في رِحاب الكَوْن المُتَقابِل
ما النُّصوصُ إلا فُهومٌ لِلْكَونِ البَليغِ عبر سلالمِ اللغةِ المتَقابِلَة، ثم استوتْ في كَينونَةِ الفُهَّام وخرائطِ الأرواح.. وإذْ يُصبِحُ التَّقابلُ خيْطا في إبرةِ التأويل، تصيرُ الرؤيا والفَهْمُ مُطَرَّزان بلونه. سَنُنْصت في رِحاب الكَوْن المُتَقابِل لصريفِ أقلام التأويل على ألواح النصوص، وصَريرِ مَفاتيحِ المعنى في أقفال البلاغات القديمة...
قال البليغ والعارف بِمَمالِكِ التَّأويل: إني أتساءلُ الآن وأنت قريب، وسيفعل الآخرون بعيدا وبَعْدَك: كيف تتفاعل التقابلات؟ وكيف تُفضي تأويلات الجزئيات إلى إدراكِ مَبادِئ الكُلِّيات؟
قلتُ: سنَبدأ بالجَلِيّات، وفي طريق رحلتنا نصوصٌ عنيدةٌ ما فتئ يدحوها نهرُ تاريخ التأويل، لكن على قَدْرِ الهِمَم تكون الاهتمامات. هاكَ المفاتيح، خُذها - مرة أخرى - بقوة، ومعها أقفال الإفصاحات.
هذا مقام إعداد الألواح، فحاولْ أن تُجَرِّب المفتاح...!
قال: إني أتأوَّل التقابلَ، والكَوْنَ المُتقابلَ، والمعنى الماثِلَ في النص عندي، ثُمَّ في الخِطابِ عِنْدَك!
قلتُ: حَسَنًا فعلتَ!.. اِركَبْ أفراس حِلْمِك واتْبَعْني، لا تَصْحَبني إذا لم يَهُزَّك حالي، ولم يَدُلَّك على الله مقالي...
قال: كَفاكَ..! لقد رَشَحَ بِكَ حالُ التأويل، وأخشى أن تجمَحَ بك خيلُ الأَوْهام في بَحرِ المعاني...
قلتُ: مَهْلاً أيها البليغ! سوف أُثَبِّت أوتادًا لمجرايَ ومَجْراكَ على الألواح... أما تساؤلاتُك، وشُكوكُك، وافتراضاتُك التي يفضَحُها فُضولُك المتَوَهِّج، وعِرفانُك المُبْتَهِج، فستجد جَوابَها في ألواح التَّقديم، ورقائقِ المسالك، وعتباتِ التَّنـزيلات.
لا تَعْجَلْ...! ضَعْ المفاتيحَ في الأقفال؛ إني أراك ممن لا يُلْهيهم الزَّبدُ على الرِّمال، ولا نُدَفُ الثلج في شوامِخِ الجبال، بل تستهويهم لُجَّة الحقائق في بَحْرِ الحالِ والمآل..
قال: هكذا أنتَ إذاً... بلاغةُ التأويلِ عندكَ مَرْكبٌ، والعلوم مجاذيفُ، والمؤَوِّلُ رُبَّان، والنَّص بحرٌ، والمعاني عُبابُ، ومغزى الحقائق رِهانٌ، والتأويل بَيان...
قلتُ: بلغتَ مرادي، فأَنْظِرني حتَّى أبْلُغَ مَرامَك. لك أن تقول أيضا: النَّص ميدانٌ، والمؤَوِّلونَ فُرسان، وسيفُ القلَمِ تُرجُمان، ومُكابَداتُ المعنى امْتِحان...
قال: الفَهْمُ الحَسَنُ بَلاغةٌ تامَّة.. والإفهام الحسَن ُبلاغَةٌ أتم منها، وبتقابلات المعنى تكون أَبْلَغ!
قلتُ: الأمرُ كذلك، غيرَ أنَّ المعنى - أحياناً - مِثْلُ فرسٍ أبيضَ جامحٍ، والنص موجةٌ مزبدةٌ، وكُلّ خيول المعنى تركد تِباعا - من هناك - في اتجاه سواحل الصلاحية، حيث تُقَوَّم الأفهام في ميزان البلاغات.
اِحفظ نُسختَك من المفتاح، وهيِّئ الألواح: ألواحا للنصوص، وأخرى لتأويلها، وثالِثةً لك؟!
