eKtab
EN ع
واقع الاقتصاد الأردني وآفاقه
Read free sample

واقع الاقتصاد الأردني وآفاقه

by وهيب عبده الشاعر

Page 1

مقدمــة

1. يسعى هذا البحث لإبراز حقيقة واقع الاقتصاد الوطني الأردني وآفاقه الإيجابية والسلبية، في أطره السياسية والاجتماعية، بما في ذلك استحقاقات الكيان
الأردني الاقتصادية، خاصة فقدانه الاكتفاء الذاتي منذ نشوئه، وكذلك دوره المرسوم من قبل القوى الدولية، وتجدد هذا
الدور وتطوره عبر حقبات تاريخ الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. ويهدف هذا البحث بذلك إلى تعميق فهم
الاقتصاد الأردني وقوى التغيير فيه، والمساهمة في إزالة التضليل والتشويش الذي يفرضه الخطاب الاقتصادي الرسمي، في الأرقام
الإحصائية المتعلقة بقضايا حساسة سياسيا، من أجل تزيين حقيقة الاقتصاد الوطني الأردني وأدائه وإدارته. ولذلك يأخذ هذا البحث منحى غير تقليدي،
حيث ينظر عادة إلى الاقتصاد الوطني الأردني بمعزل عن هذه الأطر.
2. إنّ السؤال الذي سوف يتكرر في هذا البحث هو ماذا حدث وماذا كان قائمًا، وما هو الإطار الأوسع لذلك، وماذا كانت النتائج، مع التركيز الخاص في
كل ذلك على المضمون الاقتصادي.
أما آفاق الاقتصاد الوطني الأردني وفرصه ومخاطره، فهي تترك هامشًا عريضًا من الخيارات بين البدائل التي يغلب عليها الطابع السياسي، نظرًا
للاستحقاقات السياسية ومن ثم الاقتصادية لكل بديل منها. وفي المجمل تظهر صورة الاقتصاد الوطني الأردني أقل إشراقًا ومنعة وإنجازًا وجاذبية مما يبثه
الخطاب الرسمي، وإن كان لا يخلو هذا الاقتصاد من الإيجابيات والإنجازات.
2. يشكل الاقتصاد الوطني الأردني تحديا كبيرا لمهمة إدارته والتخطيط له، وذلك بسبب كيانه المصطنع والتغير السريع والكبير والمستمر في هياكله
وظروفه، وبسبب طبيعة قضاياه. فبالإضافة لما يشترك فيه مع الكثير من البلدان الأخرى من أسباب التغير السريع، فإن الأردن يخضع الآن كما في
الماضي إلى تحركات سكانية كبيرة نحوه من فلسطين والعراق، ولعمالة وافدة واسعة من الدول العربية الشقيقة وأقطار آسيوية، تقابلها عمالة خارجة منه،
وكذلك لتحركات سكانية كبيرة منه إلى دول الخليج وباقي العالم. وقد ضاعفت تلك التحركات سكانه الأصليين عشرات المرات منذ قيام الإمارة حتى الآن.
كما انضم اليهم ما يفوقهم عددا من الخارج ما شكل إرهاقًا وفرصًا في آن واحد.
3. يقع الأردن وسط منطقة ينتمي لها عضويا، وتمر في حال من عدم الاستقرار العميق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي
والأمني، وبسبب حداثة نشوء الدول العربية والنظام السياسي الإقليمي الذي يؤثر بها، وبسبب التغير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي
السريع فيها، ونتيجة أهمية الموقع الاستراتيجي والمخزون النفطي وإنتاجه، وبسبب قضية فلسطين التي تجاوز عمرها المائة عام، كل ذلك ساهم في عدم
استقرار مؤسسات الأردن السياسية ونضوجها، وهيكلته الاقتصادية.
4. وقد ساهمت الخصوصية الأردنية التي يبرزها استعراض مراحل مسيرة الاقتصاد الوطني الأردني في الفصل الثاني، في جعل قائمة الاختلالات
والنواقص لديه أطول بكثير من قائمة الإنجازات والأداء الإيجابي، وذلك من خلال الاضطرار لاعتماد الحلول السريعة للأحداث الطارئة والظروف
المستجدة، التي تخلق قضايا أكثر تعقيدا أحيانًا من التي تهدف لحلها. وتضعف إمكانية السعي وراء الإصلاح والتحسين الحقيقيين،
بسبب الانشغال المستمر بالاعتبارات الأمنية وبما هو طارئ وأكثر إلحاحا. وتتعطل الحلول الجذرية بسبب شح الموارد الطبيعية،
ومنها الطاقة والمياه، وبسبب الاعتماد على الدعم من الخارج واستحقاقاته الثقيلة، وكذلك على تحويلات المغتربين الخارجة عن اهتمام الدولة والسياحة
الوافدة. وتشكل هذه المصادر حوالى نصف الناتج المحلي الوطني. وقد تجمعت هذه العوامل لتجعل من الاستقرار الأمني والسياسي الهم الأول للأردن
منذ الخمسينات، بعد ثلاثة عقود من التنمية الطموحة والناجحة.
Page 2
5. وينسحب هذا التغير السريع الطارئ الكبير على محاولة استشراف آفاق المستقبل، الذي يحمل في طياته العديد من الاحتمالات المتباينة بشكل نوعي
وكمي وشامل لسائر مناحي الحياة. ويقتضي ذلك أولا إدراك حقيقة الاقتصاد الوطني الأردني، ومن ثم كامل الفرضيات
البديلة والمحتملة للمستقبل. ويتلو ذلك اعتماد المرونة الضرورية في الخطط المستقبلية، التي تجعل من الممكن
التعامل مع مفاجآت المستقبل المختلفة والمتباينة. وتشكل أهم مجالات هذه التباينات المستقبلية المفاجآت الضخمة والمحتملة للحركة
السكانية بين الضفتين، وإعادة صياغة الكيانات الإقليمية السياسية والاقتصادية، والتغيرات السياسية السريعة والمفاجئة في المنطقة، وكذلك التغيرات
السريعة والكبيرة في أسعار النفط، الذي يشكل حوالى نصف الاقتصاد العربي. وبسبب الترابط العضوي بين مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية، فلا بد من استبيان الاستحقاقات الأساسية للبدائل المستقبلية المختلفة، حتى تأتي الحلول المقترحة لها واضحة ومجدية وشافية، كما كان
الضعف في الاقتصاد الوطني الأردني ناجمًا عن ضعف أداء إدارته وتخلفه، وخاصة في السنوات الأخيرة.
6. ولتحقيق هذا الهدف من البحث ينبغي إدراك الأطر الكاملة للاقتصاد الوطني الأردني، وعدم اقتصار ذلك على المفاهيم
التقليدية، التي تحصر الاقتصاد الوطني بالحدود الجغرافية المحلية والرسمية، والتي تغفل بذلك امتداداته الحيوية خارج حدوده
الرسمية. كما يحتاج تحقيق هذا الهدف أيضًا الفهم العميق لما قد حصل في تاريخ الاقتصاد الوطني الأردني الحديث، ودروسه وعبره. ويتطلب حسن
الإدارة الاقتصادية أيضًا تنسيق السياسات العامة فيما بينها، بما في ذلك التوجهات السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية. وفي ضوء ذلك ينتهي البحث
بتطوير استراتيجية شاملة لسائر الاعتبارات الواردة أعلاه.
7. وتشكل تجربة الاقتصاد الأردني رغم خصوصيتها نموذجًا متكررًا في البلدان العربية المختلفة في العديد من جوانبه، ما يجعل رصده وتحليله في أطره
السياسية والاجتماعية ذا فائدة تتجاوز حدود الأردن. ويأتي في مقدمة النواقص المتكررة في العالم العربي التخلف
الاقتصادي والاجتماعي، وغياب الاكتفاء الاقتصادي الذاتي لدى الكثير من الدول العربية، واعتمادها بسبب ذلك على
الدعم الخارجي والعلاقات غير المتكافئة الناجمة عن ذلك، وهدر الموارد الوطنية في غياب الشفافية والمساءلة، واستشراء الفساد، وثانوية
إدارة الاقتصاد الوطني لصالح الاعتبارات الأمنية، وتدني الأداء الاقتصادي نتيجة لذلك، وسطحية شعارات العدالة الاجتماعية وتعاظم الفقر والقهر،
وضعف التنمية الإنسانية، والمشاركة بين أنظمة الحكم واليمين العشائري والرأسمالي، وتنامي التوجهات القطرية، ما أضعف العمل العربي المشترك،
وهروب رأس المال الوطني والتبعية للخارج وأولوية مصالحه.
8. لقد تطلبت أهداف هذه الدراسة منهجية تقليدية تبدأ باستذكار مراحل الاقتصاد الوطني الأرني الحديث، ومن ثم بمسح لمعالم الاقتصاد
الوطني، مع التركيز والإبراز لقضاياه ولأطره الاجتماعية والسياسية. ويتلو ذلك استعراض لآفاق الاقتصاد الوطني
المستقبلية، مع التطرق للبدائل المتوافرة والخيارات السياسية التي تتطلبها. وعلى هذه الخلفية تظهر
الاستحقاقات السياسية والاجتماعية مع التركيز على مخاطرها. ويوفر هذا التسلسل ويسهل بناء الاستراتيجية التغييرية المطلوبة والمقترحة عند
توافر الإرادة السياسية لها. وفي النهاية تشمل هذه الدراسة طرحًا لأزمة النفط الطارئة، التي برزت أثناء إعداد هذه الدراسة، كما أنها توفر تطبيقًا عمليًا
لبعض ما جاء من معالم وآفاق وقضايا واستحاقات وفرص تكاد تكون تاريخية. فهي بذلك تشكل تجسيدًا للمعاني الأساسية المستخلصة منها.
Page 3

