eKtab
EN ع
نزهة الخاطر
Read free sample

نزهة الخاطر

by أمين الزاوي

Page 1

إهداء:

إلى:

عبد القادر وإدريس وعبد الله وحليمة

أبناء عمتي ميمونة،

رحلوا جميعًا، واحدًا بعد الآخر،

في صمت هشاشتهم العالية.

أمين

Page 2

(وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)

(سورة التكوير: 22)

Page 3

1

بـي مرض غريب، فأنا أحلم كل ليلة، وإن كثيرًا من أحلامي هي عبارة عن كوابيس تُعرِّق، تحاصرني في شكل حكايات مزعجة وملتوية وغير ذات نهاية. ومع كل صباح أجد نفسي أسعد خلق الله، لا لشيء إلا لأن الذي شاهدته لم يكن سوى منام، ولكن الأغرب من كل ذلك هو أنني كلما حاولت أن أقص ذلك على من أصادفه في طريقي الصباحي، وخاصة هذه المرأة التي تعيش معي في هذه الشقة المعلقة في الطابق الخامس من هذه العمارة الكولونيالية المتهالكة، وسط هذه المدينة الساحلية الغامضة التي كأنما ضربها الطاعون، امرأة يحدث أن أنسى اسمها لأيام، ثم أستعيده لأيام أخر، تسامحني وتضحك. كلما جلسنا في المطبخ لشرب قهوة الفطور، وأهمُّ بأن أقص عليها تضاريس سفري المرير في السرير؛ أجدني قد نسيت كل شيء، يضيع مني الكل وتتداخل التفاصيل في رأسي، أحزن لحالي وأقول: كيف لي نسيان نصف حياتي؟ أردد بيني وبين نفسي هذه الصورة المدهشة الواردة في كتاب الله:

".. يُكَوِّرُ الليلَ عَلَى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى الليلِ..".

وأحتسي قهوتي في صمت.

أعترف بأنني عشت بنصف حياة فقط، أما نصفها الآخر فقد ضيعته في دهاليز النسيان، فالحياة التي لا تستطيع حكايتها هي موت من نوع آخر؛ للموت إخوة وأخوات.

الحكاية هي مرآة الحياة.

مع ذلك قررت أن أحكي لكم ذلك النصف من الحياة الذي لم أعشه، أن أكور الليل على النهار.

Page 4

1

بـي مرض غريب، فأنا أحلم كل ليلة، وإن كثيرًا من أحلامي هي عبارة عن كوابيس تُعرِّق، تحاصرني في شكل حكايات مزعجة وملتوية وغير ذات نهاية. ومع كل صباح أجد نفسي أسعد خلق الله، لا لشيء إلا لأن الذي شاهدته لم يكن سوى منام، ولكن الأغرب من كل ذلك هو أنني كلما حاولت أن أقص ذلك على من أصادفه في طريقي الصباحي، وخاصة هذه المرأة التي تعيش معي في هذه الشقة المعلقة في الطابق الخامس من هذه العمارة الكولونيالية المتهالكة، وسط هذه المدينة الساحلية الغامضة التي كأنما ضربها الطاعون، امرأة يحدث أن أنسى اسمها لأيام، ثم أستعيده لأيام أخر، تسامحني وتضحك. كلما جلسنا في المطبخ لشرب قهوة الفطور، وأهمُّ بأن أقص عليها تضاريس سفري المرير في السرير؛ أجدني قد نسيت كل شيء، يضيع مني الكل وتتداخل التفاصيل في رأسي، أحزن لحالي وأقول: كيف لي نسيان نصف حياتي؟ أردد بيني وبين نفسي هذه الصورة المدهشة الواردة في كتاب الله:

".. يُكَوِّرُ الليلَ عَلَى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى الليلِ..".

وأحتسي قهوتي في صمت.

أعترف بأنني عشت بنصف حياة فقط، أما نصفها الآخر فقد ضيعته في دهاليز النسيان، فالحياة التي لا تستطيع حكايتها هي موت من نوع آخر؛ للموت إخوة وأخوات.

الحكاية هي مرآة الحياة.

مع ذلك قررت أن أحكي لكم ذلك النصف من الحياة الذي لم أعشه، أن أكور الليل على النهار.

Page 5

2

أحب مربى المشمش!

.... تحت سقف البيت الكبير ذي العماد المتين، يعيش ويتعايش أفراد عائلتنا الكبيرة: الجد والجدة، والعمان والعمة، وأبناؤهم وبناتهم، وأبـي وأمي وأخواتي، وأنا الذي أحب مربى المشمش كثيرًا. خلق كثير، ولا أحد من هذا الخلق الكثير فكر يومًا في مغادرة البيت الكبير إلا إذا كان ذلك إلى المقبرة، وحتى من قد تخول له نفسه الأمارة بالسوء التفكير في ذلك، لا يسمح له بارتكاب معصية من هذا القبيل.

