eKtab
EN ع
وجهة البوصلة
Read free sample

وجهة البوصلة

by نورة الغامدي

Page 1
1
 
سيدتي·· ها أنا أهاتفك من جديد لسببين اثنين أولهما: أنني مسافر غداً، وثانيهما: أنني أريد أن أتصل·
 
* أنت كالمطر··
 
* أي مطر ؟
 
* مطر أمل دنقل
 
وينزل المطر
 
ويغسل الشجر
 
ويثقل الغصون الخضراء بالثمر
 
······················
 
ينكشف النسيان
 
عن قصص الحنان
 
عن ذكريات حب
 
ضيعه الزمان
 
لم تبق منه إلا النقوش في الأغصان
 
قلب ينام فيه سهم
 
وكلمتان
 
تغيب في عناق
 
جنبي·· فراشتان
 
وأنت يا حبيبي
 
طير على سفر
 
*
 
هل أعتبر هاتفي···
 
·······في داخلي مذبحة·· لا·· قلق·· بالضبط لا أدري·
 
* ابكِ···
 
* لا أقدر - وهذه عادة سيئة تماماً تشبه عادة رفع الهاتف على سيدة تحتمي بأشجار مزرعتها، وأسوار من الظلمة تحوطها·
 
* لك عادات سيئة كثيرة·· ولكن هذا العسل المعقود بين مؤخرة اللسان وعظمة الحنجرة، يقربني من العرش البعيد القريب·· تقول إنك لا تبكي·· فليكن·· الله لا يبكي، والملائكة لا يبكون·· ودائماً العظماء لا يبكون وحتى الأشياء الأكثر روعة في هذا الكون لا تبكي·
 
* هل أدعي الكمال·· !·
Page 2
* بالضبط·· أنت كذلك·· رفضتك يوماً ببكاء مُرّ وكأن ذلك البكاء اعتذار·· وكأنه رفض للخروج من حالة إلى حالة، ومن وضع إلى وضع، ومن مرحلة عمرية إلى مرحلة جديدة·
 
أحياناً قد تأتيك الأشياء عنوة وتقتحمك·· كالمطر كجيش إصلاح·· كدين جديد·· فمن ثقوب صغيرة تسربت بلا هوية مسبقة·· خفيف كالحلم·· لذيذ لذة حكاية الليل في أسرّتنا الصغيرة يوم كنا نعشق رائحة الجدات المنبعثة من صدورهن الذاوية·· معروقة ولدنة ومفعمة ببقايا عطر قديم ولهفة أفلت··
 
··· في تلك المساءات الكئيبة بعد أذان المغرب، وبعد أن تقفر الطرق الضيقة الملتفة بين المزارع من الأقدام·· يسقط صوتك·· كما تسقط فراشات المزارع على النور تحجب·· وتحترق·· تأتي وتذهب - تتوسل النور حرارته والأرض شرانقها·
 
لوعة الغربة ودوامات من هواء الشتاء· تدغدغ كعب القدم الجاف ويهطل صوتك على قلب·
 
تسخر مني أذني·· تسخر حلمتها·· طرفها الملتف كجيب يخبئ تحته غبار الماضي القريب·
 
آه·· أذناي وحلمة الحلق الدائرية·
 
أذناي قرنا استشعار للعطر·· للرياحين·· للبشارة التي ترفع من درجة حرارة الخدين الذابلة··
 
حنجرتك تدق على باب الضلوع··
 
* افتحي·· !·
 
أنت حنجرة وأنا عروس بحر·· تسبح·· تغرق·· وتتشبث فيما بين العظمة في آخر الحلق، وما بين مؤخرة اللسان المصلوب في أوله··
 
وعروس البحر اعتادت على بحار الملح وأنهار الظلمة·· وهذا العسل المعقود تنفث دفئه شفاه مجهولة ليس لها حضور الحنجرة وزوابعها·
 