مراحل الاقتصاد الوطني

1. مقدمة

يستعرض هذا الفصل مراحل الاقتصاد الوطني عبر العقود الثمانية ونصف العقد، التي مرت منذ قيام الكيان الأردني
عام 1921. ويسعى هذا الاستعراض لإبراز المعالم المميزة لكل مرحلة. وقد تراكمت عبر هذه الفترة، التي تقل عن قرن واحد، تجربة ثرية
ومتنوعة سوف تبرز بما فيها من استحقاقات في الفقرات اللاحقة.
وفي إجمال هذه المراحل المختلفة، كانت الصفة المستديمة لها التغير العميق والسريع والمستمر، كما كان المحرك الأساس لهذا التغير الظروف والأحداث
السياسية المستجدة في كل من هذه المراحل في الأردن والمنطقة العربية المحيطة، بالإضافة إلى كمية من التراكم الاقتصادي والاجتماعي كما سوف يظهر
في المراحل المختلفة.
وقد تم اختيار ثلاثة مجالات هامة تبرز التسلسل عبر مراحل الاقتصاد الوطني الست، وهي السكان والمجتمع والقطاع العام، حيث نلاحظ
تغيرات محورية سريعة، إيجابية وسلبية منها تفوق ما حصل في الدول العربية الشقيقة. وقد برز بشكل خاص ظهور
شريحة ثرية ريعية، وتراجع التخلف العام في بعض مجالات الحياة، والتحول من إمارة صحراوية إلى مجتمع جماهيري،
وانحسار أهمية الزراعة، واستمرار المؤسسة العشائرية، وتراجع الأمية.
 