قال: أعْلَمُ أن النصوص عنيدةٌ ومُمانعةٌ، لكنها قد تبوح فجأة بكل شيء شأن بُركانٍ محبوسٍ في ملكوت بحر الحقائق، ثم ينتهي على أرض الروح زَخَّاتٍ عَنيفَة من البَرَد.
ستكون قراءتُك - بلا ريب - في مثل عِنادِها وتَمَنُّعِها، مُسْتَبْصِرَةً وعَميقةً، مُضيئةً ومُبْهِرةً، ونادِرةً كالماس.
قلتُ:... عندما يجيش بحر التأويل، تغيم سماء النص، وتسيل أرض الخطاب بالمعاني إلى منتهى مسافات الأفهام المتقابلة. حسبُك هذا..؟!
قال: اكتفيْتُ..
لقد بلَّغْتَني أَعْذَب المَوارِد.. وإني قد ارتويتُ: الماء واحد والزَّهْر ألوان. لكل جَنَّةٍ نهر، أما جَنَّة المعنى - عندك - فتصب فيها كل الأنهار...
والله المُستعان، له الحمد الكامل حتى يرضى، وله كمال الحمد بعد الرضى...
مُحمد بازِّي
اللوح الأول
يحاول النموذج التقابلي في الفهم والتأويل أن يبين كيف يعكس النص المصغر العالمَ المكبرَ، وأن يرصد الخطوط والمعابر التي تم تحوير العالم المكبر بموجبها إلى عالم نصي مصغر، قائم على التمثل وعلى الأفعال والأقوال والأحوال، ثم إعادة عكسها مرآويا لتشكيل صورة العالمَ من منظور المنتج. الأمر شبيه بالساعة الرملية؛ فالجهة العليا المليئة بالرمل المصَفَّى هي العالم وما فيه، والمعْبَر الدقيق هو الرؤية التي تم بموجبها تحويل الرمل المصفى إلى حبة واحدة تنتظر دورها للمرور إلى الجهة الأخرى. في هذه النقطة (المعْبَرُ المنظَّم) يلتقي الإنتاج والتلقي معا؛ فالمنتج يصوغ عبر حبة الرمل - النص - رؤيته للعالم أو لنفسه أو لهما معا، ويتلقاها من يتلقاها، مباشرة ليعيد التأمل فيها، ومن ثمة تحويل كمية الرمل - وهو مجمل تصورات الكاتب للعالم - إلى عالم أكبر، أي زاوية أخرى من التصور. ومن غير شك فالحبات تتلون بألوان القراءة واتجاهاتها، وميولاتها، غير أن التغير والتحول في الزمن يكون قد حصل، ودورة المعاني والأفكار تكون قد انتقلت من جهة ما في الزمن، وفي نظام التَّخَيُّل والتَحَيُّل إلى نظام آخر في التَّأول، وتأويل التحَيُّل والتَّخَيٌّر والتَّخَيُّل.
من شأن العلوم الدقيقة، وعلم التأويل، وعلم النص، أن تسهم في تجلية أبعاد تناغم الكون وبلاغته، من خلال التقابل البديع الذي أودعه الخالق في الملكوت، وتتسع تبعا لذلك آفاق الاعتبار في جمال الكون وسحره بما يجلي عظمة الخالق. البيان الذي لا يبين عن سر المبين وحقيقته ليس بيانا، أو هو بيان قاصر. وكما أن النصوص الرائعة تجعلنا نُكْبِر المؤلفين ونضعهم في المواضع الاعتبارية العليا اللائقة بهم، فإن التقابل في النصوص الإنسانية، يعكس تقابل الكون البديع، والتقابل المبين في الوجود يزيل الغمة عن الفكر المستبين، والباحث عن البيان والمعنى، فتنكشف له أسرار الكون البليغ، ذي النظام المتقابل مبنى ومعنى، ومن ثمة تسري رعشة المعرفة بعظمة الخالق، وفرادة صانع الكون المتقابل ذي الأسرار اللامتناهية، وتلك غاية الكمال في إدراك نص الكون، وأكوان النصوص، وكينونة التأويل، وعوالم الفُهَّام.
