eKtab
EN ع
نزار مروة في عوالمه الثقافية وفي دروب حياته
Read free sample

نزار مروة في عوالمه الثقافية وفي دروب حياته

by كريم مروة

Page 1
تصدير

لهذا الكتاب قصة تعود إلى العام الأخير من القرن. كان قد مضى على غياب نزار مروة ثمانية أعوام. أصابني حنين جارف إليه كما أصاب هذا الحنين أصدقاء آخرين، كان في مقدمتهم محمد دكروب الذي يعتبر نفسه مثلي صديق عمر لنزار، ابتداءً من مطلع خمسينات القرن الماضي، بعد عودة نزار مع العائلة من العراق إلى لبنان واختيار بيروت مقراً للإقامة والعمل والدراسة. تداولت مع محمد دكروب في إمكانية العودة إلى تراث نزار واختيار نماذج من كتاباته في الموسيقى والنقد الأدبي والفني. وقررنا البدء بالعمل. أقمنا ورشة للبحث عن كتابات نزار في المجلات والصحف وفي أرشيفه الخاص. ونجحنا في جمع عدد غير قليل من كتاباته في الميادين المشار إليها. وتطوع محمد دكروب للاهتمام بالكتاب الأول المكرس لكتابات نزار في الموسيقى، على أن يتم الاعداد للكتاب الثاني بعد فترة لا تتجاوز العام. وقد صدر الكتاب الأول بعنوان «في الموسيقى اللبنانية العربية والمسرح الغنائي الرحباني» مع مقدمة لمحمد دكروب، ولقي صدى طيباً في الوسط الثقافي، وفي وسط أهل الموسيقى على وجه الخصوص. ولشدة فرحنا بالكتاب الأول نسينا الكتاب الثاني وسط انشغالات كل منا، دكروب وأنا، بهمومنا المتعددة الجوانب. وإذ صعب على دكروب في الآونة الأخيرة الاهتمام بإعداد الكتاب الثاني بالطريقة الممتازة التي أعد فيها الكتاب الأول، أخذت على عاتقي الاهتمام به على طريقتي ومن دون أية خبرة عندي في هذا النوع من العمل. استعرضت ما كنا قد جمعناه من كتابات لنزار. ودخلت في قراءتها مقالاً إثر مقال في الفكر وفي الموسيقى وفي الأدب وفي الفن. وخلصت إلى اختيار هذه المجموعة التي يضمها هذا الكتاب. لكنني لم أشأ أن أقحم نفسي في مهمة وضع تقديم لهذه المقالات كما فعل دكروب، وكما جرت العادة في مثل هذا النوع من الكتب، لا سيما إذا كان أصحابها قد غادروا الحياة وتركوا سيرتهم وتراثهم لمن يتطوعون للاهتمام بهما. وبدلاً من وضع مقدمة للكتاب من ذلك النوع المعتاد من المقدمات، شرعت في كتابة ما يشبه سيرة نزار، التي كنت شريكاً له في قسم أساسي منها منذ شبابنا الباكر، بدءاً من المرحلة العراقية من حياته، وصولاً إلى اللحظة الأخيرة من العمر. وتركت للقارئ أن يدخل فيما تستهويه قراءته من المقالات التي يضمها الكتاب في مواضيع مختلفة في الفكر وفي النقد الأدبي، وفي قضايا المسرح والسينما، وفي تاريخ الموسيقى وفي تأملاته في الحياة والموت. واخترت الابتعاد عن تقديم قراءتي الخاصة لتلك المقالات.

غير أنني أحب أن أعترف للقارئ في هذا المقام بأن اختياري للمقالات هو بذاته تعبير عن وجهة نظري في تراث نزار. بمعنى أنني أخذت من تلك المقالات ما رأيت فيه تعبيراً عن شخصية نزار وعن فكره وعن الاتجاه الذي اختاره لنفسه في الفكر وفي الأدب وفي الفن. اخترت بعناية وبدقة تلك المقالات بعينها من دون سواها، ليس لأن ما أهملته منها لا يستحق الاهتمام به، بل لأن ما اخترته يشكل في نظري التعبير الأفضل عن مواقف نزار في المواضيع التي عالجها في كتاباته.

وأحب أن أعترف في الآن ذاته بأنني اكتشفت في هذه المقالات ما لم أكن أعرفه عن نزار من فكر نيّر، ومن سعة ثقافة، ومن دقة في تقديم آرائه، دقة حرص فيها على أن يكون مسؤولاً في إعطاء آرائه بالأعمال الثقافية وبأصحابها. وهي بالتحديد مسؤولية المثقف النقدي بامتياز. ويشكل المقال الأول من الكتاب حول المثقف النقدي أصدق تعبير عما أشير إليه من إحساس عميق عند نزار بالمسؤولية.

يبقى عليّ أن أقدم اعتذاري للقراء عن الخلل الذي برز في اختيار المقالات، الخلل المتمثل في عدم الاشارة إلى تواريخ المقالات وإلى المكان الذي نشرت أو قرئت فيه. وهو نقص يعود إلى أن الذين كنت قد كلفتهم سابقاً بمهمة جمع المقالات وتصويرها فاتهم تسجيل تلك التواريخ. وقد كان من الصعب عليّ أن أصحح هذا الخلل. لأن التصحيح كان سيقود إلى تأخر إصدار الكتاب، إذ اعتبرت أن المهم في هذه النصوص التي كتبت في زمانها العائد إلى حياة نزار هو ما جاء فيها من مواقف وآراء وأفكار تعود إلى نزار بالذات الذي انقضى على غيابه واحد وعشرون عاماً. إلا أنني مع ذلك أذكر أن مقالات نزار الواردة في هذا الكتاب وفي الكتاب الأول، قد نشرت في معظمها في مجلة «الثقافة الوطنية» ومجلة «الطريق» ومجلة «المقاصد» ومجلة «المسيرة» وجريدة «النداء» وجريدة «الأخبار». لكني لا أذكر المجلات والصحف الأخرى.

تلك هي بأمانة قصة هذا الكتاب من أولها إلى آخرها. وأرجو أن أكون قد قمت ببعض واجب الوفاء لهذا المثقف الجميل الذي اسمه نزار مروة. وإني على ثقة بأن القارئ سيجد في هذا الكتاب المزيد مما يريد أن يعرفه عن نزار، إضافة إلى ما قدمه الكتاب الأول عنه.

أما بالنسبة إلى سيرة نزار، سيرة حياته وسيرة نشاطه الثقافي، فقد تطوعت استناداً إلى معرفتي التفصيلية بحياته منذ بواكير عمره، لتقديم ما سميته «مدخل إلى عالم نزار مروة في ما يشبه السيرة»، وهو مدخل يقدم للقارئ الكثير مما يمكن أن يكون واسطة معرفة بهذا المثقف المميز في تاريخنا اللبناني والعربي الحديث.

كريم مروة
Page 2
مدخل

إلى عالم نزار مروة في ما يشبه السيرة

كريم مروة

1

ما أكتبه هنا عن نزار مروة لا يدخل في إطار الدراسة لتراثه الثقافي، ولا حتى في إطار الدراسة لسيرته. إنه نوع من تداعي الذكريات تجتمع فيه أحداث صغيرة وكبيرة، مهمة وغير مهمة، توحد بينها علاقة صداقة نشأت بيني وبينه منذ الطفولة والشباب الباكر، وامتدت طوال العمر. وإذ أستل تلك الأحداث من مخزون ذاكرة لا تزال تحتفظ بحيويتها، رغم عبء السنين، فلأنني أشعر، من تلقاء ذاتي، وبفعل إلحاح الذكريات ذاتها، بضرورة جمع تلك الأحداث بتفاصيلها، وإخراجها إلى النور، وتحريرها من وحشة الوحدة داخل أسوار الذاكرة قبل أن تنهار هذه الأسوار بفعل العمر، ويحكم عليها النسيان الأبدي. وأزعم أن في هذا النوع من الكتابة، عن هذا النوع من الأحداث المبعثرة التي توحد بينها هذه العلاقة الحميمة الطويلة بين هذين النسيبين الصديقين، تحمل في نشرها بعض الفائدة، لأنها تشبه، بمعنى ما، سيرة نزار وبعضاً من سيرتي.

لقد تعرفت إلى نزار قبل أن ألتقيه؛ التقينا في البدء لفترات قصيرة، في أيام الطفولة، عندما كان والده «الشيخ» حسين يأتي بعمامة رجل الدين وزيه مع العائلة لقضاء عطلة الصيف بين قريتنا حاريص وقريتهم حداثا الجارتين الحميمتين من قرى جبل عامل في قضاء بنت جبيل. وكنا، أو كدنا، ننسى بعضنا لطول المسافة الزمنية الفاصلة بين اللقاء والآخر. لكننا ظللنا نلتقي، عبر الصور والرسائل التي كان يرسلها والده الشيخ حسين لوالدي الشيخ أحمد، ابن عمه وراعي طفولته والوصي عليه بعد وفاة والده الشيخ علي المرجع الشيعي الكبير في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وتكونت لدي عن نزار، ولدى نزار عني، صورة فيها شيء من الواقع والكثير من نسج الخيال. لكن المعرفة الحقيقية لكل منا بالآخر بدأت عندما التقينا في الكاظمية في العراق في أواخر عام 1947. فقد أرسلني والدي بسبب ظروف الحياة الصعبة التي كانت العائلة تعانيها، وبسبب تعثر دراستي في صور، إلى كنف ابن عمه «أبي نزار» لمتابعة دراستي العلمية هناك برعايته. كان «أبو نزار» قد خلع، في عام 1938، زي رجل الدين وعمامة الشيخ ليصبح أستاذاً للفلسفة والأدب، متنقلاً بين مدن العراق المختلفة، ومدارسها وكلياتها، وليصبح في الوقت ذاته كاتباً معروفاً تتسابق الصحف والمجلات على التعاقد والاتفاق معه. كان ذلك العمل المضني مصدر متعة بالنسبة إليه، كما كان يصرح لنا ولأصدقائه الكثر، ومصدر غنى لثقافته. لكنه كان في الوقت ذاته مصدر إرهاق له، ومصدر توتر دائم لم يكن من الصعب علينا ملاحظته. وقد كان استقبال العائلة لي رائعاً فور وصولي إلى الكاظمية. اندمجت بسرعة وسط هذا التعدد والتنوع في الطباع والأمزجة في حياة جديدة داخل بيت تميز بالغنى في الثقافة وفي الهوايات وفي العلاقات. وأصبحت من دون صعوبة قريباً من نزار ومن بعض اهتماماته. ثم صرنا منذ ذلك الحين صديقين ورفيقي عمر. وستبقى تلك الصداقة ورفقة العمر هي ذاتها برغم الموت الذي فرقنا، وغصباً عنه.

