eKtab
EN ع
واقع مأجور
Read free sample

واقع مأجور

by فؤاد سليمان

Page 1
المقابلة
 
كان مسعود يسير في الصّحراء حين عثر على تمثال خشبي لامرأة، وإلى جانبه طابة كرة قدم أمريكيّة كبيرة، خضراء ومستديرة· التقط مسعود الطابة وعندما فتحها وجد فيها الكثير من المال·جميلٌ أنّ نبات الصّبّار لا يتطلّب الكثير من الريّ، أليس كذلك؟ فيكفي أن ترويها مرّة في الأسبوع أو حتى في الأسبوعين· إنّها مختلفة عن كل تلك الأزهار الفاتنة التي تصرخ للفت الانتباه إليها، والمنتفخة بالزينة والجمال· تلك الأزهار تتطلّب عناية دائمة، ريًا وتقليمًا وهلمّجرا· حسنًا، هنالك أشخاص مستعدون للقيام بكل هذا· ولكن برأيي إنّه لو كنت مستعدًا للاعتناء بمثل تلك الأزهار كثيرة المتطلّبات، فلماذا لا تأتي بحيوان أليف حقيقي، كقط أو كلب·
 
كانت الساعة تشير الى الرابعة إلاّ عشر دقائق بعد الظهر، وقد توجّه مسعود إلى مغسلة الحمام حاملاً كأسًا زجاجيّة، ملأها بالماء، عاد إلى غرفته حيث روى نبتات الصّبار الصغيرة الثلاث، التي أطلق عليها الأسماء: غومز، فرناندز وألبرتو· وقد تذكّر أن يرويها لأنّه كان يجلس في غرفته لفترة من الوقت وهو ينظر حوله ويدرس أفكارًا لكيفية إعادة تصميم ديكورها، وقعت أنظاره على تلك النبتات الشائكة أكثر من مرّة· وقد انتظر عشر دقائق، متوقّعًا حضور لطفي في الساعة الرابعة· عاد إلى الحمّام، لكي يرتّب شعره هذه المرة· شعره بني وأملس ودقيق، ذو نزعة طبيعية لمقاومة أية محاولة لتمشيطه باتجاهات معيّنة، ما جعل تمشيطه بالطريقة التي يرغب فيها أمرًا عصيبًا· بعد أولى محاولاته تمشيط شعره، نظر في المرآة ولاحظ نمو بعض الشعرات بين حاجبيه· كانت تلك شعرات غير مرغوب فيها بالنسبة إليه· لذا فقد تناول ملقط الشعر، كعادته، عن رفّ الخزانة، وأزال تلك الشعرات الصغيرة حديثة النموّ، والتي كانت بالكاد تُرى· كان يكره تلك الشعرات بين حاجبيه لسببين: الأول لأنّه كان يعتقد أنّها لا تلائم الموضة، والسبب الثاني هو أنّه سمع مرّة امرأتين مسنّتين تثرثران حول اعتقادٍ مفاده بأنّ الناس الذين لديهم شعر يصل بين حاجبيهم يملكون قدرات خفيّة، ومسعود لم يرغب على الإطلاق في أن تكون لديه أية قدرات خفية·
 