أخضع في ذل لأصوات التوجس التي ترافق وحدتي·
 
* حذار·· أنت عروس بحر·· مخلوق موهوب للأسطورة والمغامرة وقد تطردك من رحمة السحرة··
 
·· وضع حائر·
 
نصف جسد وحنجرة·
 
وعروس البحر تذوب في الظلمة المالحة بحثاً عن صدر الفرو الذي يدفئ بروز الحنجرة·· أتخيلك وأشعر بملمس فروك الذي تحتمي به من برد الشتاء، وبرد الرغبة إلى ذاك المستحيل·· أمرر أصابعي حول الحافة التي تأخذ شكل الرقم سبعة·· قرنا الاستشعار يتلمسان مساحات من صحراء هاجعة تنذر بجحيم يحول رملها لهباً، فتنفر في صدر عروس البحر حبتان لم يصن الدهر حسنهما، الحبتان منذ بدء خلقهما لم ترفعا القبعتين البنيتين إلا حين انفجرت الحنجرة بعيون عسل مختلف الألوان·
 
تتحرش بالحبتين الجنديتين·· نبرة تسبح في عسلها الأبيض·
 
* اشربي·· !·
 
* تمهل فما نزال حراساً على جرة الخمر التي لم تُشرب، وما نزال نسبح في لذة الصدفة، وهذا المساء الذي يشبه الرسام لكنه يرسم الكلام الذي لا يتراجع·· يخدعنا حين يعقد معاهدة صامتة مع الظلمة·· يدعمه صوتك الذي يحاول أن يفصل ذيل عروس البحر نصفين·
 
* لن يكون·· ثقي بي ولن أدمي ذيل الحورية·· كما لو كنت جيش إصلاح·· بل كدين جديد يحفر في ثنايا جوفك تعاليم جديدة·· تشريعات مقدسة عن الحب/ الحياة/ الجسد·
 
* صدري تجاويف أشبه بخلايا تروضها نحلات غامضة تتطاير من زوايا فمك·
Page 3
* دعيها·· دعي أجنحتها تروض ذيل الحورية·· تعاود إعادة خلق الأنثى·
 
* تعتقد بأنه سيكون لها جزء أنثى كامل تام·· كصدرها وشفاهها·
 
* الزمن معك لي··
 
يحتد ثم يهدأ·· يتابع بهدوء أكثر·
 
في أوقات أجد أنك·· كلك صَدَفَة·· وفي أوقات أشعر بك عروس بحر تسكرها ضمة عنيفة تفجر أضلعها، فيسيل العسل المهدى من بين نهديها·· يسد طريقه وتعرقله حراشيف تحف معالم السّرة وما جاورها·· وفي أوقات أشعر بك أنثى كاملة أُريد أن أبتلعها كأن لم تكن··
 
··يصمت على الطرف الآخر·· تأتي أنفاسه تتمة لصوته، تتمة لنبراته العميقة، تتمة لهزله·· لرغباته·· ومن وسط غيبوبة عارية يقول:
 
* هل هناك شيء تعترضين عليه في حديثي·· أو بالأحرى لا توافقينني بشأنه·
 
يتابع بلا تحفظ قائلاً:
 
* بماذا تشعرين في هذه اللحظة ؟·
 
* مخدرة··
 
* الخدر أنواع !
 
* كيف ؟
 
* هناك خدر استرخاؤه شبيه بالنائم·· وهناك استرخاء يحرضك على أن تكتشف كل المناطق التي بداخلك·· وهناك خدر آخر هو هجعة الجسد حيث يقول: لا أُريد لأحد أن يلمسني·· فأي خدر تعنين ؟·
 
