eKtab
EN ع
نيتشه وجذورها ما بعد الحداثة
Read free sample

نيتشه وجذورها ما بعد الحداثة

by د. أحمد عبد الحليم عطية

Page 1
نيتشه في الفكر العربي المعاصر

د. أحمد عبد الحليم عطية (*)

إن تأثير نيتشه في تزايد مستمر وهو تأثير لم يظهر في حياة الفيلسوف بل ظهر قوياً بعد وفاته. فقد تنبأ هو نفسه بأنه ستنشأ ـ في يوم من الأيام ـ كراسٍ جامعية خاصة من أجل دراسة كتابه «هكذا تكلم زرادشت» ، وهي نبوءة تحققت ضد جميع التوقعات. ففي أوائل القرن العشرين كان «زرادشت» ـ من دون ريب ـ المؤلف الأشهر في ألمانيا، وكانت شعبيته وعدد طبعاته في ازدياد متصل. هكذا كتب ستيبان أوديف في مقدمة كتابه «على دروب زرادشت» . وهو كتاب مارس تأثيراً قوياً في مثقفي العربية. فأفكار نيتشه ـ كما يرى ـ لم تمارس فحسب، وإنما لا تزال تمارس، تأثيراً هائلاً في الفكر البورجوازي النظري بل وتُستخدم بصورة فعالة في النضال الأيديولوجي من حيث هي نقيض التصور التقدمي عن العالم المؤسس على المعرفة العلمية للقوانين الموضوعية لتطور الطبيعة والتاريخ والفكر البشري. ونظراً لأن النيتشويه ليست عقيدة رسمية، فقد احتفظت بشهرة الفلسفة النقدية المستقلة التي تسمو فوق غرور النزعات النظرية والأيديولوجية والسياسية (1).

يستعرض أوديف في الفصل الأول من كتابه الأسس النظرية للنتشوية، بينما تشكل الفصول الثلاثة التالية محاولة لتتبع تأثير نيتشه على الصعيدين التاريخي والفلسفي داخل بعض التيارات الفلسفية في ألمانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أيامنا الحاضرة (2).

ويلاحظ ستيبان أوديف أن النيتشوية ـ من حيث هي تيار فلسفي ـ لا يمثلها إلا فيلسوف واحد هو نيتشه نفسه، إذ إن تلامذته الأشهر فضلوا أن يؤسسوا «مدارسهم الخاصة»، كما أن أنصاره وشارحيه الكثيرين لم يضيفوا كلمة واحدة الى فلسفته، بل اكتفوا بتكييف تعاليمه مع أذواق المستهلكين المثقفين، ممهدين له بذلك درباً نحو فكر الانتلجنسيا البورجوازية وروحها. وتستدعي هذه الملاحظة التساؤل التالي: هل اكتفى الكتّاب العرب بهذه المهمة ـ مهمة الشرح ـ أم أنهم طوعوا أفكار نيتشه لخدمة قضاياهم واهتماماتهم؟ وهذا التساؤل ـ وهو هدف هام في دراستنا الحالية ـ يقتضي منا الوقوف على صورة نيتشه في الثقافة العربية منذ التعرف إليه في بدايات القرن العشرين وحتى اليوم. والوقوف عند القراءات العربية المتعددة له.
 
Page 2
(1)

يرجع الفضل الى فرح أنطون في تقديم فلسفة نيتشه الى العربية عام 1907 ـ حسب زعمه ـ إذ يقول في الجزء الثالث من مجلة «الجامعة» ، السنة السادسة نيسان/أبريل 1908:

«قلنا في الجزء الثاني الذي ظهر في أول شباط/فبراير ما نصه»: «نظن أن اسم الفيلسوف نيتشه الألماني لم يرد في اللغة العربية قبل الصفحة التي لخصت فيها «الجامعة» شيئاً من فلسفته السنة الماضية». (3) ويعرض في هذا الجزء أساس فلسفة نيتشه، الذي جاءت فلسفته لتقوض تلك الجهود التي بذلها الفلاسفة في أوروبا، يقول فرح أنطون: «بينما هذه العقول والنفوس الكبيرة آخذة في بناء الهيئة الاجتماعية وهي تظن أنها بلغت منتهى العلم والفكر وأن لا جديد بعد مبادئها هذه وإذا بنيتشه يقوم عليها قومة شديدة ينشر عليها ردوده». يحدد لنا أنطون مكانة وقيمة ودور فلسفة نيتشه في أوروبا وأثرها النقدي في رفض العقائد القديمة. وهو دور هام على المثقفين في الشرق القيام به؛ ومن ثم فإن التعريف بفلسفته يمكن أن يؤدي عندنا دوراً أساسياً في رفض المعتقدات والتقاليد السائدة التي أدت الى التأخر. إن نهضة الشرق تحتاج الى أفكار جديدة تدعو للحياة وليس سوى نيتشه الذي عرض له بالترجمة والتعليق في مجلة «الجامعة» من يقوم بهذا الدور، يقول: «إن ما يحدث في أوروبا مشابه لما يحدث في الشرق الذي يحتاج أبناؤه الى أفكار نيتشه»، ويضيف: «ما زلنا نعتقد بما جهرنا به من سنتين، يوم شرعنا لأول مرة في تلخيص فلسفة نيتشه، وهو أن مبادىء هذا الرجل تحتوي على كثير من الحقائق الضرورية للحياة وعلى أبناء الشرق أن يطلّعوا عليها ليشددوا نفوسهم بها» (4).

وهو يريد بهذه المبادىء تلك التي صبّ فيها نيتشه كل ما أعطي من قوة النفس وحماسها لتحبب الحياة والنشاط والقوة الى الناس، وخلقهم بهذه الصفات خلقاً جديداً أو سحق الانحطاط في النفوس والهمم والأمم. كما أنها تحتوي على كثير من المبادىء التي لا نرى الآن موضعاً لها في الشرق. ولأن أنطون يقوم بمهمة مثل تلك التي نهض بها نيتشه، لذا يقدم فلسفته أثناء نقله لكتاب رينان عن حياة المسيح وأثناء تناوله لفلسفة ابن رشد وسجاله مع الشيخ الإمام محمد عبده. وهو حذر لأسباب متعددة في الدعوة لأفكار فيلسوف القوة، وهو حذر يحرص على الإشارة إليه حين يؤكد لنا خطته في نقل فلسفة نيتشه، وهي أن يلخص منها كل ما لا يمس الأديان والعادات الحاضرة «لأن غرضنا هو استخراج لباب القوة والحماسة من كتبه والإعراض عما بقي» (5).

