Page 1
سَكْرة الغزل
"في البَدْء كان الكلمة"
وبَعْدُ، كانت المحبَّةُ الَّتي أَوْحَتْ إلى الخالق الإبداعَ، وخَلْقَ الكونِ البَهِيِّ المَهيبِِ، والخليقةِ، أَشكالاً وألواناً...
ومن المحبَّة الشَّاملة تَفَرَّعَ الحُبّ، ومَرَّ الحُبّ على لسان إنسان، فكان الغَزَل. لذا يَصحُّ القولُ، أيضاً، "في البَدْءِ كان الغَزَل".
لكنَّ الغَزَل في الشّعر العربيّ القديم كان موضوعاً ثانويًّا، لا تُقَوَّم بهِ شاعريَّة شاعِر، وكان تقليديًّا لا أثَرَ فيه للإبداع إلَّا لُماماً، وظَلَّ كذلك حتَّى الثُّلُثِ الأوَّل من القرنِ العشرين حين خَصَّ سعيد عقل الغَزَل بديوان هو ديوان "رِنْدَلَى" الَّذي بَلَغ شهرة واسعة، وقَلَبَ المقاييس التقليديَّة السَّائدة، وأَتَى بمعانٍ وصُوَرٍ جديدة غيرِ الصُّور الَّتي كَرَّرتها أَلْسُنُ الشُّعراء واسْتَهْلَكَتْها منذ الجاهلية حتَّى القرن العشرين.
ويَطْلُع علينا، اليومَ، طُلُوعَ القَمَر على صِنَّين، اُبنُ الهرْملَ، وخِرِّيج جامعات روسيا، والأستاذ، حاليًّا، في الجامعة اللُّبنانيَّة، الدكتور نزار دَنْدَش، بديوان غزل، عنوانُه: "وفي البَدْءِ كان الغَزَل"، فأَجْمِلْ به عُنواناً، وديواناً. بِشَغَف قرأتُ هذا الكتاب، وكأنّي أمُرُّ في خميلة مُنَوَّعة الأشجار والأزهار، تُغَرِّد فيها الأطيارُ، وتتخطَّر أصنافُ الحسان، مُدِلاتٍ، غنِجات. مُعْظمُ الدِّيوان غَزَل، وهو يُنِمُّ عن عواطف صادقة ورهافة ذوق، ويُعْلن عن اُبن ثقافة، واُبن طبيعة رائعة هي طبيعة لبنان.
وأغلب الغَزَل في هذا الديوان عفيف رهيف، فالشَّاعر هُنا أَشْبَهُ بِفَراشة تَحُوم على الزَّهر، تَحُطُّ قليلاً، وتَشُمُّ الزَّهر بالعينين، وتلامِسُهُ بالشَّفتين، وتحمل على جَناحَيها بعض العبير، ثُمَّ تطير.
إنَّه الغَزَل المهذَّب الَّذي يحترم المرأة، ولا يَبْتَذلها، ويعظِّم الجمالَ ويُكْرِمُهُ. ولقد اخترت من هذا الديوان ما يقارِبُ المئة بيت من أجمل الشِّعر وأَرَقِّه. ومن هذه المختارات، قصيدة بعُنوان: "عِشْقٌ على الوَرَق"، بها شوق الشَّاعر العُذْري الشَّفَّاف الَّذي تَخالُه مجنون ليلى أو جميل بثينة، فحبيبته الشَّفَّافة طيف سراب، يقول فيها:
لي حُلْوةٌ عَوَّدتْ عَيْني على الأَرَقِ
بِها أَهيمُ، فأَهْواها على الوَرَقِ
أُقَبِّلُ الثَّغرَ مِنْ وَهْمِ السَّرابِ، وبي
شَوْقٌ لِأَجْعلَه غَيْماً على الشَّفَقِ
يُداعِبُ الجيدَ والنَّهدين لي قَلَمٌ
والقلبُ قد ذابَ مِنْ سُهْدٍ ومِنْ أَرَقِ
وَدِدْتُهُ قَلَمي لو ذاب أُغنيةً
تُزِيلُ عن وَجْهها أُكذُوبَة الغَسَقِ
أَسْهُو، فأَغْفُو إذا ما نالَها حُلُمي
حتَّى أُحِسَّ بأنِّي، العُمْرَ، لم أُفِقِ
تلك الشِّفاهُ الَّتي قد خايَلَتْ شَفَتي
إذْ خِلْتُني ذُقْتُها، يوماً، ولم أَذُقِ
وتَطْلُعُ علينا، بَعْدُ، "حُوريَّة"، كأَنَّها عَرُوس البحر، شفَّافة كالنُّور، أَخَّاذة كالسِّحر يَسْكر منها النَّظر، وتؤسَرُ بها الحَواسّ. هي الجَنَّة على الأرض، وهي قَدَر الشَّاعر ومُنْتَهى مُشْتهاه، فيَهْتِف لها لهيفًا:
كأنَّها النُّورُ، مَسْكُوباً على بَشَرِ
ولَمْسَةُ السِّحْرِ في فَتَّانةِ الصُّورِ
حُوريَّةٌ عَبَرَتْ أمْ نجمةٌ سَطَعَتْ
تختالُ في أَدَبٍ بادٍ على خَفَرِ
والوَرْدُ يَرْسُم بالأَلوانِ مَبْسِمَها
أَجْمِلْ بهِ الثَّغر في وهجٍ بهِ نَضِرِ
حُوريَّةٌ بَهَرَتْ، والآهة اُنْهَمَرَتْ
أَبصارُنا سَكِرت، يا رَوْعَةَ النَّظَرِ!
كيف السًّبيلُ لمَفْتُونٍ، وَرِقَّتُها
أَشْهى من الدِّفءِ في أُمْسيَّة المَطَرِ؟
"في البَدْء كان الكلمة"
وبَعْدُ، كانت المحبَّةُ الَّتي أَوْحَتْ إلى الخالق الإبداعَ، وخَلْقَ الكونِ البَهِيِّ المَهيبِِ، والخليقةِ، أَشكالاً وألواناً...
ومن المحبَّة الشَّاملة تَفَرَّعَ الحُبّ، ومَرَّ الحُبّ على لسان إنسان، فكان الغَزَل. لذا يَصحُّ القولُ، أيضاً، "في البَدْءِ كان الغَزَل".
لكنَّ الغَزَل في الشّعر العربيّ القديم كان موضوعاً ثانويًّا، لا تُقَوَّم بهِ شاعريَّة شاعِر، وكان تقليديًّا لا أثَرَ فيه للإبداع إلَّا لُماماً، وظَلَّ كذلك حتَّى الثُّلُثِ الأوَّل من القرنِ العشرين حين خَصَّ سعيد عقل الغَزَل بديوان هو ديوان "رِنْدَلَى" الَّذي بَلَغ شهرة واسعة، وقَلَبَ المقاييس التقليديَّة السَّائدة، وأَتَى بمعانٍ وصُوَرٍ جديدة غيرِ الصُّور الَّتي كَرَّرتها أَلْسُنُ الشُّعراء واسْتَهْلَكَتْها منذ الجاهلية حتَّى القرن العشرين.