فتح مسعود فمه ليرى مدى بياض أسنانه، ووجد أنّها بيضاء ضاربة إلى الصّفرة، لكنها لم تكن صفراء مثلما كانت قبل أن يبدأ بفركها كل مساء بالفرشاة· مشّط شعره مرارًا حتّى رضي بشكله· بعدها وضع القليل من كولونيا الحلاقة من نوع باكو على وجنتيه وعاد إلى غرفته· أشعل سيجارة وفتح النافذتين ليسمح بانسياب الهواء إلى الغرفة· كانت النسمة باردة ومنعشة، فالوقتُ ربيع· فكّر إن كان يرغب في الاستماع الى الموسيقى، وإن رغب، فأي نوع من الموسيقى سيلائم جو هذه المقابلة؟ وقرّر أن يضع موسيقى من دون كلام، كي لا تتداخل مع الحوار· في النهاية قرّر وضع أسطوانة لربيع أبو خليل عازفًا على العود· كانت الموسيقى هادئة واتّسمت بشيء من الجاز وحملت في طيّاتها إحساسًا بالصحراء· فقد شملت مزيجًا من نكهة الجاز الحديث ومن المزاج القبلي والإثني الدافئ· جلس مسعود ونظر إلى ساعة يده· لقد بقيت خمس دقائق· كانت السيجارة وصلت منتصفها، ووصلت الموسيقى حيث يعزف ربيع منفردًا مقطعًا بارعًا على العود· بدأ مسعود بتحريك يديه، وكأنّه يعزف على عود غير مرئي، محاولاً أن يتتبّع كل النغمات بحركات أصابعه السريعة، ثم توقّف إذ إن العزف المنفرد على العود صار سريعًا بشكل مذهل، ولم يعد باستطاعته مجاراة وتيرة العزف· حدّق مسعود في غيتارته السوداء ذات الأوتار الفولاذيّة التي كانت في زاوية غرفته، ونهض متوجّهًا إليها قاصدًا تناولها· ولكن في منتصف طريقه، رنّ جرس الباب· وحين كان يغيّر مسار خطاه نحو الباب، ألقى نظرة على ساعة يده وفهم أن لطفي قد أتى مبكّرًا بثلاث دقائق·
Page 2
فتح الباب فرأى شابًا طويلاً يضع النظارات ويرتدي بلوزة بيضاء· كان الشاب شعرانيًِِا، وهو ما كان جليًَا وفق غزارة الشعر على ذراعيه· ابتسم مسعود وقال أنت بالتأكيد لطفي
 
رد الشاب بابتسامة وقال نعم، حقًا، تحدثنا على الهاتف، أنا لطفي
 
تصافح لطفي ومسعود بحرارة· وقد اتسمت المصافحة بكثير من القوة الجسديّة، وكأنّها مبارزة لاختبار أي منهما الأقوى· تبع لطفي مسعود عبر غرفة الجلوس، والردهة على اليمين ثم دخلا غرفة مسعود إلى اليسار· لم تكن غرفة كبيرة ولا صغيرة· كانت تحتوي على سرير أصفر مُفرَد هو في الوقت نفسه بمثابة أريكة، بالإضافة إلى كرسيين من البلاستيك الأبيض، كتلك التي قد تجدها في الشواطئ الرمليّة· على الجدران علّقت ملصقات لسواحل وشواطئ فيها أشجار نخيل ونساء يتسفّعن بـ البيكيني، ما أعطى غرفته أجواءً إستوائيّة· جلس لطفي على أحد الكرسيين، بينما ظلّ مسعود واقفًا وهو ينظر إلى لطفي من الأعلى، مستمتعًا بعدم التناسق الذي نشأ في الطول· نظر لطفي إلى إحدى العارضات على الملصق لثلاث ثوانٍ، ثمّ إلى مسعود الذي كان لا يزال يقف بجانبه· ابتسم لطفي قائلاً: آسف أني جئت مبكرًا، آمل أنّني لم أعوّقك عن أي شيء، يا أستاذ
 
كان لطفي يحرّك رأسه بشكل مترادف مع كلامه، كما أنّه كان يُكثر من تعابير الوجه· مسعود رأى الأمر مضحكًا بعض الشيء وكاريكاتوريًا نوعًا ما· فابتسم وقال: نعم، أزعجتني بينما أنا أحاول أن أجد طريقة للسفر بسرعة تفوق سرعة الضوء نظر لطفي إلى مسعود متوقعًا منه أن يبتسم، لكي يتأكّد من أنّه كان يقصد المزاح، لكن التعبير الجامد على وجه مسعود لم يتغيّر مطلقًا· لذا جازف لطفي وضحك· كانت ضحكته غريبة تمامًا· فقد ابتسم وأخرج الهواء من أنفه بطريقة إيقاعيّة ومنتظمة بشكل تام· عندها ابتسم مسعود وكأنه يجبر نفسه على ذلك، وضحك ضحكة قصيرة فيها قدر من المبالغة، ثم عاد إلى تعبير وجهه الطبيعي والراضي· هل تريد أن تشرب شيئًا؟ سأل مسعود·
 