وهو من شدة تأثره بالفيلسوف كتب شعراً على غرار مبادىء نيتشه كما يتضح في «القصيدة على الجبل: بين نيتشه وتولستوي» (6)، وقام بتعريب زاراتوسترا ، الذي يعد كما يقول أبلغ كتب الفيلسوف وأجملها. ويجعل منه أجمل أثر أدبي في العالم؛ «وإذا جعلنا مقارنة بينه وبين سائر أعمال البشر وجدناها جميعاً دونه. وصواعقه تنقض نحو مستقبل لم يفطن إليه أحد بعد» (7). أثار نقل أنطون أو تلخيصه لعمل نيتشه وحذف بعض عباراته قلق وتعقيب القراء، وتحت عنوان «مسائل ورسائل» نشرت «المجلة» رسالة نقولا معلوف التي يقول فيها: «وددت لو أنكم تلخصون كل أقوال نيتشه (دون حذف شيء منها) وتعلقون عليها حواشي اعتراضاتكم وأفكاركم. وأن لا تحذفوا المبادىء الكثيرة التي لا ترون لها موضعاً في الشرق، ولا يمكن العمل بها، بل تتحفون قراءكم بها كلها»...، وردت «الجامعة» موضحة موقفها مؤكدة ما سبق أن أشارت إليه لكنه توضيح يكفي للدلالة على موقف صاحبه: «لقد قصدنا أن نحذف منها كل ما هو بحث ديني محض لأننا أبعد الناس عن البحث الديني الذي لا فائدة منه. وأما المواضيع المتصلة بالمباحث الاجتماعية والفلسفية فإننا نبقيها كما هي» (8). تلك هي أهداف أنطون المعلنة وهي استحضار نيتشه وصواعقه التي تنقض نحو مستقبل لم يفطن إليه أحد من أجل سحق الانحطاط في النفوس والهمم والأمم. لذا فإن على أبناء الشرق أن يطلعوا عليها.
Page 3
(2)

لم تتوقف الكتابات عن نيتشه منذ بدأت مجلة (الجامعة) التعريف بفلسفته وأول كتاب صدر بالعربية أثناء الحرب العالمية الأولى في مصر والذي قدمه مرقس فرج بشارة (1892 ـ 1964) وهو والد الكاتب المسرحي الفريد فرج والصحفي نبيل فرج. وصدر هذا العمل عن مطبعة السلام شارع مولاي محمد بالإسكندرية وأعيد نشره في (مجلة «إبداع» العدد 9 عام 2001) وهو يقع في 28 صفحة من القطع المتوسط. وأهميته تكمن في كونه أول كتاب يصدر بالعربية عن نيتشه كما أنه يعيد الاعتبار للفيلسوف الألماني ضد الاتهامات التي اتهم بها «وقد رمي الرجل فيما رمي بالعدمية وحب الذات واحتقار الأديان. على أن القارىء المثبت لا يرى شيئاً من ذلك في كتاباته مطلقاً. ولكن تطرفه في الكتابة الناشىء عن أمراضه التي لازمته طوال حياته أعمى خلال النظر عن حبه للحرية المطلقة غير المقيدة بقانون، وعن احترامه للأديان وإقراره ـــــ وهو ملحد ـ بأنها تملأ المتدين سعادة وقناعة وأملاً» (9).

يعرض المؤلف حياة ونشأة الفيلسوف ثم فلسفته، التي تتجه الى غرض واحد هو ترقية النوع الإنساني. فهو يقول صريحاً: «كل شيء يساعد على ترقية الإنسان هو عندي صواب. وكل شيء يقف بالنوع الإنساني عند حد أو يرجع به القهقري عماية وضلال» موضحاً موقف نيتشه من المسيحية ومن الشفقة، ورأيه في حاضر الأدب ومستقبله. ويتوقف عند رأيه في المرأة وفي الألمان ثم مختارات من أقواله، والتعريب لكتابه «هكذا تكلم زرادشت» ، إلا أن ما يلفت النظر الى هذه الكتابات المختلفة هو تناولها لحياة نيتشه ومؤلفاته وجنونه والمرأة في حياته والموضوع الذي يجذب الانتباه في فلسفته هو الإنسان الأعلى (السوبر مان). الملاحظة الثانية أن معظم هذه الكتابات هي نقل لآراء مؤلفين فرنسيين أو تلخيص لمؤلفات أوروبية عن نيتشه، وذلك على الوجه التالي:

(3)

تناول إدوار منسي علاقة نيتشه بالموسيقار فاغنر في دراسة نشرت على حلقتين في مجلة «الثقافة» بعنوان «بين نيتشه وفجنر» (10) وعلاقته بلوسالومي دراسة بنفس المجلة «امرأة في حياة نيتشه» كذلك كتب في «الهلال» بإمضاء أ. م «غرام الفيلسوف نيتشه» (11) وتناولت مجلة «المقتطف» عرض فلسفته بالمجلد 46 كانون الثاني/يناير 1915 «الفيلسوف نيتشه» دون توقيع (12) وعرض حبيب جاماتي «جنون نيتشه» بمجلة «الهلال» (13) وإبراهيم يوسف «أثر نيتشه» بالمقتطف (14) وترجم محمد فهمي «أغنية الليل» من «هكذا تكلم زرادشت» «بالمقتطف» (15) وقد خصص سلامة موس عدة دراسات عنه توضح الاهتمام الكبير به هي: «نيتشه وابن الإنسان» «بالمقتطف» المجلد 34 في 1909 (16). و «مقدمة السوبرمان». دار مطابع المستقبل طبعة 1910 ويقدم سلامة موسى كتابه بعبارة نيتشه «الإنسان جسر تخطو عليه الطبيعة من الحيوان للسوبرمان». ويبدأ ببيان الروح الجديدة في الآداب الأوروبية متوقفاً عند نظرية التطور ثم يخصص الفقرة الرابعة للحديث عن نيتشه والمسيحية. وهو يناقش فكرة الأقوى وفكرة الأنانية ويميز بين أنانية الفرد وأنانية الجماعة. ويرى مقابل نيتشه «أن علينا أن نضع أحياناً مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد. فننال غرضاً من الرقي بدون أن نقهر في نفوسنا عواطف الرحمة والتعاون والبر» (17). كما كتب عنه تحت عنوان «نيتشه فتنة الشباب» في كتابه «هؤلاء علموني» . وعرض أحمد أمين «السوبرمان أو الإنسان الكامل» في حلقتين بمجلة «الثقافة» نقلاً عن (P.D.Ouspemk) (18). كما كتب عبد الحميد سالم عدة دراسات حول نيتشه هي «لما قرأت الفيلسوف نيتشه؟» للناقد الفرنسي إميل فاجيه في عدة أعداد بمجلة «العصور» أعوام 1928، 1929(19). كما عرض «فلسفة نيتشه عن هنري ليختبنبرجيه» الأستاذ بالسوربون (العصور) نيسان/إبريل 1929 (20).
Page 4
(4)

وقدم العقاد عدة دراسات يقارن فيها بين نيتشه والمتنبي، فقد نشر في «البلاغ» في 31 كانون الأول/ديسمبر 1923 مقالاً بعنوان «فلسفة المتنبي» أوضح فيها أن للمتنبي مذهباً خاصاً في الحياة ويعطينا أمثلة عديدة من أشعاره توضح هذا المذهب ويختتم مقالته بأن «من يطالعهذه الأمثلة لا يسعه إلا أن يذكر نظائرها من فلسفة فردريك نيتشه نبي القوة في العصر الحديث. وأن يميل الى المقابلة بين هذه الآراء المتماثلة في مذهب الشاعر العربي ومذهب المفكر الألماني» (21)، ويخصص مقالة ثانية عن فلسفة المتنبي وفلسفة نيتشه «البلاغ» 7 كانون الثاني/يناير 1924) يؤكد فيها أن آراء شاعرنا وآراء المفكر الألماني تتفق في مسائل كثيرة اتفاقاً توأمياً لا نعلم أعجب منه اتفاقاً بين نابغين مفكرين ينتمي كل منهما الى قوم وعصر وحضارة ولغة غير التي ينتمي اليها الآخر.