وأعترف هنا بأنني قررت، بوعي كامل، منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها إلى دار حسين مروة، أن أتعلم، ليس من «أبي نزار» معلمنا جميعنا فقط، بل من نزار بالذات، رغم أنني كنت أكبره بعام ونيف. مصدر ذلك القرار وسببه المباشر، هو أنني اكتشفت أن ما كنت قد كونته من ثقافة خلال المرحلة المتوسطة من دراستي في مدارس صور وبوسائلي الخاصة، مع أصدقاء شبابي الأول وهم كثر، وعبر الكتب العديدة لكتاب تلك المرحلة اللبنانيين والعرب، ومن خلال المجلات التي كانت تصدر في لبنان ومصر، وعبر صداقات نشأت بيني وبين بعض أساتذتي في ذلك الحين في أواسط الأربعينات، هذه الثقافة لم تكن بمستوى ما كان هذا البيت الثقافي، بيت «أبي نزار»، يحفل به من غنى وتنوع وعمق. قررت أن أتعلم، من دون عقد، من نزار. وبدأت معه اقتحام طريق خاص إلى الحياة. وكان ذلك الطريق صعباً. إذ كان يحتاج منا أن نبحث عن المعرفة حيث هي، في كتاب أو في مجلة أو في منتدى أو عند شخص معين. واخترنا الثقافة مدخلاً إلى تكوين شخصية كل منا والارتقاء بوعيه. وجعلناها طريقنا إلى تحقيق أحلامنا ومطامحنا. كان لكل منا أسلوبه ومنطقه وشكل علاقاته بالأحداث وبالناس وبالأشياء. وكانت لكل منا طباعه الخاصة واهتماماته وهواجسه وأمزجته المتبدلة. فلم ننقل عن «أبي نزار» نقلاً حرفياً أياً من صفاته واهتماماته، وأياً من أفكاره، بل حتى أياً من علاقاته، رغم كل ما تركه في تربيتنا وثقافتنا من تأثير عميق وراسخ. كان في أساس ذلك القرار الاختلاف الذي يستطيع أي من أصدقائنا، نزار وأنا، ومن أصدقاء «أبي نزار»، أن يلحظه، سواء في شخصية نزار وفي التراث الإنساني والثقافي الذي تركه لنا، ، أم فيما يتعلق بي، بالمقارنة مع شخصية «أبي نزار» وتراثه الإنساني والثقافي.
Page 3
كان نزار ابن أبيه في سعة الثقافة وفي شكل التعامل مع مصادرها القديمة والحديثة. لكنه كان يتميز عن أبيه بامتلاكه اللغة الإنكليزية بإتقان. وكان، وهو طالب الرياضيات، صديقاً للموسيقى، يستمع إليها في معظم أوقات فراغه، ويدرسها ويغني ثقافته في مجالاتها. وهي ثقافة كنت أجهلها، رغم أنني كنت أمتلك متعة الاستماع إلى الموسيقى العربية والشرقية بشكل خاص. وهو ما لفت نظر نزار أيضاً واكتشف فيه مصدراً إضافياً لتعميق الصداقة بيننا. وقد أدهشني في نزار، إضافة إلى ذلك، أنه كان يدرس الموسيقى لوحده، من دون الاستعانة بأستاذ مختص، ليس تاريخها وحسب، ولا الآثار الكلاسيكية العظيمة لكبار الموسيقيين وحسب، بل كذلك دراسة النوتة. بل هو مارس أيضاً العزف بالتعلم الذاتي على الناي والفلوت البسيط. وكان «السردابـ«، أي الطابق السفلي تحت الأرض، المكان الذي كان يمارس فيه تلك الهواية كي لا يكون العزف في فترة التمرين مصدر إزعاج لأفراد العائلة. وكان أحب الموسيقيين الكلاسيكيين إليه موزار، الذي كان معبوده. ولكثرة ما أسمعني من سمفونياته ومن المقطوعات المنتقاة من أعماله الموسيقية أصبحت لفترة من الزمن مهووساً مثله بموزار العظيم هذا. لكن حبه لموزار لم يغيب قط اهتمامه بكبار الموسيقيين الكلاسيكيين، وفي مقدمتهم بتهوفن. وكان اهتمامه هذا بالموسيقيين الكبار وبالموسيقى العالمية بشكل عام يستند إلى ثقافة موسيقية عالية منذ ذلك الزمن المبكر، وإلى موهبة رفيعة عنده كانت تغتني وتتعمق بهذه الثقافة. ولكم جرت بيننا من أحاديث في تلك الفترة حول هذه الشؤون الثقافية كلها، ومنها الموسيقى. غير أنني لم أضع أمامي منذ البدء مهمة الغوص في عالم الموسيقى. إذ اخترت أن أبقى في حدود حب الاستمتاع في سماع القطع الموسيقية الجميلة على أنواعها، ومنها بالأخص الموسيقى الكلاسيكية. وكان مصدر ثقافتي هذه هو نزار بالذات الذي ظل حتى آخر لحظة من حياته مصدر هذه المعرفة عندي، والمرجع الذي أعود إليه في تحديد ما له علاقة بالموسيقى في مكتبتي الموسيقية المتواضعة، التي أدين له في تكونها، وفيما بقي منها خلال صعوبات المرحلة الطويلة التي اجتزتها من سني السفر المتواصل والتنقل بين البلدان والأمكنة في أرجاء العالم الواسع، ومن سني الحرب الأهلية البائسة في بلدنا الجميل المعذب لبنان.

كان نزار انطوائياً في طبعه. وكان ذلك واضحاً في طريقة حياته في ذلك الزمن، زمن الشباب الباكر في العراق. لكنه كان حين يقرر الدخول في مجتمع ما يصبح بسرعة نجماً متألقاً، لما كان يتمتع به من ظرف وسعة ثقافة ومرونة في التحول من حال إلى حال آخر مختلف. وكنت بطبعي مختلفاً عنه في هذا المجال. إذ كنت أجنح دائماً إلى توسيع علاقاتي مع الآخرين، رغم أن تربيتي البيتية وسط عائلة دينية شديدة الاحترام والتميز والمحافظة خلقت عندي، في البدء، نوعاً من الحياء، سرعان ما أسهمت في إخفائها، أولاً، ثم في إزالتها تدريجاً، ظروف الحياة والمسؤوليات التي تحملتها في مجالات مختلفة متعددة ميادينها في الوطن وفي البلدان التي زرتها وأقمت طويلاً في بعضها.

لم يكن التناقض بين طباعي وطباع نزار مصدر تناقض في الاهتمامات العامة، لا سيما في العلاقة مع أوساط المثقفين. على العكس من ذلك، فقد انطلقنا سوياً، وبتوجيه ورعاية من «أبي نزار»، في إقامة علاقات ثقافية مع عدد من الأدباء والشعراء والفنانين الشباب. لكن كان علينا أن نختار بعناية أشكال تحركنا واتجاهاته من أجل النجاح والاستمرارية في ذلك التوجه. وكان هاجسنا الرغبة في التعرف إلى الجديد والتعلم من الآخرين والاستماع إلى النقاشات والإسهام فيها قدر الإمكان. وكان علينا أن نكثر من زياراتنا لبغداد وضواحيها الجنوبية خصوصاً. فهي كانت المكان الأرحب لمثل هذا النوع من المعرفة وهذا النوع من العلاقات المتنوعة. كان الذهاب إلى بغداد من الكاظمية يتطلب منا سلوك طريق وحيد، يبدأ بعبور الجسر الخشبي فوق نهر دجلة، الذي يصل الكاظمية بالأعظمية. وكان يتطلب منا ذلك تغيير وسائل النقل من حافلة إلى أخرى لكي نصل إلى قلب العاصمة في باب المعظم أولاً، ثم شارع المتنبي وشارع الرشيد، ثم عبره في الطريق المؤدي إلى شارع أبي نواس على ضفاف نهر دجلة، والمؤدي إلى الكرادة الشرقية أو إلى كرادة مريم، الضاحيتين الواقعتين في الطرف الآخر جنوب بغداد بالمقارنة مع الكاظمية التي تقع في الشمال.