ما دام الجد على قيد الحياة فلن يغادر أحد العتبة الكبيرة، جد لم أعرفه منذ فتحت عيني إلا بلحيته الحمراء، المصبوغة على الدوام بحناء مائل لونها إلى الاحمرار، مما يعطي وجهه قوة بياض ناصع، يعبق منه عطره الخفيف، مخلوطًا على الدوام برائحة الصابون الحلبـي الأصيل، التي تصعد من ثيابه البيضاء النظيفة.

كان أنيقًا، كأنما خلق للنساء والأسفار.

كنت دائمًا أشبه صورة جدي وهو على مثل هذه الهيئة والجلسة والتأمل واللحية بصورة أحد أنبياء الله، لست أدري لماذا كلما لمحته يذكرني وبشكل مباشر بالمسيح عليه السلام!

جدي اسمه عبد المؤمن، سُمّي بهذا الاسم، كما يحلو له أن يردد ذلك دائمًا، نسبة إلى أحد أجداده العظماء، وهو عبد المؤمن بنعلي الكومي الندرومي، ابن صانع الأواني الفخارية، والذي ترك مدينته ندرومة مهاجرًا إلى تلمسان ثم بجاية، التي استقر فيها بعد أن عدل عن مواصلة رحلته إلى الحج؛ إذ فضل البقاء إلى جوار ابن تومرت ليصبح ملازمًا له، ليغادر بجاية بصحبة ابن تومرت متوجهين إلى المغرب الأقصى. وفي منطقة السوس تتم بيعة ابن تومرت مهديًّا للموحدين، وكان هذا الجد شاهدًا على المبايعة، ثم بعدها فُتحت الحرب على دولة المرابطين، وبموت ابن تومرت تولى عبد المؤمن بنعلي قيادة جيش الموحدين؛ فخاض حربًا دامت سبع سنوات فتح أثناءها مدنًا وبلدانًا، من ندرومة إلى تلمسان ووهران ووجدة وفاس ومكناس وإشبيلية بالأندلس، ومليانة والجزائر وبجاية وقسنطينة، وتونس والمهدية والقيروان وصفاقس، وسوسة وطرابلس وقابس...

كان جدي فخورًا بجده، يقرأ لنا من كتب التاريخ عنه وعن سلطانه العظيم، وهو يحلم في عز القيلولة باستعادة مملكته الضائعة وعرشه الممتد من ليبيا إلى سجلماسة.

وأنا أحب مربى المشمش.

هي عادة جدي، يوميًّا، عند ساعة العصر يأخذ كتاب "روض القرطاس" لابن أبـي الزرع، ويقرأ فيه بصوت عال هذه الفقرة التي تصور ملامح جده، يقرؤها وهو ينظر إلى نفسه في المرآة التي تنصبها أمامه جدتي، ليرى ملامحه في تلك الصفات التي كان عليها جده السلطان عبد المؤمن الكومي:

".. كان أبيض اللون مستويًا، بحمرة، أكحل العين، أجعد، تام القد، أزج الحاجبين، قويم الأنف، عريضه، مستدير اللحية، فصيح اللسان، فقيهًا... إمامًا في النحو واللغة والأدب والقراءة... حسن السيرة، نافذ الرأي، ذا حزم وسياسة وشجاعة وإقدام في الحرب... لم يقصد بلدًا إلا فتحه..".

كان جدي يقرأ هذا عن جده الأول، وعينه على وجهه في المرآة فلا يرى نفسه إلا في هذا الوصف، فتبتسم جدتي...

تصب له فنجانًا من قهوة العصر.

لم يكن جدي يحب الحرب، كان يحب قراءة القرآن والشعر، ويعشق ركوب الخيل والنساء والأسفار.

أراقب حركات جدي، وأغمس أصبعي في بوقال مربى المشمش.

أحب مربى المشمش.

Page 6

جدتي الحاجة البتول، على كل هي لم تحج يومًا، ولكن الناس ألحقوا باسمها هذه الصفة، فقبلتها على مضض؛ لأنها تعتقد بأن كل من يناديها باسم "الحاجة" لا ينتظر سوى موتها، فالحاج هو من شاخ وانتهت جميع رغبات الحياة لديه، أما جدتي فكانت امرأة حياة، تعض على الدنيا بأسنانها التي ما فقدت منها ولا واحدة، عدا سن العقل! تحب الأكل والحديث ومخاصمة الناس ومحاسبة أمي وزوجة عمي حسابًا دقيقًا، وتعتني بدجاجها العناية القصوى، تعد الرؤوس واحدًا واحدًا، حين مغادرة الخم، ومثله عند العودة مع سقوط الليل، ولا تفرط في مربعات نعناعها وقزبرها النابت في اخضرار مدهش، عند مدخل البيت الكبير العامر ذي العماد المتين، تسقيه وتقلب الأرض حوله باستمرار.