ويَطْلُع علينا، اليومَ، طُلُوعَ القَمَر على صِنَّين، اُبنُ الهرْملَ، وخِرِّيج جامعات روسيا، والأستاذ، حاليًّا، في الجامعة اللُّبنانيَّة، الدكتور نزار دَنْدَش، بديوان غزل، عنوانُه: "وفي البَدْءِ كان الغَزَل"، فأَجْمِلْ به عُنواناً، وديواناً. بِشَغَف قرأتُ هذا الكتاب، وكأنّي أمُرُّ في خميلة مُنَوَّعة الأشجار والأزهار، تُغَرِّد فيها الأطيارُ، وتتخطَّر أصنافُ الحسان، مُدِلاتٍ، غنِجات. مُعْظمُ الدِّيوان غَزَل، وهو يُنِمُّ عن عواطف صادقة ورهافة ذوق، ويُعْلن عن اُبن ثقافة، واُبن طبيعة رائعة هي طبيعة لبنان.
وأغلب الغَزَل في هذا الديوان عفيف رهيف، فالشَّاعر هُنا أَشْبَهُ بِفَراشة تَحُوم على الزَّهر، تَحُطُّ قليلاً، وتَشُمُّ الزَّهر بالعينين، وتلامِسُهُ بالشَّفتين، وتحمل على جَناحَيها بعض العبير، ثُمَّ تطير.
إنَّه الغَزَل المهذَّب الَّذي يحترم المرأة، ولا يَبْتَذلها، ويعظِّم الجمالَ ويُكْرِمُهُ. ولقد اخترت من هذا الديوان ما يقارِبُ المئة بيت من أجمل الشِّعر وأَرَقِّه. ومن هذه المختارات، قصيدة بعُنوان: "عِشْقٌ على الوَرَق"، بها شوق الشَّاعر العُذْري الشَّفَّاف الَّذي تَخالُه مجنون ليلى أو جميل بثينة، فحبيبته الشَّفَّافة طيف سراب، يقول فيها:
لي حُلْوةٌ عَوَّدتْ عَيْني على الأَرَقِ
بِها أَهيمُ، فأَهْواها على الوَرَقِ
أُقَبِّلُ الثَّغرَ مِنْ وَهْمِ السَّرابِ، وبي
شَوْقٌ لِأَجْعلَه غَيْماً على الشَّفَقِ
يُداعِبُ الجيدَ والنَّهدين لي قَلَمٌ
والقلبُ قد ذابَ مِنْ سُهْدٍ ومِنْ أَرَقِ
وَدِدْتُهُ قَلَمي لو ذاب أُغنيةً
تُزِيلُ عن وَجْهها أُكذُوبَة الغَسَقِ
أَسْهُو، فأَغْفُو إذا ما نالَها حُلُمي
حتَّى أُحِسَّ بأنِّي، العُمْرَ، لم أُفِقِ
تلك الشِّفاهُ الَّتي قد خايَلَتْ شَفَتي
إذْ خِلْتُني ذُقْتُها، يوماً، ولم أَذُقِ
وتَطْلُعُ علينا، بَعْدُ، "حُوريَّة"، كأَنَّها عَرُوس البحر، شفَّافة كالنُّور، أَخَّاذة كالسِّحر يَسْكر منها النَّظر، وتؤسَرُ بها الحَواسّ. هي الجَنَّة على الأرض، وهي قَدَر الشَّاعر ومُنْتَهى مُشْتهاه، فيَهْتِف لها لهيفًا:
كأنَّها النُّورُ، مَسْكُوباً على بَشَرِ
ولَمْسَةُ السِّحْرِ في فَتَّانةِ الصُّورِ
حُوريَّةٌ عَبَرَتْ أمْ نجمةٌ سَطَعَتْ
تختالُ في أَدَبٍ بادٍ على خَفَرِ
والوَرْدُ يَرْسُم بالأَلوانِ مَبْسِمَها
أَجْمِلْ بهِ الثَّغر في وهجٍ بهِ نَضِرِ
حُوريَّةٌ بَهَرَتْ، والآهة اُنْهَمَرَتْ
أَبصارُنا سَكِرت، يا رَوْعَةَ النَّظَرِ!
كيف السًّبيلُ لمَفْتُونٍ، وَرِقَّتُها
أَشْهى من الدِّفءِ في أُمْسيَّة المَطَرِ؟
Page 2
كيف الوُصولُ إلى نَعْماءِ جَنَّتها؟
ونَكْهةُ العِشْقِ تَرْقَى نَكْهة السَّكَرِ
هذا الشَّاعر مَفْتُون بالجَمال، مُنْذَهِلٌ به، يَعْبُدُه، ويَسْكَرُ به، ولو لم يَكُن له حَظٌّ منه سوى لذَّةِ النَّظر، فيقول في قصيدة بعُنوان: "بكِ الزَّهْر يُخْتَصَرُ":
بِكِ اختصرتُ حِسانَ الكَوْنِ واحدةً
أَليسَ بالعِطْرِ، كُلُّ الزَّهْرِ يُخْتَصَرُ؟
وتَراهُ يَتْبع هذا الجمال، يلاحِقُه، ويَرْعاهُ حتَّى إذا جافاه، لا يرجو لشعره ملهمة أخرى إلَّا، أحياناً، ويقول:
قد عافَني الشِّعر مُذْ جافَتْهُ عَيْناكِ
ما شئت مُلْهِمةً في الشِّعرِ إلاِّكِ
عيناكِ ساحِرتَا قلبي، وآسِرتا
رُوحي، وسُكْرُ السُّكْرِ ذِكْراكِ
وأكثر ما تَحْلُو له النَّجمات الإعلاميَّة، فيؤخذ بجمالهنَّ وسِحْرِ أَعْيُنهنَّ، فَيَبُوح:
كمْ جادَ رَبِّي لَها، بالسِّحْرِ جَمَّلَها
عيناكِ أَفْديهِما، ما رَوْعةُ القَدَرِ؟!
