 2
انَّ هذا الكتاب (مثل كاتبه) يصطفُّ مع نظرية البطل ولا يصطفُّ مع ظاهرة الرأي العام، لكنه، لكي يكون كتابًا علميًا، أجّلَ الإعلان عن هذا القصد (وسمِّه الانحياز) إلى آخر ما هناك من كلماتٍ أو صفحات.
وفي هذا التوزيع للمُهمّة يكمن حرصُنا على أن يلمس القارئ بنفسهِ حقيقة ما ذهبنا إليه سالكًا طريق المناقشة والتأمل والاستنتاج.
***
لقد قَسّمنا الكتاب على ثلاثة أقسام: في القسم الأوّل ناقشنا البطل، وفي القسم الثاني ناقشنْا الجماهير ورأيها العام. لكننا رجعنا في القسم الثالث لنتابع مسيرة البطل كي لا نبدو وكأننا منحازون إليه سلفًا ولكي لا نُبقي لأعداء نظرية البطل مجالًا كبيرًا للمهاجمة. ومع ذلك فإنَّ الأملَ سيظلُّ حادينا إلى ظهور معترضٍ أو معترضين على ما ذهبنا إليه ليردَّ علينا بكتاب معاكس.
وحاولنا ان نُلحِقَ كلَّ قسمٍ من أقسام الكتاب باستبيان يحمل أسئلةً من نوع خاص تذهب إلى العمق في سبْرِ غور القارئ الذي آل إليه في قراءته لفصول هذه الأقسام.
ونَحنُ لا نريد ان نجعل من القارئ تلميذًا في مدرستنا لكنّها واحدةٌ من محاولات التأكدِّ من اهتمام القارئ بما عالجناه من قضيّةٍ شغلت المجتمعات والشعوب عبر كل تاريخها ولكي لا نشعر أننا هدرْنا وقتَ الناس في موضوع غير مهم، ومشاعرُ الذنب قاسية عند مَنْ يشعرون بها.
***
إنَّ السببَ الذي جعلنا نُنهي هذا الكتاب بملاحقَ عِدّة هو أننا رأينا هناك موضوعات إذا أُضيفت إلى بعض الفصول فإنها ستُعتبر مُقْحَمةً في المبنى والمعنى القائمين في الفصل، كما رأينا إهمالها نوعًا من التغاضي عن موضوعاتٍ تظلُّ الحاجة إلى معالجتها ضرورة ولو بشديد الاختصار.
***
كُلنّا خطّاؤون وخيرُنا التوابوّن، وأسألُ الله أن يجعل حسن القصد كافيًا لتخفيف اللوم في كلِّ ما زلَّ به لسان أو شطّ عنه ذهن أو هفا به قلم.
د. ريكان إبراهيم
Page 3
القسم الأول
«البطل»
الفصل الأول: التعريف بالمصطلحات.
الفصل الثاني: المدارس النفسية في دراسة البطل.
الفصل الثالث: مجالات دراسة البطل.
الفصل الرابع: البطل والمؤثّر البيئي.
الفصل الخامس: مخاطر البطولة.
استبيان القسم الأول.
Page 4
الفصل الأول
التعريف بالمصطلحات
إنَّ من أوائل ما يجب أن نقدمَّه إلى القارئ في هذا الكتاب هو مسألة التعريف بالكلمات وعلى رأسها كلمات: النظرية، البطل، الظاهرة، والرأي العام (أو الجماهير). ولقد خصصْنا كلمة «البطل» بكلمة «النظرية» وخصصنا مقطوعة «الرأي العام» بكلمة «ظاهرة»، ولنا قَصْدٌ في ذلك.
أ ـ النظرية: نعني بالنظرية هنا المحطة الوسطى بين الافتراض والبديهة. إن كثيرًا من الأفكار يبدأ افتراضًا قابلاً للاندحار والتلاشي مثلما هو قابلٌ للانتصار والثبات. إنَّ كل افتراض يُحققّ الإثبات لصحته وصدق محتواه يُصبح حقيقة، وكل حقيقة تصلح للتطبيق أو يصلح التطبيق لها تصبح نظرية، وكل نظرية تكتسب بعد التطبيق صفة العموم والشمول تُصبح بديهة.