كانت جدتي البتول ثخينة، بكّاء، شكّاء، لا تستطيع لمَّ لسانها في فمها، تعاني مرض السكر الذي يرافقها من سنوات، ومع ذلك لم تكن قادرة على الكف عن تناول الحلويات وجميع أنواع السكريات. يقال عنها إنها، ومنذ صغرها، لم تكن تعشق سوى ما هو محرم عليها، متمردة وملحاح، لذا فزواجها بجدي الحاج عبد المؤمن له حكاية قد تطول روايتها، في كل مرة تحكيها وبتفاصيل مختلفة وغريبة.

فقد تزوجها هذا الأخير بعد أن عشقته؛ إذ شاهدته يركب حصانه ويلعب الفانتازيا في عرس أحد شباب القرية، كان وسيمًا من سلالة الأمراء، فهو حفيد القائد عبد المؤمن الكومي، فما كان منها إلا أن تدبرت حيلة تنقذها من زوجها الذي كانت معلقة في رقبته، والذي له معها ولد وبنت وبطن ممتلئ بقادم على الطريق، إذ ذهبت عند شيخ الجامع الكبير يوم الجمعة، وكان هذا الإمام معينًا من قبل الإدارة الفرنسية، فمنحته بعض ذهبها من خواتم وحلق وأساور وبكت حالها إليه، طالبة منه أن يتدخل للسماح لها بخلع زوجها، متهمة إياه بعجز في أداء واجب الفراش، وهي التي تحب الفراش كثيرًا، تحب سُكَّر الأكل وعسل الفراش، والثاني أحب إلى قلبها من الأول، فما كان من الشيخ إلا أن أذن لها بذلك، فكان الذي رغبت فيه.

في أيامها الأخيرة، كانت لا تتوقف عن ترديد هذه العبارة: "الحياة سُكَّر أكل، وعسل فراش". تقول لنا ذلك وقد أصابها مرض الكآبة، وهزمتها الشيخوخة اللعينة التي هجمت عليها مبكرًا؛ فانهار جسدها الذي كان جميلاً، والذي مع ذلك كان لا يزال يحتفظ بأطلال تحيل وتذكر بجمال ولّى واختفى.

لم يكن أحد بالبيت الكبير يحب جدتي، ومع ذلك لم يكن أحد من ساكنيه يمكنه تصور هذا الفضاء العائلي بدونها، فهي من يملؤه صخبًا وشتمًا وأمرًا ونهيًا وكلامًا بذيئًا. الجميع يدعي أنه يغلق أذنيه حين تفتح جدتي فمها، ولم أر أحدًا يفعل ذلك، على العكس تمامًا فالجميع كان يحب سماع وقاحتها مقهقهًا. كان الجميع يتحاشى لسانها ولكن لا أحد كان يحمل كلامها على محمل الجد، وقد بدأت تهذي كثيرًا ولا تتردد في أن تخرج في قيلولات الصيف القائظ شبه عارية أمام الجميع.

أحببت جدتي البتول لشيء واحد وغريب، أحببتها حين علمت أنها اصطفت من كل دجاج الخم ديكًا أعطته اسمًا هو "ميمون"، وقالت عنه: "إنها حررته"! ما معنى "الديك المحرر" في منطق جدتي؟ لقد قررت جدتي ألا يُذبح هذا الديك ولا يُباع، وهو بالفعل ما كان، وقد كبر وأصبح له عرف بطوابق حمراء وقائمتان بأظافر كبيرة كحوافر الدواب، وريش كريش الطاووس. كان يأكل من يدي جدتي ويشرب من إناء خاص به، وكانت لا تنسى أن تحممه بزيت الزيتون الأصلي مرة كل ثلاثة أشهر، تمسّد له الأطراف وتدهن له الرأس، وتتركه لساعات أمام الشمس. وفي الشتاء يقضي ليله في الغرفة التي تتقاسمها مع جدي، كان له فراشه الخاص به، لا أحد منا نحن الصغار كان ليتجرأ على إزعاج هذا الديك المحرر، بل كنا نخاف لمسه؛ إذ كانت جدتي تؤكد لنا أن من يمس الديك بأذى يصيبه الله بأن يسلط عليه مرضًا اسمه "بورجاف"، حيث يعيش بيدين مرتجفتين طوال عمره. كنت أهرب كلما صادفت الديك في الساحة، ومثلي كان يفعل الجميع من أقراني، كنت أخاف أن ألمس ريشه فأصاب بمرض البورجاف. كان ديك جدتي ميمون يعرف اسمه، فبمجرد أن تناديه جدتي بهذا الاسم يسرع إليها، وكانت تحتفل بعيد فقْسه، أي اليوم الذي خرج فيه من البيضة، أي عيد ميلاده، كان ذلك في الثامن من أبريل، وحين بلغ عامه الثامن بدأ يفقد ريشه وأيضًا قوة بصره، وكانت جدتي لا تتوقف عن دهن ريشه حتى لا يسقط، ووضع نوع من العقار السائل في عينيه حتى يرى، وهو نفس العقار الذي كانت تستعمله هي نفسها، وتقطر منه في عيني جدي أيضًا. والعجيب في الأمر أن جدتي وميمون، ديكها المحرر، بدآ يفقدان السمع والبصر بشكل متواز وبذات الوتيرة، حتى إنه لم يعد يسمع صوتها إذ تناديه لتناول قمحه أو شرب مائه، فكانت تنادي عليّ كي أنادي بدوري عليه وبصوت عال، وكنت أقوم بذلك، وفي كل مرة أحقق انتباه ميمون تمنحني جدتي بيضة مسلوقة بالملح والكمون، كم كان بيضها لذيذًا ياإلهي، وكنت أتمنى أن يظل ميمون على صممه كي آكل كل مرة بيضة مسلوقة!

