تدبُّ الحياة في سوق المدينة في حلب رويداً رويداً.. وهي تبدأ بعد صلاة الفجر بقليل, كان أبو محمود أوَّل من يفتح محلَّهُ هو وصانعه, أما جاره أبو أحمد فقد كان آخر القادمين.
كان محلُّ أبو محمود متواضعاً يبيع فيه الأقمشة متوسطة الأسعار قليلة التنوع.. ولكنَّه كان كثير الزبائن, أمَّا جاره أبو أحمد فكان محُّله عامراً بالأقمشة الفاخرة مع تنوُّع كبير وزبائن أقلّ, كان يملك مكتباً خشبياً جميلاً في صدر الدُّكان, يضع عليه هاتفاً نصف آليٍّ يستخدمه في عقد الصفقات مع تُجَّار المدن الأخرى.. حماة.. حمص.. الشام.. و بيروت, وكانت له صلات حتى مع تجار في بغداد.
كانا جارين متحابين في السوق رغم الفوارق بينهما.. التي كانت تتعدى قوَّةَ أبي أحمد المالية لتصل إلى الناحية الثقافية, وكان السبب في ذلك المدرسة, فقد ارتادها أبو أحمد لمدة عشر سنوات تقريباً, وكاد يصل إلى سنته الأخيرة فيها لولا مرض أبيه المفاجئ.. الأمر الذي اضطرَّه لترك المدرسة والمواظبة في المحلّ مع والده العليل.. الذي لم يلبث أن فارق الحياة بعد أن أصرَّ على تزويجه من ابنةِ عمِّه, وكان عمره حينها ثماني عشرة سنة.
أما أبو محمود فقد اكتفى بالكتَّاب لسنوات قليلة قبل أن ينضم إلى والده في المحلّ, لكن سرعان ما أصابه ما أصاب جاره.. فقد توفي والده أيضاً في العام نفسه.. جمعهما المصاب أكثر, قرَّبتهما من بعضهما رهبة الموت ورهبة المسؤوليَّة الجديدة في هذه السن المبكرة, وكان هناك أمر آخر مشترك بينهما, فالاثنان ولدا مع بداية القرن.. القرن العشرين وبالتحديد عام 1901, كانا وفيين لبعضهما بعضاً لا تشوب علاقتهما أية شائبة.. غيرة أو خلاف, حتى أنَّ زواج أبي محمود تمَّ بترتيبٍ من صديقه أبي أحمد, إذ انتقى له زوجةً من قريباته البعيدات , وكان انتقاءً موفَّقاً بكل معايير تلك الأيام.
عندما بلغا الثلاثين من عمرهما فاجأ أبو أحمد صديقه وكانا جالسين أمام محلَّيهما بالقول:
ـ أنا سأتزوج.
ـ تتزوج؟!.. ممن؟!..
ـ لا أعرف.
نظر إليه أبو محمود مندهشاً, فقال أبو أحمد :
يا صاحبي الذي تزوج وعمره ثماني عشرة سنة شخص لاأكاد أعرفه , إنَّهُ شخص آخر، يحمل اسمي.. صحيح , وبعض صفاتي.. صحيح , ولكنِّه الآن شخصٌ آخر تماماً, لا أعرفه ولا يعرفني, وكي أُصدِقكَ فإنَّه لا يعجبني, وأشكُّ في أنني أعجبه.
ابتسم أبو محمود وقال:
ـ لماذا عليك أن تفلسف الأمور دائماً؟.. قل إنَّ نفسك تراودك على الزواج من امرأة ثانية.. وهذا حقُّك.. مال وشباب..
ـ والله العظيم الموضوع ليس كذلك.. الموضوع كلَّه يتلخص بكلمتين: أريد أن أختار, من تزوَّجتها على الرأس والعين , ولكنهم اختاروها لي. . أريد الآن أن أتزوج ممن أختارها أنا.. أتعرَّف عليها.. أجالسها.. أسألها رأيها..
ـ ماذا؟!.. أنت تحلم؟!.. هنا في حلب, وفي هذه الأيام؟!..
كان أبو أحمد ـ واسمه رأفت ـ شابّاً وسيماً.. طويلاً.. نحيلاً, ذا مشية واثقة منتصبة, وكان قد بدأ بارتداء البنطلون والجاكيت من دون ربطة عنق, يضع على رأسه طربوشاً أنيقاً سرعان ما تخلَّى عنه عندما بدأ يستعمل كريم «البريانطين» على شعره, أما في السوق فكان يعود إلى الطربوش مرتدياً قنبازاً مخططاً وحذاءً عصرياً يستبدل به ـ ما أن يدخل المحل ـ صرماية حمراء نظيفة ومريحة, كان قارئاً جيداً مذ كان صغيراً.. في البداية شُغفَ بروايات الأدب العالمي.. فقرأ منها الكثير, ثمَّ اتَّجه إلى التاريخ فبهره وأغناه بثروة معرفية لا تضاهى, وكان حلم حياته أن يؤسس مكتبة مميزة في مكان مميز فيجمع بين متعته وتجارته بالكتب.
ما هي إلا أشهر قليلة حتى زُفَّت فادية ابنة الثمانية عشر ربيعاً إلى رأفت زوجة ثانية, كانت ابنة حج محمد التاجر المعروف, وكان من المفروض أن تتزوج من قريب لها مذ كانت في الخامسة عشرة من عمرها, لكنَّ مرضاً غريباً أصاب الشاب.. فاضطرَّت إلى انتظار شفائه, ولمَّا طال المرض أعفاها أهل الشاب من الانتظار, وهذا يفسر بلوغها الثمانية عشر عاماً دون أن تتزوَّج, هذا العمر المتقدِّم نسبياً كان من الأسباب الرئيسة التي دفعت رأفت لاختيارها, وكان هناك سبب آخر، فقد كانت أمُّ فادية من جذور تركيَّة, ومن استانبول تحديداً, وهذا ما أغراه على الافتراض بأنَّ قليلاً من التحرر والعصريَّة لا بدَّ أن يكونا من صفات هذه العائلة, كان طموحه لقليل من التحرُّر لا أكثر لأنَّه لم يكن لينسى بيئته المحافظة المتديِّنة.