هكذا إذنْ، نفترض ثم نُثبت صحة الافتراض، ونتفق على إمكان تطبيقه، ويشيع ويصير في غير حاجة إلى برهان فيصير بديهة. من هنا تصبح النظرية أعلى مرتبة معرفية من الافتراض والحقيقة، وأقل مرتبة معرفية من البديهة. ويحتاج الافتراض إلى جهد وعناء فكريين لكي يُصبح حقيقة كما تحتاج الأخيرة إلى جهد وعناء لكي تصبح نظرية، أما البديهة فإنها أعلى السُلّم حيث تقترب بل تلتصق بمفهوم جديد اسمهُ «الفطرة». وعلى هذا الأساس تكتسب النظرية أبعادًا تُحددّها وبدون تلك الأبعاد تصبح ناقصة، ونستطيع أن نُحدّد هذه الأبعاد بما يأتي:
1. بعدها المكاني.
2. بعدها الزماني.
3. موضوعها.
4. ثباتُها.
5. صلاحيتها للتطبيق.
6. إمكان إعادة تطبيقها.
7. ثبات نتائجها.
Page 5
وبما أنَّ لكل نظرية نتائج، وبما أن النظرية صحيحة دائمًا بأبعادها التي ذكرنا فإنَّ نتائج النظرية صحيحة وهي أهل للتطبيق ويمكنها أن تتوالد ذاتيًا أو بالاقتران حتى مع الأضداد أحيانًا لتصبح نظرية أو نظريات جديدة. فإذا أسسّت النظرية محورين (شاقوليًا وأفقيًا) لموضوع ما فإنَّ على المحاور أن تصنع المنحنيات والمنحنيات هي النتائج عينها.
لماذا لا تُصبح كل حقيقةٍ نظرية؟ إنَّ ذلك لا يحدث لأنَّ الحقيقة لا تملك الأبعاد التي ذكرنا ولأنها ما إنْ تكتسبها حتى تصبح نظرية. مثالٌ على ذلك: الحق والباطل. الحقُ حقيقة والباطل غير حقيقة، ولكنَّ الحق لا يملك بُعْدَ التطبيق دائمًا حيث يقف عامل الخوف والظلم ورقابة الأقوى وعنف المختلف الاجتماعي وسطوة الحاكم سببًا في صعوبة تطبيقهِ فيفشل في أن يُصبح نظرية.
ب ـ البطل: كلمةٌ غامضة، ليس بسبب منها أو فيها إنّما لقُصورٍ في فهم الناس لها. ونظرًا لِما جُبل عليه المجتمع البشري من تقديس خائف جبان لعنصر القوة في الآخر، أصبح مفهوم البطولة حكرًا على صاحب القوة ... قوة الإيذاء .... قوة الهيمنة، قوة الإفناء ... الخ...
وحينما احتاج الإنسان إلى كلمات يصف بها كائنًا من البشر بما فيه من قدرة خارج العنف لجأ إلى كلمات أخرى مثل: الريادة والقيادة والقدوة والزعامة والتفرد والكياسة... الخ. على هذا الأساس يُصبح لزامًا علينا إعادة قراءة هذه الكلمة لوضع تعريف صحيح بالبطل.
إنَّ أقرب تعريف بهذه الكلمة هو أن البطولة هي الاستعداد المولود أصلًا في الفرد، المُحدّد بقدرة الكينونة في شيء، والتميزّ بهذه الكينونة على نحوٍ يختلف فيه عن المألوف ليمرَّ بالإبداع ولينتهي بنتيجة القدرة على إحداثِ أثر يتحدّى عوامل التعرية المتمثلة بالمكان والزمان وضمور الذاكرة الاجتماعية.
إذنْ لكي يظهر البطل يجب أن يتوّفر:
1. الاستعداد.
2. الاختلاف عن المألوف.
3. الثبات على الاختلاف.
4. تَحمّل نتائج الاختلاف.
5. انعدام النظر إلى مكاسب الاختلاف.
6. نُبل القصد من البطولة.
7. القدرة على إيجاد نظرية.
إنَّ هذه المفردات هي أبعاد كلمة بطل. خُذْ مثلًا نقصان أحدها وانظر ماذا يحدث. تَصّور أنَّ كل الأبعاد موجودة باستثناء (نبل القصد من البطولة). حينذاك يُصبح المجرم بطلًا لأن المجرم لا يحمل النبل ولا نية العمل من أجل النبل وهكذا قس على ما سواه.