وباقتراح من نزار توقفنا ذات مساء في أواخر عام 1947، ونحن في طريقنا من الكاظمية إلى الكرادة الشرقية لزيارة محمد شرارة وعائلته، الصديق التاريخي لحسين مروة. توقفنا في حي الأعظمية في مقهى من نوع خاص كان قد افتتح حديثاً. وكان يحمل اسم «جزيرة الواق واق». وكان يقع بين أمانة العاصمة وقبر الملك فيصل الأول، وبين مقر الإمام الأعظم أبي حنيفة. وهو مقهى كان يرتاده الأدباء والشعراء والفنانون الشباب من أصحاب المدرسة الحديثة في الأدب والفن، شعراً وتشكيلاً ونحتاً وكتابة نقدية. هناك التقيت لأول مرة بالشاعر بلند الحيدري، الذي كان يعرفه نزار، والذي صرت وإياه فيما بعد بدءاً من أواخر الستينات، صديقين حميمين. وكان قد صدر له في ذلك التاريخ أول دواوينه الشعرية «خفقة الطين». وبلند هو من أوائل الذين اقتحموا بشجاعة، ضد التيار السائد، عالم الحداثة في الشعر. كذلك التقيت لأول مرة في المقهى ذاته بالرسام والشاعر نزار سليم شقيق النحات جواد سليم، وبالنحات خالد الرحال وبالشاعر صفاء الحيدري شقيق بلند، وبالناقد ابراهيم اليتيم، الذي كان قد عاد حديثاً من فرنسا بعد انتهاء دراسته الجامعية. وقد توطدت علاقتي مع إبراهيم فيما بعد واستمرت طويلاً. وقد عرفت في حينه أن فكرة المقهى هي من إبداع تلك الشلة من الأدباء والشعراء والفنانين، وأنهم هم الذين اختاروا له ذلك الاسم بالذات، واستأجروه ليكون ملتقى لهم. وأذكر أننا حاولنا، نزار وأنا، في حينه أن نجتهد في تفسير تلك الظاهرة. وتوصلنا إلى استنتاج خاص، اعتبرنا فيه أن تلك المجموعة من الأدباء والفنانين الشباب الواسعي الثقافة كانت مهمومة بالبحث عن التجديد والتحديث وسط صعوبات موضوعية وذاتية. لذلك كان التحدي هو الطابع المميز لحركتهم، ممزوجاً بطموح جارف للتغيير في كل الاتجاهات، تجاوزاً للواقع الذي كان يحيط بهم وتجاوزاً لإمكاناتهم ولإبداعاتهم الثقافية ذاتها. فكانت لقاءاتهم في ذلك المقهى والنقاشات التي كانوا ينخرطون فيها حول نتاجهم الأدبي والفني، وحول ما كان يصدر من نتاج أدبي وفني في أماكن أخرى في العالم العربي وفي العالم، كان ذلك هو شكل التعبير عن وجودهم وعن شخصيتهم المتميزة وعن طموحهم الجارف لتحديد شخصية كل منهم في شكل مختلف عن السائد. لكنهم لم يكونوا وحدهم رواد تلك الحركة. فقد كان في الجانب الآخر من العاصمة أدباء وفنانون آخرون يحملون الهم نفسه. أذكر من الشعراء بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ولميعة عباس عمارة وأكرم الوتري، الذي انصرف منذ وقت مبكر عن كتابة الشعر إلى شؤون حياته العملية، رغم ما كان يتميز به شعره، كما أذكر، من جمال في الشكل وفي الصور وفي الأفكار. وأذكر من كتاب القصة والرواية عبد الملك نوري، الذي أطلقت عليه في ذلك الحين بعد أن قرأت العديد من قصصه الجميلة، وبعد أن نشأت بيننا صداقة حميمة، لقب «تشيخوف العرب». كما أذكر كاتب القصة ذو النون أيوب الذي كان يكبرهم سناً.
Page 4
وهل أستطيع أن أنسى أسماء عزيزة وكبيرة مثل الشاعر الجواهري متنبي العصر، والشاعر والمؤرخ اللبناني حسن الأمين، والشاعر كاظم السماوي، والشاعر والفنان نوري الراوي، والأديب عبد القادر البراك، الذي كنا نلتقيه في مقهى حسن عجمي في منطقة الحيدر خانة، والصحافي محمد حسن الصوري صاحب مجلة «الحضارة»، والكاتب والروائي جعفر الخليلي صاحب مجلة «الهاتف» وصاحب المسلسلات الروائية عن عالم الجن، والشاعر والسياسي ورجل الدين الشيخ محمد رضا الشبيبي، والساعاتي والأديب والمحامي العصامي ناجي جواد، وعزيز أبو التمن ابن الزعيم الوطني العراقي جعفر أبو التمن أحد قادة ثورة العشرين، وكامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي ونائبه محمد حديد وحسين جميل وعبد المجيد الونداوي من أركان ذلك الحزب. وهل أستطيع أن أنسى جريدة «الأخبار» وصفحتها الثقافية التي كنا ننشر فيها، نزار وأنا، بعض نتاجاتنا الأدبية القليلة، وبعض الترجمات الشعرية والقصصية عن الفرنسية والإنجليزية. جميع هؤلاء وآخرون كثيرون من أصدقاء «أبي نزار» في الأوساط الثقافية والسياسية والاجتماعية، الذين أصبح عدد منهم أصدقاء لنا بامتياز، شكلوا بالنسبة إليّ وإلى نزار عالماً رائعاً من العلاقات ومصدراً مهماً من مصادر المعرفة التي أسهمت في بناء وتكوين شخصية كل منا بخصوصياتها.

كان من حسن حظنا أننا كنا نجمع، بواسطة «أبي نزار» و«أبي ابراهيم» محمد شرارة، المجد من أطرافه، صداقة الشباب من الأدباء والفنانين والشعراء، وصداقة الجواهري بالذات، وصداقة الكبار الآخرين في ذلك الحين من الشعراء والفنانين والسياسيين أيضاً، ممن ذكرت وممن فاتني ذكر أسمائهم.

كان «أبو نزار» يرقب حركتنا عن كثب وبفرح كبير وباهتمام وبرعاية. وكنا في أيام العطل الأسبوعية وعطل الأعياد نقيم جلسات حوار في دارنا في الكاظمية حول الشؤون العامة التي كانت تشغلنا. وقد كانت جلسات ممتعة وغنية. وكان «أبو نزار» يضفي عليها من روحه المرحة ومن السخرية الجميلة الناعمة التي تعودنا عليها ما يزيدها غنى ومتعة. كانت تشمل تلك الجلسات نقاشات حول قضايا صعبة مترافقة مع تساؤلات بحاجة إلى إجابات. وكان «أبو نزار» يشاركنا البحث عن تلك الإجابات من دون أن يجزم أو يحسم بأي منها، تاركاً لنا الباب مفتوحاً للتفكير من أجل أن نكتشفها بأنفسنا. فإما أن تكون صائبة فيفرح، وإمّا تكون ناقصة فيتدخل لتصويبها. وأذكر أننا ذات يوم عطلة جلسنا كالعادة في مثل تلك الحالات نناقش في أمور عديدة ونتبادل الأحاديث. ويومها، وكان ذلك في كانون الأول من عام 1947، اقترح علينا «أبو نزار» أن ينصرف كل منا إلى كتابة نص إبداعي، ومعنا النهار كله. وعندما عدنا عصر اليوم ذاته للالتقاء كان هو قد كتب قصيدة بعنوان «أطلال قلبـ«. وكان نزار قد كتب قصيدة من الشعر الحديث. أما أنا فقد كتبت حوارية ذهنية من فصل واحد يدور الحوار فيها بين الإنسان والزمن. قصيدة «أبي نزار» نشرت في مجلة «العرفان» اللبنانية. أما حواريتي فنشرت في جريدة «الرأي العام» لصاحبها الجواهري. في حين امتنع نزار عن نشر قصيدته واحتفظ بها لنفسه.

2

كانت دار محمد شرارة في الكرادة الشرقية ملتقى الأدباء والفنانين وملتقى للشخصيات السياسية والاجتماعية أسوة بدار حسين مروة في الكاظمية. وكنا، أبو نزار ونزار وأنا مع سائر أفراد العائلة، وأحياناً نحن الثلاثة لوحدنا، وفي الأغلب نزار وأنا فقط، نذهب لقضاء سهرات أو أيام بلياليها مع العائلة الصديقة المتعددة الهوايات والطباع والعلاقات، من «أبي إبراهيم» محمد شرارة إلى مرتضى شقيقه إلى شقيقته سكنة وبناته مريم وبلقيس وحياة. جميعهم كانوا يحبون الثقافة ويمارسون صنوفاً منها، إبداعاً ونقداً، أو قراءة على الأقل أو نقاشاً في جوانب منها. في تلك اللقاءات، التي تعلقت بها كثيراً واكتسبت منها معارف وأقمت علاقات، تعرفت مع نزار إلى أشخاص كثيرين. لكنني أحتفظ بمكان خاص بين هؤلاء للشاعر بدر شاكر السياب وللشاعرة نازك الملائكة. وقد نشأت بيننا وبين السياب بشكل خاص صداقة عميقة سرعان ما بددها الانقطاع والتباعد والتحولات في المواقف. وكان السياب قد بدأ يطل كشاعر متميز وكمثقف واسع الثقافة. لا يتردد في الجهر بشيوعيته وبانتمائه التنظيمي إلى الحزب الشيوعي، وهو طالب في دار المعلمين العالية، فرع الآداب. وكان واضحاً أنه كان قد بدأ منذ وقت مبكر مع الشعراء والفنانين الذين أشرت إليهم في محاولة إبداع طريقة حديثة في الشعر، هي طريقته الخاصة، متجاوزاً فيها المألوف السائد، لكن من دون تجاوز الموسيقى التي تحددها التفعيلة الجديدة. كان شاعراً حراً لا يتقيد بمفاهيم مسبقة، سواء في المضمون أم في الشكل، رغم حرصه الشديد على الجهر، بأشكال فنية بديعة، بهويته الفكرية. كان السياب، كما فهمنا من وضعه ومن بعض أخباره الخاصة، على علاقة غير طبيعية بعائلته، ربما بسبب أفكاره وبسبب انتمائه إلى الحزب الشيوعي. إذ صار الحزب بالذات مرجعه في كل شيء، حتى في حياته الخاصة. لكنه كان قد بدأ يعاني في ذلك التاريخ من حالة قلق بسبب ذلك الواقع الذي وضعته فيه الظروف. وكان مصدر قلقه خوفه المزدوج من أن يشوه ذلك الواقع علاقته بالحزب وبالشيوعية، وأن يؤثر النمط الذي كان سائداً في الحركة الشيوعية سلباً على حريته وعلى علاقته الطبيعية بالحياة. كان يشكو في ذلك الحين من بعض القياديين في الحزب ومن بعض طرائقهم في فهم طبيعة العلاقة الخاصة المفترضة من قبل الحزب مع المثقفين، فضلاً عن شؤون أخرى، لم أعد أذكرها. كان السياب صادقاً في حياته وفي شعره. وكانت تعبر عن هذا الصدق تفاصيل حياته وشعره ومشاعره الخاصة والعامة وسلوكه وعلاقاته. وكان انطوائياً وخجولاً يكاد لا ينظر مواجهة إلى الشخص الذي يتحدث إليه. كانت شخصيته مليئة بالعقد، لا سيما عقدة العلاقة مع المرأة. وكان نحيل الجسم. وكان أنيقاً في لباسه. ولكم كنا شاهدين في لقاءاتنا، التي تعددت حتى صارت بمستوى الحدث اليومي في حياتنا، على نماذج من ذلك الذي أشرت إليه من عناصر شخصيته. كان يقرأ لنا الشعر بوجد. وكان كل شيء فيه يسهم في القراءة: أطرافه المتمايلة أحياناً والثابتة مثل السكون أحياناً أخرى، ويداه المتحركتان في كل الاتجاهات، وأصابع يديه المنشغلة بتوتر في تحديد المعاني والأماكن الدالة عليها في جسمه بالذات، وفي أماكن أخرى خارج جسمه. كانت حواسه ومشاعره وخلجات قلبه وهواجسه وأحلامه وأفكاره تكاد ترى بالعين المجردة من خلال الانفعالات التي كانت قراءته لأشعاره تثيرها فيه وفي المستمعين إليه. وعندما كانت تحضر معنا الشاعرة لميعة عباس عمارة تلك الجلسات في دار محمد شرارة، وكثيراً ما كانت تحضر إذ كانت تربطها بالعائلة الصديقة علاقة حميمة، فقد كانت نضارة الشباب فيها وتألقها وحيويتها ومرحها النسائي الجميل والخبيث، وما كانت تخفيه عيناها ذات الحور من معان وأسرار، كانت جميعها تثير لدى الشاعر المحب كل المشاعر. فهو كان يحبها، كما كنا نحس من حركاته وانفعالاته تجاهها. وكان صادقاً في حبه كما كنا نتصور، استناداً إلى معرفتنا الدقيقة بصدقه في مواقفه. في حين لم تكن هي كذلك، كما أذكر وكما تشير إلى ذلك الأديبة الراحلة حياة شرارة في تسجيلها الجميل الممتع لوقائع تلك الفترة من حياة عائلتها، في علاقتها الغنية المتميزة بالسياب وبالملائكة وبالوتري وبالحيدري وبعماره وبالجواهري. (ملحق النهار العدد 299-1997). وكثيراً ما كانت تتحول جلساتنا الشعرية تلك بحضور لميعة عمارة إلى جلسات نكات وطرائف وأحاديث لاذعة بالسخرية. ولكم كان يردد السياب قصيدة كان هو يحبها، وكنا نحبها كذلك، وفيها هذا البيت المعروف:
Page 5
يا ليتنـــي قـــد كنــت ديــواني أختـــال مـــن صـــدر إلى ثان