- نعم، بالتأكيد
 
- ساخن أم بارد؟
 
- بارد، شكرًا لك
 
- لدينا عصير ليمون - دايت - فقط، أهذا جيد؟
 
هزّ لطفي برأسه قائلا: ممتاز، هذا شرابي البارد المفضّل
 
- والله؟
Page 3
- نعم، إنّه حقًا كذلك
 
- هل تتوقع مني أني أصدق هذا؟
 
- أو أمر يصعب تصديقه؟
 
- نعم، ما بك، عصير ليمون - دايت -·· من الأحمق الذي يشرب مثل هذا العصير؟
 
نظر لطفي إلى مسعود، من دون أن يتفوه بأية كلمة، محاولاً أن يفهم إن كان يتكلم بجدّيّة· فجأة ضحك مسعود، فلحق به لطفي مباشرة· وعندما ذهب مسعود إلى المطبخ لإحضار عصير الليمون، بدأ لطفي يتفحّص الغرفة محاولاً أن يستخلص معلومات عن حالة مسعود الاقتصاديّة· لم تبدُ الغرفة فخمة، وكذلك الشقة نفسها لم تبدُ فخمة بأي شكل· كانت كأي شقة عاديّة قد تجدها في منطقة الهدار الأعلى في حيفا· البناية القديمة مبنيّة من الحجر وليس الطوب، وبدت كئيبة بعض الشيء· عاد مسعود إلى الغرفة بكأسين من عصير الليمون، وضعهما على مائدة القهوة الصغيرة بين الكرسيين، ثم جلس محدّقًا بلطفي· كان لطفي هادئًا ومسترخيًا ونظر إلى مسعود مفكرًا بشيء يقوله، لكن مسعود أطلق سؤاله قائلا: إذّا، يا لطفي، يبدو عليك أنّك شاب لطيف ومهذب، وقد قلت إنّك ممثّل··
 
- نعم، صحيح، أنا ممثل مبتدئ· لقد اشتركت في مسرحيّة الشهر الماضي
 
- والله، أيّة مسرحية؟
 
- مسرحيّة - أهل الشنط -، لحانوخ ليفين، وترجمت للعربية
 
- لم أشاهدها من قبل· قلت إنّك تتعلّم التمثيل في الجامعة
 
- نعم، هذا صحيح
 
- حسنًا، أيّ دور كان لك في المسرحيّة؟
 
- آه، لم يكن دورًا رئيسيًا، بل مجرّد دور ثانوي· كنت شابًا يشعر بالوحدة ويخطّط أن يبدأ حياة جديدة في الخارج
 
- آه، فهمت
 
نظر مسعود إلى لطفي وكأنّه مصوّر، فراحَ يتفحص جسمه بعينيه ويدقّق فيه، ثم قال: حدّثني عنك، أريد أن أعرف المزيد
 
ابتسم لطفي بخجل وقال حسنًا، ولدت عام 7791· كنت طالبًا جيدًا في المدرسة، لكن ليس ممتازًا، طالب متوسّط· بعدها ذهبت في رحلة إلى إيطاليا لأزور عمّتي· أمضيت هناك نصف سنة·· هذه الأمور لا تهمّني، قاطعه مسعود متابعًا: لم أطلب معرفة سيرة حياتك، بل قصدت من هو لطفي؟ ما الذي يجعلك مختلفًا عن الآخرين؟ أفهمت؟ أخبرني عن نفسك ثم خاطبه ببطء وافتعال: من هو لطفي هذا الجالس أمامي؟
Page 4
- آه، فهمت قصدَك أخذ لطفي نفسًا عميقًا وتابع حديثه أنا الصديق الهادئ واللطيف·· أنا الرجل الذي يمكن للناس الاتّكال عليه عندما يواجهون المشاكل·· أخرج مسعود سيجارتين وناول لطفي واحدة· أخذ لطفي السيجارة وأشعلها، في حين قام مسعود بالمثل· واصل حديثك، قال مسعود·
 
- أنا لا أغضب أبدًا· أنا من النوع الهادئ على الدوام، المرتاح دائمًا· لدي روح هادئة· متنبّه وواع لبيئتي· أشعر بالسلام مع نفسي
 
- هل تشرب؟
 
- في المناسبات الاجتماعية، نعم، من حين لآخر
 
- ما قصدك بأنّك تشعر بالسلام مع نفسك؟
 
- قصدي أنني أتقبل نفسي، بما فيها من ضعف وعيوب
 
- فهمت، من المهم أن يتقبل الشخص نفسه، أليس كذلك؟
 
- أجل، بالطبع
 
ابتسم مسعود بطريقة متعجرفة نافثًا الدخان من أنفه وقال: سجائر جيّدة، صحيح؟ الأفضل في هذه الدولة، 91 شيكل للعلبة الواحدة، أنت تدخن الآن نحو شيكلين، هل تعجبك السيجارة؟
 