اللوح الثاني
يُقَدِّم هذا الكتاب - تتميما لمقترحاتنا السابقة - طرحا موسعا في مجال العلم بتقابلات النصوص وتأويلاتها، وهو يقوم على التقابلات الكونية، والكون البليغ، والخطاب البليغ، ثم التأويل البليغ تبعا لهذا وذاك. كلُّ من ينطلق من الأُسِّ المعنوي المتخفي في البنيات العميقة، يجد له صورة في البنيات الظاهرة للخطاب. أداة الباحث لبلوغ مسعاه العلوم الآلية والجهد الشخصي والمغامرة الدلالية، لكنه قد لا يُوفَّق دائما في الظفر بِبُغيته؛ فالمعنى قد يُؤَرِّقُه ولا يورِقُ له؛ المؤَوِّل مِثْلُ الباحث عن الحفريات، فهو يتتبع المؤشرات الظاهرية لمعاني الحياة التي كانت، والكائنات التي تلاشت أو تركت علامات. هذا الباحث قادر - تبعا لما يمده به العلم - أن يُكْمِل صورة الموجود، ويَلُمَّ شتات ما تفرق في الظواهر، لأنه يعرف أصلا أن الكائن الأثري، إما أن يكون تاما محافظا على صورته الأصلية، وتلك درجة الكمال، أو يُعثَر عليه ناقصا وفي حاجة إلى تكميل، وتلك هي وظيفة الباحث على المعنى: افتراض الوجود، واستكشاف الوجود، واستكمال صورة الموجود، ثم الإعلام بالوجود، وتعميم فائدة الموجود، وبناء المعنى الدال على الوجود انطلاقا من الكائن المفقود. العالِم الأثري يستكشف العالَم المادي بحثا عن معاني الحياة التي كانت وصُوَّرِها، والمؤَوِّل يستكشف النصوص مستطلعا المعاني التي كانت، والتي لها امتداد في حياة الناس وآثارٌ في تشكل الخطابات، وإغناء ذخائر التأليف والكتابة، والمساهمة في تكثير المعنى، وجعل التواصل بين الناس خصبا، ثريا، متجددا، ومُعبِّرا عن حاجيات الإنسان واهتماماته الحالية؛ فالمعنى موجود بالقوة في اللغة، وفي إمكانيات التركيب والنَّظْم، وهو مثل النار في الحجر لا تنقدح حتى يقدحها قادح.
إن النظر إلى قضايا المعنى من هذا الأفق المعرفي يجعله أمرا ذاتيا، أي بعضا من اهتمامات كل شخص، لكنه يصبح عملة رائجة ونفيسة، يُحتفى بها حيث كانت، ويُبحَث عنها مثلما يُبحث عن المال، فيصبح ذلك همّا يوميا، وانشغالا حاضرا في جميع المقامات. وقد كان هذا حاصلا في الشعر القديم والخطابة والمناظرة، عندما كان معنى البيت الواحد، مثلا، يساوي هدايا نفيسة، ومالا وفيرا، ومركزا اجتماعيا وثقافيا بارزا.
كان ثراء المعنى مقابلا للاغتناء الاجتماعي ونيل الحظوة بين الناس، وكان الشعراء يجتهدون في ابتكار المعاني، والاحتفاء بها والسهر من أجل تجويدها، والانشغال الكامل بنسج لباسها (حِلية المعنى البلاغية). كما ساد الاحتفال بالمعنى في النقد، وفي استكشافه وبلوغه، وتدوينه، وكان أهل المعاني من الكُتاب والشعراء والمفسرين والشراح والخطباء أكثر الناس قربا من الأغنياء وأهل السلطان؛ لأن المعنى يساوي حياة الأمة، وقوتها واستمراريتها، بل وجودها الرمزي، ورأسمالها الفكري. كان المعنى الكامل المحَلَّى حلية تامة وملائمة للمقامات التخاطبية يضمن داخل الأدب والفكر حياة كاملة مستمرة، تتعقبها الفهوم والتأويلات البليغة. كان هاجس البلغاء من العرب هو الوصول إلى النص الأبلغ، وكان مسعى المؤَوِّلين البلغاء هو تحقيق التأويل الأبلغ.