* كأني هواء·· بل دخان·· لا أدري·· لا أدري·· لدي إحساس متعب·· فأنت ستذهب·· ستغلق سماعة الهاتف، وسأتعب ففي هذه اللحظة أريد أن نكون معاً·· ليس في مكانك ولا مكاني·· لا في فراشك أو فراشي·· وليس في الأرض ولا في السماء·· بل فوق غصن توت يتدلى من نافذة·· من نافذة طولية في دهليز مظلم مضاء ببقايا أضواء المدينة، تفوح منه رائحة عطر بائت محسوس·· وتنتشر في أرجائه بقايا دخان عود أزرق·· وأنت تلتحف بزرقة السماء، ووجهك ورقة من أوراق التوت·· لا تراني عينان، ولا تلمسني شفاه، تحوطك يداي، ويحميني صدرك، وكلما حاولت أن أفلت تشدني وتستبقيني·· ولا كلام·
 
ساعتها·· كل الأصدقاء سيعقدون حفلتهم كما يشاؤون·
 
* ألا تشفقين على حفلة الملائكة من شغب البشر ؟·
 
* أنت تخيفني·· أفق وإلا هربت بأمنيتي··
 
* لست الذي يصحو، وكأنما هناك زرّ يتحكم به·· تارة يصحو·· وتارة ينام·· فأنا إذا كنتُ في لحظة ربانية لا يوجد هناك قوة تتحكم في صحوي ومنامي، بل هكذا تأتي الأشياء·· فأنا أريدك الآن معي كلك بدون انتقاء وبدون شروط·· فمدي يديك··
 
* إليك··
 
* لهف قلبي··
 
* اليوم تخيلتك·· وكأنني أتيت إلى مدينتك·· بي حنين إلى المكان لكن ثامر قيد إحساسي نحو المدن، وجيره لحساب الألم وتلف الأعصاب، ورغم ذلك فما زلت أمارس لعبة الإخلاص·· ألقن نفسي دائماً ثامر ولا رجل آخر·
 
لكن بداخلي هتافاً صغيراً··
 
صباح الخير يا وطني·
 
صباح الخير يا قلبي·
Page 4
غناء بسيط قلب الأحداث·· كما في السابق بكاء عنيف غير اتجاه البوصلة·
 
أُريد أن آتي إليكم·· أسير في شوارع مدينتكم·· أشم رائحتها أصنع لك قهوة الصباح·· أجاورك على مقعد صغير في المساء·
 
* اجلسي قربي·· ولا شيء أُريد أكثر من ذلك، فأنا بقربك شبعان وممتلئ· وبصوته العسلي يتابع وبالتأكيد الإنسان الممتلئ يستطيع أن يملأ·· وإن أجمل الدعوات هي التي تأتي لأحدنا دون أن يطلبها، وإنما تأتي بممنونية والآخر يشعر أنها إذ أتت تغمره وما أجمل الأشياء حتى لو كانت حلماً··
 
* أجمل ما بيننا ساعات الغروب هذه··فحنجرتك تجعل عروس البحر تحلم·· تفكر في شيء جميل وتنتظر، وتجد للانتظار طعماً مغايراً طعم الخروج من الجنة إلى ملكوت المغامرة·· اللاهوية·· حنجرتك بعسلها المعقود تغريني بالذوبان والتحلل·
 
···ضحك على الطرف الآخر وهمس··
 
* إنها بوادر حد السكين في ذيل عروس البحر··
 
······
 
······صمت حيَّر الثقوب التي امتصت أنفاسنا·· قطعه قائلاً:
 
* أشعر بغربة·· وفي داخلي براكين··
 
* ابك··
 
* هذا كثير··
 
* كيف ؟
 
* أشعر أحياناً بغربة لدرجة أن كثيراً من الأصدقاء شككني في أمر نفسي، وبأنني لست طبيعياً، فأنا لم أبك يوماً، وربما كان ذلك بسبب رواسب طفولة قاسية·· أو تربية جادة·· لكنني أرى أنه من الممكن أن يحزن الرجل·· ومن الممكن أن يتقطع ألماً وحزناً أما أن يبكي فهذا كثير·· لأن بكاء الرجل لا بد أن يكون نادراً، وطالما بكى فلا بد أن يكون هناك كارثة·· ولكن أن يبكيه أمر بسيط فهذه مسألة تقتلني غيظاً·
Page 5
2
 