وهو، أَبداً، شاعر الشَّوق والتَّوق، المُفْتَتَنُ بِكُّلِّ وَجْهٍ جميل وروح سامية، لكنَّ الأَجملَ لديه، وَجْهُ زوجته الأميرة مَها، الَّتي تفهم سِرَّه، وتُطلق جَناحيهِ، ولا تُقيِّدُه بقُيُودِ الغَيرة، ليُحَلِّقَ في سماء الشِّعر، يتغزَّل بالجمال، سواءٌ لديهِ جمال الطَّبيعة وجمالُ المرأة، الجمال الحِسِّيّ، والجمال المطلق، ولكن زوجته هي السَّامية لدْيه بامتياز، فيقول فيها:
أَيُّ العَجائب وَجْهَ الحُبِّ قد رَسَمَتْ
في مَسْرَحِ الكَونِ نِيراناً على عَلَمِ؟!
ويؤكّد حُسْنَها في قصيدة بعنوان: "تألَّق الصُّبح" حين يقول:
ما إن تماهَت مع الأحلامِ عَيْنُ مَها
حَتَّى تألَّقَ في عَتْمِ الدُّجَى صُبْحُ
السِّحْرُ أَغْوَى فأَغْراني، فَتيَّمني
أَحْسَسْتُ جِسمِيَ أَشواقاً لها جِنحُ
ما لي لِأمْسِكَ قَلْباً عن مَحَبَّتِها
تلك الَّتي أَشرَقت يَحْلُو لها المَنْحُ
ونَكْهةُ العِشْقِ تَرْقَى نَكْهة السَّكَرِ
هذا الشَّاعر مَفْتُون بالجَمال، مُنْذَهِلٌ به، يَعْبُدُه، ويَسْكَرُ به، ولو لم يَكُن له حَظٌّ منه سوى لذَّةِ النَّظر، فيقول في قصيدة بعُنوان: "بكِ الزَّهْر يُخْتَصَرُ":
بِكِ اختصرتُ حِسانَ الكَوْنِ واحدةً
أَليسَ بالعِطْرِ، كُلُّ الزَّهْرِ يُخْتَصَرُ؟
وتَراهُ يَتْبع هذا الجمال، يلاحِقُه، ويَرْعاهُ حتَّى إذا جافاه، لا يرجو لشعره ملهمة أخرى إلَّا، أحياناً، ويقول:
قد عافَني الشِّعر مُذْ جافَتْهُ عَيْناكِ
ما شئت مُلْهِمةً في الشِّعرِ إلاِّكِ
عيناكِ ساحِرتَا قلبي، وآسِرتا
رُوحي، وسُكْرُ السُّكْرِ ذِكْراكِ
وأكثر ما تَحْلُو له النَّجمات الإعلاميَّة، فيؤخذ بجمالهنَّ وسِحْرِ أَعْيُنهنَّ، فَيَبُوح:
كمْ جادَ رَبِّي لَها، بالسِّحْرِ جَمَّلَها
عيناكِ أَفْديهِما، ما رَوْعةُ القَدَرِ؟!
وهو، أَبداً، شاعر الشَّوق والتَّوق، المُفْتَتَنُ بِكُّلِّ وَجْهٍ جميل وروح سامية، لكنَّ الأَجملَ لديه، وَجْهُ زوجته الأميرة مَها، الَّتي تفهم سِرَّه، وتُطلق جَناحيهِ، ولا تُقيِّدُه بقُيُودِ الغَيرة، ليُحَلِّقَ في سماء الشِّعر، يتغزَّل بالجمال، سواءٌ لديهِ جمال الطَّبيعة وجمالُ المرأة، الجمال الحِسِّيّ، والجمال المطلق، ولكن زوجته هي السَّامية لدْيه بامتياز، فيقول فيها:
أَيُّ العَجائب وَجْهَ الحُبِّ قد رَسَمَتْ
في مَسْرَحِ الكَونِ نِيراناً على عَلَمِ؟!
ويؤكّد حُسْنَها في قصيدة بعنوان: "تألَّق الصُّبح" حين يقول:
ما إن تماهَت مع الأحلامِ عَيْنُ مَها
حَتَّى تألَّقَ في عَتْمِ الدُّجَى صُبْحُ
السِّحْرُ أَغْوَى فأَغْراني، فَتيَّمني
أَحْسَسْتُ جِسمِيَ أَشواقاً لها جِنحُ
ما لي لِأمْسِكَ قَلْباً عن مَحَبَّتِها
تلك الَّتي أَشرَقت يَحْلُو لها المَنْحُ
Page 3
ويتغنَّى بعيد إحدى المُلهمات، فَعيدُها ميلاد الخير، وفَجْرُ الحُبّ والغَزَل، ويعتبرُها مُعْجِزَةً من مُعْجزاتِ اللَّه، يتوق إليها المعجَبُون، وتَصْبُو إليها العُيُون، فيُناجيها، مُبْتَهِلاً لها:
فَدَيْتُ عِيدَكِ، يا شِعْراً سَكِرْتُ به
مَذاقُهُ طَيِّبٌ يَسْتَذْكِرُ القُبَلا
وتكبرينَ، فلا عُمْرٌ، ولا زَمَنٌ
اللَّهُ صاغَكِ كالفِرْدَوْس، مُكْتَملا
وتَشُوقه "ياسمِين" ورفيفُ شعرها، ونَفْحُ عِطْرها، ولا يَقْوَى على الصَّبْرِ مَدَى الحياة، فَلِقاؤها بعيدُ الأَمَد، وطالما طالَ انتظاره، فيَصْدُقُها القول، بحُرقة:
بي منكِ، "يسمين"، شَوْقٌ دُونَه الصَّبْرُ
يَخْشى انتظاري مَدَى ما دُونَه القَبْرُ
هل من فؤادٍ يَظَلُّ، العُمْرَ، مُنْتظِراً
يَسْتَقْطِرُ الحُلْوَ ممَّا طَعْمُهُ مُرُّ؟!
أمِنْ شفاهِكِ يَجْني النَّحْلُ غَلَّتَهُ
ومن رُضابكِ، شَرْعاً حُلِّلَ الخَمْرُ؟
وتغزو الحِكْمةُ غَزَلَه، فَيَغْرَقُ في التَّأمُّل، وتأتيه خواطِرُ هي مزيج من لَطائفِ الفِكْر وَرِقَّةِ المشاعر، فيقول مُتَعَبِّداً للحُسْن:
عُدْتُ الأسيرَ، وبَعْدَ اللَّهِ أَعْبُدُها
بِلَهْفَةٍ، لا كما النُّسَّاكُ قد عَبَدوا
ما أَجْمَلَ الحُبَّ لولا أَنَّه تَعَبٌ
ما أطيبَ العِشْقَ لولا أَنَّه السَّهَدُ!