على المعنى تأسس الوجود، وخُلق الإنسان ليكون لسلوكياته معنى وإضافة، وبلاغة في الفعل، وأبرز تجلياته عمارة الأرض والاستخلاف فيها، والإحساس بمعنى الخلق والوجود، عبر العبادة وإجلال الخالق، وانتظام الأفعال والأقوال في معان دالة على الخضوع والتعظيم. من أجل هذا أرسل الله الرسل، وأنيطت بهم مهمة إبلاغ المعنى، وإيصال الخطاب، ومن أجل هذه المعاني جاهد العلماء في إبلاغ المعاني الربانية بالكتابة والتأليف، وتنظيم العلوم، ومحاربة المعاني الفاسدة، وسارت بأهل هذه الصناعة أحوال الدنيا، فتعلق الكثيرون بها، معبرين بالمعنى عن الذوات وأحلامها وتصوراتها وتعلقاتها بمن رأت أنه أهل لصناعة المعنى له، من ذوي السلطان والبلدان، أو مما تعلقت به الأرواح في هواها وأتعبت الأبدان، أو مما نَفَّر من الدانية إلى روحانيات كمال السلوان.
ومثلما احتفل أهل المعنى بصناعته لضروب من المقاصد والغايات، واجتهدوا في صناعته وتدبيجه، اجتهد الرواة في نقله وتداوله ونشره، واجتهد آخرون في تدوينه والحفاظ عليه من الضياع، وعمل أرباب المعاني على البحث عنه، والتزود من محمولاته وطرائق صياغته، وسارع أهل المعرفة بتأويل الخطاب إلى فهمه ودراسته، ولا يزال التراث العربـي أرضا بكرا تحتاج إلى دراسة تشكلات المعنى في النصوص المختلفة، وفي ألوان الخطاب من أجل دراسة العقل العربـي المنتج لهذا المعنى، واحتفاله بالمعنى في الشعر، والنقد، والبلاغة، والشروح، والتفاسير، وكتب تاريخ الأدب ومدوناته.
لأجل ذلك قامت الممالك والمسالك على المعنى، وتأسست سعادات الأفراد والأمم أو شقاؤها على المعنى، وتحركت الجيوش بالمعنى، وفُتِحت البلدان به، وتوسعت الإمبراطوريات عبر ما حملته رسائل الخلفاء والولاة وقواد الجيوش وخطبهم من معنى. وبالمعنى تكاثر النسل وحدثت عمارة الأرض، كما حدث خرابها أيضا (حروب التتار والمغول والحروب العالمية والتحالفات الدولية ضد بعض الأنظمة)، بالمعنى أمكن للحياة أن تكبر وتستمر وتتكوثر، وبالمعنى واللامعنى سالت الدماء، وقامت الفتن، وهلكت كثير من الأقوام والأمم، بالحق حينا وبالباطل وبالمصالح أحيانا أخرى كثيرة.
اللوح الثالث
نقدم للمهتم بتطبيق آليات تأويلية التقابل مجموعة من المنطلقات التصورية والمنهجية، كما بوسعه أن يقف عليها بنفسه من خلال المقاربات التأويلية التي قمنا بها لنصوص مختلفة، وهي إجراءات تنـزع نحو التبسيط، والوظيفية، وتدرُّج المستويات؛ بحيث يكون الانطلاق من التقابلات الخِطابية: تقابل المرسِل والمرسَل إليه - بما يضيء التجربة التأويلية - مناسبا، وفي هذا المحفل يحصل تأطير النص، وربطه بمواد معرفية تُوَسِّع الأفق التصوري للتجربة القرائية، ينتفع فيه المؤَوِّل بالبحث في المراجع التاريخية، والأدبية، والنقدية، والسياسية، والاجتماعية، وغيرها، لاستحضار تقابل السياق الأصغر والسياق الأكبر للنص موضوع التأويل. وعلى ضوء ذلك تنبني الأنساق المعرفية التي تؤطر تجربة الفهم وبناء المعنى، انطلاقا من التقابلات المؤَطِّرة التي تفضي إلى التقابلات المؤَطَّرة داخل النص، والتي تشكل صورة كلية لشبكات المعنى في نموها وتفاعلاتها.
وقد يقال: إن في هذا شبَها بالمناهج الاجتماعية والتاريخية التقليدية. ونقول: إن أهمية هذا المنحى في الاشتغال كامن في وظيفيته وجدواه، والتشابه لا يعني المحو أو الاتكالية، وكثير من المناهج تتشابه وتلتقي في محاور معينة، لأنها تأسست من أجل مطلب واحد هو قراءة النص الأدبـي وغير الأدبـي. وطبيعي أن النص باعتباره البناء الدلالي العام المجرد عندما تتوجه إليه اهتمامات نقدية متباينة المشارب، فلا بد أن تتقاطع فيما بينها في مناحي المقاربة. ورغم كثرة المناهج النقدية فهي ترتد حسب أولوية الاهتمام إما إلى قراءة النص بناء على مرجعياته الاجتماعية أو السياسية أو التاريخية. وإما إلى الاشتغال وفق منطلقات نصية بنائية لسانية أو سيميائية أو نحوية أو بلاغية. وإما إلى جماليات التلقي عبر تفعيل أدوار القارئ وبلاغات التأويل.