يعجبني بيض جدتي المسلوق المغمس في الكمون والمرشوش بالملح، لكني أحب فوق ذلك مربى المشمش.

لم ألمس في حياتي الديك ميمون إلا مرة واحدة، يومها وقعت الواقعة، كنت بجوار جدتي أساعدها في تنظيف الإناء الذي تضع له فيه حفنات القمح أو النخالة المبلولة بقليل من الماء، جاء الديك وبكل طمأنينة مر بيني وبين جدتي فلامست ريشه، أو على وجه الدقة هو من لامسني بريشه، وعلى إثر ذلك انطلقت مسرعًا، حتى دون أن أخبر جدتي بالواقعة التي وقعت، إلى غرفة والدي في الجناح الآخر من البيت الكبير، أخرجت كيس صابون الغبرة أومو، وبدأت في فرك يدي سبع مرات بالتراب أولاً ثم مثلها بالماء والصابون، وفي كل مرة كنت أغسل فيها يديّ أشعر بهما ترتجفان؛ فأقرأ الفاتحة وأشعر برغبة متواصلة في التبول. قضيت النهار ويداي في جيبـي، في الليل لم أستطع أن أنام إذ كنت أشعر بيدي اليمنى ترتجف فأنام عليها، أتوسدها فلا تتوقف عن الارتجاف، وعند الصباح نسيت ارتجاف يدي، ومع ذلك قررت ألا أعود لمساعدة جدتي في الشؤون المتصلة بالديك ميمون.

كان لميمون الحق، كل الحق، في أن يدخل جميع الغرف دون أن يزعجه أو ينهره أحد، بل من دخل غرفته يكون سعيدًا؛ لأنه، كما تقول جدتي، حامل للحظ والشفاء وبشارة خير كثير، وكانت أمي مؤمنة بذلك إيمانًا عميقًا، فما يكاد يدخل غرفتها أو غرفة أخواتي حتى تسرع لتنثر له بعض حفنات قمح، وترشه بالملح وتتمتم بعض الدعوات، وترفع يدها إلى جبهتها وكتفيها وتقوم بصلاة في حركات من يديها على شكل رسم صليب، تشبه صلاة المسيحيين وهي تقرأ الفاتحة وآية الكرسي.

لا أحد كان يمكنه أن يتصور البيت الكبير خاليًا من ميمون الديك؛ فهو الكائن الجامع بين أفئدة الناس، وهو القادر على رفع كل خصومة أو مقاطعة أو كراهية قد تنشب بين أهل البيت، وما أكثرها، فما أن يدخل غرفة إلا وتسرع صاحبتها إلى إخراج خبزة مطلوع، تقسمها قطعًا صغيرة في طبق من الحلفاء، ثم توزعها على ساكنة البيت الكبير، الكبار والصغار دون استثناء، وبالتالي تمسح كل الخصومات، وتعود الحياة إلى مجراها الهادئ. كان ميمون وسيط سلام بين أهل البيت الكبير، وعامل مصالحة بين المتخاصمين والمتخاصمات.

Page 7

3

وبالبيت الكبير يقيم أيضًا العمان الصافي وسليمان، الأول متزوج، أما الثاني فأعزب لا يفكر في الزواج البتة. وعمي الصافي لا نشاهده إلا شهرًا واحدًا في السنة، يكون ذلك في شهر رمضان، إذ إنه يشتغل عاملاً مهاجرًا في فرنسا.