لم يُوفَّق رأفت إلا قليلاً بما كان يطمح إليه من التعرُّف عليها ومخالطتها, ولم ينجح إلا بتحقيق شرط واحد أصرَّ عليه.. وهو أن يسمع موافقتها منها بلا وساطة أو وكيل, وكان الأمر.. جلبوها إلى غرفة الضيوف في بيت أهلها حيث كان رأفت يجلس مع والدها.. دخلت الفتاة وجلةً مرتعدةً من هذا الخرق للأعراف.. كانت تضع منديلاً جميلاً على رأسها معقوداً عند عنقها, وكانت خالتها قد نجحت في اللَّحظة الأخيرة, وقبل دخولها من الباب , في سحب مُؤخرة المنديل إلى الأسفل بشدَّةٍ واحدةٍ.. مما سبَّب انحساره قليلاً وأتاح بذلك لخصلات أكثر من شعرها في الظهور, جلست وبنظراتٍ سريعةٍ أشبه بالتلصُّص رأته.. فانبهرت بشكله.. وبعد قليل غادرها خوفها, وشعرت بثقةٍ عارمةٍ بنفسها وبالدور الذي ستلعبه.. فلقد كانت الفتاة الوحيدة من كلِّ قريباتها وصديقاتها التي توفَّرت لها الفرصة لترى خطيبها ولتقول نعم أو لا, أوافق أو لا أوافق.. طبعاً تذكَّرت التعليمات جيداً, في البداية ستقول: الذي تراه يا والدي, ولكن عندما سيصرُّ الخطيب.. ستنظرُ إليه وتجيب.
لم يتسنَّ له الانفراد بها أبداً, ولم يبادلها الحديث إلا مرتين أو ثلاثاً وفي حضور أحد من عائلتها, كانت تدخل بصينية القهوة ومنديل رأسها ينحسر في كلِّ مرَّة أكثر بفضل شدِّ خالتها أو إحدى أخواتها له من الخلف, حتّى أنه سقط في آخر مرَّة على كتفها فتململ الأبُّ وطلب الإسراع في إتمام الزواج معتبراً أنَّ تنازلاته وصلت إلى أكثر مما يستطيع تحمّله.
كان رأفت قد أخذ عهداً على نفسه أن يقوم هو بإبلاغ زوجته قراره بالزواج, ولكنه عندما همّ بمفاتحتها بالأمر اكتشف أنها تعلم به ولم يعرف ممن.. نظرت إليه بعينين فيهما حزن العالم وقالت :
ـ ماذا يعني أن أسمع الخبر منك؟!.. أهو قيمة لي؟!.. وهل قيمتي تكمن في أن أكون أوَّل من تبلغها بالخبر؟.. وقيمتي الأساسيَّة في الموضوع برمَّته أين هي؟!..
عرف على الفور أنَّه مهزومٌ سلفاً في أيِّ طريقةٍ يناقش بها الموضوع, كان يستطيع أن يربح لو اتَّبع الطريقة المعروفة.. طريقة كُلِّ الرجال عندما ينوون الزواج ثانيةً: هذا حقي.. ديني وشرعي أعطياني هذا الحق , ولكنَّ شخصيَّته ـ كما عرفها كلُّ الناس ـ لم تكن لتسمح له.. فهو أبو النقاش و الجدال.. كُلُّ شيءِ قابل للجدال والحوار عنده.. هذا كان قانونه الأوَّل, لذلك قال :
ـ أنت قيمتك محفوظة في كلِّ الأحوال.. كانت وستبقى محفوظة أبداً.
ـ هل تعلم ما الذي يقهرني أكثر من أيِّ شيءٍ آخر؟.. كانوا يقولون.. رأفت غير كلِّ الرجال.. مثقف, متحرِّر, مع المرأة في جميع الأحوال.. يا إلهي كيف غششت كلَّ هؤلاء الناس كل هذا الوقت.. أنا..
قاطعها بشيءٍ من الحِدَّة :
ـ لا لزوم لهذا الكلام.
صمتت للحظات بينما كان هو يُفكِّر بإنهاء الجدل , ثمَّ قالت:
ـ لي طلب واحد.
ـ تفضلي.. اطلبي ما تشائين.
ـ يوم عرسك.. دعني أذهب لبيت أهلي.
انتفض مُحدِّقاً بها :
ـ هل هذا تصرُّف لائق؟.. ثمَّ لن يكون هناك عرس , الجواب لا.
قالت بلهجة قويَّة باردة :
ـ على عيني.. لن أذهب, لكن لا تنتظر منِّي أن أرقص في ليلة دخلتك. هل تريد شيئاً!..
سألت وهي تقف, فقال بصوت خافت:
ـ سلامتك.
خرج رأفت من منزله حزيناُ.. شاعراً بالذنب, أخذ يمشي ويمشي كعادته كلَّ يوم, إلا أنَّه في هذا اليوم أطال, لم يكن هذا ما خطَّط له, أراد أن يختار رفيقةً له, صديقة.. حبيبة, ولكن على ما يبدو سيكون زواجه هذا نسخة مُكرَّرة عن زواجه الأوَّل, كان على استعداد لتحمُّل الذنب لو نجح بمراده , أمَّا وأنَّ الأمر لم يكن كذلك فإنَّ شعوره بالذنب كان مضاعفاً, فجأةً خطرت بباله فكرة المكتبة.. فأخذ قراره: غداً سيشتري المحل الكبير الذي سأل عنه مُؤخراً, وستكون له المكتبة الأولى في البلد.. حلم حياته, ارتاح بعض الشيء وقرَّر الذهاب إلى المقهى الشعبي, ولكنَّه عرَّجَ في طريقه على محلِّ الصائغ حنّا, وطلب منه أن يضاعف كلَّ ما أوصاه عليه من ذهبٍ لعروسته.. فسأله الصائغ:
ـ أضاعف.. كيف؟!..