رفع لطفي حاجبيه قائلا: نعم، جدًا، إنّها سجائر رائعة
 
أخذ مسعود نفَسًا آخر من السيجارة وأردف قل لي، هل أنت نقديّ؟
 
- نقديّ؟
 
- نعم، نقديّ، هل أنت نقديّ؟
 
- نعم ولا، ولكن ليس بشكل خاص، كلا، أنا لا أميل إلى طرح الكثير من الأسئلة
 
أطفأ مسعود سيجارته بعنف، وضغط ساحقًا إياها حتّى تأكّد من أنّه أطفأها تمامًا، ثم قال هل تعرف السبب الذي طردت من أجله آخر أفضل أصدقائي؟
 
- لا
Page 5
- هل تريد أن تعرف السبب؟
 
- إن كنت ترغب أن تخبرني، نعم، أريد أن أعرف
 
- سأخبرك· السبب هو أنّه كان نقديًا لعينًا
 
أومأ لطفي برأسه في حين تابع مسعود الكلام، كان يعتقد أنّه ينبغي عليه أن يكون معلّمي أو شيئًا من هذا القبيل، وأنا لا أريد صديقًا كهذا
 
ارتسمت على وجه لطفي أمارات التفهّم·
 
ابتسم مسعود وقال: إنّك تغيّر تعابير وجهك أكثر من الأمريكان، هل تعرف ذلك؟
 
قهقه لطفي قائلا: نعم، أعرف، أقوم بعادة تغيير تعابير وجهي كثيرًا
 
- لذيذ· أتعلم؟ إنّ هذا يروقني جدًا
 
واصل لطفي قهقهته واحمرّت وجنتاه في آن واحد، ثم قال ربّما هذا نابع من كل التمثيل الذي مثّلته
 
- إذًا، فالتمثيل هو الذي يسبّب هذا للناس
 
توقف لطفي عن القهقهة، أخذ نفَسًا عميقًا، وأطلق الدخان قائلاً: ليس كل الممثلين يستخدمون الكثير من تعابير الوجه، فجزء منهم لا يفعل ذلك· الممثلون الكوميديون يستعملون تعابير الوجه كثيرًا، ولكن ليسوا جميعًا· على سبيل المثال، كان هناك ممثل أمريكي لم يغيّر تعبير وجهه خلال كل فترة عمله في التمثيل، وكان نجمًا كوميديًا أمريكيًا
 
- أوه، كم أنت عميق، هكذا أريدك، عميق
 
- بوسعي أن أكون كذلك
 
- عظيم
 
اخترق النافذة صوت صاخب وغليظ لمحرّك درّاجة ناريّة مسرعة، فقام مسعود لينظر إليها من النافذة، ولكن الصوت راح يضعف شيئًا فشيئًا، فقال بصوت يظهر فيه الإعجاب يا لهذه الدراجات النارية اللعينة جلس مجددًا، نظر إلى لطفي بنظرة استعلائيّة، مثلما ينظر الأطبّاء إلى مرضاهم وخاطبه: قل لي، إذًا، ما الذي يجعلك تفكّر أنه في وسعك أن تكون أفضل صديق لي؟
 
أخفض لطفي عينيه ثم رفعهما إلى مسعود مجددًا· نظرته عبّرت عن لطف وأمل، كجرو صغير يلمح قطعة لحم في يد شخص· قال لطفي أنا مُراعٍ لشعور الآخرين، وأتعلّم بسرعة· أستطيع أن أكيّف تصرّفي ليلائم طلباتك· أعي حدودي جيّدًا، ولكني أشعر إن تصرفت بشكل ملائم، وسرعان ما أغطي على ذلك· أنا محاور جيد، أي إنني أستطيع أن أكون سريع الخاطر، وأعرف كيف أنسجم في المحادثات· بالطبع لدي نقاط ضعف، لكني أعيها وأحاول ألا أظهرها· وكذلك···
Page 6
قاطعه مسعود قائلاً: يبدو عليك أنّك واع جدًا لنفسك
 