يعد العم سليمان آخر عنقود جدتي، رجل من عسل، هو الوحيد الذي كان قادرًا على أن يسخر من بركة الديك ميمون، وتلك قوة لا يملكها غيره، وكثيرًا ما تجرأ بالتفوه بالعبارة الساخرة التالية أمام جدتي: متى نستلذ بلحم هذا الميمون ياحاجة، متى يدخل الطنجرة؟ مرقه هائل!! فتغضب جدتي غضبًا كبيرًا وتصرخ لاعنة هذه الذرية الفاسدة، وتتهمه بالكفر وبأن الله سيعاقبه على أفكاره الخبيثة في هذه الدنيا قبل الآخرة. كان عمي سليمان يتناول السكين بين يديه، سكينًا كبيرًا مخصصًا لأضحية العيد، يشهره ويمشي مختالاً قبالة جدتي قائلاً وهو يقهقه كالطفل: أين ميمون ياحاجة؟ تغلق جدتي باب غرفتها عليها، ثم تستسلم للبكاء والصلاة والدعوات، وسليمان من خلف الباب يضحك ويقهقه.

كان عمي سليمان يحب الموسيقى الشعبية، ويؤدي رقصة العلاوي الفلكلورية بطريقة مدهشة في الأعراس وفي الأفراح العائلية. كان له صوت غير جميل ولكنه متميز وهو يؤدي أغنيته المفضلة، أغنية الباسبور لخضر لصاحبها الشيخ التينساني، والتي شاعت كثيرًا في منطقتنا، كلما تذكر أخاه الصافي، أغنية تصور رغبة الشباب في الهجرة إلى ما وراء البحار؛ هروبًا من الفقر والحاجة وتلبية متطلبات العشيقة، أغنية يرددها الرجال والنساء على السواء في كل مناسبة، تقول الأغنية:

لو كان الباسبور عَنْدي- نَمْشي لَ فْرَنْسا نْولّي لاباس

مْنين الباسبور والو- ما عَنْدي ما نْدير يابَنْت الناس

لو كان الباسبور عَنْدي- نَرْكَبْ فَ الطّايْرَة ونَـﯕْطَعْ لَبْحور

نَخْدَم ونْدير المْلايَنْ- نَشْري لوطو نْجيبْها فَ الْبابور

لو كان الباسبور عَنْدي- نَـﯕْطَعْ لَ فْرَنْسا ونَخْدَم فَ النّور

في الحفلات والأعراس، كانت عين عمي سليمان التي لا تنام مسلطة على النساء الجميلات، وعيونهن عليه، لا تراه إلا مقهقهًا، لم يفقد الطفل الشقي فيه، لا يحسن كتابة حتى اسمه، يعرف من حروف الأبجدية كتابة حرف "بَ" بالفتحة دائمًا، لماذا بالفتحة دائمًا؟ لا أحد يعرف ذلك، حتى هو لا يعرف لماذا يكتبه هكذا، وما هذا الذي يكتبه هكذا!

كره المدرسة من صغره، فلم يدخلها إلا يومين اثنين لا ثالث لهما، نفر منها ثم قاطعها نهائيًّا، لم يعد إليها مطلقًا، على الرغم من إلحاح جدي عبد المؤمن مزيان الكومي وجدتي البتول، ولم يجلس على حصير مدرسة الكتّاب، يعرف الحساب إلى عدد تسعة وتسعين وبعده تختلط عليه الأعداد، لكنه يدرك وبذكاء خارق حساب فلوسه؛ فالأوراق النقدية لا تفوته قيمتها وعدها، هو لا يخطئ في ذلك أبدًا، مع إنه ميال إلى الحياة أكثر من ميله إلى الفلوس، كان رجل إحساس لا رجل حساب.

Page 8

كان عمي سليمان هو من يحضر لاجتماعات الحزب الحاكم، فحين يجيء أصحاب الخطب العصماء من تلمسان أو وهران، "ناس الهدرة" كما كان يسميهم، كان هو من يعد لهم المنصة في الأسواق الشعبية، ويدعو الناس إلى الاستماع، بل كان يدعوهم إلى التفرج. كانوا يسمعون ما لا يفهمونه، يجلسون لساعات أمام الخطيب لا لشيء إلا لأن عمي هو من طلب منهم ذلك. كان الخطباء يتحدثون عن الاستقلال والجزائر المتحررة حين يكون الصيف، وعن العدالة والاشتراكية حين الخريف، ويغيبون في الشتاء ليظهروا مع الربيع لينشدوا الحرية والسلم، والناس تعرف أن لا عدالة تحققت؛ فالناس لا تزال تستعمل الأحمرة التي استعملوها أيام الاستعمار الفرنسي، ولا تزال الطريق الوحيدة المعبدة التي يسلكونها هي تلك التي عبّدها الاستعمار لأجل أرتال سيارات عسكره وجهاز قمعه.