وكانت لميعة تقرأ هي أيضاً في تلك الجلسات بعضاً من قصائدها القصيرة الأنيقة، وتوهم الشاعر المحب أن تلك القصائد كتبت من وحيه وأنها موجهة إليه تحديداً.

أما نازك الملائكة فكانت نموذجاً آخر من الشعراء ونموذجاً آخر من النساء. كانت سوداوية بطبيعتها، بسيطة وهادئة، لكنها كانت عميقة الإحساس بالحياة. حملت شعرها الجميل الغني بالصور الإنسانية، المستند إلى ثقافة عصرية واسعة، كل مأساة الحياة، حياة البشر بعامة وليس حياتها هي بالتحديد. كانت مهمومة بإيصال تلك الصور والأفكار والمشاعر إلى كل الناس بالواسطة، واسطة شعرها، وليس من خلال العلاقة المباشرة مع الناس. فلم تكن مثل تلك العلاقة تغريها أو تستهويها. غير أن اللقاءات الشعرية مع نازك الملائكة، سواء في دار محمد شرارة أم في دار والدها عبد الصاحب الملائكة وبحضور والدتها الشاعرة أم نزار وشقيقها نزار، فكانت من النوع الهادئ الوادع الذي كان يتراوح الاستمتاع فيه بين الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي كانت نازك تعشقها وتحب مشاركة الآخرين لها في تلك المتعة، وبين المحاولات التي كان يجتهد والدها من خلال النكات الظريفة والخبريات المركبة واللعب بمفردات اللغة التي كان متضلّعاً بمعرفتها في اختراق المناخ الرومانسي وإضفاء جو من المرح والسمر على تلك الجلسات. كان ذلك هو الانطباع الذي ولدته عندي عن نازك الملائكة لقاءاتنا معها في تلك الفترة. وقد انقطعت علاقتنا، نزار و«أبو نزار» وأنا، معها بعد مغادرتنا العراق.

إلا أن محمد شرارة كان يضفي على كل تلك الجلسات المتنوعة المتعددة مع الأصدقاء من أهل الثقافة والسياسة الكثير من روحه الطيبة ومن حدة نقده، ومن بعض الآراء الاعتراضية التي كان يختلط فيها ما في جعبته الثقافية من تنوع مع ما كان يعج به المجتمع العراقي من صخب في الفكر، ومن تناقض وصراع في السياسة. كان محمد شرارة مثل صديقه وزميله في الدراسة حسين مروة قد درس علوم الدين في النجف وتخرج من جامعتها، ثم خلع العمامة وزي رجل الدين، وبدأ حياته الجديدة مدرساً وكاتباً وشاعراً وسياسياً. تعرف إلى الماركسية من خلال ما صدر من ترجمات باللغة العربية. ثم لما تعلم الإنجليزية بجهده الذاتي تابع تعميق معارفه بها باللغتين العربية والانجليزية. وسرعان ما أصبح مناضلاً شيوعياً مرموقاً. فتعرض بسبب انتمائه ونشاطه وجرأته للاعتقال والسجن والنفي والتشريد. وسلكت طريقه بالكامل ابنته حياة التي عانت كل مرارات الاضطهاد إلى أن توفيت في حادث مأسوي في أواسط عام 1997 في بغداد مع ابنتها مهى اختناقاً بالغاز. كان محمد شرارة إذن مختلفاً عن حسين مروة في أمور كثيرة، بما في ذلك في الفكر وفي نوع العلاقة وشكلها مع الآخرين وفي أسلوب الكتابة وفي أمور عديدة أخرى. إذ كان عالم حسين مروة أكثر رحابة، ربما لأنه كان أقل التزاماً في الفكر وفي السياسة من محمد شرارة، رغم ما كان يربطه بالشيوعيين منذ وقت مبكر، لا سيما بشخص حسين الشبيبي أحد قادة الحزب الشيوعي العراقي، من علاقات صداقة واحترام متبادل. لكن كلاً من حسين مروة ومحمد شرارة بالنسبة إلى نزار وإليَّ كان يكمل واحدهما الآخر.

تعددت مراكز اللقاءات التي كنا ننهل فيها المعرفة ونكون صداقاتنا ونلتصق بأحداث الحياة الجارية في العراق وفي العالم. وكان محل ناجي جواد الساعاتي وداره ودار عزيز أبي التمن الواقعة في شارع أبو نواس المطل على نهر دجلة وبعض مقاهي العاصمة، لا سيما مقهى حسن عجمي في الحيدر خانة ومقهى الزهاوي في شارع المتنبي، كانت جميعها أماكن لعقد العديد من تلك اللقاءات التي كانت تحفل بالنقاشات من كل نوع ويختلط فيها الثقافي بالسياسي وبالاجتماعي.

على أن الأهم من كل تلك الأماكن التي كانت تجري فيها تلك اللقاءات الجميلة مع الشعراء والأدباء والمثقفين والسياسيين، هو دار حسين مروة، دارنا في الكاظمية، التي كانت تقع غير بعيد عن «الحضرة»، مقام الإمام موسى الكاظم. ففي تلك الدار بالذات جرى الأساسي من اللقاءات والنقاشات، وجرى تعرفنا إلى الوجوه الثقافية والسياسية المتعددة من أصدقاء حسين مروة، من عراقيين ولبنانيين ومن بلدان عربية أخرى. وفي تلك الدار أيضاً تعرفنا من خلال المجلات العربية، لا سيما مجلة «الكاتب المصري» إلى الحياة الثقافية في العالم العربي، فضلاً عن مجلتي «الهلال» و«الكاتب» المصريتين، والمجلات اللبنانية «المكشوف» و«الأديب» و«العرفان»، ثم «الطريق» فيما بعد التي أصبحت المصدر الأساسي لثقافتي السياسية والنظرية في مراحل متعددة من حياتي في أيام الشباب على وجه الخصوص، وصارت بالنسبة إلى نزار المكان الذي مارس فيه عمله في إدارة تحريرها قبل توقفها في عام 1991.

وقد ساعدتنا تلك المجلات في التعرف، نزار وأنا، إلى أدباء ومفكرين كبار من أمثال طه حسين وسلامة موسى ولويس عوض وعمر فاخوري ورئيف خوري ومارون عبود وجرجي زيدان وتوفيق الحكيم وابراهيم المازني وسواهم الذين أغنوا ثقافتنا.

تلك كانت لحظات من التاريخ تميزت فيها علاقتي مع نزار بشيء من الثبات أسس لكل المراحل اللاحقة التي أعقبت عودتنا إلى لبنان، بعد قرار إبعاد «أبي نزار» من العراق في صيف العام 1949. وكان ذلك العام من الأعوام الصاخبة بالمرارة والخيبة في العراق في كل المجالات وفي كل الاتجاهات. إنه العام الذي اتسم بالقمع بأبشع أشكاله، وبالاعتقالات التي طاولت كل الوطنيين والديمقراطيين- ولم تستثن الجواهري ومحمد شرارة والسياب- وبالإعدامات التي كان ضحيتها قادة الحزب الشيوعي العراقي، إذ تم إعدام الأمين العام للحزب «فهد» وثلاثة آخرين من قادة الحزب هم حسين الشبيبي وزكي بسيم ويهودا صديق. وهو العام الذي أعقب عاماً كان صاخباً بالثورة والتمرد، العام الذي ولدته انتفاضة شعبية أطاحت معاهدة «بورتسماوث» ورئيس الوزراء آنذاك صالح جبر، الذي كان قد وقعها مع الإنكليز. وكان لنا، نزار وأنا، شرف المشاركة في أول تظاهرة انطلقت ضد تلك المعاهدة من باب المعظم، على مداخل دار الكتب الوطنية، في صباح يوم 28 كانون الثاني من عام 1948. إذ فاجأتنا تلك التظاهرة ونحن في طريقنا من الكاظمية عبر باب المعظم إلى الكرادة الشرقية في واحدة من زياراتنا المألوفة إلى دار محمد شرارة. اشتركنا فيها ثم خرجنا منها بعد احتدام المعركة والبدء بإطلاق الرصاص، وبعد أن تفرق المتظاهرون وتشتتوا. وفي الوقت الذي كانت تجري فيه تلك التظاهرة في باب المعظم كانت تظاهرات أخرى تملأ شوارع العاصمة وأزقتها وساحاتها والمعابر التي تصل الكرخ بالرصافة على ضفتي نهر دجلة. وسرعان ما أصبح العراق كله مسرحاً لانتفاضة شعبية كبيرة سالت فيها دماء كثيرة، وسقط فيها شهداء كثيرون كان من بينهم جعفر شقيق الجواهري الذي رثاه الشاعر بواحدة من أروع قصائده ألقاها الجواهري في رثاء شقيقه في اجتماع حاشد داخل جامع الحيدر خانه وفي الشارع المحيط به. وكنت مع حسين مروة ومحمد شرارة بين الحضور في الشرفة التي أطل منها الجواهري ليلقي قصيدته. وكان ذلك الحدث بدلالاته من أجمل ما تحتفظ به ذاكرتي العراقية.
Page 6
3