أنَّ الموضوع لا يُحدّد البطولة. فليس الطبيب بطلًا لأنه طبيب وليس الفلاح غير قادر على أن يكون بطلًا لأنه فلّاح. فالطب والفلاحة والصناعة والموسيقى والرقص والغناء والرسم والشعر والاكتشاف العلمي، مجالات (موضوعات) تجعل المبدع فيها بطلًا بغض النظر عن موضوعها. لكنَّ ما يُنظَرُ إليه اجتماعيًا وما يُحدّده المجتمع في أن يكون هذا بطلًا في مجال ما وذاك ليس بطلًا في مجالٍ آخر فإنه يكمن في قصر نظر المجتمع إلى مفهوم البطولة وأنانيته في تقديم المصالح على المبادئ. أعني أن الناس أسرى حاجاتها والحاجة هي التي تجعل الموضوع الذي يلبيها أو يلبي نداءها سببًا للبطولة.
هل يعلم القارئ أن أكبر بطل في التاريخ البشري هو الطفل، وان أعلى درجات البطولة هي الطفولة، وان الأبطال في التاريخ هم الأطفال الكبار، وأعني: الكبار الذين أنضجَ الزمن أجسامهم ولم يستطع أن يُنضج مثابرتهم باتجاه الاسترخاء. والبطل هو إنسان الوتيرة الذي لا يعرف التمفصل الزمني، فليس هناك زمن لليفوعة وزمن للشباب وزمن للعقلنة وزمن للشيخوخة، أنما هناك الميل إلى الإبداع (وفيه الاختلاف).
Page 6
عندما ذكرنا الاستعداد واجَهنا سؤالٌ مُحيّر: هل نستطيع ان نصنع أبطالًا، أم أن فقدان الاستعداد يُعيق مثل هذه المحاولة؟ إذا أخذنا بمبدأ المدرسة السلوكية التي تؤمن بإزالة سلوك معين وزرع سلوك آخر أفضل منه أو أعلى مرتبةً منه فإن الجواب يكون: نعم، نستطيع أن نصنع أبطالًا، لكننا على أرض الواقع لا نستطيع ذلك إلّا في حيّز محدود فيجئُ البطل المُصنّع تقليدًا لبطل حقيقي سبقه وهذا هو ما نعني به حالة «التشبه، shaping».
وشبيه البطل لا يُعدُّ بطلًا أصيلًا لأنه يفتقر إلى حالة «الإبداع» التي تفتقر إلى الذاكرة التي تُؤدي دور محاكاة مَنْ سبق. إذنْ لا بُدّ من الاستعداد.
هل تعني ضرورة وجود الاستعداد ضرورة الإيمان بمبدأ «الحتمية» الذي يقول بجاهزية فرد للبطولة وانعدام جاهزية آخر لها؟ إن السلوكية تعني المرونة والمرونة تعني إمكان التغلب على الثوابت والثابت هو جوهر الاستعداد؛ لكنَّ تعديل السلوك، مرة أخرى، لا يعني صناعة بطل.
من هنا تنشأ حاجة أخرى إلى ضرورة فهم موضوع البطولة. للعلم بطل إذا استطاع فردٌ أن يُحدث اختلافًا واضحًا في ركود الحالة العلمية للمجتمع، وللفن بطل إذا استطاع فرد أن يُحدث جديدًا مغايرًا لواقع الفن القائم، وهكذا في كل المجالات الأخرى. كيف يحدث التغيير الذي هو البطولة أو هو واحدٌ من أركانها؟
إن البطل الذي يُسّمى بهذا الاسم هو مَنْ:
1. لا يرجو الرضا الاجتماعي.
2. لا يخشى نتائج الاختلاف مع المألوف.
3. لا يتوخى السلامة الجسدية أو الشخصية القادمة من رضا وقبول الآخرين.
4. لا ينافق.....
5. لا يعتمد لغة المُستّند لأنَّ قوته لا تستند إلى أحادية فيها الخطاب وليس فيها الحوار.
6. يُغيّر الوسائل ولا يُغيّر الغايات.
7. لا يحاكم المستقبل بعين الماضي.