ما أَضْيَقَ العيشَ لولا أَنَّه أَمَلٌ
ما أسْعَد القومَ، إنْ في عَيْشِهم رَغِدوا
ما أَدْنَسَ الجِسْمَ لولا أَنَّه نَسَمٌ
ما أَشْرَفَ الطُّهْرَ لولا أَنَّنا جَسَد
وتتلاحقُ الخواطِرُ الحكميَّة لديهِ، وهي نتيجة التأمُّل العميق في هُنيهات الوَجْدِ الحالمة، فيقول في قصيدة بعنوان: "فَلَنْتَين":
يا كُلَّ حُبِّي، وأنتِ الحُبُّ مُشْتَعِلاً
يا كُلَّ عِيدٍ، وأَنْتِ العِيدُ، يا نِينا
ويُتابع التَّأمُل في قصيدة بعنوان "قلوبُنا البَحْر":
نَتُوقُ لِلْعِشْقِ مَعْ مَنْ ليس يَعْشَقُنا
نَحِيدُ عن دَرْبِ مَنْ في الأَصْلِ يَهْوانا
لا تُكْرِهي النَّفْسَ ليس الحُبُّ مَكْرُمةً
ولَسْتُ نَذْلاً لِأَرْضَى الحُبَّ إحسانا
إلَّا بقلبينِ، لا حُبٌّ، ولا أَمَلٌ
ما اُزْهَوْهَرَ الحُبُّ، إن جافاهُ قلبانا
فَدَيْتُ عِيدَكِ، يا شِعْراً سَكِرْتُ به
مَذاقُهُ طَيِّبٌ يَسْتَذْكِرُ القُبَلا
وتكبرينَ، فلا عُمْرٌ، ولا زَمَنٌ
اللَّهُ صاغَكِ كالفِرْدَوْس، مُكْتَملا
وتَشُوقه "ياسمِين" ورفيفُ شعرها، ونَفْحُ عِطْرها، ولا يَقْوَى على الصَّبْرِ مَدَى الحياة، فَلِقاؤها بعيدُ الأَمَد، وطالما طالَ انتظاره، فيَصْدُقُها القول، بحُرقة:
بي منكِ، "يسمين"، شَوْقٌ دُونَه الصَّبْرُ
يَخْشى انتظاري مَدَى ما دُونَه القَبْرُ
هل من فؤادٍ يَظَلُّ، العُمْرَ، مُنْتظِراً
يَسْتَقْطِرُ الحُلْوَ ممَّا طَعْمُهُ مُرُّ؟!
أمِنْ شفاهِكِ يَجْني النَّحْلُ غَلَّتَهُ
ومن رُضابكِ، شَرْعاً حُلِّلَ الخَمْرُ؟
وتغزو الحِكْمةُ غَزَلَه، فَيَغْرَقُ في التَّأمُّل، وتأتيه خواطِرُ هي مزيج من لَطائفِ الفِكْر وَرِقَّةِ المشاعر، فيقول مُتَعَبِّداً للحُسْن:
عُدْتُ الأسيرَ، وبَعْدَ اللَّهِ أَعْبُدُها
بِلَهْفَةٍ، لا كما النُّسَّاكُ قد عَبَدوا
ما أَجْمَلَ الحُبَّ لولا أَنَّه تَعَبٌ
ما أطيبَ العِشْقَ لولا أَنَّه السَّهَدُ!
ما أَضْيَقَ العيشَ لولا أَنَّه أَمَلٌ
ما أسْعَد القومَ، إنْ في عَيْشِهم رَغِدوا
ما أَدْنَسَ الجِسْمَ لولا أَنَّه نَسَمٌ
ما أَشْرَفَ الطُّهْرَ لولا أَنَّنا جَسَد
وتتلاحقُ الخواطِرُ الحكميَّة لديهِ، وهي نتيجة التأمُّل العميق في هُنيهات الوَجْدِ الحالمة، فيقول في قصيدة بعنوان: "فَلَنْتَين":
يا كُلَّ حُبِّي، وأنتِ الحُبُّ مُشْتَعِلاً
يا كُلَّ عِيدٍ، وأَنْتِ العِيدُ، يا نِينا
ويُتابع التَّأمُل في قصيدة بعنوان "قلوبُنا البَحْر":
نَتُوقُ لِلْعِشْقِ مَعْ مَنْ ليس يَعْشَقُنا
نَحِيدُ عن دَرْبِ مَنْ في الأَصْلِ يَهْوانا
لا تُكْرِهي النَّفْسَ ليس الحُبُّ مَكْرُمةً
ولَسْتُ نَذْلاً لِأَرْضَى الحُبَّ إحسانا
إلَّا بقلبينِ، لا حُبٌّ، ولا أَمَلٌ
ما اُزْهَوْهَرَ الحُبُّ، إن جافاهُ قلبانا
Page 4
والدكتور نزار، وإن تألَّمَ، وجافَتْه الحبيبة، لا يَبْكي ولا يَسْتَعْطي بل يؤثرُ الصَّمْتَ على الثَّرثرة، ويَصْبِرُ على الجُرْح، لكنَّه يَرْدعُ قلبَه عن التَّمادي في حُبِّ من صَدَّته، أو هجرتْه، ويخاطب نفسه بصيغة المخاطب مُطْلِقاً بعض الحِكَم:
لا تَبْكِ حُبًّا، ولا تَسْتَجْدِ حَوَّاءا
كم ذَلَّلَ الحُبُّ في الأَزْمانِ بَكَّاءا
لا تَمْنَحِ القلبَ مَنْ ضَنَّتْ مَوَدَّته
واتْرُكْ لِقَلبِكَ أن يختارَ من شاءا
لا تَذْرِفِ الدَّمْعَ، لا تَنْدَمْ لفُرْقَتِها
لا تَطْلُبِ البُرْءَ مِمَّنْ كانتِ الدَّاءا
إنْسَ الوِصالَ متى صَدَّتْك أَو هَجَرَتْ
أَشِحْ، إذا ذَرَفَتْ من عَيْنِها الماءا
باعِدْ بفِكركَ عن حِقْدٍ وثَرْثَرَةٍ
فالصَّمْتُ أَبْلَغُ، ليس الصَّمْتُ إعياءا
وتبدو حكمته الخالدة في المحبَّة والكِبَر، والبُعْدِ عن الجَدَل العَقيم، فيقول في قصيدة بعنوان: "لا تَبْكِ جُرْحَك":
صَفِّ الفؤادَ، أَحِبَّ النَّاسَ كُلَّهُمُ
فَفِي المحبَّة تَبْدو شِيمةُ الكِبَرِ
إنَّ الجِدالَ إذا لم يأتِ مَنْفعةً
يَبْدو عَقيمًا كما التَّرتيلُ في سَكَرِ
أمَّا في قصيدته عن "البوتوكس" فتبدو رُوحُه المرِحة، وِحسُّهُ النَّقْديّ، وثورته على كُلِّ ما هو غيرُ طبيعيّ، فيقول:
أينَ الأُصُولُ الًّتي ما زِلْتُ أَذْكُرُها
أَيْنَ الجمالُ الَّذي كُنَّا نُغَنِّيهِ؟
ويلتقي هنا مع المتنبِّي المُؤْثِرُ طَبيعيَّةَ البَدَويَّات على تَصَنُّع الحَضَريات، فيقول:
حُسْنُ الحضارة مَجْلوبٌ بِتَطْرِيةٍ
وفي البَداوةِ حُسْنٌ غيرُ مَجْلُوبِ
أَفْدِي ظباءَ فَلاةٍ ما عَرَفْنَ بها
مَضْغَ الكلامِ ولا صَبْغَ الحَواجيبِ
ولا يقتصر غزل نزار على المرأة وحَسْبُ، وإنَّما يتغزَّل ببلدته الهِرْمل مسقط رأسه وملعب طفولته، ومَسْرَح أحلامه وآماله؛ فالهِرْمِل بلدة مبارَكة لديه، مُحَبَّبة إلى قلبه، أصيلة بتقاليدها، وقِيَمها وعنفوانها، وحُبِّ أبنائها لوطنهم حتَّى الشَّهادة، فيقول:
لا تَبْكِ حُبًّا، ولا تَسْتَجْدِ حَوَّاءا
كم ذَلَّلَ الحُبُّ في الأَزْمانِ بَكَّاءا
لا تَمْنَحِ القلبَ مَنْ ضَنَّتْ مَوَدَّته
واتْرُكْ لِقَلبِكَ أن يختارَ من شاءا
لا تَذْرِفِ الدَّمْعَ، لا تَنْدَمْ لفُرْقَتِها
لا تَطْلُبِ البُرْءَ مِمَّنْ كانتِ الدَّاءا
إنْسَ الوِصالَ متى صَدَّتْك أَو هَجَرَتْ
أَشِحْ، إذا ذَرَفَتْ من عَيْنِها الماءا
باعِدْ بفِكركَ عن حِقْدٍ وثَرْثَرَةٍ
فالصَّمْتُ أَبْلَغُ، ليس الصَّمْتُ إعياءا
وتبدو حكمته الخالدة في المحبَّة والكِبَر، والبُعْدِ عن الجَدَل العَقيم، فيقول في قصيدة بعنوان: "لا تَبْكِ جُرْحَك":
صَفِّ الفؤادَ، أَحِبَّ النَّاسَ كُلَّهُمُ
فَفِي المحبَّة تَبْدو شِيمةُ الكِبَرِ
إنَّ الجِدالَ إذا لم يأتِ مَنْفعةً
يَبْدو عَقيمًا كما التَّرتيلُ في سَكَرِ
أمَّا في قصيدته عن "البوتوكس" فتبدو رُوحُه المرِحة، وِحسُّهُ النَّقْديّ، وثورته على كُلِّ ما هو غيرُ طبيعيّ، فيقول:
أينَ الأُصُولُ الًّتي ما زِلْتُ أَذْكُرُها
أَيْنَ الجمالُ الَّذي كُنَّا نُغَنِّيهِ؟
ويلتقي هنا مع المتنبِّي المُؤْثِرُ طَبيعيَّةَ البَدَويَّات على تَصَنُّع الحَضَريات، فيقول:
حُسْنُ الحضارة مَجْلوبٌ بِتَطْرِيةٍ
وفي البَداوةِ حُسْنٌ غيرُ مَجْلُوبِ
أَفْدِي ظباءَ فَلاةٍ ما عَرَفْنَ بها
مَضْغَ الكلامِ ولا صَبْغَ الحَواجيبِ
ولا يقتصر غزل نزار على المرأة وحَسْبُ، وإنَّما يتغزَّل ببلدته الهِرْمل مسقط رأسه وملعب طفولته، ومَسْرَح أحلامه وآماله؛ فالهِرْمِل بلدة مبارَكة لديه، مُحَبَّبة إلى قلبه، أصيلة بتقاليدها، وقِيَمها وعنفوانها، وحُبِّ أبنائها لوطنهم حتَّى الشَّهادة، فيقول:
Page 5
بُوركتِ هِرْمِلَ نَهْرٍ قد عَصَى القَدَرا
غَنَّيتُكِ العِزَّ والتَّاريخَ والكِبَرا
يا لَمْسةَ السِّحْرِ، والإبداعُ مُكْتَمِلٌ
بِحُسْنِكِ الحُسْنُ مِنْ رَوْعٍ قدِ اُنْبَهَرا
غنَّيتُك الخُضْرَةَ، الجَنَّاتِ، ساقِيةً
من "رأس مانِكِ" خَيْراً عَمَّ، وانتَشرا
سماؤُكِ الغَيْمُ، أثوابٌ مُزَرْكَشةٌ
وسَهْلُكِ الرِّيحُ عُودٌ دلَّلَ الوَتَرا
يا حُرْمةَ الضَّيْفِ، والمُحْتاجُ تحضُنُهُ
رِعايةٌ منكِ تَمْحُو الخَوْفَ والكَدَرا
فعُنْفُوانُك رَمْزٌ حاضِرٌ، أَبَداً
وَكُلُّ غازٍ على أَبْوابكِ انتحرا
وكمْ شهيدٍ، سبيل الحَقِّ يَطْلُبُهُ
جَنُوبُهُ، أبداً، في قلبهِ خَطَرا
لِهِرمِلَ الحُبُّ في الأعماقِ قد حُفِرا
وصَرْخةٌ لَبِها المَرِّيخُ قد شَعَرا
وكما تَغَزَّلَ بالهِرْمِلِ تَغَزَّلَ ببيروت دُرَّة الشَّرْق، وأُمِّ الشَّرائع، والمركز الأساس الَّذي يَسْتَقْطِب أبناء لبنان كما يستقطبُ العالم. وتَغَنَّى ببيروت الَّتي دَمَّرتها الزَّلازل لكنَّها ظَلَّت تَنْتَفِض، خارجةً من الموت كما طائر الفينيق، وتنهض من دمارٍ ورماد. فلا عَجَبَ، بَعْدُ، إن ناجاها نزار، معجباً بها، ومُبْتهلاً لها:
بيروتُ، يا دُرَّةً في الشَّرْقِ نابِضَةً
للْكَونِ من وَهْجِها كم صَدَّرتْ قِيَما!
مَنارةُ البحر بالأَنْواء هازئةٌ
اللَّهُ مَجَّدَها، كم زادَها عِظَما
شُطآنُها لُؤْلؤٌ، غَيماتُها مَطَرٌ
بيروتُ بَحْرٌ وسَهْل جاوَرا القِمَما
بيروتُ، يا جَرَسًا ناجَتْهُ مِئْذنةٌ
نموذجًا خالدًا مهما اشتروا ذِمَما
كأنَّما طائرُ الفِينيقِ عَلَّمَها
أَنْ تَهْزِمَ الرِّيحَ والأنْواءَ والظُّلَما
"وفي البَدْءِ كان الغَزَل" إنَّه الكتاب الأربعون في سلسلة كتب الدكتور نزار، وهو كتاب جميل يُحَبُّ ويُقْرأُ ويُقْتَنى، ويمتاز فيه الحُبّ بنُبْلِهِ كما يمتاز بأسلوبه السَّلسال، وصِحَّة لغته وأوزانه، وجمال بَيانه، وعذوبة موسيقاه ودِقَّة صُوَره. وبَعْدُ، إلى دَواوين أخرى، يا نزار، وسَلِمت يداك.