Page 4

2. مرحلة التأسيس

كانت أطول هذه المراحل مرحلة العقود الثلاثة الأولى منذ نشأة الإمارة وترسيم حدودها بقرار بريطاني عام 1921، وحتى مقتل الملك عبد الله في القدس
في العشرين من تموز عام 1951، الذي كان مرتبطًا بأحداث نكبة فلسطين وتداعياتها.
وكانت مرحلة التكوين هذه حاسمة في مستقبل الأردن. فقد شهدت هذه المرحلة إقامة الدولة والإدارة المركزية والفرعية، والأجهزة الأمنية والقوات
المسلحة، والاستقرار القبلي الداخلي، حيث خضعت القبائل المستقلة لعقود طويلة سابقًا، لسلطة الدولة الأردنية وإغراءاتها، وحنكة القادة البريطانيين
الذين قادوا الأجهزة الأمنية فيها. وشهدت هذه المرحلة أيضًا حماية الحدود الجنوبية من الإخوان الوهابيين لوقف توسع المملكة العربية السعودية
حديثة التكوين بدورها، وشملت هذه الفترة تنفيذ المخطط البريطاني في فلسطين عام 1948، ووحدة الضفتين عام 1950. وقد سهل
ذلك استيعاب حوالى 60% من الشعب الفلسطيني، وإدخال تغيرات هيكلية أساسية على الاقتصاد والمجتمع الأردنيين. وقد تم البدء في هذه الفترة أيضًا
بإقامة البنية التحتية، وخاصة المواصلات بين مختلف أرجاء المملكة، وكذلك المرافق العامة في الطاقة والمياه والاتصالات والقضاء، والخدمات
الاجتماعية في التعليم والصحة. وكانت جميع هذه التطورات مستجدة على مجتمع الأردن ما أسس ولادته الحديثة. وقد شهدت هذه المرحلة أيضًا توفير
المساعدة الفاعلة لقطاع الزراعة، الذي كان الأهم في اقتصاد الأردن في تلك المرحلة. وشكلت هذه النشاطات الظروف المؤاتية
للتنمية الاقتصادية السريعة، وسهلت الانتقال من حالة التخلف والبدائية الشديدة، وضآلة السكان الذين لم يتجاوز
عددهم الربع مليون نسمة عند البداية.
ولقد وفرت دولة الانتداب بريطانيا لتحقيق أهدافها الرؤى العصرية والموارد المالية لتمويل هذه النشاطات، مدعومة بأعداد من المنتدبين
البريطانيين للأجهزة الأمنية والمدنية. وقد انضمت إليهم أعداد كبيرة من الوافدين من فلسطين ولبنان وسوريا والحجاز لملء المواقع القيادية في الإدارة
الحكومية، وكذلك لتكوين بدايات القطاع الخاص الحديث، في التجارة والصناعة والخدمات الصحية والتعليمية. وقد شكل ذلك انطلاقة نوعية ذات ديناميكية
وكوادر حكومية وطموحات مقترنة بدرجة مرتفعة من المهنية والنزاهة والبراءة في الإدارة العامة، التي ما لبثت أن تراجعت في المراحل اللاحقة، كما
سوف يظهر في الفقرات التالية.
وقد تضاعف حجم السكان في هذه المرحلة في إطار النمو الطبيعي وأكثر مع وبعد الانتقال القسري لعشرات ألاف
اللاجئين الفلسطينيين للأردن عام 1948 في أولى هذه الهجرات القسرية. وقد تركز معظم هذه الزيادة في العاصمة عمان
التي ظهر تفوقها على باقي أجزاء الأردن، وخاصة في المجال الاقتصادي، والتي أصبحت تؤوي في نهاية هذه المرحلة حوالى 20% من
مجموع السكان، بالمقارنة مع حوالى 1% فقط عند قيام الكيان. كما ظهر أيضًا تميز عمان الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بالنظر لأعداد الوافدين الكبيرة
إليها من خارج الأردن، وكذلك نزوح النخب الاجتماعية إليها من مناطق الأردن المختلفة. وفي هذه المرحلة تنامى القطاع العام بشكل متسارع في الحجم،
والفاعلية في قيادة وتوجيه المجتمع والاقتصاد الوطني. كما تراجعت قليلاً أهمية القطاع الزراعي النسبية، وتزايد اعتماد القطاع الخاص على الدولة الذي
استمر حتى تعاظم نهج الخصخصة والاستثمار الخارجي في التسعينات من القرن الماضي، وحتى الآن.
Page 5