8. يؤمن بأن الحاضر حالة غير ثابتة بثبات الماضي لكنها تثبت إذا عززّتها طوالع المستقبل.
***
لا يوجد بطل ولا بطولة إنْ لم يوجد واقع مريض. والواقع المريض رهين بمكوناته: البيئة والإنسان والثقافة. فالقاضي البطل في كتابة القانون لا يحتاج إلى بطولته في مجتمع يسوده القانون. والسجّان لا وظيفةَ له في مجتمع لا يعرف الجريمة. والشاعر (البطل الشعري) لا يكتب قصيدته في جمهور يعرف ماذا سيقول بحكم رُقيّ ثقافته.
إنَّ علم النفس يسأل: هل خلا كل الأبطال الذين ظهروا في تاريخ البشرية من الأمراض النفسية حتى أصبحوا أبطالًا أم أنَّ بإمكان البطل أن يكون بطلًا ومريضًا في آن؟ انَّ هذا السؤال كبيرٌ جدًا والإجابة عنه تفتح بابًا عريضًا للدخول إلى عوالم واسعة تحتاج إلى تبصرّ ومناقشة.
إنَّ كثيرين من الناس الذين سُجِّلَ لهم أنهم كانوا أبطالًا كانوا يعانون من أمراض نفسية وعقلية وعصبية أو أعراضٍ من هذه الأمراض في الأقّل من التقدير. ومن بين العوامل التي أتاحت لمثل هؤلاء أن يظهروا على مسرح البطولة في أزمان ظهورهم على الرغم ممّا فيهم من علل هو ضعف الناس الذين حولهم وتغاضيهم جبنًا أو جهلًا عن أخطائهم حيث كانوا لا ينظرون إلّا إلى الموجب من بطولتهم بحكم هذا الضعف أو الجبن أو الجهل.
كانت شخصية البطل هي التي تفرض تأثيرها في الناس على الرغم ممّا فيها من مُعيقاتٍ سلوكية. وهنا لا نعني الخصوص في العادات اليومية كالنوم وطريقة الأكل والملبس فالناس في هذا، أبطالًا وغير أبطال، تختلف. إنّما نعني حالة الإدراك وصناعة الحدث والاحتكام إلى النتائج بما فيها من ويلات وانحرافات.
إن بعضَ الأبطال في التاريخ كانَ ذهانيًا (مريضًا بأحد الأعراض العقلية)، فيما كان بعضٌ آخر مصابًا بالكآبة المزمنة أو القلق المفرط، ولكنَّ عنصر الإبداع ظلَّ شفيعًا للتغافل عن هذه الأعراض أو الأمراض فيهم.
فالذهاني، مثلًا، شخص أُحادي النظرة، انعزالي، إلى الحدّ الذي يقودهُ انعزاله وأحادية نظرته إلى إبداع فكرةٍ لا يُبدعها مَنْ هو مُثقَلٌ بذاكرة الاصطفاف مع المجتمع والتقيدّ بطقوسه. وسيعرف القارئ عبر سياق هذا الكتاب الكثير عن هذه الحالات وارتباطها السالب والموجب بمفهوم البطولة.
Page 7
ج ـ الظاهرة: حدثٌ أو ظهور فرد في مجال من المجالات محكومين بزمنهما وبقوة تأثيرهما في المحيط في أثناء ذلك الزمن حيث تختفي تلك القوة إذا تجاوزت زمنها. فما يُعَدُّ ظاهرة في وقت من الأوقات قد لا يُعَدُّ كذلك في وقت لاحق. وتفتقر الظاهرة إلى كثير من المعايير التي تمتع ويتمتع بها البطل أو البطولة.
وبما أننا نعالج في هذا الكتاب موضوع الإنسان والمجتمع في تأثير البطولة وبطولة التأثير فإننا لن نلتفت إلى ما يُسمّى بالظاهرة الطبيعية بل نؤكد موضوع الإنسان الظاهرة، والمجتمع الظاهرة والرأي العام الظاهرة والجماهير الظاهرة.
انَّ المعيار الذي أكسب البطولة صفة الخلود هو قدرتها على الاستمرار في التأثير في مقابل انعدام قدرة الظاهرة على إحداث مثل هذا التأثير. ولكيْ اقرّبَ إلى القارئ ما أهدف إلى قوله في الفرق بين الرجل البطل والرجل الظاهرة أو الحدث الظاهرة أذكر لهذا القارئ مثالين: الاكتشاف العلمي وظهور (موضة) الملابس على يد خياط.