غير أن الذي يحرك منهاجيتنا هو الرؤية التقابلية للنص والعالم، ولطرائق تشكل المعنى وتأويله، ولذلك يمكن أن ينتفع المؤَوِّل التقابلي بالبنيات النصية العتبية، عبر فتح باب الفهم انطلاقا من العتبات المقابلة للنص، والاستفادة من نظريات الموازيات النصية: العناوين والمقدمات، والتمهيدات، وغيرها، لبناء فرضيات قرائية، وصياغة أفهام أولية في طور التشكل تسعى إلى التحقق من القصديات المتقابلة: قصدية المؤلِّف، وقصدية النص، وقصدية المؤَوِّل. وهو ما يجعل التأويلات الأولية موضع سؤال، وفي حاجة إلى التحقق منها اعتمادا على دلائل نصية ومرجحات صريحة.
يمكن أن ينطلق تأويل النص بالتقابلات من التقابل النووي إلى التقابلات الاستتباعية، عبر القراءات المتكررة والمتناوبة، والتي تستعين بالمعارف اللغوية المعجمية، والمواد المعرفية المختلفة التي تمد بها الموسوعة أو العلوم أو الذاكرة، أو النصوص الشبيهة. ويُستعان فيها - كذلك - بعلم النحو، وعلوم البلاغة، والصرف؛ فهي تسهم في تحديد التقابلات السطحية المنطلق والتقابلات الهدف العميقة. وبناء على قوة الاستكشاف، ودقة الفهم، وعمق البحث والتوسع، يتم تحديد التقابلات المعنوية في النص بناء على التحليلات السابقة. ومن ثمة بناء مقصدية النص في تقابل مع مقصديات أخرى ممكنة أو محتملة. كما بوسع المؤَوِّل ربط التقابلات الدلالية بالتقابلات الشكلية أو الجمالية التي صيغت فيها التجربة القولية، فكل نظام من المعنى يتطلب نظاما من شكل القول، وهو ما يسمح بتتبع تطور أشكال التعبير عن المعاني في الأدب، وتطور الخطاطات الذهنية المتحكمة في ذلك، كما يكشف عن تاريخ الأنساق التعبيرية في تاريخ أدب معين.
ينفسح المجال في هذا المسار لاستحضار المقابِلات النصية التي تغني القراءة والتأويل، وتفتح الفهم على أنساق ثقافية وبُنى نصية عُليا، فيحصل فهم النص على ضوء نماذج النوع الذي ينتمي إليه، أو يرتبط به، ومن ثمة الوصول إلى بناء الخطاطة الذهنية المؤَسِّسة لتجربة القول، على أساس أنها تمثيل لنسق معرفي أو أدبـي، تحكمه أنساق ثقافية أخرى مقابلة موسَّعة، تؤثر فيه أو تتأثر به.
مقابل استحضار النصوص المشابهة أو المُناصات، يمكن استحضار مشاريع تأويلية مقابلة أُنجزت للنص نفسه لتبيان نظامها ونسقها المجرد، والنتائج التي توصلت إليها، والأفهام المبنية خلالها. وبذلك تنتقل التأويلية التقابلية من مستوى تحققي مباشر إلى مستوى مجرد يبني المفاهيم والمبادئ والقواعد والأنساق الكبرى. بعد ذلك، يمكن توسيع أفق القراءة التقابلية للنص إلى مستوى البحث عن حدود التقاطع، أو التفاعل الحاصل بين الأنساق الثقافية في حضارة معينة، وما يوجد في غيرها عبر التفاعل الثقافي. وتبعا لذلك، تِبيان الثوابت والمتغيرات، والأطر المعرفية التي تسمح بالإغناء والتطعيم، وتطوير الأفق القرائي التقابلي. ومن ثمة تعميم المبادئ المستخلصَة من دراسة المتون على أمثالها وأشباهها، وبناء خطابات معمَّمة شمولية ومفهومية مجردة، تتوجه إلى البنيات الذهنية والأنساق المتحكمة في إنتاج النصوص والخطابات والحضارات.