3. وحدة الضفتين

كانت مرحلة الوحدة التي بدأت في الواقع عام 1948 باحتلال القوات الأردنية للضفة الغربية بقيادة بريطانية، وتكرست رسميًا في
الوحدة الدستورية عام 1950. وانتهت هذه المرحلة باحتلال اسرائيل للضفة الغربية عام 1967. وكانت هذه المرحلة مليئة بالزخم الاقتصادي
والتحديث الاجتماعي والدستوري، بالإضافة للانتكاسات السياسية والأمنية. فقد تضاعف خلالها الناتج المحلي في الضفة الشرقية أكثر من مرة. وقد عكس
ذلك مضاعفة السكان في الضفة الشرقية أربع مرات تقريبًا، بالإضافة لما تمتع به الفلسطينيون الذين هاجروا للضفة الشرقية بأعداد كبيرة أو بقوا في الضفة
الغربية، من مراحل وحالات أكثر تطورًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا.
وكانت المملكة الأردنية الهاشمية قد ولدت عام 1946 بإعلان الاستقلال السياسي والقانوني لإمارة شرق الأردن، بينما بقيت القوات المسلحة والكثير من
الدوائر الرسمية بقيادات بريطانية. وتبع ذلك بطبيعة الحال تنامي الإنفاق العام الذي استمر معتمدًا على الدعم البريطاني الخارجي، والذي تم
استبداله بالدعم الأمريكي بعد فشل محاولة الحصول على الدعم العربي في أواخر الخمسينات. ووجد الفلسطينيون في الدول النفطية
الجديدة في الخليج العربي فرصًاَ للعمل لم تكن متوافرة في الأردن، ما خفف كثيرًا من الضغوط والاحتقان فيه. وتنامت أعداد المغتربين هناك في هذه
الفترة، وكذلك تحويلاتهم المتزايدة الأهمية للأردن، كما انضم إليهم كثير من الشرق أردنيين، وإن بأعداد أقل نسبيًا.
ولكن هذه المرحلة كانت مليئة بالاضطراب الأمني والسياسي في المنطقة العربية، والذي أثر بشكل مباشر وسلبي على الاستقرار وعلى الاقتصاد الوطني
الأردني، وأجهض التطلعات الديمقراطية والتحديثية فيه. وقد فاقم ذلك دور الأردن في المساعي الغربية لمقاومة المد القومي العربي بزعامة جمال عبد
الناصر. وشمل ذلك أيضًا توفير المساعدة الأمنية لدول الخليج المتجهة للاستقلال، وقمع حركات الاحتجاج والتمرد والعصيان المحلية فيها،
وذلك في الستينات والسبعينات.
وبالرغم من ذلك التوتر حقق الاقتصاد الوطني الأردني في هذه المرحلة وتائر من النمو الاقتصادي المرتفعة، تزامنت مع تعاظم نشاط القطاع العام
والمرافق العامة والخدمات الاجتماعية والبنى التحتية، تمشيًا مع السياق الدولي لهذه التوجهات في ذلك الوقت. وقد أدى ذلك أيضًا لمزيد من التراجع في
أهمية القطاع الزراعي النسبية وعدم مواكبته موجة التحديث التي طالت المجتمع الأردني بشكل عام. وربما أن تفوق قطاع الزراعة في الضفة الغربية لم
يعط الفرصة المؤاتية لقرينه في الضفة الشرقية، خاصة أن اللاجئين الفلسطينيين في الأردن لم ينخرطوا في قطاع الزراعة. وساهم في ذلك التراجع
تنامي القطاعات الاقتصادية الأخرى وضعف الموارد المائية في الضفة الشرقية، التي تفاقمت مع زيادة عدد السكان
فيها من ربع مليون في عام 1921 إلى أكثر من مليون نسمة عام 1967، وذلك قبل عبور الموجة الثانية من اللاجئين
الفلسطينين في تلك السنة.
وكان من أهم إنجازات هذه المرحلة اعتماد الدستور الأردني الذي عكس المناخ الفلسطيني والغربي الأكثر تطورًا، وإنشاء ديوان المحاسبة سنة 1952،
والبنك المركزي سنة 1964، والجامعة الأردنية سنة 1963، ودائرة الإحصاء، والنقابات المهنية، ومجلس الأمة، والإذاعة والتلفزيون، والملكية الأردنية
للطيران، وسلطة الكهرباء، ومصانع الإسمنت، ومصفاة البترول، وميناء العقبة، وشركة الإنتاج (مدينة الحسين في الرصيفة)، وشركة البوتاس، وتطوير
شركة الفوسفات التي شكلت جميعًا استكمالاً لهياكل الدولة الحديثة، وإن استدعى ذلك فترات طويلة فيما بعد لإنضاجها. ولم تحقق هذه المؤسسات النجاح
الكامل للأسباب التي سوف ترد في الفقرات اللاحقة، رغم أن الأثر الإجمالي لهذه الإضافات العديدة كان إيجابيًا وكبيرًا على كل من الاقتصاد
والمجتمع الأردنيين. نمو الرأسمالية - والطبقة العاملة - نشوء غرف التجارة والصناعة - النقابات العمالية - تشريع قانون العمل رقم
21 لسنة 1960... الخ
Page 6