كانت المرحلة الأولى في بيروت بعد عودتنتا من العراق امتداداً لمرحلة العامين اللذين قضيناهما، نزار وأنا، معاً بين الكاظمية وبغداد والكرادة الشرقية. وما أغناهما. وما أكثر الذكريات فيهما. إنهما العامان اللذان أسسا لصداقتنا وأسسا للوعي الذي تكونت حياة كل منا انطلاقاً منه وبالاستناد إليه. وهكذا كانت المراحل اللاحقة. إلا أن الزمان الذي اختلف كثيراً وظروف الحياة التي اختلفت هي الأخرى قد أعطت أشكالاً ومضامين جديدة للعلاقات التي استمرت بيني وبين نزار بوجه خاص، وبين كلينا في العلاقة مع «أبي نزار» في مجالات الثقافة والفكر والسياسة. افترقنا في المكان. أقام هو مع أهله في بيروت في شارع حمد أولاً، ثم في شارع بربور بعد ذلك بأعوام. أما أنا فذهبت أولاً إلى صور مكان إقامة أهلي لمتابعة دراستي. ثم ذهبت بعد عام إلى بلدة شمسطار في البقاع كمعلم رسمي ابتدائي في مدرستها. وخلال العامين اللذين قضيتهما في بلدة شمسطار كنت أتردد بصورة دائمة إلى بيروت متابعاً، في ظروف مختلفة، ومعمقاً وموسعاً، مع نزار في الأغلب، العلاقات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي كنا قد بدأناها في العراق. وكثيراً ما كنا نلتقي أصدقاء عراقيين ممن كانوا يأتون للاصطياف في لبنان، أو ممن كانت بيروت ممراً ضرورياً لسفراتهم إلى أوروبا الشرقية والغربية على حد سواء في مهمات من شتى الأنواع، حزبية على وجه الخصوص، وثقافية بشكل عام. إلا أن الجامعة الأميركية التي انتسب إليها نزار لاستكمال تخصصه في الرياضيات كانت بؤرة علاقات جديدة وجميلة مع طلاب لبنانيين وعرب، شيوعيين ويساريين. وهي علاقات كانت ترفدها بصورة دائمة صداقات «أبي نزار» في الوسطين الأدبي والسياسي. وكان الشاعر عبد المطلب الأمين صديقاً مشتركاً لكلينا. لكن تلك العلاقة مع عبد المطلب توطدت بيني وبينه أكثر من علاقة نزار معه. إذ كنت أكثر من نزار رفيقاً له في تحركاته المختلفة، ومنها تلك السهرات الليلية الجميلة في بارات العاصمة.

بعد انتهاء العامين من التدريس في شمسطار نلت شهادة البكالوريا ونجحت في امتحان القبول للدخول إلى الجامعة اللبنانية في العام الثاني لتأسيسها (1952). وكان أهلي قد انتقلوا من صور إلى بيروت للسكن والعمل فيها. فعادت علاقات الصداقة بيني وبين نزار إلى النشاط بحيوية أكثر. كنا، كلانا، قد أصبحنا طالبين جامعيين، هو في الجامعة الأميركية، وأنا في الجامعة اللبنانية، المركزين اللذين كانا الأكثر حيوية ونشاطاً للحركة الطلابية في البلاد.

كثرت في تلك الفترة لقاءاتي برفقة نزار مع عدد كبير ومتنوع من الطلاب اللبنانيين والعرب في الجامعة الأميركية، الذين كانوا بمعظمهم يساريين أو شيوعيين. وكان محور نشاطهم وتحركهم يدور حول القضايا القومية العامة، لا سيما حول قضية فلسطين. وكانت النقاشات والصراعات في أوجها بين التيارات المختلفة، ليس بين الشيوعيين والقوميين العرب فقط، بل كذلك داخل هذين التيارين، وتحديداً داخل التيار القومي. وكانت لقاءاتنا تلك تتم في منازل عديدة وفي بيوت الطلبة وفي كل من مطعم «فيصل» و«الأنكل سام» و«الشيخ»، فضلاً عن الساحات العديدة داخل حرم الجامعة. وكانت تدور في تلك اللقاءات نقاشات على أوسع نطاق، ليس حول المواضيع الساخنة المشار إليها فقط، بل بالأخص من جانب الشيوعيين حول العمل لتنظيم الصفوف قدر الإمكان في المعركة الأكبر والأهم ضد الاستعمار والرجعية. وكان من نشطاء تلك الفترة من الطلاب الشيوعيين واليساريين الأردنيان أمال نفاع وخالد حمشاوي، والسودانيان أنطون قرنفلي ومصطفى المدني، والفلسطيني محمد عبد العزيز، والعراقي حميد عثمان، والكويتي سعود، الذي كان يترأس قائمة اليساريين في انتخابات جمعية العروة الوثقى، واللبنانيون نديم عبد الصمد وسركيس لاتشينيان وكميل مجدلاني، ولاحقاً كاتب هذه السطور بعد أن سافر نديم عبد الصمد إلى براغ ممثلاً الطلاب اللبنانيين في قيادة اتحاد الطلاب العالمي. ولم يكن نزار عضواً في قيادة منظمة الطلاب الشيوعيين، بل كان شقيقه حسان. وكنت إلى جانبه في الكثير من النقاشات التي كانت تدور في تلك اللقاءات المتعددة أماكنها وخارج إطارها في منزل حسين مروة. وكان منزل آل رافع واحداً من أماكن تلك اللقاءات، حيث كان كل من إنعام وجمال وشقيقهما منير من نشطاء تلك الحركة. وكانت الفترة ذاتها فترة احتدام معركة وطنية عامة ضد الأحلاف العسكرية، وضد زيارات المبعوثين الأجانب لترتيب شروط إلحاق لبنان بها. وقد نظمت تظاهرات احتجاج عديدة ضد تلك الزيارات شارك فيها نزار، كطالب شيوعي وليس كمسؤول، إذ لم يرغب هو ذاته في أن يتبوأ منصباً قيادياً، ولم يؤهل نفسه لذلك. وكان قد أصبح عدد غير قليل من شباب عائلة مروة من أشقاء نزار وأشقائي وأبناء عمومتنا نشطاء في تلك الحركة. وأهم تظاهرات تلك الفترة التي شاركت في تنظيمها من موقعي القيادي في رابطة طلاب الجامعة اللبنانية وفي قيادة التنظيم الطلابي الشيوعي، والتي اشترك فيها نزار، كانت التظاهرة التي واجهت بها الحركة الطلابية موحدة زيارة فوستر دلاس، وزير خارجية أميركا، إلى لبنان في أوائل عام 1953. وقد اعتقلني رجال الأمن مع حسان مروة شقيق نزار قبل أن نصل إلى موقعنا في قيادة التظاهرة. وبقينا محتجزين بشكل اعتباطي في مخفر البسطة الفوقا لمدة ست ساعات. وتلك هي المرة الوحيدة التي دخلت فيها المعتقل. ويعتبر ذلك في قاموس الحركات اليسارية نقصاً في سجلي الثوري.
Page 7
إلا أن أجمل لقاءات تلك الفترة مع نزار هي التي كانت تنعقد في مكاتب مجلة «الثقافة الوطنية» في محلة الصيفي مقابل الطريق المؤدية إلى مرفأ بيروت. كان محمد دكروب محور تلك اللقاءات وجامع الشمل فيها. كانت تتم في أغلب الأحيان بشكل عفوي. وكانت تضم إلى جانب نزار الحاضر الدائم حسب الظروف والمصادفات كلاً من خليل الدبس وعصام الدبس وأحمد علبي ومحمد عيتاني وأحياناً أحمد الدن عندما كان يأتي من طرابلس إلى بيروت ومفيد أبو مراد وكاتب هذه السطور. في حين كان حسين مروة والدكتور علي سعد والدكتور حسن عواضة وشقيقه علي عواضة والقاضي نصار الأسعد والقاضي وليد غمرة والقاضي سرحان سرحان والقاضي ميشال كرم وآخرون من كتاب المجلة، قليلاً ما يأتون إلى مكاتب المجلة للاجتماع. إذ كانوا كثيراً ما يلتقون في منزل حسين مروة، أو في منازل كل من الشقيقين حسن وعلي عواضة، حيث كان يحضر معهم أحياناً الشيخ محمد جواد مغنية والأب طانيوس منعم. وبعض تلك الاجتماعات كان يحضرها فرج الله الحلو، أو نقولا شاوي، كما قيل لي. إلا أن اللقاءات التي كانت تجري في مكتب المجلة كانت تحمل نكهة خاصة. وكانت لها إلى جانب وظيفتها الاجتماعية العفوية وظيفة تحريرية كانت النقاشات الغنية فيها تدور حول معظم القضايا، ثم تتحول إلى مهمات محددة لكل من الحاضرين، وإلى تكليف بعضهم بكتابة مقالات حول مواضيع متعددة تلتقي مع اهتمامات واختصاصات وكفاءات كل منهم. وكان لنزار دور ريادي في تناول المواضيع الخاصة بالموسيقى. وكثيراً ما سمعت محمد دكروب يتحدث عن ذلك الدور مؤكداً بأن نزار هو أول من افتتح النقاش والبحث على صفحات مجلة ثقافية هي مجلة «الثقافة الوطنية»، في الموسيقى بوجه عام، وفي الموسيقى العربية بوجه خاص ومعها الأغنية الشعبية والمسرح الغنائي الذي كان الرحابنة قد أعادوا الاعتبار إليه في عملية ارتقاء وتطور بعد سيد درويش وآخرين من مصر جاءوا بعد سيد درويش بزمن طويل.