- نعم، صحيح، كنت دائمًا هكذا· وتعلّم التمثيل جعلني أعي نفسي أكثر
 
- جيّد جدًا· حسنًا، إذًا، دعني أسألك سؤالاً آخر
 
- نعم، يا أستاذ
 
- لا، لا، نادني مسعود
 
- حسنًا مسعود، كلّي آذان صاغية
 
نظر مسعود إلى لطفي وتمعّن في عينيه وقال: هل تلقيت الضرب مرّة؟
 
- عفوًا؟
 
- هل قام أحد ما بضربك مرّة؟
 
نظر لطفي إلى مسعود باندهاش وقال: نعم، عندما كنت صغيرًا، تلقيت الضرب بعض الأحيان· تعرف المراهقين وتصرفاتهم
 
- كيف كان شعورك؟
 
- كان ذلك مؤلمًا
 
- لا، أعني كيف كان شعورك؟ قال مسعود ببطء·
 
- آه، شعرت بالضعف، والأسى، والذل الشديد· شعرت كأنّني حيوان جريح لا حيلة له
 
- هل شعرت كالخراء؟
 
تمهّل لطفي للحظة ثم أجاب نعم
 
- إذًا، قل ذلك
 
- لقد شعرت كالخراء
 
- بصوت أعلى قال مسعود بصوت عال·
 
لطفي، بصوت عال: لقد شعرت كالخراء، يا رجل، كالخراء كالخراء كالخراء
 
صرخ مسعود شعرتَ كالخراء، أليس كذلك؟ كالخراء الملعون!
 
عندها ابتسم مسعود ونظر إلى لطفي· تمعّن الواحد في عيني الآخر لأكثر من خمس ثوان، فصار هناك نوع من التفاهم بينهما، وتولّد نوع من الترابط· ربّما لأنّ كليهما شعر الشعور نفسه في الماضي، عندما كانا مراهقين، أو لأنّهما أدركا فجأة أنّ العالم قاس لدرجة أنّه يجعل الصرخة تخرج من حنجرتي شخصين غريبين وقد التفتا إلى لحظة يأس وأسى في حياتهما·
Page 7
في فتّوش
 
كان فتّوش مليئًا بالزبائن· تلفّت مسعود حوله، فرأى أن غالبية الزبائن كانوا عربًا وقد ارتدوا ملابس أنيقة، وكأنّهم يتوقّعون مصادفة زوجاتهم أو أزواجهم المستقبليين في ذلك المكان· كان المكان مزيّنًا بلمسة شرقية، إلى درجة أنّه بدا نوعًا من الكيتش بعض الشيء، الأمر الذي أعجب مسعود· كان مسعود يعتقد أنّ الموسيقى في فتّوش ممتازة، فكانوا يضعون موسيقى الجاز، وألحانًا عربية ذات نكهة غربية، مثل زياد الرحباني وإلهام المدفعي وغيرهما· جلس مسعود في الخارج حيث كانت غالبية الموائد· إلى جانبه جلست ميسون، وقبالتهم جلس لطفي ورنا· النادلة التي كانت تحوم حول المكان لاحظت المجموعة فاتجهت نحوهم· كانت ترتدي سروالاً وقميصًا أسودين، شعرها قصير يجاري الموضة، وقد صبغت أجزاءً منه بالأشقر· لا أعلم لماذا تصبغ الفتيات أجزاء من شعرهنّ باللون الأشقر في هذه الأيّام· لقد أصبح الأمر دارجًا لدرجة الاستحواذ، مع هذا فمن السهل جدًا تمييز الشقار الطبيعي عن غير الطبيعي منه· اعتقد أنّ اللاتي يصبغن شعرهن باللون الأشقر غير مرتاحات مع طبيعتهن بهذا الشكل أو ذاك، أو مع الشكل الذي ولدن عليه، فيستسلمن بسهولة للمعايير الطاغية التي يحددها المجتمع· ما العيب في الشعر الأسود؟ إنّه داكن، غامض، حاد ومثير للدهشة· إنه ليس فظًا الى ذلك الحدّ، ومن المريح النظر إليه لما يترك من شعور هادئ في القلب· من الناحية الأخرى، فالشعر الأشقر فيه عذوبة فائضة، وفي الوقت نفسه يعبّر عن قوّة، قوّة شمسيّة· وقفت النادلة بشعرها الأشقر جزئيًا وهي تبتسم جزئيًا· أطلق مسعود صوتًا يشبه الـ هِممم، فنظرت إليه النادلة بجدّيّة جزئيًا· أعاد مسعود نظره إلى قائمة الطعام لوهلة، متفحصًا الاختيارات الأخرى قبل أن يعلن قراره· لم يقل أحد منهم شيئًا· جلس لطفي بحزم ينظر نحو مسعود، بينما جلست ميسون، والتي استؤجرت كصاحبة لمسعود، واضعة رجلاً فوق الأخرى، وتهز حذاءها البني الغالي ذا الكعب الغليظ بإيقاع متكامل، كما لو أن لديها بندول إيقاع في ركبتها· كانت ميسون تنظر إلى قائمة الطعام، وتزيح شعرها المصبوغ الأشقر الطويل إلى الوراء، وهو الذي كان يتمرّد عليها بين الحين والآخر منسدلاً إلى الأمام مجدّدًا· قبالة مسعود، جلست رنا بهدوء مكتوفة الأيدي وهي تنظر إلى مسعود بإعجاب· مرّرت أصابعها بحركة مغرية في شعرها الأسود الجعد والطويل، والتفتت إلى نحو النادلة· نظرت النادلة إلى رنا، ولكن رنا سرعان ما حوّلت نظرها إلى مسعود مجددًا· أخيرًا، قال مسعود: سآخذ كابوتشينو، من فضلك، مع الكثير من القرفة عليه
 