ـ تضرب باثنين كل شيء.. السوار يصبح سوارين, العقد عقدين, وزوج الحلق زوجين.. وهكذا , طبعاً غيِّر النموذج قليلاً, ولكن ضاعف كل شيء.
ظنَّ الصائغ حنَّا أنَّ أبا أحمد سيتزوج من امرأتين دفعة واحدة, فكَّر مذهولاً.. هذه أوَّلُ مرَّةٍ يحدث ذلك, ثمَّ تساءل: هل الإسلام يسمح بذلك؟!.. من معرفته فالجواب هو.. ولكن ما أدراه وماهمَّهُ، سيضاعف كلَّ شيءٍ, وأرباحه ستتضاعف في كلِّ شيء.
أمَّا أبو أحمد فقد قال في نفسه: لن يحلَّ الذهب مشكلة أمّ أحمد, ولكنَّه سيسكتها.
في الصباح التالي في السوق قال له صاحبه أبو محمود:
ـ أراك مهموماً. .
ـ لا.. لا شيء , كل شيء تمام.. بلًَّغنا أم أحمد وانقضى الأمر.
ـ نُبارك لكَ وتُبارك لنا إذن.
ـ خير.. ألف مبارك. .
ـ أمس ولَّدت أم محمود.. وأرسل الله لنا بنتاً تأسر الألباب.
ـ مباركة.. تربى بعزَّك، هل اخترتم الاسم؟!..
ـ هاتِ لنا اسماً جميلاً من عندك.
فكَّرَ أبو أحمد قليلاً ثمَّ قال:
ـ أمّي ـ الله يرحمها ـ كان اسمها زينب, لكن ولا مرَّة, أقول ولا مرَّة سمعت أحداً يناديها باسمها, الوالد كان يناديها أم رأفت, نحن.. يامو, الجيران والمعارف كلهم أم رأفت , ما رأيك أن نسمع رنَّة هذا الاسم الجميل في بيتك؟!..
ـ لعيونك.. لن نسمِّيها إلا زينب.
فتح أبو محمود محلَّه في هذا الصباح الربيعي, ووضَّبَ وصانعه البضائع كعادته كلِّ يومٍ, ثمَّ أخذ مقصَّاً طويلاً ورفيعاً وذهب إلى المرآة الصغيرة المعلَّقة على الجدار الداخلي في عمق محلِّه, وبدأ يشذِّب شاربيه.. نظر في المرآة محدِّقاً في وجهه وقال لنفسه: نعم يا سيدي أنت الآن ابن خمس وأربعين سنة , انتبَهَ إلى شعرات الشيب القليلة على فوديه فلم يهتم بها, بعدها جلس منتظراً بدء الحركة في السوق والتي لم تتأخر, الذي تأخَّر هو صاحبه أبو أحمد.
قبل أن ينهي كأس الشاي الأوَّل.. إذ خال زوجته أبو أنور يفاجئه بزيارة في هذه الساعة المبكِّرة.. كان موظَّفاً في المصالح العقاريَّة, وقد تقاعد منذ مُدَّة، وهذا سبب استيقاظه المبكِّر وحاجته للخروج من المنزل.
رحَّب به وجلسا يدردشان, سأله عن أحواله, وعن زواج خديجة ابنة أبي محمود الكبرى, وكم رزقت من الأولاد, وهل تجاوزت زينب الـ 15 عاماً من عمرها, وهل هناك خُطَّاب لها, وعن محمود ودراسته, ثمَّ سأله عن صديق عمره وجاره أبو أحمد الذي يسمع عنه كثيراً, وعن أحواله المزدهرة, فأخبره أبو محمود أنَّ صديقه ـ بعد أن حقَّق حلم حياته بإنشاء مكتبة معتبرة ـ هو الآن بصدد إنشاء معمل نسيج, كانا على وشك تناول الفنجان الثاني من القهوة.. عندما ظهر
أبو أحمد, كان يلبس الجاكيت و البنطلون, حيَّا بحرارة أبا أنور, كان يعرفه جيداً, ثمَّ استأذن ودخل دُكانه الذي سبق لصُنَّاعه أن فتحوه, وخرج بعد دقائق لابساً القنباز والطربوش, وجلس مع الاثنين.
سأل أبو أحمد السؤال المتوقع :
ـ ما رأيك بالأوضاع يا أبو أنور؟..
ـ نحن الآن في العام 1946, الدنيا قائمة قاعدة, الفرنساويون رحلوا, والجميع طاحش على الحكم.
ضحك رأفت وقال :
ـ الأمر طبيعي.. ألم يكن متوقعاً؟..
ـ قل لي يا أبو أحمد, أنا وكثيرون غيري , نتساءل لم رفضت الدخول بالحزب وعندك كلّ المقومات والصفات التي تؤهلك للعمل في السياسة؟..
ـ أنت مُخطئ يا عزيزي.. ليس عندي أي صفة مما ذكرت.
ـ ولو.. ثقافة ومال, وكنت لا تترك مظاهرة أو تحركاً ضد الفرنسيين إلا وتكون أنت وصاحبك أبو محمود على رأسها.
ـ كان الأمر مختلفاً.. الأمر كان يتعلَّق بالتحرُّر من الفرنساويين, السياسة لم تكن موجودة إلا بالاسم.