4. السنوات العجاف

كانت المرحلة الثالثة في الاقتصاد الأردني قصيرة وصعبة للغاية، بلغت سبع سنين عجاف منذ هزيمة حزيران 1967 ولغاية قمة الرباط عام 1974. فقد
بلغ حجم الموجة الثانية من اللاجئين الفلسطينين حوالى 350 ألفًا، كان معظمهم من لاجئي عام 1948، الذين بقوا في الضفة الغربية وغزة في حينه. وقد
شكل فقدان الضفة الغربية ضربة مؤلمة للاقتصاد الوطني في الضفة الشرقية، وتحطيمًا للفرص الواعدة التي وفرتها وحدتهما. كما شكلت ضرورة لإعادة
هيكلة كل منهما نتيجة التغيرات الجذرية في ظروفهما الأساسية.
وتلا ذلك في أيلول سنة 1970 حرب أهلية قصيرة ولكن مريرة وذات آثار عميقة وطويلة المدى. وانتهت هذه الفترة بخروج
القضية الفلسطينية من الإطار الأردني، كما أقر ذلك مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974، التي اعتمدت منظمة
التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وخرجت بذلك الضفة الغربية بالكامل من النظام الاقتصادي والسياسي الأردني، رغم
استمرار تعاظم الوجود الفلسطيني في الأردن، ما شكل الهاجس السياسي والأمني الرئيسي له، وخاصة عندما وصلت نسبتهم من مجموع السكان الآن إلى
حوالى الثلثين، وسيطروا بدرجة كبيرة على القطاع الخاص. كما أصبحوا مادة التنظيم السياسي الإسلامي الرئيسية، الذي يتصدر المعارضة، تاركين الدولة
ومؤسساتها الواسعة في شبه حكر على الأردنيين. (مقولة أهل الثروة وأهل السلطة التي أصبحت عائقًا أمام وحدة الموقف والمصلحة الوطنية).
وقد اعتمد الأردن في هذه المرحلة على مزيد من الدعم الحكومي الأمريكي، وكذلك على تنامي تحويلات الأردنيين العاملين
في الخليج. وشكل النمو الطبيعي والمستمر في السكان وكذلك النزوح من الضفة الغربية، مزيدًا من الأعباء على الدولة والمجتع
الأردنيين في البنية التحتية وفي خلق الوظائف، في ظل الركود الاقتصادي العميق في هذه المرحلة، وعزلة الأردن عن أشقائه العرب، وتراجع
مستويات المعيشة بشكل حاد.
سادت في المرحلتين الثانية والثالثة كثافة الأحداث السياسية والأمنية. وقد أدت هذه الأحداث إلى فقدان التنمية الاقتصادية موقع الأولوية في إدارة الدولة،
والذي استمر منذ ذلك الوقت حتى الآن، كما بدأت مسيرة هروب رأس المال الوطني إلى الخارج. وبانتقال التنمية الاقتصادية إلى الصف الثاني من
الاهتمام الحكومي، أصبحت التنمية خاضعة للاعتبارات السياسية والأمنية المهمومة بحماية الكيان والنظام السياسي. وقد أدى ذلك أيضًا إلى اعتماد الشدة
في الأجهزة الأمنية وإجراءاتها، والى إنعاش المؤسسة العشائرية، وذلك على حساب الوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية.
وبذلك تبدل الخطاب السياسي الأردني من المضمون القومي ومشاريعه المتعددة في المشرق العربي عبر ثلاثة عقود في عهد
الملك عبد الله المؤسس، إلى التركيز على القطرية، وما لذلك من آثار كبيرة على الاقتصاد الوطني الأردني، كما سوف يظهر في الفصول اللاحقة.
وقد توجت المرحلة الثالثة أيضًا خيارات إعادة ترتيب البيت الأردني، وإعادة توزيع أدوار الأردنيين والفلسطينيين في النظام الحاكم وفي المجتمع
والاقتصاد الوطني. وقد كان لذلك آثار هائلة على مستقبل النظام، وعلى التباعد بين الحكم وامتداداته العشائرية والطبقية وأجهزته الأمنية من جهة، وبين
غالبية السكان من الفلسطينيين من جهة أخرى. وقد تبادل الطرفان الجروح والأحقاد التي شملت قتل أحد أهم رؤساء الوزراء في الأردن وصفي
التل، وكذلك القطيعة بين الدولة الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية لسنوات طويلة وحتى عام 1984. وقد كان لذلك
استحقاقات اقتصادية كبيرة كما سوف يتضح في الفصول اللاحقة.
وبسبب هذه الأحداث تعطلت الحياة الدستورية في الأردن، وأجرى الملك حسين تعديلات هامة عليها، وخاصة تعليق مجلس النواب لحين
حسم العلاقة الأردنية الفلسطينية التي انتهت مؤقتًا، في فك الارتباط بينهما عام 1988؛ وقد استعان الملك حسين في غياب مجلس الأمة بالمجلس
الوطني الاستشاري، الذي أنشأه استثنائيًا عام 1976، وأحسن اختيار أعضائه نسبيًا وتمثيليًا، ما ترك عنه ذاكرة عطرة لدى المواطنين، بالمقارنة مع نتائج
الانتخابات النيابية اللاحقة بعد عام 1989، التي لم تخل من النشوة في البداية، والتي تلاها تدخل الأجهزة والهبوط والخيبة فيما بعد.
وشهدت هذه المرحلة الصعبة حرب عام 1973 التي لم يشارك الأردن فيها إلا رمزيًا وفي الأرض السورية، وبعد انحسار المعارك الأساسية. وقد أكد
ذلك استمرار الأردن في التزامه بالتحالف التاريخي مع الولايات المتحدة، كما كان تكرارًا للموقف الحيادي في فترة الاعتداء الثلاثي على
مصر عام 1956، رغم الانفراج السياسي الداخلي في حينه. وفي المقابل وأثناء الحرب الأهلية الأردنية الفلسطينية عام 1970، ودخول القوات
السورية إلى شمال الأردن طلبت الولايات المتحدة من إسرائيل استعمال سلاحها الجوي لتبليغ سوريا رسالة واضحة حول ضرورة انسحابها من الأردن.
ورغم البداية الواعدة بين الطرفين بعد ذلك، تحولت العلاقة بينهما في معظم السنوات اللاحقة إلى برود وخصومة وابتعاد.
Page 7