حين بدأت النادلة بكتابة الطلب، طلبت مسيون فجأة سآخذ بيرة، بيرة كورونا، مع قطعة ليمون من فوق، ولتكن باردة، أعني، لا أريد بيرة وُضعت في الثلاجة قبل خمس دقائق، أريدها 'مثلجة'.
Page 8
- لا بأس، سأحضر لك أبرد كورونا عندنا، قالت النادلة·
 
ابتسمت ميسون وكأنّها تجبر نفسها على ذلك·
 
قال لطفي: فنجان إسبرسّو صغير من فضلك
 
ثم تبعته رنا بخجل وبنطنطة: عصير ليمون 'دايت'.
 
- أيّ شيء آخر؟ سألت النادلة·
 
نعم، سلطة يونانيّة مع الكثير من الجبنة، وأربعة صحون صغيرة لكي نتشارك، قال مسعود، ملتفتًا إلى الباقين· ابتسمت النادلة قائلة: لحظة واحدة من فضلكم، واتجهت إلى الداخل·
 
- آه مسعود، هل عزفت على غيتارتك اليوم؟ سأل لطفي·
 
- نعم، عزفت، وألفّت أغنية جديدة
 
مسّدت ميسون كتف مسعود قائلة: رائع، حبيبي
 
نظر مسعود إلى ميسون بينما حدّقت رنا فيهما بعدم ارتياح بارز· لاحظ مسعود نظرات رنا وبدأ يلعب بشعر ميسون· أما لطفي فكان ينظر إلى الشارع، متجاهلاً الزوج·
 
كان مسعود قد استأجر رنا لتكون صديقته الغيورة، أي أنه كان يُفترض بها أن تغار من ميسون بشدّة، لأنّ الأخيرة كانت مع مسعود، ولأنّه يُفترض أن رنا في أعماق قلبها تريد مسعود لنفسها· وقد أرشدها أن تغار عليه ولكن مع البقاء مهذّبة، وألاّ تسبب أي جلبة، لكي تحافظ على احترامها وهيبتها· وبالطبع، فكأي شخص غيور، كان من المفروض أن تصدّق رنا في أعماقها أن مسعود يريدها هي في النهاية، وأنّه يضايقها عمدًا، لكي تريده أكثر فأكثر· رنا تخرّجت وحصلت على شهادة في علم النفس، وكانت ذات ميول تحليلية، مع ذلك فقد تلقت تعليمات بعدم تحليل الوضع الاجتماعي عندما تكون في المجموعة، وأن تحتفظ بتحليلاتها لنفسها· من جهة أخرى، فإن ميسون لم تحُز أيّ شهادة جامعية، بل لم تُنه حتّى المرحلة الثانويّة، لكنها كانت شديدة الصراحة وعلى مستوى عالٍ من الإدراك الاجتماعي· كذلك، كانت فتاة جميلة جدًا وتمتعت بشعبية كبيرة طيلة حياتها، ولم تكن لديها أي مشكلة لجذب الرجال· كانت الإرشادات الموجّهة إليها بأن تكون نفسها، وصاحبة لمسعود، أي أن تسمح له بأن يقبّلها من حين لآخر وأن يداعب نهديها الطريين، وأن تبادر هي إلى تقبيله أحيانًا·
Page 9
وهنا، نظرت ميسون إلى لطفي، وبعدها إلى رنا محاولة أن تنهي المشهد الرومانسي· فهم مسعود قصدها، فتوقّف عن مداعبة شعرها واستدار ليواجه لطفي، الذي لاحظ أن هناك من ينظر إليه، فنظر بدوره إلى مسعود·
 