تدخَّلَ أبو محمود.. الذي كان هو وخال زوجته قد انتسبا إلى حزب الشعب :
ـ رأي أبو أحمد أنَّ الحزبين الرئيسين الآن: الشعب والوطني لا فرق بينهما, حزب الشعب تجمُّع لتجار ومُلاك الأراضي ومؤيدوهم بقاعدة حلبية, والحزب الوطني تجمُّع لتجار وملاك الأراضي بقاعدة شامية , وبقية المدن والمناطق ملحقة بالاثنين.
ـ ولكن هذا اختصار فظيع للأمور فعدد الشوام في حزب الشعب لا يحصى، وعدد الحلبيين في. .
ـ معك حقّ.. التلخيص مرَّات يُشوِّه الفكرة تماماً, على كلٍّ يا أبو أنور الخيار صعب بين الحزبين , فالاثنان وطنيان ومتشابهان, ولو كان الأمر لي لسعيت لضمِّهما في حزب واحد وهذا أفضل للبلد.
أجاب أبو أنور :
ـ ولماذا لا تدخل في أحدهما وتسعى مسعاك النبيل هذا؟..
كان واضحاً أنَّ أبا أنور مُكلَّفٌ باستمالة وتنظيم أبي أحمد، ابتسم رأفت وقال :
ـ الأمور لا تسير هكذا.
ألحَّ أبو أنور وقد شكَّ بأمر هذا المراوغ :
ـ طيِّب.. هناك أحزاب أخرى أصغر, ولكنها فعَّالة أو يُنتظر أن تكون كذلك.. حزب البعث مثلاً وهو قيد الإنشاء حالياً, الحزب السوري القومي, الشيوعي, الأخوان المسلمون.
ـ صدّقني أنا لا أصلح للسياسة, أنا أهتم بها وأجادل فيها كثيراً.. هذا صحيح, ولكن العمل فيها والدخول في زواريبها!.. أنا أعرف إمكاناتي ياأبا أنور أطالَ الله عمرك, على كلٍّ البركة فيك وبأبي محمود.
أتى صانع أبو أحمد يقول أنَّه مطلوب على الهاتف من دمشق, فاستأذن ودخل محلَّهُ.
سأل أبو أنور:
ـ ألم يتزوَّج بعد وفاة أم أحمد؟..
ـ لا.. لقد حزن عليها حزناً شديداً لاأستطيع أن أصفه لك, تُوفيت بعمر ثمانية وثلاثين سنة منذ ثلاث سنوات مرضت بالتيفوئيد, ولكن أبو أحمد يقول: الحسرة والتيفوئيد قتلاها, كان يعتقد أنَّ زواجه الثاني آذاها كثيراً.
ـ ما هذا الكلام الفارغ.. كلُّ النساء يتقبلن ضُرَّة أو اثنتين.
ـ ليس الكل يا أبا أنور.. ليس الكل, لذلك هو لم يفكر بالزواج على زوجته الحالية.
عاد أبو أحمد ليجلس معهما قائلاً لأبي محمود:
ـ عندي سفرة إلى دمشق.
سأله أبو أنور:
ـ ألا زلت تذهب إلى المقهيين؟..
ـ مرَّة أو مرتين في الأسبوع لكلٍّ منهما.
كان المقهيان المعنيان اشتهرا في تلك الأيام بسبب نوعيَّة روُّاد كلٍّ منهما, فأحدهما أصبح اسمه المقهى الشعبي وكان اسمه مقهى الأفراح, كان روّاده من أولاد البلد الطيبين كما كان يصفهم رأفت, نجارون وسمَّانون وأصحاب محلات متواضعة, وكان يقع في باب الفرج.
أما المقهى الآخر فكان اسمه مقهى الأفندي, روّاده من الموظفين المهمين والتجار المعروفين, أسماء بدأت تظهر في الحياة السياسية الجديدة, وكان يقع في حيّ العزيزيَّة.
قال أبو أنور :
ـ وأيهما يستهويك أكثر؟!..
لكلٍّ منهما نكهته الخاصَّة.. ما تسمعه من أحاديث ونقاشات في الأول هو ذاته ما تسمعه في الثاني مع اختلاف كبير في الأسلوب, طبعاً في المقهى الشعبي تحس بمتعة حقيقية.. تحس بنبض الناس.. تعليقات عفوية.. بعض المرات ساذجة.. معظم الأحيان فظَّة, ولكن الأمر الغريب أنهم لا يضيعون البوصلة أبداً, أما في المقهى الآخر.. فقراءة الناس للأحداث مختلفة.. هم متعلمون ومثقفون, ولما كانوا يعتقدون أنهم مطلعين على الأمور، فإنَّ مناقشاتهم تتراوح بين التحليلات المنطقيَّة وهي قليلة, وبين الحذلقة والشوفينية والتذاكي على بعضهم بعضاً, وهي الأغلب, ولكنك تجد أيضاً أشخاصاُ أذكياء بحس وطني عال وصبر جميل في النقاش.
قال أبو أنور مستأذناً في الانصراف :
ـ ستراني كثيراً في مقهى الأفندي من دون أن أكون أفنديَّاً!..
ـ لا يا أبا أنور, أنت شيخ الأفندية.
بعد مغادرة أبي أنور قال ابو محمود لصديقه :
مشاركتك في الحديث كانت قليلة الحماسة, ما مأخذك الحقيقي على حزب الشعب؟!..
ـ ولا أي مأخذ سوى أنه يميل إلى الإخوان في العراق إلى الهاشميين ونوري السعيد, وهذا سيستتبع ميل الحزب الوطني إلى تحالف السعودية ـ مصر أو هكذا أفترض, ويبدأ الصراع على سوريا عربياً عن طريق هؤلاء, ودولياً لأسباب أكثر جديَّة, نحن في سوريا في قلب التحرُّك السياسي الكبير في المنطقة يا صاحبي.. حزب الشعب, الحزب الوطني.. تفاصيل هامشيَّة.