5. الطفرة والانهيار

كانت المرحلة الرابعة للاقتصاد الأردني من 1974 وحتى 1989 متسمة بالاستقرار الأمني والسياسي في الأردن والمنطقة العربية باستثناء لبنان،
والحرب العراقية الإيرانية، وبتعاظم الموارد النفطية العربية بشكل انفجاري ولعشر سنوات، ما خلق اضطرابًا وارتباكًا في الاقتصاد العالمي بسبب أسعار
النفط المرتفعة والفوائض المالية المتحققة من ذلك. وفي الأردن تضاعفت المعونات العربية والدولية، وكذلك
تحويلات الأردنيين في الخليج، بالإضافة إلى البدء بالاستدانة الخارجية غير المنضبطة وغير المعلنة بعد تراجع الدعم المالي العربي في
منتصف الثمانينات. وقد أدى كل ذلك إلى ارتفاعات كبيرة في الإنفاق العام على البنى التحتية والمرافق العامة والخدمات الاجتماعية. وأدى ذلك بدوره إلى
ارتفاع كبير في حجم العمولات على العقود الحكومية المدنية والعسكرية للمتنفذين في السلطة، وفي تضخم الثروات العقارية الريعية والكبيرة، وفي
الاستهلاك والاستيراد المتضاعف، وفي إنشاء المساكن الخاصة، وتنامي دور طبقة الوسطاء والمستوردين، وحجمها ورأس المال الريعي، وكبار التجار
والمالكين العقاريين.
في المقابل شهدت القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصناعة والسياحة، تطورًا متواضعًا بالمقارنة مع النشاطات الاقتصادية الخدمية الأخرى،
المرتبطة بالقطاع الخاص وبالقطاع العام، حيث كانت شروط وإمكانيات كسب الأرباح الكبيرة أكثر سهولة. وقد غذى هذه
الطفرة الاستهلاكية استمرار النمو في السكان، حتى ارتفع المجموع من حوالى مليون ونصف إلى حوالى ثلاثة ملايين في هذه المرحلة. وقد شهدت هذه
المرحلة أيضًا تعميق إعادة توزيع الأدوار بين المنابت الأردنية العليا، التي استأثرت بالقطاع العام وخاصة الأمني، والمنابت الفلسطينية العليا التي
انحصرت في نشاطات القطاع الخاص التجاري والمالي والخدمي والاغتراب كما جاء سابقًا. وفي هذه الفترة تضاعف حجم الاقتصاد الأردني ثلاث
مرات. وقد ساهم في ذلك الانتعاش التجاري والصناعي الذي وفره الطلب العراقي على الخدمات والبضائع الأردنية والمستوردة أثناء الحرب
العراقية الإيرانية، وانتعش قطاع النقل، وتوسع ميناء العقبة، فيما ساهم توقف هذه الحرب عام 1988 بالركود
المفاجئ الذي أصاب الاقتصاد الوطني.
ومن مكاسب هذه الطفرة للمجتمع والاقتصاد الأردني تأسيس سوق عمان المالي (البورصة) سنة 1978، وولادة مؤسسة الضمان
الاجتماعي مطلع 1980 على أسس شبه تجارية من الكلفة والعوائد والسيولة المؤسسية، من دون أي مساهمة مالية من الحكومة، وبالرغم من ذلك فقد
كانت فوائدها للمجتمع والاقتصاد الوطني كبيرة، ولكنها تطلبت أكثر من عقدين لتصبح ملموسة مع استمرار وجود سلبيات ومعوقات في إدارتها، وفي
التدخلات الحكومية في قراراتها، وخاصة الاستثمارية منها، وعدم توسيع نطاق خدماتها لتشمل مزايا إضافية للمؤمن عليهم، أو توسيع شموليتها.
وشكلت نهاية هذه المرحلة حالة من الضياع جمعت الكثير من السلبيات، وعكست الاستحقاقات المتراكمة لتشوهات الاقتصاد الوطني الأردني
ونواقصه. فقد تراجع الدعم الخارجي الحكومي، بينما استمر الإنفاق العام، وخاصة العسكري وعمولاته المرتفعة على
وتائر عالية. فتحقق العجز الحكومي المالي الكبير وتراكم حتى لم يبق احتياطيات لدى البنك المركزي، رغم
الاقتراض الخارجي المخفي الذي وصل إلى مستويات مرعبة. وقد زاد قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في هروب أموال
الفلسطينيين من الأردن وتراجع تحويلاتهم من الخليج، وكذلك توقف الحرب العراقية الإيرانية. ونتج عن ذلك انهيار سعر صرف الدينار الأردني 1988
إلى أقل من النصف، وارتفاع كبير في الأسعار وبنسبة 26%، ممّا أدى إلى الاضطراب الاجتماعي والاحتجاج عليه، كما حصل في معان في 17 نيسان
1989، وانتشر إلى الشمال وكذلك إلى جامعتي اليرموك والأردنية. وقد أدى كل ذلك إلى قرار الملك حسين بإعادة مجلس النواب المنتخب وإجراء
المصالحة الوطنية. وكان الأردن قد أجرى مصالحة مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1984 ما مكن المجلس الوطني الفلسطيني
من الانعقاد في عمان، كما قاد الأردن حملة إعادة مصر إلى الخيمة العربية دون تخليها عن اتفاقات (السلام) مع إسرائيل، ما رفع
من شأن الأردن ودوره إقليميًا ودوليًا.
لقد أظهرت فترة الضياع هذه هشاشة الاقتصاد الوطني الأردني في موارده وقطاعاته الإنتاجية، وفي اعتماده على الدعم الخارجي وتحويلات
المغتربين. وأظهرت بشكل خاص نتائج ضعف أو سوء إدارة الاقتصاد الوطني التي مازالت لا تحظى بالأولوية. وأظهرت كذلك ضعف إدارة القطاع
الخاص الذي يتسم بالريعية وليس الإنتاجية، بالإضافة لتنامي الفساد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، واعتماد الحكم على الأجهزة والإجراءات الأمنية
بديلاً من مشاركة القوى الاجتماعية والاقتصادية العريضة، ومطالبها في الشفافية والمساءلة. وقد تلخصت كل هذه النواقص في العجوزات الهائلة في
الموازنة العامة والميزان التجاري، والمزيد من التباعد بين طبقات المجتمع في الثروة والدخل. وقد فاقم كل ذلك
التزايد المستمر والسريع في أعداد القوى العاملة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بوتائر مرتفعة.
Page 8

6. العقد الضائع

اتصفت المرحلة الخامسة منذ 1989 وحتى انتهائها مع وفاة الملك حسين عام 1999 بعد حكم دام 46 سنة بالضياع والتعثر. وقد تضمنت هذه
الفترة مجموعة من الأحداث والمؤشرات المتناقضة، والتي كانت محصلتها الإجمالية سلبية. فكانت معونة صندوق النقد والبنك الدوليين فنيًا وماليًا
وأيدولوجيًا، وما رافق الأردنيين العائدين من الكويت، والذين فاق عددهم ثلاثماية ألف، من وفورات ساعدت لمدة سنتين في بعض الانتعاش، وفي ثبات
سعر صرف الدينار الأردني الجديد. وجاء بعد ذلك التفاؤل بمردود السلام الاقتصادي مع اسرائيل بعد معاهدات أوسلو ووادي عربة، الذي لم يتحقق بسبب
انهيار عملية السلام والخبث الإسرائيلي ونفوذه في الولايات المتحدة. وقد أدت منح النفط العراقية في هذه الفترة إلى بقاء
مشتقات أسعار النفط مدعومة، ما أدى إلى التسارع في زيادة استهلاكها، وما خلق بدوره انكشافًا عميقًا في الاقتصاد الوطني
الأردني، كما سوف يتم تفصيله لاحقًا. ولكن تسديد كلفة النفط المدعوم ببضائع أردنية في ظروف الحصار المفروض على العراق، أبقى هذه البضائع
الأردنية محمية من المنافسة، ومصدرًا هامًا للدخل والعمالة الأردنية، مع ضعف الحافز والدافع لتحسين جودتها وتطوير تقنياتها.
وكان مجمل أداء الاقتصاد الوطني الأردني في هذه المرحلة ضعيفًا للغاية، ولم يكن النمو في الناتج القومي يساوي النمو في السكان، الذي ارتفع من ثلاثة
إلى أربعة ملايين ونصف أو يزيد عليه بقليل.وقد فاقم هذا الحال مرض الملك حسين، الذي أدى إلى ضعف أدائه ومن ثم إلى وفاته بعد غياب عن
الأردن لأكثر من ستة أشهر، ما خلق كمية من الترقب وعدم الإقدام في كل من القطاعين العام والخاص، رغم محاولة الأمير حسن ملء
الفراغ بالقدر الذي استطاع. ولكن ذلك لم يكن بمستوى قضايا الوضع الراهن ومتطلباته، والذي لم يستفد من أي
إصلاح حقيقي سياسي أو اقتصادي، رغم خلفية الانهيار في المرحلة السابقة التي أكدت الحاجة له، ورغم سيطرة صندوق النقد
والبنك الدوليين. وكثيرًا ما تستفيد الدول من مثل هذه الظروف لإجراء تصحيح جدي في المسار. ولكن ذلك لم يتحقق في الأردن إلا بحدود متواضعة،
وعلى أسس لم يباركها المجتمع الأردني بالكامل، ما دفع إلى المزيد من الاغتراب. وقد وصلت تحويلات المغتربين في نهاية هذا العقد إلى حوالى ربع
الدخل القومي، ما كرس الصفة الاستهلاكية للاقتصاد والمجتمع الأردنيين. ولكن ذلك لم يخفف من صعوبة التكيف مع مضاعفة الأسعار في بداية هذ
الفترة بسبب انهيار الدينار، وخاصة لدى ذوي الدخل الثابت والمحدود ولدى الريف الأردني، ما جعل من الفقر والبطالة مشكلة مستعصية
ومتوطنة.
Page 9