يعتقد العقاد أن المتنبي سبق نيتشه الى أخص آرائه، وهي: أخلاق السادة وأخلاق العبيد، ويستشهد ببيت المتنبي القائل:

العبد ليس لحر صالح بأخ

لو أنه في ثياب الحر مولود

ومن قبيل ذلك، ولكن أظهر منه هذا البيت:

وما في سطوة الأرباب عيب

وما في ذلة العبدان عار

والمتنبي كصاحبه يأنف من المساواة ويأبى أن يقف دون النهايات من الفضائل والمراتب، فنيتشه يعد المساواة ظلماً ويرى العدل أن تختلف الأقدار بين الناس ويفرض على الإنسان أن يتفوق على نفسه ويتخطى أفقها الى أفق أعلى منه على الدوام. والمتنبي يحتقر أن يرضى بالحظ الجليل إذا ساواه فيه من هو دونه ويأبى الصيد الشهي إذا تلاقت عليه كرام الطير وبغاثها. وينتهي العقاد الى أنهما (نيتشه والمتنبي) مبدعان لا تابعان في الأخلاق والأقدار (22).

ويشير العقاد في دراسة ثالثة بعنوان «فلسفة المتنبي بين نيتشه وداروين» إلى أن المتنبي وقف بين نيتشه وداروين في تعليل بواعث الأخلاق ومصادر الفضائل. لأنه آلف بين إيثار الحياة وإيثار السيادة في وسط الطريق، وأبطل التناقض وأزال الخلاف، لأنه قال لنا إن كل إنسان إنما يحب حياته هو، لا كل حياة ولا أي حياة... إن مدار التوفيق بين المتنبي وبين رأيي داروين ونيتشه مداره على أن بعض الحياة شر من بعض الموت وأن الجريء المخاطر يحب حياته حين يوجهها الى وجهتها من اقتحام المصاعب وملاقاة الخطوب (23).

وكتب العقاد دراسة أخرى بعنوان «مذاهب نيتشه» نشرها في خلاصة اليومية والشذور وخامسة بعنوان «لحظة مع نيتشه» في كتب الفصول نشرها في «دين وفن وفلسفة» . وكتب عن نيتشه كل من: ابراهيم المصري «الفيلسوف نيتشه بين إرادة القوة وسطوة الحب» و «في موكب العظماء» وكامل زهيري «العدم: نيتشه» في مذاهب غربية، سلسلة كتب للجميع. ولويس عوض «تأملات في فلسفة نيتشه» في دراسات في النظم والمذاهب. ومن أساتذة الفلسفة كل من: يوسف كرم: «تاريخ الفلسفة الحديثة». ونجيب بلدي «مراحل التفكير الأخلاقي» وتوفيق الطويل «فلسفة الأخلاق نشأتها وتطورها». وعبد الغفار مكاوي «قدر المفكرين حزين»، و «العود الأبدي» في كتابه «مدرسة الحكمة» و «كن نفسك» قراءة في نصوص نيتشه والدراسات المعاصرة حوله. وما ترجم له أو عنه.

إلا أن الجدل الهام حول فلسفة نيتشه وأفكاره وعلاقتها بالدين والعلم هو ما أثارته ترجمة فليكس فارس لِـ «هكذا تكلم زرادشت» حيث اندفع الناقد الدكتور إسماعيل أدهم لمناقشة الترجمة وفهم فارس لفلسفة نيتشه أو تأويله لأفكار الفيلسوف الألماني.
Page 5
(5)

ويبرر المترجم والناقد عملهما بالرغبة في نهضة الشرق، وهو ما وجدناه في دعوة فرح أنطون الى أفكار نيتشه، لقد استجاب فارس لرأي من أشاروا عليه بترجمة عمل نيتشه «لتسديد عزم الشبيبة في هذه المرحلة التي يتوقف على نهضتنا فيها مستقبلنا واستعادة أمجاد تاريخنا» (24). لنتتبع دوافعه الى ترجمة الكتاب يقول: «إن ما دعانا وأصحابنا الى تقرير ترجمة «زرادشت» هو أننا نظرنا الى فلسفته من الوجهة الملامسة للمبادىء الدينية والأخلاقية التي تتجه الى إحياء حضارتنا القديمة على أساسها، وقد رأينا أن هذا المؤلف الفريد في نوعه ليس من الكتب التي تنقل الى بياننا لما لها من قيمة فلسفية وأدبية فحسب، بل هو من الكتب التي يجدر بالناشئة العربية درسها كما يدرسها طلاب الجامعات في كل قطر أوروبي... (فقد) اشتمل من المبادىء على ما كان ولا يزال محور الخلاف المستحكم بين ذهنيته وذهنية الشرق العربي بوجه خاص «مما أثار معركة نقدية هامة حول قضية نهضة الشرق ودور الدين والعلم فيها» (25). ويشير فارس الى القضايا موضع الخلاف منحازاً الى الشرق والدين ويتناول الناقد ليس أفكار نيتشه فحسب بل فهم المترجم وتأويله لها.

فإذا كان نيتشه يريد خلق الإنسان المتفوق جباراً كشمشون، وشاعراً كداود، وحكيماً كسليمان، فهو يكلف الطبيعة ما لا قبل لها به. فان فارس يرى أن في الحياة مسالك خطتها الإرادة الكلية وليس للإرادة الجزئية أن تتناولها بتحوير، فمصاعد الرقي للأرواح منتصبة من كل مسلك في عالم الظاهر نحو العالم الخفي، وما خصت به العناية أقوياء الجسوم بالارتقاء (26). ويفرق بين نوعين للوصول الى الرجل المتفوق: طريق العلماء في الغرب، وطريق الدين في الشرق. وهو ينحاز للطريق الثاني يقول: «أما نحن، أبناء هذا الشرق الذي انبثق الحق فيه انصباباً من الداخل لا تلمساً من الخارج، فلنا المسلك المفتوح منفرجاً أمامنا للإعلاء والخروج الى النور بعد هذا الليل الطويل، إذا نحن أخذنا بروح ما أوحاه الحق إلينا، لا بترقية الزراعة والصناعة ولا بنشر التعليم والتهذيب ولا بجعل البلاد جنة ثراء وتنظيم، تنشأ الأمة ويخلق الشعب الحر السعيد» (27).

إن فارس يقدر نيتشه تقديراً عالياً ويرفض ـ في الوقت نفسه ـ موقفه من الدين ويريد أن يفسره تفسيراً يقربه من الدين. يقول: «إننا لم نر كفراً أقرب الى الإيمان من كفر هذا المفكر الجبار الثائر الذي ينادي بموت الإله، ثم يراه متجلياً أمامه في كل نفس تخفق بين جوانح الإنسان من نسمته الخالدة» (28). ويعطينا تأويلاً لبعض نصوص نيتشه على لسان زرادشت تجعله أقرب الى الإيمان، خاصة الفصل الذي عنوانه «بين غادتين في الصحراء» مما دفع إسماعيل أدهم الى نقد ما قدمه فارس، الذي يعده من أعلام البيان في الشرق العربي، عرفته لغة الضاد ذائداً عن حياضها أمام تيار العجمة الدخيل، وعرفه الشرق العربي رسولاً يرفع رسالة غيبيات الشرق أمام يقينيات أوروبا الجارفة.

ينتقد أدهم أفكار المترجم التي كانت تتسرب الى تفكير نيتشه فتختلط به أو تجعل كلامه ينحرف بعض الانحراف. ويعطي أمثلة لذلك بفصل «بين غادتين في الصحراء». يقول: «يرى فارس أن أسد الصحراء رمز للنبي، رمز لانبعاث الفضائل العليا وتحررها على الجحود والتضعضع في الحياة» بينما هو عند أدهم رمز للعقل الإنساني الطموح الى نيل حريته وبسط سيطرته على حياته؛ أما الصحراء فيفهمها على أنها الحياة المتحررة؛ وأما صرخة الأسد أمام غادات الصحراء فهي صرخة الإرادة في الإنسان الطموح لنيل حريته، وغادتا الصحراء، هنا هما فضائل الحياة» (29). وبينما يرى المترجم أن نيتشه يكلف الطبيعة ما لا قبل لها به ويطمح الى إيجاد جبابرة لا يصلحون لشيء في المجتمع؛ لأن الحيوية لا تنصرف من مختلف نوافذها الجسمية في آن واحد دون أن تقبض على صاحبها لتوقفه في سلم الارتقاء على مرتبة معلقة بين الاعتلاء والانحطاط؛ يرى أدهم في نقده أن هذا الاعتراض لا يصح على نيتشه؛ ذلك أنه يقيم فكرته في مجيء السوبرمان من ازدياد القوى الحيوية عن طريق ترك المجال لتنازع البقاء فيبقى القوي الأصلح (30).