وهكذا، فإن المنهاجية التقابلية تتدرج من الكليات في بداية المسار التأويلي إلى التقابلات التحليلية البانية للدلالة، ثم تتوسع مرة أخرى إلى التقابلات التناصية والثقافية والكونية. وهو مسار منهجي يستند إلى العلم بالنص، ونظريات الأدب، والنقد، والمناهج، والعلوم الآلية. تفضي هذه المنهاجية إلى اعتبار التقابلات النصية والتأويلية المنتظمة صورة لانتظام الكون البليغ، وتناغمه، وبلاغة بيانه الاعتبارية المتجلية في انتظام المعاني والأفكار انتظاما تقابليا بنائيا، أو تأويليا. ويستتبع ذلك تأمل جمال الكون المتقابل، والعظمة الخالقة لبهاء التقابل، وتلك نهاية الكمال في المنهاجية الموصلة إلى حقيقة المعرفة بعظمة الله في خلقه، وهذا الذي جرت إليه كبار العقول الإنسانية في شتى العلوم والمعارف، ولا زالت على ذلك حيرة الألباب.
اللوح الرابع
لا شك أن المطلعين على اللسانيات السوسيرية، وعلى نموذج بروب في السرديات والوظائف، والبرنامج العاملي والخطاطة السردية عند كريماص وثنائياته: المرسل (م) المرسل إليه، الذات (م) الموضوع، المساعد (م) المعيق، الفعل الإقناعي (م) الفعل التأويلي، وما يتعلق بالمربع السيميائي. واللسانيات التوليدية عند تشومسكي في الجانب الخاص بالبُنى السطحية مقابل البنى العميقة. وعلى الفضاء السردي المتقابل عند لوتمان. وعلى البلاغات العربية القديمة فيما يتعلق بالمعنى ومعنى المعنى. وعند المؤولين والأصوليين في مسألة المعنى الظاهر والباطن... سينتبهون إلا أن هناك تقاطعات بين هذه التصورات والنموذج التقابلي في اعتماد التواجهات والأقطاب والفكر العلاقي بين الأشياء والمستويات الذي يعتمد العبور من مجال تصوري إلى آخر. ولا يسعنا إلا أن نبدي ارتياحنا من كون النماذج الكبيرة في السرديات، واللغويات، والبلاغات، والشعريات، قامت أجزاء من تصوراتها النظرية على الثنائيات والتقابلات، مما يؤكد أن التقابل بنية ذهنية مجردة فرضت حضورها في جميع المجالات المعرفية، والفكرية، واللغوية، والفلسفية، والأدبية، وهو ما يدعم ما ندافع عنه من تصورات. والتقاطع الحاصل أو الممكن بيننا وبين هذه النظريات، وهذه الفلسفات لا يعني التماهي أو التبعية، وإنما اللقاء في فضاء ذهني معرفي يعكس طبيعة العقل البشري التقابلية؛ فلا شك أن البشرية تشترك في مجموعة من المضامين التي تنتظم على شكل ثنائيات، وهو ما يوحدها ويجعل التعايش ممكنا رغم التباين والتنوع[1].
إن تقاطع رؤيتنا للتقابل مع بعض الاهتمامات اللغوية، أو النقدية، بشكل جزئي - كما نبَّهْنا إلى ذلك - يُظهِر قدرة التقابل على احتضان كثير من المقاربات اللغوية، والبلاغية، واللسانية، والنصية، عبر التجاوب معها والاستفادة منها. مع تبيان آفاق التقابل الواسعة التي تخرجه من الفكر الثنائي الذي عُرف به في اللغويات والفلسفات الأرسطية والمربع السيميائي، والجدلية التاريخية، أو جدلية النص والسياق، أو غير ذلك، وتحريكه في اتجاه البحث المتعدد: الفردي، والثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي... الخ.