وصل رأفت إلى داره قبل موعد العشاء بقليل.. كانت داره تقع في حي الفرافرة, كانت داراً عربيَّة تقليديَّة.. صحن دار كبير مع نافورة ماء في الوسط جدرانها مغطاة بالفسيفساء الملوَّن, أربع غرف نوم في الطابق العلوي, وثلاث في الطابق الأرضي.. حيث توجد أيضاًصالة الاستقبال الكبيرة, وصالة معيشة أقلّ منها مساحةً وُضعت فيها منذ سنوات قليلة طاولة طعام كبيرة, وعلى طرف صحن الدار كان هناك درجٌ ضيِّق بانحدارشديد ينزل إلى بيت المونة, وكان أشبه بمغارةٍ عميقةٍ تحت الأرض, كان الأولاد في صغرهم يلجؤون إليها عند القيظ الشديد, فيمنعهم أبوهم شارحاً لهم مضار سوء التهوية فيها.
كان عنده أربعة أولاد من أم أحمد: ذكران وفتاتان, وثلاثة من فادية أم نضال: ذكر وابنتان, ابنته الكبرى سلمى تزوَّجت منذ سنوات, والثانية وفاء مخطوبة, أمَّا أحمد وأخوه خالد فهما متزوِّجان ويقيمان معه في الدار, ولكن ليس لمُدَّة طويلة, فسينتقلان قريباً إلى شقَّتين متجاورتين في حيِّ السبيل.
أولاد فادية نضال ورجاء وهدى هم دون الخامسة عشرة من عمرهم , أدخل رأفت بناته كلهنَّ ـ باستثناء سلمى البكر ـ المدرسة الفرنسية حتى عمر الاثني عشر سنة, أمَّا الفتيان فدخلوا المدارس العامة وكانت توازي حينها المدرسة الفرنسية بل تتفوق عليها في بعض النواحي , كان رأفت يشعر بضيقٍ شديد وغضبٍ أشد عندما كانت تترك إحدى بناته المدرسة في تلك السن من عمرها , ولكن ما كان باليد حيلة, فبيئته المحافظة لم تكن تسمح بخلاف ذلك , يذكر جيداً ذلك اليوم منذ أربع سنوات, عندما تركت ابنته وفاء ورفيقتها زينب ابنة أبي محمود المدرسة الفرنسية.. قامتا بما يشبه المظاهرة في صحن الدار حتى لا يُطبق عليهما هذا القانون, ولكنَّهما انهزمتا.. فذرفتا الدموع الغزيرة.
سأل رأفت وكان الجميع على مائدة الطعام:
ـ كيف كان يومكم؟.. هل من أخبار مسليَّة؟!..
أجابت أم نضال :
ـ الأخبار عندك.
ـ أريد أخباركم أنتم.. لا أخبارهم.
نظر إلى ابنه أحمد وسأله عن سير العمل في ورشة المنشأة الجديدة , فأجابه أنَّ الأمور تسير كما هو مُخطَّط لها, وعلى الأغلب سيكون كلُّ شيءٍ جاهزاً قبل وصول المكنات بمدَّة.
عاد والتفت إلى زوجته مبتسماً :
ـ ولا خبر مُسلِّ؟!..
ـ كانت زينب عندنا تزور رفيقتها وفاء , فأقامتا الدنيا وأقعدتاها, لعب بالطابة ثمَّ بالحلجة لساعات , ثمَّ نقاشات ومشاحنات بصوتٍ عالٍ لساعات أخرى.. طوشونا!..
سأل ابنته وفاء :
ـ لمَ المشاحنات؟!..
ـ لم يكن هناك أيَّةُ مشاحنات.. كنَّا نتناقش حول آنا كارنينا.
تابعها مستفسراً.. فأكملت :
ـ زينب كانت تقول أنَّ آنا كارنينا غبية وبهيمة!..
ـ لماذا؟!..
ـ لأنه كان عليها أن تعرف أنَّ امرأة تترك زوجها من أجل آخر.. سيأتي يوم يتركها هذا من أجل امرأةٍ اخرى.. حينها لن تجد حلاً سوى رمي نفسها تحت عجلات القطار , لذلك فهي غبيَّة وبهيمة!..
علَّق رأفت :
ـ زينب قالت ذلك؟!..
فردَّت أم نضال :
ـ زينب عفريتة.. شاقة الأرض وطالعة.
سأل رأفت ابنته:
ـ وأنت ما رأيك؟!..
ـ أنا من رأي زينب ما عدا موضوع الانتحار.. يعني كان بإمكانها أن تتوب وتصبح راهبة وتدخل أحد الأديرة.. كانت القصة تصبح أجمل وأقلّ قسوة.
تدخَّلت أم نضال قائلةً :
ـ يا أبو أحمد, والله هذه الكتب والروايات لا تناسب البنات في هذا العمر.. بكيّر عليهن.
وافقها أحمد ابن زوجها :
ـ والله كلام خالتي أم نضال صحيح يا أبي.
فردَّ أبوه عليه :
ـ لا.. ليس صحيحاً.
شعر أن كلامه كان فجَّاً , فنظر إلى وجه زوجته المستاءة وقال لها:
ـ يا أم نضال, هذه الروايات من أرقى الروايات في العالم, وكُتَّابها من أعظم الكُتَّاب في العالم.. وكاتب هذه الرواية «آنا كارنينا» لم يكتبها ليفسد عقول بناتنا بل ليصلحها , إنه يساعدك أنت الأم الفاضلة العظيمة على تربية أولادك.
انشرحت أم نضال لمديحه بعض الشيء, فقالت محاولةً التخفيف من جديّة النقاش :
ـ يعني الحقيقة الحقيقة.. لا يركب الموضوع على عقلي , بنتان طفلتان تلعبان في صحن الدار ساعتين بالطابة، ثمَّ ساعتين بالحلجة، ثمَّ تجلسان معنا تتحدَّثان عن آنا كارنينا.. فتأملُّوا يا ناس.