توالت اللقاءات في إطار المجلة وخارجها مع مثقفين عرب كانوا يأتون إلى لبنان للاستجمام أو لمهمات ثقافية، أو هرباً من القمع لفترة محدودة، أو على طريق النفي الطوعي، أو لأسباب أخرى. وكان من بين أولئك المثقفين الذين أغنى حضورهم الحركة الثقافية في لبنان الشاعر عبد الوهاب البياتي والروائي غالب طعمه فرمان والشاعر بلند الحيدري والمسرحي يوسف العاني والفنان التشكيلي محمود صبري والناقد علي الشوك والشاعران كاظم السماوي وسعدي يوسف والأستاذان الجامعيان صفاء الحافظ وفيصل السامر وآخرون لم أعد أذكر أسماءهم من المثقفين العراقيين. وكان من القادمين إلى بيروت عدد آخر من المثقفين المصريين مثل الروائي والشاعر عبد الرحمن الشرقاوي والشاعر عبد الرحمن الخميسي والأستاذ الجامعي عبد العظيم أنيس وشقيقه محمد أنيس والمفكر والناقد محمود أمين العالم والناقد غالي شكري والروائي يوسف ادريس وسواهم. في حين كان الكتاب السوريون في حركة دائمة بين البلدين، الروائي حنا مينه والشاعر شوقي بغدادي والقصاص سعيد حورانية والكاتبان الساخران حسيب ومواهب الكيالي والناقد السينمائي صلاح ذهني والكاتب اللامع إحسان سركيس وسواهم. لكنني لم أتمكن من اللقاء بهؤلاء جميعاً إلا في فترات مختلفة امتدت بين عام 1954 حتى أواخر الستينات. إذ كنت في حركة متواصلة من السفر والتنقل بين البلدان بحكم مهمتين متلاحقتين كلفت بهما في قيادة اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي في بودابست، وفي قيادة حركة السلم العالمية في فيينا.

في نهاية العام الجامعي الوحيد في حياتي الجامعية (1952-1953) الذي كان حافلاً بالحركة والحيوية، حصل تحول نوعي في وجهة سيري وتطوري على الصعيدين السياسي والاجتماعي وكذلك الفكري. إذ انتزعني الحزب من قلب الجامعة بعد أن كنت قد تسلمت مسؤولية طلابية حزبية عالية من موقعي كنائب رئيس لأول رابطة لطلاب الجامعة اللبنانية ليرسلني إلى بوخارست على رأس وفد من الشبيبة اللبنانية والسورية لحضور مؤتمر اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي وللمشاركة مع الوفد اللبناني-السوري في المهرجان العالمي للشباب والطلاب، حيث انتخبت في المؤتمر المذكور مندوباً عربياً في القيادة اليومية للاتحاد، منظم تلك المهرجانات وكان مقره في بودابست.

إلا أن ذلك التباعد في الأمكنة والأزمنة لم يباعد بيني وبين نزار مقدار ذرة. إذ كنا حين يتعذر اللقاء بيننا في الأمكنة نجد سبيلاً إلى اللقاء في المراسلة. وكنا حين نلتقي في منزل «أبي نزار» بعد غياب طويل أو قصير نستعيد ذكرياتنا الماضية، ونغذي معلومات كل منا بالجديد الذي كنا نراكمه في الثقافة وفي السياسة وفي شتى مجالات الحياة الإنسانية من خلال علاقاتنا المتنوعة فيها. ذلك أننا انتمينا في بيروت بعد عودتنا من العراق بزمن قصير إلى الحزب الشيوعي كل منا على طريقته. لذلك كانت تختلط في لقاءاتنا كل تلك الهموم كما أشرت، السياسية والثقافية والشخصية. وكان منزل «أبي نزار» يعج بالحركة كعادته في كل مكان واتجاه. وكان على الدوام ملتقى للمثقفين وللسياسيين وللأصدقاء من كل الأوساط، ولأفراد العائلة الكبار والصغار. وكان، إلى جانب كل ذلك، المكان الذي كانت تتحدد فيه المواعيد بين الكوادر الحزبية الطلابية والسياسية والثقافية. وكان في الوقت ذاته وخارج كل تلك اللقاءات ملتقى لجلسات السمر التي لم تعطلها كل الشواغل والمتاعب والمهمات السياسية والثقافية، عندي وعند نزار، وحتى عند «أبي نزار». وجلسات نزار ممتعة وغنية وساحرة. وكنا نخترع لكل جلسة من تلك الجلسات موضوعاً أو لعبة أو ميداناً للمباراة في الشعر أو النكتة أو لتقليد شخص من الحاضرين أو الغائبين في حركاته، وسوى ذلك من أشكال التسلية وأنواعها وأساليب ممارستها. وكان نزار يحب أن ينظم الشعر الساخر والكاريكاتوري في شكله ومضمونه بقصد الإمتاع والتسلية. وهو قد اشتهر في ذلك النوع من الشعر الذي كان صديقنا المشترك فيه المحامي ناجي بيضون ينافسه فيه حين يلتقيان في المكان الواحد أو المناسبة الواحدة أو حين كانا يفتعلان مثل ذلك اللقاء لذلك الغرض بالذات.
Page 8
4

تابع نزار دراسته في الجامعة الأميركية في قسم الرياضيات. وتابع في الوقت ذاته هوايته في تعميق معارفه الموسيقية التي سرعان ما أصبح فيها ناقداً موسيقياً مميزاً. وقد قيل فيه على لسان كبار الموسيقيين إنه الناقد الموسيقي الأقدر نظراً لعمق ثقافته الموسيقية. وكان يتابع في الجامعة الأميركية، إلى جانب عمله الحزبي المتواضع، نشاطه الثقافي في علاقة حميمة مع عدد غير قليل من المثقفين، ليس في منزل والده وحسب، بل كذلك في المنتديات والمنابر على اختلافها.

كنت أكتب لنزار وكان يكتب لي عندما كنت في بودابست، أو حين كنت أنتقل منها إلى عواصم أوروبية أخرى للقيام بمهمات شبابية مختلفة. وكانت تتناول رسائلنا الهموم المشتركة بما في ذلك علاقاتنا النسائية، التي برع فيها نزار أكثر مني، منذ أيام بغداد والكاظمية في العراق. وكان مهرجان بوخارست للشباب والطلاب في عام 1953 ميداناً آخر لاختبار وإثبات براعته تلك. فكان حبه للنساء صفة وسمة من صفاته وسماته المميزة. كان عاشقاً للنساء كجنس، وكان عاشقاً حائراً لعدد من النساء. واستمر على هذا النحو حتى آخر حياته. وكان ذلك يشكل التعبير الحي عن حبه للحياة وعن تعلقه بها وعن رغبته العميقة في امتلاكها مدى الدهر من دون أدنى شعور بالملل أو التعب.

عندما عدت إلى بيروت في أواخر الخمسينات من رحلتي الأولى إلى العالم الأرحب كان نزار قد تخرج من الجامعة الأميركية وبدأ يمارس التدريس. وكانت مدينة مرجعيون إحدى المحطات الأولى في مرحلة ممارسته لمهنة التدريس التي طالت وتقطعت في الأمكنة والأزمنة. وأهمية مرجعيون بالنسبة إلى نزار أنها أسهمت في المزيد من تعلقه بالحياة ومن تخلصه من بعض ما كان لا يزال عالقاً في طباعه من انطوائية لم تفارقه حتى آخر حياته. وهنا تبرز مفارقة عجيبة. إذ كانت تلك الانطوائية تطغى على سلوكه في لحظات معينة ثم تعود لتنقلب في لحظات أخرى إلى الحالة النقيض، أي إلى المرح والسخرية والانفتاح على الآخر بدون حدود. ولمرجعيون دور خاص في حالات تمرد نزار على ذاته وفي اكتشاف عناصر كانت مغيبة أو غائبة عنده في فترات سابقة. وفي مرجعيون تعرف نزار إلى عدد من الأصدقاء الذين صار قسم منهم أصدقاء لي من خلاله. من بين أولئك الأصدقاء كان الموسيقار وليد غلمية قبل أن يصبح رئيساً للكونسرفاتوار الوطني وبعد ذلك. وأذكر أنني حاولت في أوائل الستينات من موقعي في الحزب أن أسهل لوليد غلمية السفر إلى موسكو للتخصص في الموسيقى. لكنني فشلت. ولم أعد أذكر الأسباب التي منعت تحقيق ذلك الحلم الذي كان يراود وليد، وكنا، نزار وأنا، مقاتلين من أجل تحقيقه. ولا يسعني هنا إلا أن أشير إلى تلك اللقاءات الحميمة التي كانت تعقد فيما يشبه الانتظام في منزل أنطوان أبو خليل في الأشرفية في أوائل الستينات. وكان معظم رواد تلك اللقاءات وحفلات النقاش الثقافية والسياسية والاجتماعية من شباب مرجعيون كثيرين أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر مسعد مسعد وشقيقتيه الماس زوجة أنطوان ورباب التي أصبحت فيما بعد زوجة كمال الصايغ، وكمال الصايغ ووليد غلمية وعدنان قنديل وشقيقه عزت وشحادة نايفة وجميل حمرا ومالك الزربا وزين بركات وجبران شديد وخيرالله ماضي وآخرين. وكانت تلك اللقاءات تجمع شابات وشباناً من الأشرفية، أذكر منهم جورجيت صابات التي سرعان ما تعرفت على الممثل المصري الظريف عبد السلام النابلسي وتزوجت منه ورحلت معه إلى مصر. وأذكر إنعام رافع وأشقاءها خليل ومنير وأنور. وكان منزل آل رافع في رأس بيروت وفي بلدة الفساقين واحداً من الأمكنة التي احتضنت العديد من اللقاءات الطلابية والثقافية والحزبية منذ أوائل الخمسينات ولزمن طويل فيما بعد. وكان نزار في كل تلك اللقاءات النجم المتألق، ثقافة وظرفاً. وكان محمد دكروب يحضر بعض تلك اللقاءات. وقد أضفى على تلك اللقاءات مزيداً من البهجة وجود سعيد حورانية وشوقي بغدادي اللذين لجآ إلى لبنان في زمن الاضطهاد الذي رافق قيام الوحدة السورية-المصرية مع العديد من المثقفين والكوادر، شيوعيين وديمقراطيين. إذ كانا يقيمان في منزل أنطوان أبو خليل. لكنني أظلم أنطوان إذا ما أغفلت الإشارة إلى شخصيته الفذة، شخصية الرجل الاجتماعي الذي كان يتمتع بقدرة كبيرة على كسب الأصدقاء وإثارة أجواء من الود والمرح حتى في أشد حالات الجدل السياسي والثقافي حدة وحرارة.