7. العهد الجديد

مر على انتهاء المرحلة السابقة وبداية المرحلة الراهنة سبع سنوات من حكم الملك عبدالله الثاني. وقد امتلأت هذه المرحلة
بالأحداث والانشداد المتناقض كبعض سابقاتها. وبدأت هذه المرحلة بشيء من التفاؤل بالعهد الجديد والمصالحة العربية، المتمثلة
باستئناف مؤتمرات القمة، والمعونة الأمريكية المتعاظمة، بما فيها حث الدول العربية النفطية على دعم الأردن ماليًا. ولم تكن حرب العراق عام 2003
مؤذية اقتصاديًا كثيرًا للأردن في المجمل، بسبب المنح النفطية العربية لسنة أو أكثر، وارتفاع تحويلات المغتربين، ودخلت المنطقة العربية أثناء عام
2004 مرحلة جديدة من الازدهار الريعي بسبب مضاعفة أسعار النفط وفوائضه الإقليمية الكبيرة، وعودة بعض الأموال العربية من الولايات المتحدة إلى
الشرق الأوسط، وتدفق مئات آلاف العراقيين للإقامة والاستثمار في الأردن. وتضاعف التملك الخارجي في تطبيقات
الخصخصة المتسارعة والمناطق المؤهلة والسياحة والإسكان، وفورة سوقي الأسهم والعقار. وعندما توقفت المنح
النفطية بعد عقد ونصف من العراق عام 2003 ومن الخليج بين عامي 2004 و 2005، انفجرت بشكل مفاجئ أزمة النفط الراهنة التي
يعالجها الفصل الأخير من هذه الدراسة، وخاصة مخاطر وعدم إدراك حجم الأزمة، وخطورة عدم إعطائها حقها من الحلول الجذرية.
ولكن هذه المرحلة لا تختلف جذريًا عن ما سبقها إذ إن الأردن مايزال يعتمد في الأساس على الدعم الخارجي الحكومي ذي الدوافع السياسية، وعلى
تحويلات المغتربين. وقد شهد احتلال العراق عام 2003 وبعده اعتمادًا أميركيًا كبيرًا على خدمات الإسناد العسكرية في الأردن، والتي كانت وما زالت
غير معلنة. ومازالت إدارة الاقتصاد الوطني الأردني مدفوعة بالاعتبارات السياسية والأمنية والاجتماعية، وليس بمعايير الإدارة المعاصرة
ووسائلها رغم الخطاب السياسي الذي يقول بغير ذلك. فتم تعطيل البرلمان لمدة عامين صدر خلالهما أكثر من مائتي
قانون مؤقت ما يعتقده الكثيرون بأنه غير دستوري، وكثر استبدال الوزارات وقيادة الأجهزة الأمنية والديوان الملكي،
وكذلك الهدر والتبذير للأموال العامة، واستمرار العجوزات الكبيرة وتعاظمها، وكذلك اتساع مواطن الخلل الأخرى التي سوف يتم تفصيلها لاحقًا.
وفي السنتين الأخيرتين طرأت على المشهد العام تطورات قد تكون لها آثار هامة في المدى البعيد. فقد انشأت حكومة فيصل الفايز وزارة للتنمية السياسية.
وبعد عام أنشأت وزارتين لمراقبة القطاع العام وتطويره. ثم شكل الملك لجنة ملكية لإعداد نظام التنمية الإقليمية مع مجالس محلية منتخبة تمارس بعض
صلاحيات مجلس الأمة. وتم تشكيل لجنة أخرى لإعداد الأجندة الوطنية لعشر سنوات، تلتزم فيها سائر الحكومات أثناء هذه الفترة. وأخيرًا طلب الملك من
رئيس الحكومة عدنان بدران عام 2005 تشكيل لجنة لإنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، كما طلب من رئيس الحكومة
معروف البخيت مراجعة النظام الضريبي عام 2006، ونظم ملتقى كبير في تموز سنة 2006 في البحر الميت لترتيب
أولويات التغيير. وقد انتقل القرار الهام من مجلس الوزراء إلى الديوان الملكي بشكل أكثر وضوحًا، كما ازدادت أعداد النخب الأمنية في المواقع القيادية
المدنية. وازداد النشاط الإرهابي الذي انفجر في الفنادق سنة 9/11/2005، ولكنه بقي تحت السيطرة الأمنية التي نجحت في احتوائه. وتشكل الحصيلة
الإجمالية لهذا التخبط والفوضى السياسية والاقتصادية والإدارية الصفة الأساسية التي اتسم بها الأردن منذ الخمسينات.
Page 10