وعند فكرة فارس «أن الدين الذي يهاجمه نيتشه إنما هو صورة لأصل شوهها الغرب»، وهي فكرة متكررة لديه، يرى إسماعيل أدهم أنها فكرة خاطئة. فالغرب لم يشوه الدين الذي أخذه من الشرق، وإنما كل ما فعله أنه جعله يتكافأ مع طبيعته الحيوية الإنسانية فأسبغ عليه صوراً ليست منه، ولكنها من طبيعته، فكان من ذلك صورة للدين تغاير الصورة التي هي عليها في الشرق. فالغرب كيّف الدين على حسب طبيعته حتى يقبله، وهذا التكيف هو ـ في الواقع ـ خلع للثوب الغيبي عن عقليته الآرية وعقله الإنساني المتحرر من تقاليد الماضي، وهو لم يحاول أن يجعل الإنسان يفلت من حدود إنسانيته بل عمل على أن يردّ الإنسان الى حقيقته في عالم الطبيعة بعد أن حاولت الأديان أن تفلته من حدود الطبيعة وتجعله خاضعاً لما وراء الطبيعة حتى أصبح الانسان حيواناً ميتافيزيقياً (31).

إن وقوف فارس عند الدين باعتباره المرجعية لفهم أفكار نيتشه وتأويلها ليفيد منها أبناء الشرق هو أحد الوجوه في القضية، والوجه الآخر، هو قبول أدهم بالعلم أو بنظرية التطور التي هي سبيل الرقي الإنساني، ومن هنا فهو يحدد الاختلاف بينهما في قوله: «صديقي المترجم رجل غيبي وأنا رجل ضد الغيبيات على خط مستقيم. والناحية الغيبية عند صديقي هي التي جعلته ينكر التطور كحقيقة بيولوجية. إن فليكس فارس لم يقف على حقيقة البحوث التطورية الحديثة... وهو ينكر التطور كحقيقة علمية، وهنا موضع الافتراق بيننا» (32).
Page 6
(6)

بعد هذا العرض السريع لما كتب أو بعض ما كتب، عن نيتشه في العربية يأتي عمل بدوي المؤثر عن نيتشه بعد كتابات متعددة عن الفيلسوف الألماني، ومن هنا فالسؤال الذي يهمنا في هذه الدراسة هو: ما السبب في كون دراسة بدوي عن نيتشه أثرت كل هذا التأثير الذي ألمحنا إليه من شهادات المثقفين العرب الذين تسرب اليهم حماس بدوي لأفكار نيتشه؟

هناك بعض الملاحظات المبدئية على الكتابات السابقة، سواء في موضوع الاهتمام أو طريقة التناول:

الملاحظة الأولى: يغلب على الكتابات السابقة التناول الأدبي، حيث مثل كتاب «هكذا تكلم زرادشت» الاهتمام الأساسي لدى معظم من كتب عن نيتشه أو ترجم بعض مقاطع الكتاب كما رأينا لدى فرح أنطون ثم ترجمة العمل كاملاً. وهذا الاهتمام أدى بمعظم من كتب عن نيتشه الوقوف عند أحداث حياته وعلاقاته بمعاصريه. وتناول أفكاره شعراً أو استدعاء أشعار تتفق مع هذه الأفكار (33).

الملاحظة الثانية: والهامة، هي محاولة رد نيتشه الى حظيرة الدين وتفسير إلحاده بإيمان عميق مستتر، وهي محاولة نجد نظيرها في تاريخ الفلسفة حين تناول كارل ياسبرز، الفيلسوف الوجودي المؤمن، أفكار نيتشه بما يقربه من المسيحية (34). وهذا ما حاوله كل من فليكس فارس في تمهيده لترجمة «هكذا تكلم زرادشت» ومن بعده بولس سلامة في الفصل الذي عقده عن نيتشه في كتابه «الصراع في الوجود» (35).

والملاحظة الثالثة: أن تقديم نيتشه الى العربية كان يهدف الى بيان الدور الذي قام به في تجديد الأفكار ودعوته للرقي والتقدم ورفض القديم، ومن هنا أكد كل من فرح أنطون وفليكس فارس واسماعيل أدهم ومرقس فرج بشارة أهمية أفكار نيتشه في رقي العقول ونهضة الشرق.

أراد بدوي بتقديم نيتشه الى العربية أن يقدم لنا خلاصة الفكر الأوروبي، وقد اختار من موضوعات هذا الفكر ما يمثله أحسن تمثيل ويعبر عن سموه أصدق تعبير من الفلاسفة. ومن الفلاسفة الذين يمثلون خلاصة الفكر الأوروبي لم يختر بدوي إلا أقدرهم على الإلهام وعلى إثارة التفكير وأقربهم الى روح العصر، وأعظمهم أثراً في تطور أوروبا الروحي وأشدهم عناية بمشاكل الانسانية الحقيقية، وأحرصهم على أن يكون فكرهم حياً ينبض بدماء الحياة خصباً يقدر على النمو من بعدهم والإنتاج، جريئاً يهاجم المشكلات، حراً يبدد ما قدس من الأوهام. ومن هؤلاء اختار رسم صورة نيتشه وهي كما يقول: «صورة حية قوية فيها عنف وفيها قسوة، وفيها تناقض وفيها اضطراب وفيها خصب وفيها حياة».

يريد بدوي أن يعرض على أبناء هذا الجيل ـ عن طريق هذه السلسلة ـ العقل الأوروبي وهو يناضل ويجاهد في سبيل إيجاد نظرة في الحياة وفي الوجود من شأنها أن تخلق طابعاً ممتازاً من الإنسانية، وصورة جليلة سامية من صور الحضارة يقول: «نريد أن نبين لهم كيف يفكر هذا العقل ويبدع ويخلق، وكيف يتطور فتتطور معه صور الوجود وقيم الحياة» (36). إن ما يعني بدوي حقاً هو أن يحملهم ـ أي أبناء جيله ـ على أن يفكروا فيما فكر فيه العقل الأوروبي ويتأملوا في المشاكل التي أثار، والحلول التي قدم، كي يتخذوا من هذا النظر وذلك التأمل والتفكير، دافعاً ومادة وأداة من أجل إيجاد هذه النظرة الجديدة التي باسمها سيعلنون ثورتهم الروحية المنشودة.

يهدف بدوي، إذاً، الى ثورة روحية تعم أبناء هذا الوطن. وهذا موقف سياسي يؤكد حقيقة انتماء بدوي الى حزب (مصر الفتاة) وقصائده الوطنية التي نشرها بمجلة الحزب وكتاباته السياسية التي تعبر عن موقفه السياسي. يأتي كتاب نيتشه في هذا السياق.