يتحدث الخطباء عن الثورة والبارود والشهداء حين يكون الخريف، نسي الناس الشهداء إلا حين إعادة دفن بعض رفاتهم، كان عمي هو من يحفر قبور الشهداء الذين دفنوا على عجل من قبل رفاقهم في قبور منتشرة في السهول والسهوب والجبال، يجمع ما تبقى منها في كفن أبيض، يلم العظام، يصففها بعناية وصلاة، يضعها في صندوق كي يعاد دفنها في مقبرة الشهداء. المقبرة هي المؤسسة الوحيدة التي تم تدشينها في قريتنا منذ الاستقلال، وكانوا حين يحل الربيع يتحدثون عن "سيسي لوفو" (توقيف النار) الذي أفضى إلى الاستقلال. كان عمي يحفظ الخطب من كثرة ما سمعها من أفواه أصحاب الحزب والحكومة، كان يحفظها دون أن يفهم شيئًا منها، منهم أيضًا حفظ بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن الشهداء، من كثرة ما كرروها على منصات الأسواق الشعبية.

من كثرة إعادة دفن الشهداء التي تكون ثلاث مرات في السنة، في عيد الثورة وهو الفاتح من نوفمبر، وعيد النصر الذي هو يوم 19 مارس، وعيد الاستقلال الذي هو يوم 5 يوليوز. ولكثرة ما تتكرر قراءة بعض الآيات، ولأن عمي كان مجبرًا أن يكون في الصف الأول مع المسؤولين الكبار الذين يجيئون في مرات من العاصمة والله أعلم؛ فقد اضطر إلى حفظ آية الكرسي التي تقرأ في كل إعادة دفن وفي كل عزاء، وحتى في استقبال الحجاج، وحين أصبح متيقنًا من حفظها عن ظهر قلب، لم يكن يتردد في أن يرفع صوته فوق أصوات الجميع كي يؤكد لهم بأنه حافظ كتاب الله:

بسم الله الرحمن الرحيم: "اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" (صدق الله العظيم).

كان يقرأ آية الكرسي في كل مناسبة، وهي كل ما يحفظ من كتاب الله، وبها يحفظ ماء وجهه أمام الجميع من الغرباء أو من أبناء البلد.

كان عمي سليمان سعيدًا ذاك اليوم وقد جاءه خبر مفرح، وهو أن المسؤولين القادمين من مدينة تلمسان سيكرمونه، كان ذلك بمناسبة الاحتفالات بذكرى العشرين لثورة أول نوفمبر، استعد عمي لذلك اليوم أيّما استعداد، وكما هو المعتاد فقد رفع المنصة ونصب الطاولة والكراسي والبوق الذي فيه ينفخ النافخون، وكان يسميه صُورَ الجنة، ولكن شيئًا ما اختلف لدى عمي في هذا اليوم، فهو المشرف على تحضير الحفل، وهو أيضًا من المكرمين. لبس أجمل ما عنده من ملابس، وحلق لحيته مرتين، مرة عند الفجر والثانية عند مطلع الشمس قبل أن يغادر البيت الكبير. ولأول مرة شعر بنوع من التردد والخوف والقلق، ولأول مرة أيضًا سقطت القهقهة من على شفتيه فبدا متجهمًا، وجاء المسؤولون وصفق لهم الناس الذين اجتمعوا في السوق الشعبـي، وعلا الغبار الخريفي المكان، ونفخ المسؤولون في الصور الواحد بعد الآخر مرددين نفس الكلام الذي سبق وأن قالوه منذ عشرين احتفالاً، ثم شرعوا في النداء على المكرمين، وحين جاء دور عمي صعد المنصة وهو يقرأ آية الكرسي دون أن يعرف لماذا كان يقرأ آية الكرسي المرة بعد المرة. وحين تسلم عمي شهادة التكريم من يد المسؤول الكبير الذي أشبعه مدحًا، وعدد خصاله الحميدة وبلاءه الحسن أيام الثورة؛ تناول عمي الشهادة ثم اختفى.

حين انتهى الحفل وعاد الخطباء في سياراتهم السوداء من حيث جاؤوا، وعاد عمي إلى البيت الكبير حزينًا؛ وضع "شهادة مجاهد" الملفوفة بخيط أخضر قبالته، ظل صامتًا زمنًا أمامها، لم يعرف ما هو مكتوب عليها، ولم يكن يهمه ذلك، ثم قال بينه وبين نفسه وبمرارة: "هذا ثمن المجاهد وجزاؤه!"، ترحم على الشهداء من رفاقه، ثم استرجع قهقهته وابتسامته، وخرج إلى الساحة ليشرب القهوة مع جدي.

جلست قبالته وأنا أغافل جدتي كي أغمس أصبعي في بوقال مربى المشمش.