جورج شكُّور
غَنَّيتُكِ العِزَّ والتَّاريخَ والكِبَرا
يا لَمْسةَ السِّحْرِ، والإبداعُ مُكْتَمِلٌ
بِحُسْنِكِ الحُسْنُ مِنْ رَوْعٍ قدِ اُنْبَهَرا
غنَّيتُك الخُضْرَةَ، الجَنَّاتِ، ساقِيةً
من "رأس مانِكِ" خَيْراً عَمَّ، وانتَشرا
سماؤُكِ الغَيْمُ، أثوابٌ مُزَرْكَشةٌ
وسَهْلُكِ الرِّيحُ عُودٌ دلَّلَ الوَتَرا
يا حُرْمةَ الضَّيْفِ، والمُحْتاجُ تحضُنُهُ
رِعايةٌ منكِ تَمْحُو الخَوْفَ والكَدَرا
فعُنْفُوانُك رَمْزٌ حاضِرٌ، أَبَداً
وَكُلُّ غازٍ على أَبْوابكِ انتحرا
وكمْ شهيدٍ، سبيل الحَقِّ يَطْلُبُهُ
جَنُوبُهُ، أبداً، في قلبهِ خَطَرا
لِهِرمِلَ الحُبُّ في الأعماقِ قد حُفِرا
وصَرْخةٌ لَبِها المَرِّيخُ قد شَعَرا
وكما تَغَزَّلَ بالهِرْمِلِ تَغَزَّلَ ببيروت دُرَّة الشَّرْق، وأُمِّ الشَّرائع، والمركز الأساس الَّذي يَسْتَقْطِب أبناء لبنان كما يستقطبُ العالم. وتَغَنَّى ببيروت الَّتي دَمَّرتها الزَّلازل لكنَّها ظَلَّت تَنْتَفِض، خارجةً من الموت كما طائر الفينيق، وتنهض من دمارٍ ورماد. فلا عَجَبَ، بَعْدُ، إن ناجاها نزار، معجباً بها، ومُبْتهلاً لها:
بيروتُ، يا دُرَّةً في الشَّرْقِ نابِضَةً
للْكَونِ من وَهْجِها كم صَدَّرتْ قِيَما!
مَنارةُ البحر بالأَنْواء هازئةٌ
اللَّهُ مَجَّدَها، كم زادَها عِظَما
شُطآنُها لُؤْلؤٌ، غَيماتُها مَطَرٌ
بيروتُ بَحْرٌ وسَهْل جاوَرا القِمَما
بيروتُ، يا جَرَسًا ناجَتْهُ مِئْذنةٌ
نموذجًا خالدًا مهما اشتروا ذِمَما
كأنَّما طائرُ الفِينيقِ عَلَّمَها
أَنْ تَهْزِمَ الرِّيحَ والأنْواءَ والظُّلَما
"وفي البَدْءِ كان الغَزَل" إنَّه الكتاب الأربعون في سلسلة كتب الدكتور نزار، وهو كتاب جميل يُحَبُّ ويُقْرأُ ويُقْتَنى، ويمتاز فيه الحُبّ بنُبْلِهِ كما يمتاز بأسلوبه السَّلسال، وصِحَّة لغته وأوزانه، وجمال بَيانه، وعذوبة موسيقاه ودِقَّة صُوَره. وبَعْدُ، إلى دَواوين أخرى، يا نزار، وسَلِمت يداك.
جورج شكُّور
Page 6
هامَ الجمالُ
مَا أَعْجَزَ الضَّادَ إن جَاءَتْ لتُنْصِفَها
هامَ الجمالُ بها، إِن أَشْرَقَتْ، جَمُلاَ
تِلك الَّتي عَصَفَتْ بِالقلبِ، ذَابَ جَوًى
سَالَ الخيالُ على أَنْغَامِها قُبَلاَ
لَيْتَ الإلهَ لَيُفْضي رِيْقَهَا مطرًا
يَهْمِي يُبَرِّدُ مَا أَبْكَى الهوى مُقَلا
"الياسَمِينُ" الَّتي في قَدِّها شَمَمٌ
أَرْدَتْ فؤادًا هَيُومًا، قَطَّعَتْ سُبُلا
عِشْقٌ على الوَرَق
لي حُلوةٌ عَوَّدَتْ عيني عَلَى الأَرَقِ
بِها أَهِيمُ، فَأَهْوَاهَا عَلَى الوَرَقِ
يُداعِبُ الخدَّ حِبْرِي إذْ أُدلّلُها
أَخُطُّها كَلِماتٍ رَصَّعَتْ أُفُقي
أُقَبِّل الثَّغْرَ مِن وَهْمِ السَّرابِ، وبي
شَوْقٌ لِأَجْعَلَهُ غَيْمًا على الشَّفَقِ
أُساهِر اللَّيلَ ساعاتٍ وأَنْجُمَهُ
إلا الرَّجاءُ لهذا القلب لم يَرُقِ
يُداعِبُ الجِيدَ والنَّهدينِ لي قَلَمٌ
والقلبُ قد ذَابَ من سُهْدٍ ومن أَرَقِ
وَدِدْتُهُ قَلَمِي لَوْ سَالَ أُغْنِيةً
تُزيلُ عن وَجْهها أُكذوبَةَ الغَسَقِ
وَدِدْتُها تَمْنَعُ التَّرْهِيْبَ عن قَلَمي
لو جاءَ يكتُبُ وَصْفَ الصَّدْرِ والعُنُقِ
أَسْهُو، فَأَغْفَو إذا ما نَالَها حُلُمي
حتَّى أُحِسَّ بأَنّي، العُمْرَ، لَم أُفِقِ
تلك الشِّفاهُ الَّتي قد خَايَلَتْ شَفَتي
إِذْ خِلْتُني ذُقْتُها، يومًا، ولم أَذُقِ