وأما ما يرتبط بمنجز هذه التصورات المقدَّمَة فإننا نعتبرها جزءا من تاريخ المفهوم، بل من الخلفيات المعرفية التي تغذي التصور التقابلي. إننا لا نُضَيِّق واسعا؛ فإمكان المؤَوِّل بالتقابل أن يستعير من العلوم والنظريات في مجال نقدي، أو نصي، ما يراه نافعا ووظيفيا في إنتاج المعنى، أو في الإيضاح والتفهيم؛ فالنموذج يقوم أساسا على الرؤية التقابلية للعالم، وهو يأخذ من العلم بالنصوص ما يراه مفيدا، إذ يعتبره نتاجا بشريا له دور وفائدة في تحليل الخطاب وفهم النصوص. ومن ثمة فهو يستعير منه بعض الأدوات التقنية مثلما يحصل في سائر الميادين الحياتية، حيث تتم استعارة الأدوات والتقنيات من علوم مختلفة، أو قطاعات منتجة متباينة، بناء على مبدأ الحاجة والوظيفية، ولا وجود لمنطق الإقصاء أو الفصل التقني دون مبررات. إضافة إلى أن مجال العمل بالتفكير التقابلي غير محصور في ميدان محدد، وإنما يسعى إلى التعامل مع كل النماذج البيانية الحاملة للمعنى.
وقد قامت النظريات السيميائية - مثلا - على مقترحات التصورات اللسانية، والشكلانية، والأسلوبية، واللغوية، وظلت موضع تطوير وتعديل ليس من طرف كريماص وحده، بل من طرف تلاميذه ومن جرى مجراهم. وهذه حال التنظير الأدبـي والنقدي، فهو ينطلق من الاقتراح المؤسَّس على ملاحظة الظواهر اللغوية والنصية والمعرفية، ثم صياغتها على شكل تصورات ومقترحات، وعبر تجريبها على النصوص تظهر فائدتها وجدواها، كما تظهر نواقصها ونقط ضعفها.
سيتبين لمحلل خطاب تأويلية التقابل، أن الأدوات المعتمدة في التحليل تعود إلى حقول معرفية ومنهاجية متعددة، وذلك لا يشكل حرجا معرفيا عندنا، وقد أشرنا أن مرجعياتنا المعتمدة في بناء التصور متعددة وكثيرة، وقد قصدنا الفائدة حيث حصلت، وعلومَ النص حيث اتصلت وتواصلت. وحيثما وجدنا معرفة بانية أخذنا بها، وجعلناها لبنة من لبنات البناء التصوري القائم على التواجه والتقابل المتعدد والموسع، الذي يستقبل اجتهادات الآخرين بصدر رحب، ثم يضعها موضعها ضمن التصور التقابلي بحيث تكون بنَّاءة في الفهم والإفهام، وفي الوقوف على البُنى الدلالية العميقة، وتبيان المستويات الجمالية في النص.
قد نسمع اعتراضا من الذين ينادون بصفاء المنهج، والمحافظة عليه في إطار مرجعيته، ونحن نتفهم هذا البحث عن الصفاء المنهجي والنقاء المرجعي ولا نتقيد به؛ لأن التقابلية في التأويل تغتني من تركيب الأدوات دون مُرَكَّب نقص. وتفسح المجال للتعدد المرجعي، وتساند الأدوات ومحصلات الاجتهاد البشري في العلم بالنص، والعلم بتأويله أينما حصلا؛ ولذلك فهي تستفيد من الأدوات السيميائية، والدلالية، والبنيوية، والنسقية، والاجتماعية، والبلاغية القديمة والحديثة، واللغوية والسياقية والتأويلية...
من التركيب يغتني العلم بالنص، وهذه قناعة تعبر عن "ضيق" النظرية الأحادية المؤَطَّرة عادة بخلفية فلسفية، أو تاريخية، أو سياسية، أو معرفية، وتسعى إلى تشكيل منهاجية شمولية، ومعرفة عالمة بالنص من منطلقات تقابلية كونية تأسست عليها صناعة النص، وتتأسس عليها بعد ذلك تأويلاته، مستفيدة من منجزات البلاغة وأنحاء النص، ومن الاجتهادات الحاصلة في علم تأويل النصوص على اختلاف أنواعها.
يذهب أحد الباحثين إلى أن كل "نظرية في العلوم الإنسانية والأدبية هي تلفيق بمعنى ما"[2]. واللِّفاق ضم أطراف الثوب وخياطتها، وتلافق القوم تلاءمت أمورهم[3]، والتلفيق بين المعارف والمراجع ضَمُّ ما تلاءم منها في بناء منهاجي منسجم؛ وقد أشرنا أن نظرية كريماص مثلا اعتمدت على اللسانيات البنيوية، والتوليدية، والأنثروبولوجيا، والدلالة المعجمية، والمنطق، والبيولوجيا، وهلم جرا. وعلم التفسير في الثقافة العربية الإسلامية كان مزيجا متناغما وبديعا من علم اللغة، والبلاغة، وعلم النحو، وعلوم القرآن، وأصول الفقه، وأسباب النـزول... وبالتالي فالتساند في العلم بالنص والعلم بفهمه أمر مطلوب. كما أن الدعوة إلى الصفاء المنهجي يمكن أن تُوجَّه إليها نقود معرفية تبين انحصارها وأحادية رؤيتها، وعدم كفايتها التأويلية، وتسخير نظريات معينة لتحقيق أهداف خاصة.