ثم توالت الأحداث وغرق نزار في هموم التعليم أحياناً، وفي العمل في صحافة الحزب أحياناً أخرى. وغرقت أنا في مهماتي ومسؤولياتي الحزبية داخل لبنان وخارجه. لكن العلاقة ظلت هي ذاتها حتى في التفاصيل من دون أدنى تبديل. وعلى قاعدة تلك العلاقة الثابتة تابعت ما كنت قد بدأته مع نزار في العراق، أي التعلم منه وبواسطته ما لم يكن بمقدوري اكتسابه بجهدي الخاص.
Page 9
5

كنت منذ الشباب الأول شغوفاً بكل ما يتصل بالثقافة. ورغم أن السياسة والعمل الحزبي قد حرماني من كثير مما كنت أحب أن أعرفه أو أتعرف عليه في مجالات الثقافة، فقد ظل الهاجس الثقافي يشغلني. لذلك كنت أدخل في نقاشات كثيرة مع نزار حول مواضيع ثقافية عديدة مستفيداً من قراءاته وسعة معارفه الموسوعية في شتى فروع الأدب والفن وفي التراث، وفي العلوم والاكتشافات العلمية. وكنت أتابع معه لقاءات مع مؤلفين موسيقيين ومخرجين مسرحيين. ومعه، ومع محمد دكروب، تعرفت لأول مرة إلى عاصي ومنصور الرحباني. ومن خلال نزار أعدت علاقة قديمة مع نصري شمس الدين الذي كان في أواسط الأربعينات يعلمنا الموسيقى في المدرسة الجعفرية في صور. وأهم ما أعتز به في علاقتي الثقافية مع نزار حضورنا المشترك لمسرحيات الرحابنة عندما كانت تتوافر لدي الفرص لذلك. وأذكر أنني ترجمت إحدى قصائد مسرحية «جسر القمر» إلى الفرنسية ونشرتها في المجلة التي كان يصدرها مجلس السلم العالمي، وذهبت برفقة نزار ودكروب إلى مكتب الرحابنة في محلة بدارو وأطلعتهم على المجلة التي تحمل ترجمة «كنز الكنوز» المأخوذة من مسرحية «جسر القمر». كان اللقاء حميماً. لكن الظروف لم تتح لي تكرار تلك اللقاءات مع الرحابنة. فلم تتوطد العلاقة الشخصية بيني وبينهم في ذلك التاريخ. لكن صداقة حميمة نشأت لي مع منصور في مطالع تسعينات القرن، واستمرت حتى وفاته. وسجلت في مقال لي مطول عن الرحابنة ما علق في ذاكرتي بتلك العلاقة مع الرحابنة، عاصي ومنصور وفيروز. إلا أنني كنت كثيراً ما أدخل في نقاش فني وأدبي وسياسي كلما كنا نخرج، نزار وأنا، من حضور مسرحية من مسرحيات الرحابنة. وكان نزار شديد التقدير لهم ولإبداعاتهم. وكانوا يحبونه ويثقون بآرائه ويستفيدون من بعض ملاحظاته. فيجرون بعض التعديلات استناداً إليها. لقد كان مرجعاً حقيقياً في النقد الموسيقي. وكان كعادته شديد الحذر إزاء الإطلاق في الأحكام. إذ كانت لديه مع التقدير لفن الرحابنة ملاحظات دونها في كتاباته العديدة عنهم لا تنحصر في الموسيقى والشعر أو العمل المسرحي، بل تتناول العلاقة بين كل مكونات المسرح الغنائي في أعمالهم وفي أعمال موسيقيين عرب آخرين. ذلك أنه لم يكن يخفي، ولم يكن يستطيع أن يخفي، ثقافته الموسيقية التي جعلته، عن وعي غالباً وعن غير قصد أحياناً، يقارن بين ما يرى من عمل مسرحي غنائي في بلادنا وبين الأوبريت والأوبرا والأعمال الموسيقية لكبار الموسيقيين، لكن من دون تعسف ومن دون إسقاطات، آخذاً في الاعتبار الشروط التاريخية التي كان يتم فيها إنتاج العمل الفني في بلادنا. وهي شروط ذات خصوصية ولها علاقة بمستوى التطور في كل المجالات وليس في مجال واحد فقط هو الموسيقى والثقافة والتراث الموسيقيان. كان نزار مهموماً بالموسيقى وبالعمل لجعلها تصل بكل الوسائل إلى أذواق الجمهور الواسع على اختلاف مستوياته الثقافية، انطلاقاً من قناعة عنده بأن مثل تلك الثقافة الموسيقية بأبسط أشكالها تسهم في تهذيب الذوق والنفس، وفي تحصين الثقافة والتراث في بلادنا ضد أخطار التشويه والتزييف التي يحملها إلى بلداننا تجار الثقافة في الداخل والخارج.

على قاعدة تلك الثقافة ومتابعة منه لتلك الهموم، وتلبية للطموح عنده إلى التطور والاغتناء، كان نزار يرقب الحركة الموسيقية وحركة المسرح الغنائي وحركة الأغنية الشعبية وكل الحركة الأدبية والفنية. فكان قاسياً ومتسامحاً في آن. وهذا ما نستطيع أن نلحظه في كل ما كتبه. وما كتبه قليل تناول فيه أعمال الموسيقيين اللبنانيين والعرب الكبار. كما تناول أعمال الشباب الناشئين منهم بوجه خاص. وكتاباته تلك كانت موزعة بشكل محدد بين جريدتي «الأخبار» و«النداء» ومجلّتي «الطريق» و«الثقافة الوطنية». وقليلاً ما كتب خارج تلك المنابر. ذلك أنه كان لفترات زمنية طويلة متقطعة مسؤولاً عن الصفحة الثقافية في «النداء» و«الأخبار». ثم أصبح مدير التحرير في مجلة «الطريق» في السنوات التي سبقت وفاته. وكانت كتاباته في الموسيقى تحديداً مرجعاً للموسيقيين من كل الأجيال كما أشرت إلى ذلك آنفاً.

أنشأ في إذاعة «صوت الشعبـ« أكثر من برنامج موسيقي تحت أسماء مختلفة: «أصوات من الضفة الأخرى» و«وقت الموسيقى» وحوارات مع موسيقيين معروفين. وكان بعض تلك البرامج مكرساً لتسهيل عملية الاستماع للموسيقى والاستمتاع بها من خلال بعض الشروحات المرفقة بالنماذج الموسيقية الدالة عليها. وكان بعض آخر من تلك البرامج مكرساً لإلقاء الضوء على بعض الأعمال الموسيقية غير المعروفة لموسيقيين عرب في الزمنين القديم والمعاصر. وكنت من المدمنين على الاستماع إلى تلك البرامج إضافة إلى أنني كنت أعود إلى الحديث عن بعض فقرات منها مع نزار لمزيد من المعرفة والوضوح.

توطدت علاقة نزار بالرحابنة خصوصاً، وبآخرين من المبدعين في التأليف الموسيقي، لا سيما مع توفيق الباشا وعبد الغني شعبان ووليد غلمية في لبنان ومع آخرين من البلدان العربية أذكر منهم منير بشير. وكانوا جميعهم يحترمونه ويقدرون ثقافته الموسيقية ويستمعون باهتمام إلى ملاحظاته وآرائه ونقده الناعم لما كانوا يقدمونه من إبداعات في عالم التأليف الموسيقي وفي تلحين الأغاني الشعبية. وأستشهد هنا بآراء أربعة من أصدقائه من كبار الموسيقيين في لبنان، هم توفيق الباشا ومنصور الرحباني ووليد غلمية وزياد الرحباني. يقول توفيق الباشا: «كان نزار، عندما يقدَّر له أن يقوِّم عملاً موسيقياً، يتجرد من ميولـه الشخصية وذوقه الخاص. إذ هو يقوم بمهمته كناقد ومصحح ومنوِّر للعمل الفني ولمبدعه والمستمع إليه. ومن تتبُّع طريقته في النقد الفني الموسيقي كنت أرى نزار وكأنه مشارك في إبداع العمل الموسيقي الذي يقرأه سماعاً. فهو ينفذ إلى داخلية العمل ولا يتوقف عند البهرجة الكلامية والصخب الآلاتي الخارجي. لقد انحاز نزار إلى الموسيقى الكبيرة التي خلق عباقرتها في العالم الروائع الموسيقية الكبرى. وكان طموحه أن يُتاح للعاملين في حقل التأليف الموسيقي في بلداننا أن يبدعوا أمثال تلك الروائع ارتباطاً، بالطبع، بتراثنا وبتقاليدنا الموسيقية في أرضنا وناسنا وتاريخنا ونفوسنا. ولهذا كرَّس علمه وثقافته للنقد الموسيقي ولأدبيات الموسيقى المعاصرة، قاصداً، بذلك، الإسهام مع مبدعي الموسيقى في خلق جو من اللقاء المستمر بين المؤلف والمتلقِّي، عبر مختلف الوسائل الإعلامية والمنبرية، ودائماً بهدف التنوير الجماهيري وإشاعة التذوق الموسيقي الراقي».
Page 10
ويقول منصور الرحباني: « نزار مروة ناقد مثقف ثقافة عامة، وثقافة موسيقية بنوع خاص، بحيث إن ثقافته ومعرفته العلمية تسمحان له بالدخول إلى خصائص التركيبات الموسيقية وإلى أدوار الآلات. لهذا السبب كان لآرائه الموسيقية الصدى الأكيد عند المؤلف وعند القارئ على السواء، لأن نزار كان يشرح جمالية القطعة ومكانها في السياق الموسيقي للمؤلف الموسيقي في بلده. كان ينتقد بكل صدق وإخلاص وعلم وتذوُّق وبكل محبة أساساً. ويقول عن الجميل جميلاً. ويشير إلى الخلل حيث يرى الخلل. هو ناقد لا يستطيع أي مؤلف موسيقي إلَّا أن يقرأ رأيه باهتمام وجديَّة وفضولٍ معرفي».