مَا أَعْجَزَ الضَّادَ إن جَاءَتْ لتُنْصِفَها
هامَ الجمالُ بها، إِن أَشْرَقَتْ، جَمُلاَ
تِلك الَّتي عَصَفَتْ بِالقلبِ، ذَابَ جَوًى
سَالَ الخيالُ على أَنْغَامِها قُبَلاَ
لَيْتَ الإلهَ لَيُفْضي رِيْقَهَا مطرًا
يَهْمِي يُبَرِّدُ مَا أَبْكَى الهوى مُقَلا
"الياسَمِينُ" الَّتي في قَدِّها شَمَمٌ
أَرْدَتْ فؤادًا هَيُومًا، قَطَّعَتْ سُبُلا
عِشْقٌ على الوَرَق
لي حُلوةٌ عَوَّدَتْ عيني عَلَى الأَرَقِ
بِها أَهِيمُ، فَأَهْوَاهَا عَلَى الوَرَقِ
يُداعِبُ الخدَّ حِبْرِي إذْ أُدلّلُها
أَخُطُّها كَلِماتٍ رَصَّعَتْ أُفُقي
أُقَبِّل الثَّغْرَ مِن وَهْمِ السَّرابِ، وبي
شَوْقٌ لِأَجْعَلَهُ غَيْمًا على الشَّفَقِ
أُساهِر اللَّيلَ ساعاتٍ وأَنْجُمَهُ
إلا الرَّجاءُ لهذا القلب لم يَرُقِ
يُداعِبُ الجِيدَ والنَّهدينِ لي قَلَمٌ
والقلبُ قد ذَابَ من سُهْدٍ ومن أَرَقِ
وَدِدْتُهُ قَلَمِي لَوْ سَالَ أُغْنِيةً
تُزيلُ عن وَجْهها أُكذوبَةَ الغَسَقِ
وَدِدْتُها تَمْنَعُ التَّرْهِيْبَ عن قَلَمي
لو جاءَ يكتُبُ وَصْفَ الصَّدْرِ والعُنُقِ
أَسْهُو، فَأَغْفَو إذا ما نَالَها حُلُمي
حتَّى أُحِسَّ بأَنّي، العُمْرَ، لَم أُفِقِ
تلك الشِّفاهُ الَّتي قد خَايَلَتْ شَفَتي
إِذْ خِلْتُني ذُقْتُها، يومًا، ولم أَذُقِ
Page 7
حُوريَّةٌ
كَأَنَّها النُّورُ، مَسْكُوبًا على بَشَرِ
وَلَمْسَةُ السِّحْرِ فِي فَتَّانةِ الصُّوَرِ
حُوريَّةٌ عَبَرتْ أَمْ نَجْمةٌ سَطَعَتْ
تَخْتالُ في أَدَبٍ بادٍ عَلَى خَفَرِ
والوَرْدُ يَرْسُمُ بالأَلْوانِ مَبْسِمَها
أَجْمِلْ بهِ الثَّغْرَ في وَهْجٍ بهِ نَضِرِ
حُوْرِيَّةٌ بَهَرَتْ، والآهَةُ اُنْهَمَرَتْ
أَبْصَارُنا سَكِرَتْ، يا رَوْعَةَ النَّظَرِ!
كَيْفَ السَّبيْلُ لِمَفْتُونٍ، وَرِقَّتُها
أَشْهَى مِنَ الدِّفْء في أُمْسِيَّةِ المطَرِ
كَيْفَ الوُصولُ إلى نَعْماءِ جَنَّتِها
وَنَكْهةُ العِشْقِ تَرْقَى نَكْهَةَ السَّكَرِ
صَدْري وِسَادٌ، وَخَمْري الشِّعْرُ، فاُلْتَمِسي
عَلَّ الوصالَ، غَدًا، يا قِبْلَةَ البَصَرِ
غدًا نَحُجُّ إلى قُدْسِ الغَرام، فَما
أَحْلَى الهِيامَ، ومَا أَحلاكِ، يا عُمُري!
إِنّي لَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّه جَمَّلَها،
عينانِ لي قَدَرٌ، يَخْتَارُهُ قَدَرِي...
كَأَنَّها النُّورُ، مَسْكُوبًا على بَشَرِ
وَلَمْسَةُ السِّحْرِ فِي فَتَّانةِ الصُّوَرِ
حُوريَّةٌ عَبَرتْ أَمْ نَجْمةٌ سَطَعَتْ
تَخْتالُ في أَدَبٍ بادٍ عَلَى خَفَرِ
والوَرْدُ يَرْسُمُ بالأَلْوانِ مَبْسِمَها
أَجْمِلْ بهِ الثَّغْرَ في وَهْجٍ بهِ نَضِرِ
حُوْرِيَّةٌ بَهَرَتْ، والآهَةُ اُنْهَمَرَتْ
أَبْصَارُنا سَكِرَتْ، يا رَوْعَةَ النَّظَرِ!
كَيْفَ السَّبيْلُ لِمَفْتُونٍ، وَرِقَّتُها
أَشْهَى مِنَ الدِّفْء في أُمْسِيَّةِ المطَرِ
كَيْفَ الوُصولُ إلى نَعْماءِ جَنَّتِها
وَنَكْهةُ العِشْقِ تَرْقَى نَكْهَةَ السَّكَرِ
صَدْري وِسَادٌ، وَخَمْري الشِّعْرُ، فاُلْتَمِسي
عَلَّ الوصالَ، غَدًا، يا قِبْلَةَ البَصَرِ
غدًا نَحُجُّ إلى قُدْسِ الغَرام، فَما
أَحْلَى الهِيامَ، ومَا أَحلاكِ، يا عُمُري!
إِنّي لَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّه جَمَّلَها،
عينانِ لي قَدَرٌ، يَخْتَارُهُ قَدَرِي...