أجاب رأفت مبتسماً :
ـ إحداهنَّ ستتزوَّج بعد أشهرٍ قليلةٍ, وستصبح أماً بعد سنة.
احمرَّ وجه ابنته وفاء, وتلهَّت بطلب الملح, بينما كان أخوها خالد يغمزها بعينه.
نظر رأفت إلى ابنه خالد وتذكَّر مراهقته.. تذكَّر كيف ضبطه ذات يومٍ وكان يقرأ كتاباً رخيصاً عن الجنس, كان المحتوى رديئاً مُقزِّزاً, جنس فموي وجنس في جميع الأوضاع.. حمل يومها الكتيِّب معه , وفي المكتبة أخذ ينتقي مجموعة من الكتب.. روايات شيقة من الأدب العالمي، ثمَّ لمح رواية ستاندال.. الأسود والأحمر, فقال لنفسه: ليتعرَّف على الجنس وسطوة الجنس ومرارات الجنس, حمل هذه المجموعة معه إلى البيت, وضعها على سرير خالد والكتيِّب الرخيص معها , كان مقتنعاً أنَّ من يقرأ الروائع لن يستهويه الرخيص ولن يستسيغه , إلا أنَّه أنَّبَ نفسه لتأخُّره في الانتباه لخالد , الأمر الذي لم يحدث مع بقيَّة أبنائه.
نظرمرَّة ثانية إلى خالد وتساءل إن كان الأمر قد نجح معه.. ثمَّ ابتسم في سرِّه , فلقد كان « صِيْتْ » خالد الغندور يصلهُ من بعيد, إلا أنه استدرك قائلاً لنفسه: لكن ما دخل هذا بذاك؟..
كانوا على وشك الانتهاء من الطعام عندما سمعوا طرقاً على الباب , قالت أم نضال:
ـ اللهم خير!..
قام خالد ليفتح الباب وليعود سريعاً ومعه محمود ابن صديقهم , كان وجه محمود مُكفهرَّاً خائفاً.. حيَّا وقال بكلمات سريعة:
ـ لا أعرف ماذا حصل لأمي.. كنا جالسين وفجأةً وضعت يدها على صدرها واصفرَّ وجهها.. أرسلني أبي كي أحضر الطبيب , ولما عدت مع الطبيب قالت لي زينب أنَّهم ذهبوا إلى المستشفى, وأرادت أن تأتي معي فرفضت.
أسرع رأفت واقفاً, وطلب من خالد أن يسرع بطلب عربة خيل, وطلب من زوجته أن ترتدي ملابس الخروج.
دخل رأفت من باب المقهى الشعبي, وحيَّا الجميع , فبادلوه التحيَّة, كانوا يحبونه ويشعرون أنه يحبهم, كان واحداً من اثنين أو ثلاثة من روَّاد المقهى يرتدون الجاكيت و البنطلون , ولم يشعر يوماً أن عليه ممالأتهم فيرتدي القنباز عندما يأتي لمقهاهم مع أنه يرتديه أحياناً, جلس وظهره إلى الحائط حول طاولة سبقه إليها أبو محمود صاحبه, سأله إن كان عرض زوجته على طبيب أختصاصي آخر, فأجابه أن كل الأطباء متفقون على أنّ أعراض انقراص الرقبة والنوبة القلبية متشابهة, وأن الجميع طلبوا منهم ألا يقلقوا. ألحَّ رأفت عليه:
ـ دع طبيباً أختصاصياً آخر يفحصها.
أتاه كأس الشاي سريعاً.. كان يعرف أنَّ نقاشاً ما كان دائراً, وكان يعرف أنَّ الجميع, عندما يحمى النقاش, يشتركون به. .كل الطاولات وبشكل فوضوي مزعج, كان الامر يختلف في بعض المرات, فيهدؤون ويتبادلون آراءهم بهدوء, ولكنها مرَّات نادرة, افترض أن رحيل الفرنسيين وتشكيل أول حكومة وطنية كان محور النقاش, وسرعان ما أتاه السؤال :
ـ أليس صحيحاً ياأبو أحمد أنه كيفما دارت أو اتجهت, ثمَّ دارت واتجهت.. ستحط مكانها؟.. يعني الأغنياء والملاك والمليونيرية والبكوات سيستلمون الحكم؟..
ـ ليس بالضرورة.. ثمَّ ما بهم الأغنياء والملاك؟.. قسم كبير منهم وطنيون شرفاء.
أجابه أبو قاسم النجار :
ـ نحن نخاف من القسم الآخر.
فضجَّ الجميع بالضحك.
ضحكَ رأفت معهم, ثمَّ قال :
ـ على كلٍّ لم نرَ خيرهم من شرِّهم.. لننتظر ونحكم.
علَّقَ رمضان, وهو بائع كتب مستعملة «يبسطها» على الرصيف, وهومن معارف رأفت المقربين :
ـ خيرهم قليل, وشرَّهم كثير يا أبو أحمد.. كانوا كذلك على مرِّ التاريخ وسيبقون.
ابتسم له رأفت ثمَّ قال :
يا رمضان، الأغنياء كانوا دائماً قلَّة ذكية جشعة تستغل الأكثرية الساذجة.. هذا صحيح , ولكنها قلَّة جشعة مبدعة وخلاَّقة, والسبب بسيط جدَّاً.. همُّها الأوَّل والأخير هو ابتكار أذكى الطرق وأسرعها لتحقيق أكبر ربح , ولكنها.. وهي تفعل ذلك، تُبدع وتخلق وتطوّر وسائل وتشجِّع اختراعات وتسهم إسهاماً كبيراً في تقدُّم الناس وتعميم المكاسب.. هذه سنَّةُ الكون , الدنيا لا تعمر من دونهم يا رجل.