ويقول وليد غلمية: «نزار مروة هو ناقد موسيقي كبير وفريد في بلادنا. ولكن كتاباته النقدية في حينها لم تصل إلى الناس بشكل واسع. ولو وصلت ما كان هناك اليوم قيم أو أعمال فنية انتزعت حجماً كبيراً هو، في واقع الأمر، ليس لها. فنزار مروة كان دقيقاً جداً، عالماً وعارفاً. وكان يكتب السلبي والإيجابي بكثير من ذهنية المؤرخ، وبالنظرة التاريخية الشمولية. لذلك لو كان الناس يقرأون نزار بشكل عريض لكان الكثيرون ممن كانوا يلحِّنون الأغاني ويكتبون الموسيقى، يعدّون العشرة. وفي رأيي فإن نص نزار النقدي الموسيقي هو من أرقى النصوص النقدية في أية لغة أخرى. وأهمية نزار، عربياً، أنه كتب نصاً لغوياً في النقد الموسيقي. ولا يمكن استخدام نصه النقدي هذا لأي موضوع آخر. فهو استعمل التعبير الموسيقي والمصطلح الموسيقي والعبارة التي تدلل على مسار موسيقي. أوضح فأقول إن نزار مروة كتب، لأول مرة في التاريخ الموسيقي العربي، نصاً لغوياً في الموسيقى وليس نصاً سياسياً أو شعرياً في الموسيقى، هو نقد موسيقي بلغة المصطلح الموسيقي الذي لا يصلح لأي موضوع آخر».

ويقول زياد الرحباني: «لا أحد في الجمهورية اللبنانية يفهم بالنقد الموسيقي مثل نزار مروة. يحكي عن الكلمة وعن كل نقرة موسيقى، وكيف أن نقرة معيَّنة «أَشَطت» (سقطت) من النوته. وهو يسمِّي تلك النوتة بالتحديد. يقول لك: ضربوا هذه الـ«فا» فطلعت زايحة! الآن في لبنان ما في ناقد موسيقي. كان عندنا هذا الزلمي بيفهم بالموسيقى، وبيعرف كمان يعزف على آلة».

وكانت علاقة نزار بزياد الرحباني قد بدأت منذ أن بدأ هذا الفنان نشاطه وهو في عمر الشباب الأول. وأذكر أن علاقتي بزياد بدأت بالضبط في تلك الفترة. فقد ذهبت مع نزار للقاء زياد بعد أن بحثنا الأمر مع والده عاصي في صيف عام 1974 للاتفاق معه على المشاركة بمغناته الأولى «سهرية» في احتفالات الذكرى الخمسين لنشوء الحزب الشيوعي ولتلحين نشيد للحزب كتب كلماته الشاعر اللبناني ميشال سليمان. ومع نزار توطدت علاقتي بزياد خلال الأعوام التي أعقبت ذلك اللقاء. وأذكر أننا اتفقنا مع زياد في عام 1984 عام الذكرى الستين لنشوء الحزب الشيوعي على إنتاج شريط موسيقي غنائي من تلحينه وكلماته وكلمات جوزيف حرب يهدى إلى الحزب في تلك المناسبة. وكان شريط «أنا مش كافر» الجميل والمليئ بالدلالات هو ذلك الشريط. وعندما جاء الشيخ إمام للمشاركة في تلك المناسبة ساهمنا، نزار وأنا، في جمع الشيخ إمام مع زياد، بهدف البحث في إمكانية القيام بإنتاج عمل موسيقي غنائي مشترك. جرى اللقاء بحضورنا. لكن الاتفاق لم يحصل. ولا ينحصر السبب في عدم الاتفاق بين الفنانين في أن مزاجيهما مختلفان، بل لعل السبب يعود كذلك، وربما في الأساس، إلى أن المتعهد التونسي الذي كان يرافق الشيخ إمام لم يكن مقتنعاً بضرورة حصول مثل ذلك الاتفاق. وكنا، استناداً إلى جملة أمور واقعية، نشكك بإمكانية ذلك الاتفاق في ذلك الحين على الأقل. وكان حضور الشيخ إمام ومساهماته في الاحتفال اليوبيلي للحزب الشيوعي وفي الاحتفالات الخاصة في منازل العديد من الأصدقاء، مناسبة جميلة للتعرف بصورة مباشرة ودقيقة إلى شخصية هذا الفنان الشعبي الذي أعطى لمرحلة بكاملها في مصر خصوصاً وفي سائر البلدان العربية مع عدد قليل من الفنانين العرب، مثل زياد الرحباني ومارسيل خليفة وثنائي عدلي فخري وسمير عبد الباقي ومحمد حمام طابعاً خاصاً مميزاً في الدمج الحي بين الفن والسياسة، إسهاماً في حركة التغيير. وكانت تلك المناسبة بالذات فرصة للقاء بين الشيخ إمام وفيروز بحضور زياد وبحضورنا، نزار وأنا. وكان نزار قد أسهم في وقت سابق بإعداد لقاء في منزل فيروز شارك فيه جوزيف حرب منظم اللقاء، ونزار وأنا. وفي أواخر الثمانينات طرحت فكرة ترشيح فيروز للحصول على جائزة لينين العالمية لتعزيز السلم بين الشعوب. وكنت أنا صاحب الفكرة، وكنت صلة الوصل بين فيروز من خلال نزار وبين اللجنة العالمية المانحة للجائزة من خلال صديقنا سلافاماتوزوف أحد مسؤولي قسم العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي السوفياتي في ذلك الحين. وتطوع نزار للحديث مع فيروز حول الفكرة. وكتب تعريفاً بفيروز يعتبر وثيقة. وقد نشر في الكتاب الذي صدر عن دار الفارابي مكرساً لكتابات نزار في النقد الموسيقي والنقد في الأغنية وفي المسرح الغنائي. إلا أن جائزة لينين كانت تلفظ أنفاسها في تلك الفترة مع اشتداد الأزمة التي كان يعانيها الاتحاد السوفياتي، الأزمة التي انتهت بتفككه وانهياره وتفكك وانهيار المنظومة الاشتراكية التي كان الاتحاد السوفياتي نموذجها ومركزها. لذلك لم تؤد المباحثات التي قمت بها في موسكو حول الجائزة إلى نهاياتها، رغم أن الفكرة كانت موضع ترحيب سوفياتي. أما مارسيل خليفة فكان اللقاء معه، الأول كما أظن، في الفترة عينها. إذ ذهبنا، نزار وأنا، إلى عمشيت بدعوة من مارسيل لحضور برنامج موسيقي أحياه في نادي البلدة. ثم لبينا دعوة موجهة من مارسيل ومن عبد الحليم كركلا لحضور أحد عروض فرقة كركلا للرقص. ثم عدنا فالتقينا معاً في منزلي، من جملة لقاءات عديدة عقدناها في ذلك العام مع عدد كبير من المثقفين اللبنانيين والعرب، تحضيراً للذكرى الخمسين لنشوء الحزب الشيوعي. ثم توطدت العلاقة بيننا، نزار وأنا، وبين مارسيل ابتداءً من ذلك العام التاريخي بالذات. وتجددت العلاقة بالمناسبة ذاتها مع وليد غلمية حين اتفقنا معه على تلحين نشيد للذكرى الخمسين كتب كلماته الشاعر العراقي بلند الحيدري. وحصل الأمر عينه مع غازي مكداشي الذي التقيناه، نزار وأنا، في تلك المناسبة واتفقنا معه على تلحين قصيدة محمود درويش «سجل أنا عربي». واتفقنا في اللقاءات ذاتها مع حميد البصري الموسيقي العراقي على برنامج كامل قدمته فرقته للموسيقى والغناء. وكان برنامجاً مميزاً.

إلا أن علاقة نزار بالمسرح والسينما وبالحركة الأدبية والفنية كانت تتوسع وتتعمق مع استلامه في شكل منتظم كما أشرت آنفاً مسؤولية الصفحات الثقافية في «النداء» لفترة من الزمن، ثم في «الأخبار»، ثم في كليهما، ثم في «الطريق» في المرحلة الأخيرة من حياته. وكنت منذ أوائل الستينات رفيقاً له في حضور العروض المسرحية وفي مشاهدة الأفلام السينمائية وفي إقامة العلاقة مع المسرحيين والسينمائيين والفنانين التشكيليين والأدباء والشعراء. وبإمكاني القول إننا حضرنا كل الأعمال المسرحية التي أخرجت وعرضت في مسارح بيروت وفي المسارح الأخرى، بما فيها المسرح الذي أقيم في قلعة بيت مري. وكانت تربطنا بالمسرحيين المعروفين جميعهم تقريباً علاقات صداقة، لا سيما في الفترة التي تشكلت فيها اللجنة الوطنية للمسرح التابعة للأونسكو برئاسة جلال خوري أولاً، ثم برئاسة هدى زكا فيما بعد.

وكنا نتابع في الوقت ذاته وسط حماس تلك الفترة من التطورات الجديدة في مجال السينما نقاشات نادي السينما الذي كان ابراهيم العريس من أكثر الذين عملوا لتنشيطه في سينما كليمنصو وفي أماكن أخرى. وقد أصدرت مجلة «الطريق» في الفترة ذاتها عدداً خاصاً عن السينما الجديدة يعتبر اليوم مرجعاً مهماً في الحركة السينمائية العربية. كذلك اهتمت «الطريق» بإصدار أكثر من عدد خاص حول المسرح العربي. وكنا، نزار ودكروب وأنا، على علاقة وطيدة مع بلند الحيدري الذي كان منزله واحداً من أهم الأماكن التي احتضنت لقاءات ونقاشات تلك المواضيع الثقافية والسياسية مع جمهور كبير من المثقفين اللبنانيين والعرب.