الاكتشاف العلمي بطولة لأنه يأتي بجديد ليس بالضرورة ان يستند إلى سابقهِ، بينما ان يحدُث خياط الملابس تقليعةً في ملابس الرجال أو النساء فإنه يُغَيّر من حالة قائمة إلى حالة أخرى، أي انه يحدث ظاهرة ربما لا تستمر حتى تعود إلى سابق عهدها.
ويرافق البطل كثيرٌ من المعطيات العقلية بينما يرافق الظاهرة كثيرٌ من المعطيات العاطفية من الجمهور الذي يراقب الحالتين، فيتأثر الأخير بالبطل تأثّرًا طويلًا بينما ينطفي تأثره بالظاهرة بمجرد هدوء عواطفه وانفعالهِ تجاهها.
وبينما يتعدّى البطل مفهوم الإقليمية ومحدودية المكان في طريقه إلى أن يصبح بطلًا عالميًا، تظل الظاهرة مرتبطة بأعراف مجتمعها ومستمدة لثقافتها من منابت موطنها الأّول. إذنْ يقع البطل خارج دائرة التاريخ الخاص؛ وتقع الظاهرة داخل هذه الدائرة. نأخذ مثالًا على ذلك: في مجتمع بدائي يؤمن بعالم السحر، قد «يظهر» رجلٌ يزيد الطين بلة في ذلك المستنقع الجاهل المتخلف حيث يعلن عن قدرته السحرية التي تفوق بقية السحَرة والمشعوذين فيُسمّى هذا الرجل بالرجل الظاهرة في السحر ويحرز رضا جماهيرهِ لأنه استطاع أن يأخذ منهم بضاعة اعتقادهم ليعيد تصديرها إليهم بثوب جديد.
وقد «يظهر» رجلٌ يحارب السحر ويثور على هذه المعتقدات الخرافية ويُـحِّلُ محلها ثورة فكرية خاليةً من الوهم والدجل فيُصبح بذلك بطلًا. هنا نلاحظ أن الرجل الظاهرة استمد قوته من قوة ما تعارف عليه الناس حوله بينما حارب الرجل البطل جمهورًا كاملًا أو مجتمعًا كاملًا بقوة مختلفة مضادة للعرف والمألوف الاجتماعيين.
د ـ الرأي العام: هذا تعبيرٌ ينوب، مجازًا، عن المقصود الحقيقي فيه وهو وجود حشد أو جمهور أو مجتمع أو شريحة أو شعب مع إجماع على تحويل آراء كثيرة متشعبة في موضوع ما إلى رأي واحد يُتفَّقُ عليه مُعّبرًا عن هذه الحشود أو الجموع البشرية. وهناك نوعان من هذا الجمع لهذه الآراء: الجمع العشوائي الذي يخلط المُتفَق والمختلف لتكون حاصل يُمثّل «كتلة» رأي، والجمع الجبري الذي يَصفُّ الآراء المختلفة في جهة والمتفقّة في جهة أُخرى ويجمعها جمعًا يُحدِّدُ فيه الموجب والسالب يَصفُّ الغلبة في إصدار رأي واحدٍ بناءًا على إشارته الجبرية ويبدو أن الجمع هو المعمول به في الآراء الاجتماعية. مثالًا على ذلك: إذا أخذنا شريحة بشرية تتألف من ألف شخص، واستطلعنا آراءهم في صلاحية حاكمهم لحكم بلادهم وحصلنا على ستمائة شخص ينادي بصلاحيته في مقابل أربعمائة شخص ينادي بعكس ذلك، يُصبح الرأي العام حسابيًا مع التوجه الذي لا يقبل ولا يفرض هذا الحاكم نظرًا لأنَ كتلة الأربعمائة ليست قليلة ولا يمكن إهمالها.
أمّا إذا اعتمدنا الجمع الجبري فإن الحاكم يستطيع أن يُقرّر صلاحيته بزيادة مائتين على جهة الرفض على وفق المفهوم الجبري. أي أن الجبري هو أساس ما نشأ حديثًا من مفهوم يُسمّى الحكم الديمقراطي بحكم الأغلبية.