رجلٌ قال هذا·· والحنجرة التي تلغّم صدري كل مساء بما لا يمكن التنبؤ به تُعيده لذاكرتي··
 
عمي الذي بكى ذات ليلة في قلب الجد الكبير في ليلة صيف حار، يومها أمسك بيد الطبيب وهو يجر صوته من حبال·· استغلقت وترهلت··
 
* هذا كثير··
 
الوحيدة التي شهدت بكاءه أنا والطبيب ودمه الذي سال من بين فخذيه·· حافراً في تراب الجد الكبير حفرة عميقة من دم أسود··
 
أوجعتني ذاكرتي··
 
··على الطرف الآخر من الهاتف لم يسمعني·· حين رفعت يدي صوب الله·· سيدي·· أتمنى أن لا أشهد يوماً أراه فيه يبكي، نعم لم يسمعني، ولم تشعر بي حتى حنجرته التي تلحفني، وتأخذني في دوامات لا تهدأ ولا ترحم من رغبات محمومة تشبه تلك التي أراقت دم عمي الشيخ وهو في عامه السابع والستين تحت جناح السرية والكتمان·· وهو شيخ بعمر الزمان وحتى تلك اللحظة السرية التي شهدتها لم أستطع أن أحدد له عمراً معيناً أو زماناً محدداً·· كان هو الزمان والمكان·· حين بكى لحظة لمع النصل في يد الطبيب·· نهتة تشبه نفرة الموت الأولى·· فالموت عادة يزور البشر بغتة، وأحياناً ينذرهم بعلّة يأتي متعللاً بها، أما عبد الرحيم السبتي فقد تشاور معه أياماً وليالي وأشهراً طوالاً واستضافه وأرقده بين فخذيه، وأشهده على دمه المهدر في حفرة عميقة وسط الوادي العظيم الذي أهداه صفته الأزلية·· شيخ بعمر الزمان·· نشأ فجأة كبيراً هرماً، ويوم دخله عنفوان الشباب مات الوادي·· يشبه عمي·· الذي تفرع نسله فلم تعد وجهته واحدة، لكن حبه واحد وعطاءه عادل·
 
السبتي علّمنا أن الوادي العظيم يسير من بلاد اليمن حتى يغور في الأرض السبخة قال:
 
هذا الجد ينحدر من القمم في اليمن السعيد، وعسير العسير، ويرتاح هنا، لكنه في هدأته يكون قد تملكه الغضب، فيأكل نصف مزارعنا، ويعطينا الرواء·· ويمارس سلطته الأكثر عنفاً، فيعزل القرى عن بعضها، ويعيدنا إلى الله ··· وهذا الجد يعلّمنا في كل عام دعاءً جديداً للرجاء والخضوع· ومات السبتي وما أكمل لنا سيرة الجد العظيم··
 
وتركنا نحن الأبناء ننقب، وأدركنا أن هناك عداءً خفياً بين السبتي والوادي العظيم· فهو يوم قدم من جبال السراة اعترضه الجد الكبير، ونهب نصف ماله ونصف عبيده، وابتلع أمه المريضة· السبتي أقسم أن لا يردد دعاء الرجاء والخضوع قال: قد سامحت الجد الكبير في مالي وعبيدي، لكني سأظل ألعنه لأنه حرم العجوز التي أنجبتني من أن يكون لها قبر معلوم·
 
أنزل مطاياه وأبقاره المتبقية على ضفة الجد العظيم الغربية، وسور مكانه بالنخل والأثل فوق أكمة تكشف له بريق صفحة الجد العظيم حين يُقبل مع السحر في هدير يوقظ القرى الهاجعة بعد أيام طويلة من الأمطار المتصلة··
 