Page 8
للحُسْنِ أَبْتسِمُ
للسِّحْرِ أَخْشَعُ أَمْ للحُسنِ أَبْتَسِمُ
وَوَجْهُ "يَسْمِينَ" في العَلْياءِ يَرْتَسِمُ
أَأُمسِكُ القَلْبَ أَمْ أَصْبُو لِصَبْوَتِهِ
أَخَافُ حُبًّا يُصِيبُ القلبَ، يَنْقَسِمُ
كلُّ الوُجُوهِ الَّتِي رافَقْتُها عُمُرًا
صَارَتْ خَواءًُ ويبقَى وَجْهُكِ الحَكَمُ
كلُّ الشِّفاهِ الَّتِي بادلتُها قُبَلًا
جَفَّتْ رُضابًا. لِفِيْكِ النَّحلُ يَقْتَحمُ
كلُّ العيونِ الَّتي ناغَيتُها غزلًا
طلَّقْتُها، كُلُّ عينٍ، بَعْدَكِ، العَدَمُ
والثَّلجُ قد غَارَ من نَهْدٍ بِهِ اكتَمَلَتْ،
سحرًا، مَواهِبُ من خَطُّوا، ومنَ رَسَمُوا
وكلُّ يومٍ بهِ غابت مَحاسِنُها
أوِ اُنْثَنَتْ، كانَ يَوْمًا، مِلْؤُهُ النَّدَمُ
للسِّحْرِ أَخْشَعُ أَمْ للحُسنِ أَبْتَسِمُ
وَوَجْهُ "يَسْمِينَ" في العَلْياءِ يَرْتَسِمُ
أَأُمسِكُ القَلْبَ أَمْ أَصْبُو لِصَبْوَتِهِ
أَخَافُ حُبًّا يُصِيبُ القلبَ، يَنْقَسِمُ
كلُّ الوُجُوهِ الَّتِي رافَقْتُها عُمُرًا
صَارَتْ خَواءًُ ويبقَى وَجْهُكِ الحَكَمُ
كلُّ الشِّفاهِ الَّتِي بادلتُها قُبَلًا
جَفَّتْ رُضابًا. لِفِيْكِ النَّحلُ يَقْتَحمُ
كلُّ العيونِ الَّتي ناغَيتُها غزلًا
طلَّقْتُها، كُلُّ عينٍ، بَعْدَكِ، العَدَمُ
والثَّلجُ قد غَارَ من نَهْدٍ بِهِ اكتَمَلَتْ،
سحرًا، مَواهِبُ من خَطُّوا، ومنَ رَسَمُوا
وكلُّ يومٍ بهِ غابت مَحاسِنُها
أوِ اُنْثَنَتْ، كانَ يَوْمًا، مِلْؤُهُ النَّدَمُ
Page 9
بكِ الزَّهرُ يُخْتَصَرُ
لَأَنتِ نُورِي، وأَنتِ الشَّمسُ والقَمَرُ
والشُّهْبُ أَنْتِ، أَلاَ فَلْيَسْكَرِ النَّظَرُ
ما كُنْتِ لي غادةً بل كُنْتِ ناسِكةً
حُوريَّةً حُلْوَةً قَدْ ساقَها القَدَرُ
زُرْتِ الفُؤادَ صَلاةً بارَكَتْ عُمُري
وَدِيمةً هَدَلَتْ فاُخْضَوْضَرَ العُمُرُ
قِدِّيسةٌ، حَسْبُ قَلْبِي أَنَّها أَمَلٌ
أَرْعاهُ، يومًا، وشَوْقُ الوَجْدِ يَنْتَظِرُ
لو كُنْتِ صُنْتِ عُهُودَ الحُبِّ، ما انْتَشَرَتْ
وَساوِسُ الظَّنِّ أو ماجَتْ بِهِ الصُّوَرُ
بِكِ اُخْتَصرتُ حِسانَ الكَوْنِ واحدةً
أَلَيْسَ بِالعِطْرِ كُلُّ الزَّهْرِ يُخْتَصَرُ؟
لَأَنتِ نُورِي، وأَنتِ الشَّمسُ والقَمَرُ
والشُّهْبُ أَنْتِ، أَلاَ فَلْيَسْكَرِ النَّظَرُ
ما كُنْتِ لي غادةً بل كُنْتِ ناسِكةً
حُوريَّةً حُلْوَةً قَدْ ساقَها القَدَرُ
زُرْتِ الفُؤادَ صَلاةً بارَكَتْ عُمُري
وَدِيمةً هَدَلَتْ فاُخْضَوْضَرَ العُمُرُ
قِدِّيسةٌ، حَسْبُ قَلْبِي أَنَّها أَمَلٌ
أَرْعاهُ، يومًا، وشَوْقُ الوَجْدِ يَنْتَظِرُ
لو كُنْتِ صُنْتِ عُهُودَ الحُبِّ، ما انْتَشَرَتْ
وَساوِسُ الظَّنِّ أو ماجَتْ بِهِ الصُّوَرُ
بِكِ اُخْتَصرتُ حِسانَ الكَوْنِ واحدةً
أَلَيْسَ بِالعِطْرِ كُلُّ الزَّهْرِ يُخْتَصَرُ؟
Page 10
قَدْ عَافَني الشِّعْرُ
قَدْ عَافَني الشَّعْرُ مُذْ جافَتْهُ عَيْناكِ
ما شِئْتُ مُلْهِمَةً للشِّعْرِ إلاَّكِ
عيناكِ ساحِرتا قلبي، وآسِرتا
رُوحي وسُكرُ السُّكرِ ذِكْراكِ
وَأَنْتِ لي نَغَمٌ يَسْري، فَيُلْهِمُني،
سَنًى يُنيرُ، فيَسْبِيني، فأهواكِ
كُنْتِ الدَّواءَ لداءٍ قَدْ بُليْتُ بهِ
عُمْرًا، وقد لَمَعَتْ بالدِّفءِ عَيْناكِ
وَعُدْتِ، بَعْدُ، سَرابًا، صَدَّني زَمَنًا
وكان يأْمُرُني، آنًا، فَأَلْقَاكِ
كُنْتِ الفَرِيدةَ فِي أَرْجاءِ سَاحَتِنَا
والزَّهْرُ حَوْلَكِ مَزْهُوٌّ برُؤياكِ
لكنَّ عُمرِي، مَضَى، ما سَرَّني زَمَنٌ
جِسْمِي غَدَا مُنْهَكًا، آذَتْهُ بَلْوَاكِ
لَمْ يَبْقَ لي غَزَلٌ، لم يَبْقَ لي أَمَلٌ
إلَّا البُكاءُ سُدًى أو شَكْوَةُ الشَّاكِي
* * *
قَدْ عَافَني الشَّعْرُ مُذْ جافَتْهُ عَيْناكِ
ما شِئْتُ مُلْهِمَةً للشِّعْرِ إلاَّكِ
عيناكِ ساحِرتا قلبي، وآسِرتا
رُوحي وسُكرُ السُّكرِ ذِكْراكِ
وَأَنْتِ لي نَغَمٌ يَسْري، فَيُلْهِمُني،
سَنًى يُنيرُ، فيَسْبِيني، فأهواكِ
كُنْتِ الدَّواءَ لداءٍ قَدْ بُليْتُ بهِ
عُمْرًا، وقد لَمَعَتْ بالدِّفءِ عَيْناكِ
وَعُدْتِ، بَعْدُ، سَرابًا، صَدَّني زَمَنًا
وكان يأْمُرُني، آنًا، فَأَلْقَاكِ
كُنْتِ الفَرِيدةَ فِي أَرْجاءِ سَاحَتِنَا
والزَّهْرُ حَوْلَكِ مَزْهُوٌّ برُؤياكِ
لكنَّ عُمرِي، مَضَى، ما سَرَّني زَمَنٌ
جِسْمِي غَدَا مُنْهَكًا، آذَتْهُ بَلْوَاكِ
لَمْ يَبْقَ لي غَزَلٌ، لم يَبْقَ لي أَمَلٌ
إلَّا البُكاءُ سُدًى أو شَكْوَةُ الشَّاكِي
* * *