قالت رنا هذا عظيم، يا مسعود، ما هو موضوع أغنيتك الجديدة، إذا جاز لي أن أسأل؟
 
أخرج مسعود سيجارة وقال إنّها عن الحياة، ثم أشعل سيجارته· ثم أخرج لطفي سيجارة، وقامت ميسون بالمثل·
 
رنا: هل أستطيع تبادل الأماكن معك يا لطفي؟ فالدخان كلّه يأتي نحوي
 
- طبعًا، أجاب لطفي بلطف·
 
بدل لطفي ورنا أماكنهما· وهنا قال مسعود جيّد، الآن بوسعي أن أرى رنا عندما أنظر مباشرة أمامي
 
احمرّت وجنتا رنا في حين وجّهت ميسون إليها نظرة راحت تقيس بها مدى جمالها·
 
قلت إذًا إن أغنيتك عن الحياة، قال لطفي·
 
- نعم، أعني عن الرغبة في الحصول على فرصة ثانية، أجاب مسعود·
 
ميسون: فرصة ثانية في ماذا ؟
 
- في الحياة، عزيزتي، أجابها مسعود·
 
- ما اسم الأغنية؟، تابعت ميسون·
 
- اسمها 'فرصة ثانية'.
 
تدخّل لطفي في الحوار وقال: لذيذ، وهو شيء يفكّر فيه الناس أحيانًا
 
- نعم، إنّه حقًا موضوع للتفكير، قال مسعود·
 
عندها قالت رنا: هل تنوي أن تعزفها في أمسيتك القادمة؟ في الأسبوع القادم في هوتنتوت؟
 
- نعم، سأبدأ الأمسية بهذه الأغنية
 
- هذا رائع يا حياتي، قالت ميسون·
Page 10
قال مسعود ناظرًا إليها وأنت ستجلسين أقرب ما يمكن إليّ، في المقدّمة، لتشاهديني أغني، صحيح حبيبتي؟
 
- طبعًا، حبيبي، سأنظر إليك طوال الوقت، وإلى عزفك على الغيتارة
 
ابتسم مسعود نعم، وبعدها سأعزف أغنية بلوز
 
- ما هو هذا البلوز؟ سألت ميسون·
 
أجابها مسعود مبتسمًا: ستسمعينه في الأمسية
 
عادت النادلة مع المشروبات والسلَطة، التي نظر مسعود إليها وقال هذه سلطة يونانيّة جيّدة، عاش اليونانيون، فلديهم أفضل جبنة في العالم، جبنة الفيتا
 
فقال لطفي نعم، وهذا رأيي أيضًا
 
قالت رنا: إنّها جبنة ماعز، صحيح؟
 
فأجابها مسعود نعم، على ما أظنّ· تفضّلوا يا جماعة، هذه السلطة أكبر من أن تكون لشخص واحد· ربّما يستطيع مصارع سومو أن يأكلها في عشر ثوان، لكني لا أستطيع أن أنهي حتّى ثلثها بمفردي
 
فتابع لطفي مصارع سومو يستطيع أن يأكل كل هذا المقهى في عشر ثوان
 
انفجرت ميسون ضاحكة، وانضمت إليها رنا بعد وهلة بقهقهة ناعمة· مسعود اكتفى بالابتسام، ربّما لأن النكتة لم تجتز سقفه العالي·
 
بعد لحظة من الصمت قال لطفي أتعرفون ما الذي أجده غريبًا؟
 
- ماذا؟، أجابه مسعود بفضول·
 
- درّاجات التمارين البدنية تلك التي لا تذهب الى أيّ مكان
 
- تقصد الدراجات التي يحتفظ بها الناس في بيوتهم للتمرّن؟ سأله مسعود·
 
- نعم
 
قال مسعود بصوت عال ولكنها صنعت للتدرّب والرياضة واللياقة البدنية، ما الغريب في هذا؟