لاحظ رأفت نظرات رمضان المتشككة بكلامه , ولكن وقبل أن يهمَّ هذا في البدء بمجادلاته الطويلة ـ كما هي عادته ـ سارع وغيَّر الموضوع وسأل فجأةً :
ـ هي أخبار فلسطين؟!..
قال أبو حسن السمَّان :
ـ يقولون أنَّ الانكليز والفرنساويين سيجلون عن كلِّ الأراضي العربية إلا فلسطين, سيبقى فيها الانكليز ليحموا اليهود المهاجرين من العرب.
تدخَّلَ رمضان بالقول :
ـ يا رجل قتل اليهود من الانكليز في فلسطين أكثر مما قتل العرب.
علت الأصوات :
ـ من أين أتيت بهذا الكلام؟!..
قال رأفت :
ـ في مرحلة معيَّنة قيَّد الانكليز هجرة اليهود إلى فلسطين, فجُنَّ جنون اليهود , قاموا بمهاجمة الانكليز.. نصبوا الكمائن ووضعوا المتفجرات وسبَّبوا أذىً كبيراً للقوَّات الانكليزية.. ولكنها مرحلة وانتهت, وعلاقاتهم جيدة الآن.
ـ إذن هو خلاف بين الأحبة..
علَّق أبو قاسم.
تدخَّلَ أبو محمود قائلاً :
ـ وعد بلفور هو وعد انكليزي بالأساس , وأوروبا.. كل أوروبا تريد أن تنتهي من مشكلة اليهود فيصدِّرونها إلينا.
علا صوتٌ :
ـ يبريني عن ديني.. يرحل الانكليز اليوم , ثاني يوم نأكلهم بلا ملح.. ناس جبناء!..
نظر إليه رأفت وابتسم , ثمَّ نظر إلى أبو صطيف.. زميل الدراسة التي تركها باكراً , وكان يُدخِّن الأركيلة , سُمعَ صوت أبو صطيف عالياً:
ـ يا سيدي لم يكونوا يوماً جبناء.. أنا أتكلم عن اليهود هنا.. يهود حلب، طبيعي.. الأمور اختلفت الآن، بعد أن بدأ بنا يهود أوروبا في فلسطين.. تقوقع اليهود هنا على بعضهم , وخافوا من انتقامنا منهم, وهذا ما يظهرهم بمظهر الجبناء.
علت الأصوات هنا وهناك, وتداخلت مع بعضها فالكل يريد أن يتكلَّم, وانتهى الأمر بأن تكلَّموا جميعهم دفعةً واحدةً.
فجأةً ساد الهدوء للحظات, فاستغلَّه أبو خالد.. وهو رجلٌ تجاوز الستين من عمره.. يعمل في سوق الخضار.. قال :
ـ هل تريدون الحقيقة؟.. الحقيقة هي أننا كُنَّا نعيش معهم كالأهل تماماً كانت تحدث مشاجرات نعم, ولكنَّها كالمشاجرات التي تحصل بيننا, بل صدِّقوا أو لا تصدِّقوا أنا نفسي شاركتُ في صغري بأكثر من مشاجرة, وكان في كلا الطرفين يهود وعرب, يا جماعة إنَّهم ناس عاديُّون فيهم الأخيار والأشرار كما عندنا نحن أخيار وأشرار, أمَّا اليهود الأوغاد الذين هبطوا على فلسطين فهم مختلفون عن هؤلاء, أتوا من روسيا وأوكرانيا وبولونيا.. حاقدين مهووسين, هؤلاء من يجب قصف رقابهم لا يهودنا نحن!..
تساءل صوتٌ :
هل سمعتم ما سمعت؟.. يهودهم ويهودنا؟.. ما هذا الكلام الفارغ؟..
فَكَّرَ رأفت في المُغادرة, وعندها سمع أبو جاسم النجار يقول :
ـ الموضوع لا يحتاج شطارة ولا استخارة ولا بكالوريا.. جاء اليهود إلى فلسطين بمهمَّة واضحة.. إنشاء دولة لهم.. نحن مهمَّتنا منع ذلك.
نظر رأفت إليهِ مُعجباً جدَّاً بهذا التلخيص , وقف مُغادراً وهو يقول :
ـ هذا أبسط الكلام وأجمله.
خرج أبو أحمد من المقهى قبل العشاء بقليل, وسار باتجاه حي العزيزية.. كان يريد أن يصل إلى وكالة سنجر قبل أن تغلق أبوابها, في الطريق صادف صديقه أبا اسحق, سارا سويَّةً في نفس الاتِّجاه, سأله أبو اسحق:
هل أنت ذاهب إلى مقهى الأفندي؟!..
لا.. سأسافر غداً إلى الشام , وعندي هنا أشغال صغيرة سأقضيها, كيف أحوالك أنت؟!..
أجاب أبو اسحق وهو يهزُّ رأسه يمنةً ويسرة :
ـ أنا دائخ.. قليلاً وينفجر رأسي.
ـ الأوضاع سيئة أليسَ كذلك؟..
ـ جداً جداً.. أنا عمري الآن 55 سنة ولم تمرّ علي أيام كمثل هذه الأيام طيلة حياتي.. خوف من المستقبل, قلق من الحاضر, رعب حقيقي من خسارة كل شيء.. حياتنا كلها هنا في حلب يا رجل, هنا ماضينا وحاضرنا ولا نعرف الآن أين سيكون مستقبلنا, ولا كيف يكون من دونها.
حاول رأفت التخفيف عنه:
ـ وكِّل الله يا رجل.. الأمور لم تنته بعد.
ـ يا رجل الناس تغادر.. الجميلية فرغت من نصف سكَّانها اليهود, البيوت هناك أصبحت أسعارها مثل الفجل.