تتوزع الجهود الفلسفية للدكتور بدوي بين مجالات فلسفية متعددة، بين: مبتكرات، ودراسات غربية واسلاميات، ويمتزج في أعماله التأليف بالترجمة والتحقيق. يتوقف البعض أمام المبتكرات التي يختلط فيها الإبداع الفلسفي بالأدبي وهو ما يمثل جهده الفلسفي أصدق تمثيل ويظهر في مقدمتها: «الزمان الوجودي» ، و «الإنسانية والوجودية في الفكر العربي». و «هل يمكن قيام أخلاق وجودية؟»... وفي الأبحاث نجد دراسات في الفلسفة الوجودية... وفي الإسلاميات نجد تحقيقاته المختلفة للنصوص الفلسفية ومذاهب الإسلاميين وكتاباته بالفرنسية وبعض ترجماته. وفي خلاصة الفكر الأوروبي قدم عدداً من الفلاسفة والدراسات: أولها وأهمها كتابه عن «نيتشه» الذي يعد ـ من وجهة نظرنا ـ أقرب الى إبداعات بدوي لأسباب متعددة، ليس فقط لأنه أول كتاباته وأنه لم يصدره باعتباره جزءاً من مهامه التدريسية بالجامعة، ولا لأنه أول دراسة فلسفية بالعربية عن نيتشه، المعروف جيداً في ثقافتنا قبل نشر بدوي كتابه، بل ترجع أهمية كتاب بدوي عن نيتشه الى سببين هامين:

الأول: سبب سياسي خالص، وهو ما نؤكده في هذه الدراسة حيث مثّل فكر نيتشه بالنسبة له الأساس النظري لتوجهه السياسي، المتمثل في انتمائه لحزب (مصر الفتاة) في فترة مبكرة من حياته، بعد تخرجه مباشرة وعمله بالجامعة، حيث كان مسؤول العلاقات الخارجية بالحزب، وتمثل كتاباته عن المشكلات السياسية والمذاهب السياسية: عن الفاشية والنازية، الأساس النظري لسياسية مصر الفتاة. لقد أراد بدوي أن يؤسس للسياسة ومن هنا اتجاهه نحو نيتشه وبدوي ليس بدعاً في ذلك. فقد سرى في فكرنا العربي المعاصر هاجس قوي في إمكانية تحقيق الثورة المنشودة وتغيير الواقع من خلال اختيار النماذج الفلسفية الغربية. حيث يمكننا إيجاد تشابه قوي بين موقف بدوي من نيتشه وموقف أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي منه، مثلما نجد استدعاء البعثيين العرب لفلسفة برجسون الذي استمع كل من ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي الى محاضراته وتتلمذوا عليه. كما استعانوا بالفيلسوف الفرنسي سارتر ليكونوا ثوريين دون اعتناق الماركسية مثلما يظهر في عمل جورج طرابيشي «سارتر والماركسية».
Page 7
الثاني: سبب ذاتي تماماً يتمثل في ارتباط بدوي الوثيق بحياة وأفكار شخصية نيتشه الأرستوقراطية المتحررة وثورته ورفضه للعادات والقيم القديمة ونظراته الثاقبة في الحياة والكون التي تمثل سمواً نظرياً وثورة روحية ذات تأثير في العقول يفوق سلطة الهيئة الاجتماعية والدول بمؤسساتها المختلفة حيث ينتمي بدوي للأرستوقراطية المصرية ـ طبقة الأعيان ـ ويحرص على تأكيد ذلك. وهو يمثل الصفوة الثقافية مما أوجد نوعاً من التقارب، إن لم يكن من التطابق والتوحد، بين الرائد العربي والمفكر الألماني، الذي أعلى من الإرادة والوجدان. على العكس مما نجد لدى بعض العرب من الماركسيين والإسلاميين، مثل عبد الوهاب المسيري على سبيل المثال، الذي يعتبر نيتشه فيلسوف العلمانية والعدمية الأكبر. ويجد أنه سبب انهيار منظومة الحضارة الغربية، وكذلك لدى كل من مراد وهبة ومحمود أمين العالم؛ أما بدوي فهو إن صح القول نيتشه العربي.

وبدوي نفسه يعترف فيما كتبه بتأثير نيتشه القوي فيه. يقول عن نفسه: «فيلسوف مصري ومؤرخ للفلسفة. فلسفته هي الفلسفة الوجودية في الاتجاه الذي بدأه هايدغر... وقد أحاط علماً بكل تاريخ الفلسفة. وتعمق في مذاهب الفلاسفة المختلفين، والألمان منهم بخاصة. لكن أقوى تأثير في تطوره الفلسفي إنما يرجع الى اثنين هما هايدغر ونيتشه» (37).

وقد ظهر تأثره بهايدغر في كتابه «الزمان الوجودي» 1945 وهو تأثير يحتاج الى تفصيل. إلا أن مهمتنا هنا هي دراسة نيتشه انطلاقاً من جهود بدوي. فالثورة والتمرد وزعزعة الأسس والأفكار السائدة وقلب القيم المتعارف عليها ـ التي تمثل دعوة نيتشه ـ وجدت صدى عند المفكر العربي. ومن هنا فإن الذي نسعى لطرحه هو خصوصية نيتشه في فكر بدوي وقراءته السياسية له وأهمية كتاب بدوي عن الفيلسوف الألماني، الذي أثر في وعي جيل كامل من المثقفين العرب ممن وجدوا في بدوي تجسيداً لأفكار نيتشه. أو بعبارة أخرى، يمكن القول إن تأثير بدوي الكبير يرجع الى حماسته في الكتابة عن نيتشه.

ويمكن أن نستشهد ببعض الآراء في هذا المجال وهي شهادات ممن سرى هذا التأثير فيهم في بداية حماس بدوي الكبير لنيتشه: يقول محمود أمين العالم «إن الدكتور بدوي كان يمثل ذات يوم دعوة للخلاص لطائفة من المثقفين أثناء الحرب العالمية الثانية. وكنت واحداً من السائرين في طريقه. كنا نلتهم كلماته كأنها الخبز المقدس ونعاني أفكاره معاناة حادة جادة... وأذكر أنني ذهبت الى الجامعة أول ما ذهبت محملاً بالنموذج الأسطوري الذي بشر به نيتشه (الإنسان الأعلى)... ولهذا كان عبد الرحمن بدوي أول تجسيد أمام عيني لهذا النموذج، كان تجسيداً لإرادة القوة، لأخلاق السادة، ولهذا الحبل المنصوب فوق الهاوية الذي يسير عليه الإنسان نحو الإنسان الأعلى» (38).

وكذلك يمكن أن نشير الى الشهادتين الهامتين من تلميذيه الدكتور أنور عبد الملك «كيف تكون الفلسفة؟» واسماعيل المهدوي «الشاهد الأكبر على مذابح الفلسفة» اللتان توضحان هذا التأثير (*).

ويدلي الشاعر المبدع محمد عفيفي مطر بشهادة «من مقصورة المتفرجين» يقول: «لم يكن يعلم هذا المراهق الريفي أن لحظة من لحظات الزلزال الروحي قد ألقت بين يديه بكتاب قديم مهلهل سوف يعصف به ويفتح أمامه باب الفطام عن كل ما قرأ ووعى، ويرمي بين جوانحه بجمرة متوقدة يصدق عليها قول صاحبها «احرق واحترق... تلك كانت حياتي». كان الكتاب هو «نيتشه» لمؤلفه ـ وأستاذي فيما بعد ـ عبد الرحمن بدوي» (39). ونجد نفس التأثير الذي مارسه بدوي على عدد كبير من المثقفين في شهادة ماهر شفيق فريد عن تأثير بدوي عليه في مرحلة مبكرة من حياته في قوله: «كان كل كتاب جديد، مؤلفاً أو مترجماً، يقرؤه المرء لبدوي جديداً وتجربة تهز من الأعماق... كان عبد الرحمن بدوي هو الذي قدم إليّ نداءات نيتشه النارية، عيشوا في خطر. ابنوا مدنكم قرب بركان فيزوف. أرسلو سفنكم الى بحار مجهولة»، «لهذا نظل ـ مع كل التحفظات، وهي تحفظات مهمة وأساسية ـ مدينين له الى آخر لحظة في حياتنا» (40).