مقابل ذلك، تبحث التقابلية عن تأويلية بليغة تستند إلى نتاج العلم بالنص أينما تحققت، وبأي حقل معرفي نشأت أو نمت: نظريات الانسجام مثلا، أو التماسك، أو التشاكل، أو التعالق، أو التضام، أو نظريات المعنى، أو نظريات العتبات النصية، أو النظريات السياقية، وغيرها، شرط التوافق مع طبيعة النص، وهو أمر موكول إلى الناقد أو المؤَوِّل الذي يعرف في أي حدود منهجية ومعرفية وثقافية يشتغل على النص، ويمكنه إغناء تأويله بما يراه علما مناسبا متوافقا.
وفي الأخير، فإن التصورات التأويلية المقدَّمة والمعتمِدة على التقابل والتساند لا تدَّعي نهاية العلم بطرائق التأويل أو بناء المعنى، وإنما تحاول تقديم مقترحات منهجية تناسب التطورات الحاصلة في العلم بالنص وتحليل الخطاب. إذ "لا وجود لنظرية تقدم نفسها بديلا مطلقا للنظريات الأخرى، وشموليةُ نظريةٍ تكمن في قدرتها على التحاور مع نظريات أخرى، تتقاسم معها موضوعا واحدا للدراسة"[4].
اللوح الخامس
من أبعاد النموذج المقترح أنه لا يهدف إلى الوقوف عند النصوص أو الظواهر، وإنما يرمي إلى إدراك بلاغة القول التي تُفضي إلى بلاغة الفعل، ومن ثمة إدراك أبعاد الكون المتقابل ماديا ومعنويا، بغية الارتقاء إلى حقيقة الربوبية، وتعظيم خالق الأكوان، وإيلائه ما يستحق من الإجلال في القول والفعل؛ فالنظريات التي لاتصل بالإنسان إلى الغاية التي خُلق من أجلها، وتظل واقفة بباب اللغة أو النصوص، طارقة نوافذ التاريخ، أو المجتمع، أو الفرد، أو غيرها من النوافذ التي فتحها النقد في جدار الأدب، تظل قاصرة بلا ريب - ونحن ندرك المغزى من هذا الكلام - لأنها تنطلق من الجهود البشرية والاجتهادات الحاصلة في المعرفة بالأدب والنص، ولا تذهب أبعد من ذلك إلى التساؤل عن الموجهات العميقة التي خُلق من أجلها الإنسان، وانحرفت به الرؤى القاصرة عن إدراك الحقيقة التي أضاءتها الشرائع السماوية، فحصل في روحه العمى والظلام... وقصرت الرؤية وانتفت الغاية.
لقد اصطدمنا كثيرا بهذه الواجهات، وهذه المدارس النقدية رغم انفتاحها تظل محجوبة عن هتك حجاب الحقيقة الكونية التي تجعل العبودية والفناء والمحاسبة قدر الإنسان في الحياة وبعد الممات. فإلى متى نتعامى عن هذا، ونتلون في كل مرة بالسواد الذي يسيء إلى الحقيقة مثلما يسيء إلى بياض الأوراق؟! إلى متى سنظل نبحث في الآفاق المعرفية عن الحقيقة القابعة فينا أو قريبا منا. والناطق بها عجزنا وعماؤنا؟
إنه النور الكوني المحيط بالأفهام، وبالعوالم المتقابلة، الباني للمعاني والإدراكات والأسرار عبر المعرفة العقلية والقلبية، ثم اعتمادا على العلوم والفهوم. وتلك غاية الغايات التي نروم الوصول إليها اعتمادا على التصور التقابلي؛ فالمعرفة بالنص، معرفة بالمعنى وبالعلم الموصِل إليه، ويفضي العلم بالتقابل إلى إدراك عظمة خالق التقابلات الدالة على واحدية الخالق، والوصول إلى هذه الحقيقة يفضي إلى العمل وطَرْق أبواب الخلاص.