ثمَّ انتبه وتابع..
ـ لماذا لا تأخذ شقَّة أو اثنتين لك هناك.. الأسعار لا تُصدَّق، الآن في شارع اسكندرون هناك شقة رائعة للبيع.
ابتسم رأفت ولم يردّ, كانا قد وصلا إلى مفرق العزيزية.. قال له رأفت مودِّعاً:
ـ سأمرُّ لزيارتك خلال اليومين القادمين بعد عودتي من دمشق.
ـ وعد؟!..
ـ وعد.
أنهى رأفت عمله في وكالة سنجر واتَّجه نحو شارع بارون.. حجزَ لنفسه مقعداً في سفريات «أرسان» التي كانت تُسيِّر رحلتين إلى دمشق في اليوم, كانت عرباتها أمريكية مريحة, وسائقوها مَهرة , ثمَّ اتَّجه نحو داره بخطا سريعة.
في اليوم التالي, وحوالي الساعة الثانية بعد الظهر, كان رأفت في دمشق, نزل من العربة مرهقاً, فالجلوس لمدَّة خمس ساعات في العربة ساكناً كان يرهقه, كان يعلم أنه لن يستطيع مراجعة أي دائرة حكومية بعد هذه الساعة, ذهبَ مباشرةً إلى ساحة المرجة, ونزل في فندقه المعتاد.. سيتناول الغداء ويأخذ قيلولة , وبعد العصر سيمرُّ إلى دار النشر التي يتعامل معها , ثمَّ يزور بعض الأصدقاء, ومساءً سيذهب إلى السينما.
غادر رأفت فندقه بعد القيلولة بقليل.. وأخذ يسير مُتسكِّعاً في الشوارع المحيطة بساحة المرجة, ثمَّ اتَّجه إلى دار النشر.. تناول القهوة مع المدير, وقدَّمَ طلبيَّته من الكتب, وغادر باتِّجاه سوق الحميدية ليقضي بعض الوقت عند أصدقاء له, تجَّار قماش مثله.. دخل إلى محلّ أبي صياح فقام الأخير من على كرسيه متفاجئاً فرحاً به , واستقبله بالأحضان.. جلسا يتسامران مع فنجاني قهوة إلى أن دخلت امرأتان, أخذ رأفت يراقب مرتشفاً قهوته.. ومتسلياً بمهارة أبي صياح في البيع, ثمَّ دخلت امرأة ثالثة بمفردها تحمل بقجةً كبيرةً وضعتها جانباً بسرعة وكأنَّها كانت منهكة من حملها, لاحظ رأفت قوامها الجميل, وقفت جانباً تنتظر أبا صياح أن ينتهي من الزبونتين, ولكن دفعة جديدة من الزبائن دخلت فامتعضت المرأة وخاطبت أبا صياح باستحياء قائلةً له :
ـ أنت مشغول الآن يا أبو صياح.. سأغيب, وأعود بعد قليل.
نظر إليها أبو صياح ولم يرد, وتابع تعامله مع الزبائن.
عندما عاد أبو صياح إلى كرسيِّه قال فرحاً منتصراً :
ـ حقَّقنا بيعتين من ثلاث.. الأخذ والعطاء مع النساء صعب أليس كذلك؟..
ـ طول عمرك كنت الأمهر يا أبو صياح.. من هي تلك المرأة صاحبة البقجة؟..
ـ من.. ربيعة؟.. إنَّها امرأة مسكينة مطلَّقة.. طلقها زوجها لأنَّها لا تنجب, كانت أحوال زوجها جيدة ولكنه رماها كالكلبة, وهي تعيش الآن عند أخ لها نذل, لا يعرف إلا الله مقدار ما تدفع له مقابل سكنها معه.
ـ وماذا تبيع لك؟!..
ـ أنا لا أشتري منها.. إنها ماهرة في شغل الصوف.. شغل السنارة, تحيك قطعاً من الصوف لا بأس بها, أساعدها بعض المرَّات في تسويق أشغالها , وبعض المرات أشتري منها للبيت والمعارف, ولكن زادتها في المرَّة الأخيرة.
وقبل أن ينهي كلامه دخلت ربيعة, وإذ وجدته جالساً سارعت إلى فكِّ عقدة بقجتها, واتَّجهت نحوه, فبادرها أبو صياح :
ـ يا ربيعة.. الله يسترك لا تعذبيني.. قلت لك آخر مرَّة مصلحتي أنا في القماش وليس في الصوف.. أنا أريد مساعدتك ولكن آخر مرَّة زدتيها.. ثلاثون قطعة دفعة واحدة؟.. أنت لا تعرفين كم تعبت.. خمس قطع هنا وسبع قطع هناك وثماني قطع عند صديق في الصالحية , ثمَّ أنهى كلامه واقفاً :
ـ لا أريد أن أرى شيئاً, لا تفتحي البقجة..
كان قد لمح زبائن جدداً دخلوا لتوِّهم, تنحَّت ربيعة جانباً, ثمَّ استدارت تنظر إلى رفوف القماش.. رفعت غطاء وجهها لترى أفضل, فرأى رأفت وجهها, إنها في الثلاثينيات من العمر, سأل نفسه: هل هي جميلة؟.. يبدو أنها كانت كذلك.. أجاب نفسه وتابع: يا إلهي كم تفعل التعاسة في الوجوه, كانت بشرة وجهها ناصعة البياض، خالية من أية مساحيق تجميل, ولكن العقدة بين حاجبيها , وخطوط رفيعة لاتكاد تُرى على وجهها وعلى جانبي فمها.. كل ذلك كان يعطي وجهها تقاطيع قاسية حزينة لا أثر للجمال فيه.
عاد أبو صياح إلى كرسيه فقالت له ربيعة :