وقبل أن نواصل حديثنا نشير الى ملاحظة هامة بخصوص الشهادات السابقة والتأثير القوي الذي مارسته أفكار بدوي عن نيتشه، وهو تأثير تم في مرحلة مبكرة في حياة هؤلاء، وسرعان ما تحول كثير منهم عن هذا الاتجاه الى دراسات أكثر تعمقاً أو الى التفرغ التام للإبداع الشعري أو الى مواقف فلسفية مضادة تماماً لهذا الاتجاه الوجودي النيتشوي الذي دعا اليه بدوي.

ان الغاية التي يتغياها بدوي كما تتضح في تصديره لكتاب نيتشه هي تأكيد ضرورة الثورة الروحية. ان الغاية الوطنية التي كان يهدف اليها قبيل الحرب العالمية الثانية، والتي عبر عنها في كتاباته السياسية في جريدة مصر الفتاة، هي الاستقلال والثورة على كل القديم. فليس من شك أن هذا الوطن في أشد الحاجة الى الثورة الروحية على ما ألِف من قيم، وما اصطلح عليه حتى الآن من أوضاع؛ في أشد الحاجة الى أن يطرح مكانها نظرة أخرى، كلها خصب، وكلها قوة، وكلها حياة؛ وفيها تعبير واضح عن كل ما يخالج ضميره من مطامح نحو السمو ونحو العلاء؛ وشعور حي نابض بالنزوع الى تطور روحي هائل تتصاعد فيه قواه مندفعة متوترة.
Page 8
وإذاً توقفنا أمام تصدير بدوي ـ وهو تصدير ذو دلالة ـ لظهرت لنا دلالة اختيار نيتشه، وهي دلالة سياسية أيديولوجية، تهدف الى ما يسميه بدوي: «القيام بثورة روحية اقتضتها ظروف الحرب، فإذا كانت الحرب الماضية (العالمية الأولى) قد هيأت الفرصة لهذا الوطن كي يثور ثورته السياسية، فلعل هذه الحرب الحاضرة أن تكون فرصة تدفعه الى القيام بثورته الروحية». وبدوي ليس بعيداً عن الأحداث السياسية، فهو مسؤول العلاقات الخارجية بحزب (مصر الفتاة). يستشعر خطر الحرب المقبلة ويكتب عنها ويراها تكشف عورات المذاهب السياسية المختلفة المخالفة. وإذا تساءلنا لماذا نيتشه بالتحديد؟ قد يخطر على الذهن تشابه في التكوين بين المفكر العربي والفيلسوف الألماني. وإذا كان ذلك كذلك فما هي أوجه التشابه بينهما؟ وما هي مكانة نيتشه في فكر بدوي؟ علينا أن نشير ـ قبل تحليل ما بينهما من تشابه انطلاقاً من كتاب بدوي عن نيتشه ـ الى ضرورة أن نميز بين عرض بدوي المبكر للفيلسوف الألماني في كتابه الأول، وبين الإشارات التي ذكرها عنه في كتاباته ودراساته التالية: وهي إشارات قليلة موجزة ولكنها ذات توجه أساسي في تكوين بدوي الفلسفي تختلف تماماً عما في كتابه الأول، الذي نعده أقرب الى الثقافة السياسية التي يتبناها ويدعو اليها. وإن كان لا يخلو ـ كما سنرى ـ من بعض الأفكار الفلسفية التي شغل بها المفكر العربي في فترة إبداعه الأولى.

يستهل بدوي كتابه بقصيدة نيتشه التي تعبر عن دورة التطور؛ دقات الساعة الاثنتا عشرة؛ وأي شيء أقدر من الساعة على التعبير عن الحياة والكشف عن نسيجها العضوي الحي؟ ذلك لأنها رمز الزمان ومقياسه. إن الزمان موضوع اهتمام بدوي الأساسي، هو السطور الأولى يفتتحها كتابه عن نيتشه «فيلسوف الحياة، فليس في وسع المرء أن يصف حياة الفرد وصفاً دقيقاً، إلا إذا استعان بالزمان في وصفه، فصور هذه الحياة على شكل تطور، له أدواره ولكل دور طابعه ورسمه» (41). ومذهب بدوي الذي أعلن عنه وعرف به هو الزمان الوجودي؛ فالزمان هو أساس فلسفته التي عرف بها وعرفت عنه. يصف بدوي حياة نيتشه من خلال الزمان، ونيتشه ممن يجمعون بين حياتهم وفكرهم في نسيج واحد، الذين يحيون أفكارهم قبل أن تنتجها عقولهم وقبل أن يعرضوها على الناس.

وإذا كانت الساعة في دقتها الأولى تدعونا الى دراسة نيتشه «الإنسان». فإن وصف بدوي له يستحق التحليل، ففي كثير من فقرات الكتاب التي يعرض فيها بدوي أفكار وأقوال نيتشه يتوقف منبهاً أن نيتشه ـ وهو يكتب هذا الكلام ـ لم يكن يصف غير نفسه، ولا يستوحي غير طبيعته أو يقول ما أصدق هذا الكلام بالنسبة لنيتشه (42). وأشعر ـ وقد يوافقني القارىء في ذلك ـ أن كثيراً من هذه العبارات تصدق بنفس القدر على بدوي نفسه. يقول وهو يتحدث عن نوعين من الوحدة تفرق بينهما اللغة الألمانية: «الوحدة المؤلمة التي يجد المرء فيها نفسه، والاعتزال الاختياري، وهو الانسحاب الإرادي، هو وحده الذي نعنيه ـ هنا ـ حين نتحدث عن الوحدة عند المفكرين وأصحاب الفن. فهو وحده الشرط الجوهري لكل إنتاج وكل خلق فكري أو فني» (43). لن نتسرع لنعقب بأن بدوي هنا وهو يصف نيتشه إنما يصف نفسه ويفسر لنا غربته أو انسحابه الاختياري، بل علينا أن نواصل وصفه للوحدة عند نيتشه. وهو يفعل ذلك باستخدام كلمات نيتشه في أحد خطاباته الذي يقول فيه:

«أشعر بأنه قضي عليّ بالوحدة حتى أصبحت حصني الحصين. وليس لي في هذا الآن أي اختيار. وإن ما يدعوني الى الاستمرار في الحياة من واجب ضخم سام لا مثيل له، يدعوني أيضاً الى تجنب الناس وعدم التعلق بشخص ما من الأشخاص» (44). سوف نتخذ من تعليق بدوي على نيتشه تعليقاً عليهما معاً، يقول بدوي: «ليتخذ من الوحدة وعدم إقبال الناس عليه وحبهم له دليلاً على سموه، ومجالاً للزهو والكبرياء» (45).

«يشعر نيتشه بذاته (وهذا ما ينطبق على بدوي نفسه) شعوراً مفرطاً قوياً، ويعتد بنفسه اعتداداً كبيراً، حتى أصبح يعتقد أنه قادر على التأثير في العالم كله تأثيراً كبيراً حاسماً» (46). إن الطابع الرئيسي السائد في طبيعة نيتشه ـ والتي يلخصها أحسن تلخيص ـ هو الامتياز الخارق، الممتلىء شعوراً بذاته، المتفاني في الإخلاص لرسالته، «امتياز يجعل من حياته حياة غريبة شاذة لا يكاد تاريخ الإنسان الروحي أن يجد لها مثيلاً ولا قريناً؛ ومن وجوده مأساة هائلة رائعة... وبطلها شخص مفرد احتملها كلها وحده، وكانت الوحدة وطنه وقصره الشامخ المخيف! وامتلاء يحمله على الاستقلال المطلق، والجرأة التي تكاد تبلغ حد الوقاحة، وفرض الإرادة والشخصية فرضاً يشعر الناس بإزائها شعورهم وهم في جوار بناء ضخم يتحدى السماء، فيبتعدون عنه خائفين من أن ينقض عليهم، ويحيا هو فريداً ليس بجوراه إنسان» (47).