* في الليل نسمع أخباراً أخرى عن الجد العظيم من فم بركة ابنة ابن عم السبتي تعقب حكايا جميلة·· تتسلل إلى حيث البسط الممددة والوسائد المتبعثرة تفرق بيد صلبة بين الصبيان والبنات·
 
* عيب·· تعال هنا·· وأنت ادخلي بين البنات، تهتز الكينا·· حين تضطرب نسمة ليل جنوبية تحرك أغصان التوت الواقفة بين المسجد وباحات المنزل الواسعة حيث يتراص الأطفال والنساء الحوامل بحثاً عن هواء يرطب الجلود الجافة·
 
يتشعب نظر بركة نحو السماء، ونحو الوادي، وصوب فضة التي تحك رأسها الأجعد قائلة:
 
* الجد العظيم هو البرزخ
 
* وما البرزخ يا عمة ؟·
 
* ······
 
* ······
 
حركة جميلة تخرس الجميع فيعود صوتها··
Page 6
* يوسف هناك··
 
* أين ؟
 
* في البرزخ··
 
* لكنه الوادي يا عمة··
 
* أقسم برأس أبي عبود إن يوسف مستخفٍ هناك·
 
* يوسف·· مات··
 
* كل من يموت يحتويه الجد العظيم، ينثر حوله الحراس من الكلاب والأفاعي·
 
* لكن السبتي يقول: إنه حرم ليس للبشر مقام ولا منام فيه·
 
* ······
 
* ······
 
تفرك أنفها العريض·· لكني أشم رائحة يوسف، وأسمع أحياناً صوته·· ترفع طرف شيلتها وتمسح دمعات قبل أن تضع رأس فضة على ذراعها وتنام·
 
···وفي هذا الصيف، صيف (99) لم تكن الأمطار هي الأمطار، ولم تعد للجد العظيم تلك الهيبة ، ولم يعد يفزعنا النوم في بطنه، أو حتى إقامة بيت من الكرتون في عمقه المحشو بأشجار العشر والرمث والرين الباهت·
 
··· في أول الصيف كنا نلاحق خطوات السبتي الضعيفة، وهو يتجول معتزاً تسنده قدم ثالثة·· عصاه ذات الرأس الفضي، وزوجة صغيرة تحوم حوله كلما تخاذلت قدماه··
 
* زينة··
 
* عونك
 
* اسنديني···
 
يجلجل صوته الحي··
 
* ما يدوم عظيم··
 
وكأنما قد برّد غله الدفين على الجد العنيد الذي بخل على أمه بأن يكون لها قبر معلوم·
 
تظهر أسنانه في ضحكة غامضة··
 
* لقد ألجمه هذاالسد العظيم وكسر كبرياءه·· قبل موته بأيام·· افترشنا معه الأرض الجافة، وحفرنا بأيدينا في الرمل الناعم·· وهبت هبوب شمالية ملأت أنوفنا وأعيننا بذرات من رمل وقش تراكم على جنبات أشجار العرعر والعرين·
 
* نتابع نظرته التي تمسح كل الاتجاهات·· أشار بيده هناك على الضفة الأخرى للوادي كان مسجد العيد بسوره الأصفر، وبواباته الخضراء، ولأن الجد العظيم غضب يوماً وأنهكه السير من أقصى اليمن حتى هنا فقد وجه غضبته إليه فاصبح مسجدنا أثراً··
 
··الجالسون حوله لا يعلمون لم يعشق التجول في الوادي الخفيض رغم مرضه البائن والذي ينكره بصلافة، ويصرّ على اختراق الدغل الموحل أحياناً ببقايا مياه الري·· والجاف في معظم أيام السنة إلى درجة يصعب معه وضع القدم لكثرة حفر الثعابين والزواحف السامة·· يميل برأسه الكبير·· يتابع مدى لا يحده بصره الضعيف·· مدى شاسعاً من النخيل والأعناب وعشش الرعاة وبرك المياه المبنية من الطوب والمسقوفة والتي توزع المياه من الأعلى للأسفل في سرعات متفاوتة··
 