كان عمي سليمان حريصًا على الطاولة الكبيرة، والإزار الأحمر المصنوع من القطيفة الذي يوضع عليها ساعة الحفل، والبوق الذي ينفخ فيه الخطباء، إلى جانب المحمل الذي يستعمل في نقل الأموات وآلة حفر القبور. كان يركم كل ذلك في ركن من أركان مصلى جدي الذي يظل مغلقًا طوال أيام السنة، باستثناء شهر رمضان والعيدين، فلا وجود لقرية باب القمر بدون هذا العتاد الخاص بالموتى وبالخطب عن الموتى. كل هذا كان تحت مسؤولية عمي.

وكان عمي سليمان هو من يتولى الإشراف أيضًا على ضرب خيام الأعراس، فلا عرس إلا إذا كان عمي حاضرًا، وتحديد موعد الأعراس لا يكون إلا بمشورته وموافقته، فهو من يوزع أيام الصيف لأعراس الشباب، وهو من يتكفل بدعوة الفرقة الفلكلورية والراقصة وهو من يناقش معها ثمن الحفل، وهو وحده من يرفع سعر فرقة أو ينـزله، وهو من ينتقد راقصة ما أو يمدحها، وكلامه نافذ في الأسواق وبين الناس.

Page 9

وهو من يتكفل بنصب خيم العزاء؛ إذ بمجرد أن يكون هناك موت في أسرة، أول من يخبر بذلك هو عمي سليمان الذي يسرع لخيمة العزاء، وهي خيمة سوداء مصنوعة من شعر الماعز لا تستعمل إلا في هذه المناسبات، ولا يمكن أبدًا استعمالها في ليلة فرح أو عرس، وهو من يُحضر العجوز المكلفة بفتل الكسكس وتحضير عشاء العزاء، لا يُناقش أبدًا في ما يختاره أو في ما يفعله في مثل هذه المناسبات.

وعمي سليمان هو من يشرف على سفر الحجاج واستقبالهم، ولذلك طقوس أخر، من خيام وفنتازيا وقراءة القرآن، ومراسيم توزيع ماء زمزم على الكبار والصغار، فهو من يتولى توزيع الماء المبارك على الجميع بالقطرة، لا ينسى أحدًا ولا يُغضب أحدًا.

كان عمي سليمان سعيدًا أيضًا باستقباله للطلبة المتطوعين صيفًا وخريفًا وربيعًا، القادمين من وهران والعاصمة، وهم يتحدثون كلامًا لا يفقه منه شيئًا، عن الماركسية والاشتراكية والتأميم والإقطاعية وو وو.. كان يعتقد بأن هذه الكلمات هي أسماء لمدن، بعضها يسكنها أشرار، وبعضها يقطنها ناس طيبون. كان معجبًا بسذاجة الطالبات المتطوعات، اللواتي يغرقن طوال النهار في كتابة التقارير عن الاجتماعات التي لا تنتهي مع الفلاحين ورؤساء البلديات ورؤساء التعاونيات الفلاحية للتسيير الذاتي، وكأنهن كن يكتبنها ليقرأها خطباء احتفالات عيد الثورة في الخريف القادم، أو عيد النصر في الربيع القادم، أو عيد الاستقلال في الصيف الذي على الأبواب. ما يتحدث عنه الطلبة يقوله أيضًا مسؤولو الحزب والوزارة والولاية ورئيس البلدية، سبحان الله.. الجميع يشبه الجميع! يقولون نفس الكلام، ولكن عمي لم يكن يعرف لمن يتوجه هؤلاء بخطبهم وتقاريرهم؟ مع ذلك كان عمي يحب الطالبات ويعطف عليهن ويخدمهن، وكان جدي يحذره من مغبة ما قد يحصل له إذا ما ظل ملتصقًا بهن.

Page 10

4

أحب مربى المشمش، وأحب أخي مازار أيضًا..

في غفلة مني، يلمحني جدي بطرف عينه وأنا أغمس أصبعي في بوقال مربى المشمش، يقول لي بنوع من السخرية المليئة باليقين: إن هناك نوعًا من شجر المشمش يثمر علب المربى! حيث تعطي الشجرة بدلاً عن حبات المشمش التي تباع في الأسواق علبًا صغيرة، ثم تكبر وتكبر، حتى تستوي فتقطف كما تقطف الفاكهة، وكما حبات المشمش، فمن العلب ما هو صغير وبعضها متوسط وثالثها كبير.

كنت أصدق كل هذا الكلام، وأنا أغطس أصبعي في البوقال وأقول لجدي: لماذا لا نغرس بدل شجرة التين شجرة مشمش تثمر لنا علب المربى؟

وكان يضحك.

كنت أفكر في أصبعي المغطس في بوقال مربى المشمش، وأنا أتبع أخي مازار الذي يسير أمامي، بيني وبينه متران أو أقل، كان سريع الخطى، كالحمَل الوديع، مترددًا، خائفًا كنت أمشي، أجر قدمي في الغبار جرًّا، أمشي خلفه طورًا وإلى جنبه طورًا آخر، كنا نتقدم في اتجاه مدرسة القرية المركزية التي تبعد حوالي ستة كيلومترات عن بيتنا الكبير، بيت الطاعة والكبائر.