يظهر أثر كتابات بدوي السياسية في كثير من القوى السياسية المصرية في فترة الأربعينيات من القرن الماضي خاصة على قادة تنظيم الضباط الأحرار ورموز الوطنية المصرية مثل عزيز المصري، الذي قرأ مقالات بدوي في «مصر الفتاة» عن النازية والفاشستية. «ولما كان معجباً بالألمان ويحسن شيئاً من اللغة الألمانية ـ فيما يقول بدوي عنه ـ فقد انصب الحديث بينهما حين التقيا عن الألمان وهتلر والثقافة الألمانية». وهو حين يتحدث عن أصحاب الفضل في الإفراج عنه بعد اعتقاله في ليبيا، يذكر الرئيس أنور السادات والدكتور محمد حسن الزيات وزير الخارجية. وكان السادات، ممن التقى بهم عند الفريق عزيز المصري، شديد الإعجاب بكتاب بدوي «نيتشه» . «وقد صرح فيما بعد في خطبة أقامها للأدباء في الإسكندرية، إنه متأثر تمام التأثر بكتابي هذا «نيتشه» . وظل مؤمناً بفلسفة القوة التي دعا إليها نيتشه وعرفها هو من كتابي الى أن انتصر في حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973». يقول بدوي عن أثر هذا الكتاب: «من الفئات التي أقبلت بشدة على قراءة هذا الكتاب فئة ضباط الجيش الذين كانوا ذوي تطلعات سياسية ومنهم جمال عبد الناصر وأنور السادات كما صرحا مراراً، لكن أشد هؤلاء الضباط حماسة للكتاب كان الضابط أحمد عبد العزيز الذي استشهد في فلسطين 1948، والذي راح في اللقاء الوحيد الذي جمعه ببدوي في بيته بمصر الجديدة يردد له عن ظهر قلب كثير من الجمل الحماسية من الكتاب».
Page 9
يريد بدوي عن وعي أو لاوعي إقامة علاقة بين أثر نيتشه في هتلر وأثر كتابه عن نيتشه في الضباط الأحرار. وسواء كان هذا هدفه أو لم يكن هو على وعي بذلك فإن توجه الضباط الأحرار في فترة القلق والحيرة التي تمر بها مصر قبيل 1952، والبحث عن سبيل آخر غير الديموقراطية والتحول عن الليبرالية السائدة حينذاك الى الفاشية، يبطن لدى بدوي تفسيراً سياسياً لفلسفة نيتشه أو على الأقل إمكانية توظيف فلسفته توظيفاً سياسياً.

ولسنا في حاجة الى تأكيد ما في هذه القراءة من عدم مشروعية في الربط بين فلسفة نيتشه والنازية.

ولم تقتصر كتاباته عن نيتشه على هذا العمل وهو أول أعماله وكانت دوافع كتابته كما أوضحنا دوافع سياسية، إلاّ أننا نجد أن اهتمام بدوي بالفيلسوف الألماني لم يتوقف واستمر في دراساته الفلسفية الأخرى.

علينا، إذاً، أن نعرض موقف بدوي من نيتشه، ليس من خلال «خلاصة الفكر الأوروبي» فقط بل أيضاً في كتابات بدوي الأخرى حيث نجد صورة نيتشه قد ظهرت أيضاً في «الحور والنور» كما ظهرت في نيتشه والشعر، في الشعر الأوروبي المعاصر باعتباره صورة حية نابضة قلقة متوترة تساعدنا في إبداع نظرة فلسفية متعمقة أطلق عليها بدوي اسم «الزمان الوجودي». وكان نيتشه ـ في هذه النظرة ـ خطوة فلسفية ممهدة لما يذهب اليه بدوي.

في رسالته للماجستير ـ التي نوقشت في تشرين الثاني/نوفمبر 1941 ـ يحلل بدوي مشكلة الموت وينكر على المسيحية إدراك الموت إدراكاً حقيقياً، ذلك أن نظرتها للموت بوصفه شراً جعلتها تنظر إليه على أنه مضاد للحياة، ولكي تكون النظرة للموت صحيحة يجب أن نجعلالموت جزءاً من الحياة، وهذا ما فعلته فلسفة الحياة؛ خصوصاً عند أشهر ممثليها من الألمان، نعني نيتشه وزيمل. فقد قال نيتشه: «حذار أن تقول إن الموت مضاد للحياة» (48). إن نيتشه هنا يمثل خطوة في تفكير بدوي في مشكلة الموت.

ونفس الأمر نجده في رسالة بدوي للدكتوراه عن (الزمان الوجودي) ـ وهو ما يمثل بالنسبة له إنجازه الفلسفي ـ ففي القسم الثاني منها يتناول بدوي الوجود الناقص مؤكداً «لا وجود إلا بالزمان، والزمان سر التناهي، فكل وجود لفناء». فالوجود نوعان: فيزيائي وذاتي؛ الثاني وجود الذات المفردة، والأول كل ما عدا الذات، سواء أكان ذاتاً واعية أم كان أشياء. ويرى أن الفكر الحديث صراع بين الذات والموضوع من أجل تحرر الأول من الثاني؛ صراع بلغ أوجه في المثالية الألمانية التي كاد أن يتم على يديها هذا التحرر. ولكنها ـ بدلاً من تأكيد الذات الفردية ـ استبدلت بها ذاتاً كلية مطلقة كما عند هيغل، وسار كيركغارد خطوة أخرى في هذا السبيل، ولكن نحو توكيد الذات الفردية وتلاه نيتشه ـ وهو ما يهمنا ـ فتقدم في طريق الذاتية المفردة بسرعة أكبر. ولكنهما لم ينتهيا ـ في الواقع ـ الى تأكيد الذات المفردة بالمعنى الوجودي الخالص، نظراً لتأثر كليهما بنزعات غير وجودية. فالأول سادت تفكيره نزعة دينية مما جعل نظرته مشوبة بصبغة تقويمية ظاهرة منذ البداية. وطابع التقويم هذا نجده كذلك عند نيتشه وبشكل أكثر صراحة ووضوحاً. فإنه حينما يتحدث عن الذات المفردة، إنما يفكر دائماً في الإنسان الأعلى، ولذا غلب عليه هذا التفكير، فلم يظفر، أو لم يأتنا، بنظرة في وجود الذات المفردة من حيث طبيعتها في الوجود، لا من حيث ما يجب أن تفعله لتبلغ كمالها وتحقق إعلاءها بذاتها فوق بقية الذوات الأخرى. فضلاً عن هذا فإن كليهما لم يُقم مذهباً واضح المعالم على أساس وجود الذات المفردة» (49). وهو ما سعى إليه بدوي في عمله هذا.

يمثل نيتشه، إذاً، خطوة في اتجاه بدوي الفلسفي، يضع الأساس ويكمل بدوي البناء. نيتشه يلهم وبدوي يبدع، إلا أن إلهام نيتشه ديونزيوسي وإبداع بدوي أبولوني، هنا تختلف لغة بدوي التحليلية النقدية عن لغته في كتابه عن نيتشه التي يختلط فيها الأدب بالفلسفة حتى نظنه شاعراً يهيم حماساً بموضوعه. يصيغ بدوي كلمات نيتشه المتفجرة في لغة منظومة وعباراته التي تراقص التأويل الى مقولات تخاطب الفهم.