Page 8
ما أحلى الطرح الذي ناقشناه في ما سبق ولكنه كله يبدو تافهًا وغير مرغوب فيه علميًا إذا تناولنا الموضوع من زاوية دقيقة في علم النفس. هناك مدرسة رائعة في هذا العلم إسمُها «المدرسة الشكلية»Gestalt. تقول هذه المدرسة أن الكُلّ لا يساوي بالضرورة حاصل جمع أجزائه. أي أن الكل هو حاصل نهائي أو مركبٌ نهائي وليس خليطًا. وأعني بذلك، كما تعنيه هذه المدرسة، ان المركب هو الناتج الذي يدخل في تكوينه عنصران أو أكثر من عناصر تكوينه (الثقافة، الجنس، الدين، اللون، الميثولوجيا، العواطف) بحيث تفقد هذه العناصر خواصها الأصلية، بينما يمثل الخليط حاصل جمع عشوائي تحتفظ فيه هذه العناصر بخواصها الأصلية ويظل كلٌ منها محتفظًا بهويتهِ.
وبما ان الكلّ البشري (استثناءً من الصيغة الكيماوية) لا يمكن ان ينصهر في مركب، لكنه ينصهر في خليط فإن هذا الكل لا يساوي بالضرورة حاصل جمع أجزائه وسرعان ما يظهر التنافس بسبب هذه الخصوصية لكل مُكوِّن. أما الذين يؤمنون بالرأي العام فإنهم يؤمنون بنظرية (المركب) الذي تفقد عناصره خواصها لتتوحد في صفاتٍ قد لا تمثل صفتها الأولى، وهذا لا يحدث في تجربته على الكائن البشري الذي له أهواؤه ورؤاه الخاصة به، هذه «المنافاة» لشرائح معينة من الناس لشرائح أُخرى هي التي أوجدت ما سمّوه لاحقًا بالمُعارضة التي يختلف فيها فرد أو أفراد عن فرد أو أفراد آخر أو آخرين.
***
بعد هذه المقاربات التعريفية بالكلمات التي أُستخدمت في عنوان هذا الكتاب، أوَدُّ أنْ أُشير إلى أن هناك أوصافًا وظيفية أو سمات أدائية تقترنُ بكلمة «البطل» ولكنها لا تنوب عنه ولا تقوم بدلًا منه.
لاحظْ التخطيط الآتي:
Page 9
في هذا التخطيط نجد أن كلمة البطل تحتل المركز لترتبط بها الكلمات الأخرى التي (تشكّل) وصفًا وظيفيًا لهذه الكلمة. فالبطل في كل مجالات الحياة يؤدي دور القدوة الصالحة لغيره من أبناء «الجماهير» أصحاب «الرأي العام» كما أن هذا البطل يتمتع بالإبداع لأنه يملك الاستعداد والقدرة على الإتيان بالجديد المبتكر الذي لا يستند إلى ذاكرة غيره ولا يتقمص صفة سابقٍ عليه في المسيرة التاريخية لكي لا يكون مُقلدًا أو مُكرِّرًا. ليس هذا فقط، إنما هو مُلهِمٌ لغيره، ولكنه لا يصنع أبطالًا كما هو معروف عند الناس.
ربما يصنع الشبيه لكنَّ الشبيه ليس بطلاً كما أسلفنا لأنه رجلُ ظِلٍّ لغيره. والبطل في هذا التخطيط «كارزمي Carismic»، ليس كصفة، وانْ كان، إنما كدور أو أداء وظيفي. والبطل مُنقِذ لأنه بطل إيجابي يحمل معيار «نبل القصد» كما أسلفنا قوله. وهو هنا لا يبحثُ عن الشهرة، أي أنه لا يعمل لكي يستعرض أو يستظهر بل ان الشهرة هي التي تأتي إليه بفضل ما يؤديه من خصوصية وتفرّد، لذلك فهو جنديٌ مجهول في الأداء ومعروف بالاسم. والبطل معلم، ليس بالوصف الوظيفي لكلمة المعلم التدريسي بل بمفهوم المُعلّم العام والمدرسية الشاملة لمناحٍ كثيرة. والبطل بعد هذا وذاك مُمثِّـلٌ للرأي العام. بمعنى أنه «يختزل» الرأي الآخر، تَقمّصًا أو إلغاءً أو تجسيدًا. وتجيء الكلمة هنا بمعنى «النائب» عن جمهور كامل.