هي المرة الأولى التي أقطع فيها هذا الطريق الفاصل بين قريتنا "باب القمر"، والقرية الرئيسية التي تحوي عجائب الدنيا جميعها؛ ففيها: بقالية تفتح مرتين في الأسبوع، يومي الاثنين والخميس، وإضافة إلى ما توفره من حاجيات لفلاحي المداشر، فإنها تقوم مقام البريد؛ إذ تمثل نقطة إيداع جميع الرسائل التي تصل إلى الأهالي من ذويهم وأقاربهم في المهاجر، وكذا بعض الحوالات الشهرية القادمة من مؤسسات التأمينات موجهة للعمال المتقاعدين، الذين لفظتهم آلات العمل الوحشية الفرنسية، والذين عادوا إلى القرية ينتظرون الموت تحت الشمس. يتولى حمل هذا البريد مساعد سائق الحافلة التابعة لشركة الدولة لنقل المسافرين، والتي تعبر القرية مرة كل يوم، وفي مواعيد مختلفة، فساعة مرورها مرتبطة بأعطابها الميكانيكية المتكررة، وبسلامة الطريق التي تقطعها من مدينة تلمسان إلى آخر نقطة لها هي محطة قرية مرسى بنمهيدي، حيث تقضي الليل هناك لتقفل راجعة فجر اليوم التالي. كثيرًا ما كانت الحافلة تغيب لأيام، خاصة في فصل الشتاء، حين يفيض وادي التافنة بماء مجنون بلون التراب، فيخرج عن سريره، جارفًا معه المواشي وبعض البشر والدور والشجر، في مثل هذا الوضع يتعذر على الحافلة عبور المجرى الهائج، وحين تغيب الحافلة لا يقلق ناس قرية باب القمر أبدًا، بل يعدون ذلك من كرم السماء على الأرض، وعلامة من علامات صيف قادم سيأتي بغلة وافرة وخير مديد.

وتضم قرية باب القمر مقرًّا صغيرًا للبلدية، عبارة عن بناية مهترئة تعود إلى زمن الاستعمار، كانت مقرًّا ومخفرًا لحرس الحدود من العسكر الفرنسيين، وبعد الاستقلال اتخذ منها حارس الغابة مسكنًا قبل أن يخليه، لتتحول إلى بلدية حسب التقسيم الإداري الجديد لدولة الاستقلال. أما رئيس البلدية الشيخ سليمان (غريب، كل الناس هنا اسمها سليمان!) فهو الشخص الوحيد في القرية الذي يناسبه هذا الاسم، لما له من قوة خارقة تفوق قوة سيدنا سليمان الذي كلم النمل والجن وكان يعرف لغة الطير و... فرئيس بلديتنا، كما يروي بعظم لسانه، شارك في حروب كثيرة لا تعد ولا تحصى، إذا ما صدقنا قصصه وجمعنا سنوات حروبه وأسفاره، يكون عمره قد جاوز القرن بكثير؛ فهو قد شارك مع جيوش نابليون في حربه على روسيا، وشارك قائدًا كبيرًا في الحرب العالمية الأولى على جبهة حلب في بلاد الشام، وقاد حربًا ضروسًا مع الحلفاء في منطقة نورمانديا في الحرب الكونية الثانية، وشارك في حرب ديان بيان فو... يمشي في القرية يوم السوق الأسبوعي بكثير من النياشين على صدره، وقد أطلق عليه مساعد سائق الحافلة اسم: بريجنيف، لا أحد في القرية يعرف معنى هذا الاسم، ولكن الجميع يناديه به، وحتى هو قبل بذلك، ولم يعد يحرجه هذا الاسم.

كان بريجنيف يخطب في شعبه من الأهالي كلما أتيحت له الفرصة، يستعد لذلك أيّما استعداد، في اللباس وحلاقة الرأس والشوارب، لهذا الغرض يسافر حتى مدينة مغنية، وحين يعود وبه بقية من عطر رغوة صابون الحلاقة يمر على الجميع كي يشتموا تلك الرائحة المثيرة. خطبته كخطبة طارق بنزياد الجميع يحفظها، فهو يكرر نفس العبارات مرات عديدة في السنة، في الأعياد الوطنية والدينية والمدنية، وفي كل خطبة يقسم أنه سيحرر فلسطين كاملة غير منقوصة، كما حرر الجزائر من فرنسا، وقبلها حرر فرنسا من ألمانيا!! يمسك على نياشينه ويعيد العبارة مرات، ويصفق الناس له كثيرًا، ويفرح كثيرًا حين تمتلئ ملامحهم بشحنة الفرح، ويصبح شبيهًا بطفل خجول.