8. السكان

أصبح مجموع السكان المقيمين في الأردن عام 2006 حوالى ستة ملايين نسمة، وذلك بالإضافة لحوالى مليون ونصف مليون أردني أو أكثر مع
عائلاتهم في الخليج العربي، ما عدا الذين هاجروا بشكل دائم إلى العالم الجديد وحافظوا على علاقاتهم واتصالاتهم بالأردن. وبالإضافة لذلك، يوجد الآن
أيضًا حوالى مليون ونصف مليون وافد للعمل والإقامة في الأردن وخاصة من مصر والعراق، كما أن معظم العمال منهم دون عائلاتهم.
وبذلك حقق الأردن نموا في عدد السكان في هذه العقود الثمانية بلغ أكثر من ثلاثين ضعفا. وقد كان معدل النمو السكاني في العالم العربي قد بلغ في كامل
القرن العشرين حوالى عشرة أضعاف، أي من حوالى ثلاثين إلى حوالى ثلاثمائة مليون نسمة. ويشكل هذا النمو السريع في السكان ظاهرة لكل من الأردن
والعالم العربي غير مألوفة عالميا، إلا بالحالات الاستثنائية جدًا. وقد كان السبب الأكبر في هذا النمو السكاني السريع في الأردن الهجرة من الأراضي
الفلسطينية، القسرية والطوعية معا، وخاصة بعد عام 1948.
لم تتوقف حركة النمو السكانية السريعة حتى الآن، وذلك بسبب النزيف المستمر من الأراضي الفلسطينية الذي قد يهدأ أو
يتعاظم في المستقبل، وبسبب النمو الطبيعي داخل الأردن الذي ما زال مرتفعا نسبيا، رغم تراجعه عن مستوياته
السابقة. وتضيف حركة الاغتراب المتذبذبة بالاتجاهين أعدادا أخرى. ولذلك فمن الممكن أن يتضاعف عدد سكان الأردن ثانية في
العقدين القادمين إلى ما يصل إلى خمسة عشر مليونًا، ما يؤشر إلى درجة عالية من عدم اليقين الذي يرهق القدرة على التعامل معه والتخطيط له.
لقد كان لظاهرة الانفجار السكاني غير المألوفة في الأردن استحقاقات هامة في الكثير من مجالات الحياة. فمن الجانب الاقتصادي أدت الزيادة الهائلة
والسريعة في السكان إلى إرهاق نسبة أعداد العمالة إلى السكان، التي مازالت دون الربع من مجموع السكان بالمقارنة مع النصف في الغرب، ما أدى إلى
انخفاض مستوى المعيشة. ويعود ذلك بشكل خاص إلى نسب الأطفال الكبيرة في المجتمع وإعاقة المرأة عن المشاركة في سوق العمل. وقد اقتضى النمو
السريع في السكان أيضًا الإنفاق العالي على البنية التحتية. والخدمات الاجتماعية، وخلق الوظائف الجديدة، ما يجعل ارتفاع المستوى المعيشي
أمرًا صعبًا، كما سوف يجري تفصيله لاحقًا. وسوف يبقى هذا الحال ما دام التزايد السريع مستمرًا.
واتسعت أسواق الأردن الاستهلاكية بشكل كبير وسريع بسبب تزايد السكان، ما جعل الكثير من النشاطات الاقتصادية أكثر جدوى، كصناعة الدواء والتعليم
العالي والخدمات الصحية مع تشجيع الانطلاقة التصديرية لها جميعًا. وقد أدت كلفة وبطء خلق الوظائف الجديدة لاستيعاب الزيادة السكانية إلى نسبة بطالة
عالية، وإلى السعي الحثيث للهجرة والاغتراب ونتائجهما الإيجابية والسلبية الواسعة، التي لم تتوقف الدولة والمثقفون الأردنيون عند رصدها
ودراستها كما تستحق.
وأدى التزايد السكاني السريع والكبير إلى تحول الأردن من إمارة صحراوية شبه خالية من السكان، وعازلة بين دول الهلال الخصيب ومجاوريه
الآخرين الأكبر حجمًا، إلى دولة ذات الثقل النسبي والتأثير الأكثر، وخاصة عند وحدة الضفتين عام 1950. وأدى هذا التأثير المتزايد
بدوره إلى الاهتمام الكبير به من قبل القوى الدولية، وخاصة أمريكا وأوروبا واليابان والصين والدول العربية النفطية. كما عزز هذا التزايد السكاني
دور الأردن العازل والرابط في آن بين جيرانه وجعله أكثر فاعلية. وأدت هذه الزيادة الكبيرة في السكان، مع تعاظم التأجج القومي والمد الثوري في
الخمسينات، إلى مخاطر وتحديات أمنية للدولة، ما اقتضى بناء الأجهزة الكبيرة والقادرة على مواجهة هذه الحال المستجدة، بالمقارنة مع أحجامها
المتواضعة في العقود الأولى بعد نشوء الكيان. وأدى ذلك إلى إلغاء مكاسب التنمية السياسية نحو الديمقراطية في كل من المجتمع المدني ونظام الحكم،
وتراجع أولوية التنمية الاقتصادية اللتين اتسم بهما الأردن عند قيامه. وأدى ذلك أيضًا إلى تباعد المسافة بين الحكم والمجتمع في المواقف والأجندات،
وكذلك في التواصل المباشر.
لقد وفر المسرح الاجتماعي المتوسع باستمرار عبر العقود الثمانية ونصف العقد الماضية، امكانية قيام مجتمع جماهيري يشجع
استقبال الأداء والمنتج الثقافي المحلي والخارجي، كما يشجع الحوار حول القضايا الاجتماعية والثقافية كافة، وقيام المنابر الإعلامية وخاصة الصحفية،
رغم تدني سقف الحريات المتوافرة لهذه المنابر، وحصر الإعلام المرئي والمسموع بالمؤسسة الحكومية. وقد كان لتنامي حجم عمان العاصمة إلى حوالى
ثلاثة ملايين، بما في ذلك العمالة والوافدين من الخارج من بضعة آلاف قليلة في البداية، تأثير واضح في وتيرة التمدن ومستواه، وولادة الشخصية الأردنية
الأكثر تطورًا. وقد شمل هذا التمدن المتنامي تزايد الحريات الشخصية والاجتماعية، وتنوع الخدمات الثقافية والترفيهية، حتى أصبح الأردن جاذبًا للسياحة
الثقافية والعلاجية، والمؤتمرات والمهرجانات والمتاحف والمعارض على المستوى الإقليمي.