يقدم لنا بدوي في القسم الثاني من كتابه «الزمان الوجودي» لوحة مقولات جديدة؛ مقولات العاطفة ومقولات الإرادة، ومنها (الخطر). فالمقولة الأولى للإرادة هي الخطر أو المخاطرة: «الخطر بوصفه صفة للوجود، والمخاطرة بوصفها فعلاً لمن يتعلق بهذه الصفة. وهذا ما أدركه نيتشه تمام الإدراك فجعل الإرادة في أصلها إرادة الخطر؛ وعنده أن الحياة ـ بوجه عام ـ معناها الوجود في خطر... ولا يقتصر نيتشه على توكيد ضرورة الخطر بالنسبة للإرادة وحدها. بل وأيضاً بالنسبة الى المعرفة» (50). وينطلق بدوي من نيتشه الى تحليل مقولة الخطر تحليلاً وجودياً في إطار مذهبه الفلسفي الوجودي.

يظهر لنا مما سبق وجود عنصرين أساسيين في تعامل بدوي مع نيتشه. الأول هو العنصر الديونيزي أو نيتشه الشاعر الداعية صاحب الرسالة التي تبشر بالإنسان المتفوق الممتاز الذي وجد فيه بدوي تعبيراً عن ذاته في كتابه عن نيتشه. والثاني هو العنصر الأبولوني أو تعامل بدوي الفلسفي مع أفكار نيتشه من أجل صياغة مذهبه الوجودي الذي ظهر في «الزمان الوجودي» . والذي توقف اهتمامه به في كتابه «دراسات في الفلسفة الوجودية» الذي يقدم فيه بدوي خلاصة مذهبه الوجودي، والذي لم يخصص فيه دراسة عن فيلسوفه الذي أصدر عنه أول كتبه. معنى ذلك ـ بالنسبة لنا ـ أن هناك مجالين أراد من خلالهما بدوي تحقيق ذاته وتأكيد امتيازه. الأول: هو الثورة الروحية أو الدعوة السياسية، والثاني: هو الفكر وتأسيس المذهب الفلسفي. وكان نيتشه في كلا المجالين هو نقطة الانطلاق.
Page 10
نيتشه والتحليل النفسي (*)

د. عبد الغفار مكاوي (**)

هذه قراءة لبعض نصوص نيتشه (1844/1900) «النفسية». ربما تثير الكلمة الأخيرة شيئاً غير قليل من الشك والحيرة. وربما ذكرت القارىء بالجدل الطويل الذي دار وما زال يدور حول الفيلسوف الشاعر مؤلف «هكذا تكلم زرادشت» و «أناشيد ديونيزيوس الديثرامبية»، صاحب الأسلوب المتوهج بالصور الحية والرؤى العميقة المخيفة، والعبارات البركانية المتفجرة بالغضب والشوق، ذلك الذي «تفلسف بالمطرقة» ولم يكتب كلمة واحدة لم يغمسها ـ على حد قوله ـ في دم القلب، هل هو شاعر أم فيلسوف؟ وهل نحسم هذا الجدل الذي لم ينته بأن نضيف إليه مشكلة جديدة فنزعم أنه عالم نفس؟

لا شك عندي في أن نيتشه مفكر وجد في التفكير وحده كل نشوته وعذابه، وبهجته وألمه، بل أن التفكير المجرد ليبلغ عند تلك القمة التي يصبح فيها فكراً غنياً بالصور الحية التي تليق «بفيلسوف الحياة». ويكفي أن نطلّع على فقرة واحدة مما كتب، وأن نتذكر العبارة التي قالها في كتابه الأكبر «إرادة القوة» الذي لم يقدّر له أن يتمه وجُمع ونُشر بعد موته: «إن الفكر هو أقوى شيء نجده في كل مستويات الحياة»، والعبارة التي صرح بها في إحدى كتاباته المتأخرة: «أن التفكير المجرد لدى الكثيرين عناء وشقاء، أما عندي فهو الأيام المواتية عيد ونشوة» وأخيراً هذه العبارة التي دونها في أوراقه التي عثر عليها بعد موته وكأنه كان يتنبأ بالغيب ويرد على الأجيال التي شعر أنها لن تفهمه ولن تنصفه: «إرادة القوة، كتاب هدفه التفكير، ولا شيء غير التفكير».

«إرادة القوة»، إذاً، شأنه شأن غيره من كتبه قد وضع ليفكر فيه الناس. إنه قول ميتافيزيقي يتحدث عن العالم ككل ويتجاوز كل ما يضمه من أحوال وأشياء. ويصدق الشيء نفسه عن أقواله الكبرى ـ التي تعرضت دائماً لسوء الفهم ـ عن الإنسان الأعلى وإرادة القوة ـ أي إرادة الحياة والمزيد من الحياة ـ وعودة الشبيه الأبدية. فهي أفكار فلسفية وميتافزيقية قبل كل شيء، وصاحبها الذي طالما تفاخر بعدائه للميتافيزيقا والمنطق والجدل والعقل النظري أو السقراطي هو في رأي معظم الدارسين (وبخاصة هايدغر وتلاميذه) أشد الميتافيزيقين تطرفاً في تاريخ التفكير الغربي، بل أنه في رأيهم منتهى غايتها وآخر حلقة من حلقات تطورها منذ أفلاطون ومن قبله من المفكرين قبل سقراط.

بيد أن هذا كله لا يتنافى مع الحقيقة التي وصف بها نفسه حين قال إنه «خبير بالنفس» لم يتوقف عن سبر أغوارها، وأنه كما قال في كتابه «إنساني، إنساني جداً» قد استفاد من «مزايا الملاحظة النفسية» وراح في كل كتاباته يحلل نفسه وينقدها وينطق بلسان «السيكولوجي» حين ينطق عن حاله. يقول على سبيل المثال في كتابه «نيتشه ضد فاغنر»: «كلما ازدادت خبرة المرء بالنفس واتجه كعالم نفس بالفطرة والضرورة الى الحالات الاستثنائية والأنماط المختارة من البشر زاد الخطر الذي يتهدده بالاختناق شفقة عليها...» ولكن ما حاجتنا للجوء الى مثل هذه العبارات وكتابات الفيلسوف تنطق بخبرته بالنفس وتعمقه في طبقاتها الدفينة ومتاهاتها المظلمة؟ إن المطلّع على هذه الكتابات ابتداء من «ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى» حتى شذراته الأخيرة وخطاباته التي كتبها في ليل جنونه ووجهها الى قيصر والمسيح وبعض أصدقائه؛ كل هذه الكتابات تشهد شهادة كافية على تحليلاته النافذة ونظراته النفسية الثاقبة، بل أنها لتشهد بأنه سبق مؤسس التحليل النفسي في هذا المضمار، وأنه راد طريق علم النفس التحليلي وعلم النفس الفردي ـ كما سنرى بعد قليل ـ وأثر فيها جميعاً بحدوسه وخواطره الملهمة تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، وصل في بعض الأحيان إلى حد استباق النظريات، كاللاوعي وما تحت الوعي وما فوقه ووراءه وكذلك اللاوعي الجمعي النماذج أو الأنماط الأولية، بل لقد بلغ حد التطابق في المصطلحات كما سنرى مثلاً مع كلمة الإعلاء التي تتكرر في كتبه أكثر من اثنتي عشرة مرة..