***
وفي مقابل هذا المُخطّط، يتميّز الرأي العام، وهو الصورة العامة لِـمَا يُسمّى بالعقل الجمعي، بممارسة واحدٍ من ثلاثة محاور خطيرة تنتهي بنتائج مأساوية خصوصًا عندما يكون البطل رجلًا في السياسة والمنصب الإداري السياسي على النحو الذي يُوضِّحُه هذا المخطَطّ.
Page 10
الفصل الثاني
المدارس النفسية في دراسة البطل
شغل موضوع «البطل» الكثير من المدارس النفسية، ولأجل أن نضع القارئ على الأساس الصحيح لهذا الانشغال، نحاول أن نذكر لمن لا يعرف هذه المدارس من غير الدارسين لعلم النفس وأطباء نفسها شيئًا من التعريف بها.
هنا نذكر من هذه المدارس:
أولاً: المدرسة التحليلية؛ أو مدرسة التحليل النفسي Psychoanalytic: ظهرت هذه المدرسة أواخر القرن التاسع عشر ونضجت أوائل القرن العشرين على يد المنادي الأول بها (سيغموند فرويد) اليهودي النمساوي مع من صاحبه وعاصره وناصره وقتها من أمثال (ألفرد أدلر)، و(كارل كوستاف يونغ) ومع مَنْ تبعه من المؤيدين أو المنشطرين عنه أمثال (آنا فرويد) و(أريك فروم) و(أوتو فينكل) و (أرِك أركسون) ومن سِمات هذه المدرسة:
1. تأكيدها النمو الطولي زمنيًا للفرد من المرحلة الفمية (Oral) مرورًا بالمرحلة الشرجية (Anal) ومرحلة الكمون (Latency) ومرحلة اليفوعة (Adolescence)ثم المرحلة الناضجة (Adulthood).
2. تأكيدها تزامنَ ثلاث قوى في الفرد الواحد تزامنًا تراكميًا بالخبرة والاكتساب والنضوج .وهذه القوى هي:
أ ـ الأنا المتوازن بين القيمة واللا انضباط.
ب ـ الأنا الأعلى: المنضبط، القيمي، المتزن، العقلاني.
ج ـ أل (هو) المندفع، العاطفي، الرغائبي، اللذائذي.
3. تأكيدها آلية الغرائز المولودة وخصوصًا غريزة الجنس وغريزة التدمير.
4. تأكيدها دور الأُسرة الرئيس في كيفية نشوء عقدة الإثم والخطيئة وعوامل الإشباع والحرمان المرتبطة بالأمومة والأبوة منذ سنوات الولادة المبكرة.
5. اعتمادها التمثل بروح الأسطورة الإغريقية والرومانية واستعارتها المسميات التشخيصية لكل ظاهرة في سلوك الفرد عندما تُصبح ظاهرة مرضية.
6. اعتمادها السلوك الفردي فاعلًا في المجتمع أكثر من اعتمادها السلوك الاجتماعي فاعلاً في الفرد.
7. تأكيدها إنسانية الإنسان بأنه فعل وردُّ فعل تنفيذي في ما يعنيهِ اعتمادها آليات الدفاع المباشرة وغير المباشرة.
8. تأكيدها وجود (اللاشعور) المخفي المستبطن و(الشعور) الواعي البسيط الذي لا يعدو كونه أداةً أو وسيلةً تنفيذية لخفايا العقل الباطن.
9. اقتراب تلك المدرسة من الحتمية التاريخية ومن أنَّ الفرد الصغير هو كبيرٌ مُؤجَّل ينتظر الزمن المناسب لظهور الغرائز.
10. نظرتها إلى الأمراض النفسية والعقلية على أنها محضُ خطوطٍ دفاعية يواجه بها الفرد البيئة الصعبة تباعًا. وكلما انهارَ خطٌ دفاعيٌ لديه انسحب إلى خط يليه حتى الوصول به إلى آخر خط ينفصلُ به عن الواقع وهو خط (الفصام) أو (الذهان) عمومًا.