·· لم تكن تلك المساحات الزراعية من إرث سيف بن ذي يزن، ولم تكن حضارة أرقى لغابات الأسود في موقع الجد العظيم·· كذلك لم تكن نبضاً لحياة صاخبة أنبتها انهيار سد مأرب·· فخرج القوم متبعين خطا الجد خطاً تتلوى عبر القفار تهبط من علو، وتنزل إلى القاع السحيق، والقوم في أثناء مسيرتهم يموتون فرادى وجماعات··
Page 7
ومنهم من ينجو بنفسه فيستقر حيث يجد المأوى ولا يتجاوز، لذلك بقيت تلك البقعة قفراً إلا من شجر ملتف حول بعضه يخبئ في عروقه مئات الأنواع من الحشرات والزواحف السامة، وتحيطه نباتات الحلفاء القاسية وأذناب الورل البيضاء·· ووسط تلك المجرات المنسية كان يتخفى الهاربون من الدم إذ ورد أن من عليه رقبة أو دم·· إذا ما عاونه الحظ وساقته قدماه إلى تلك البقعة فإنه يأمن لأن المريّة لا يلبثون أن ينكسوا عُقلهم داعين عليه باللعنة حيناً وبالرحمة حيناً··
 
فلقد دخل قبره المحتوم بقدميه··
 
ومع مطلع القرن الماضي·· بدأت على ضفاف الجد العظيم تنبت شجيرات صالحة من نخيل وأعناب، وتنبح حول غرف حقيرة من الطين والتبن كلاب هزيلة تحرس المساحات الصغيرة من الحياة الخفية التي توحي باستمرارها من خلال تلك الهيئة المهيبة التي تجلل ذلك الشيخ الذي زعزع موته قرى الوادي·· ففي آخر مرة خرج إلى قلب الجد العظيم تبعته منذ لحظة خروجه، ولم يتسن لي أن أنبه نساءه إلى خروجه المفاجئ·
 
الساعة كانت السادسة والنصف والهجوع الصباحي له لذته في تلك الأيام الشتوية في بلدة صغيرة على ضفاف الجد العظيم، وكنت قبل فترة قد تسلمت عملاً مغايراً لعملي السابق في إحدى المدارس الكبيرة وسط المدينة التي تبعد عن المكان حوالي عشرين كيلومتراً·· وغالباً ما أستغل الفجر لتحرير بعض الأوراق، وانتظار الباص الأبيض الذي يهل مع الشروق الأول·
 
وسط ذلك السكون سمعت نقر عصاه ذات المقبض الفضي، وفاحت رائحة جسده الغريب في الممر المظلم الواقع بين الدارين··
 
* عمي إلى أين ؟·
 
* قريب··
 
أتذكر أنه قالها بضحكة واسعة·· وفطنت لها والتصقت بالذاكرة، ولم تفلح الحوادث المتتالية في محوها··
 
ومات··
 
وبقي الباص الأبيض الذي يخترق سيولة الشمس فوق رؤوس النخيل وسطح دارنا، وينزلق على حواف الجدران المرتجفة محتمياً ببياضه وبمقعده الأسود ورائحته الدبقة بالعطر والعرق والسجائر والأحذية الرديئة الصنع··
 
حياتي كذبة··
 
وهذه الحنجرة التي تُعيد تركيب الأجنحة المكسورة·· تقف في منتصف الطريق، وتشرق مع الشمس·· وتأفل مع القمر·· وتحيي معي مقبرة البلدة كل صباح··
 
* صباح الخير أيها الراحلون·
 
صباح الخير·· قبر فضة صباح الخير قبر السبتي
 
صباح الخير قبر بركة صباح الخير أيها الراحلون·
 
وكأن مقدم الحنجرة أضاف بعداً لأولئك الذين رحلوا والذين جنوا والذين غادرونا بعد أن ذوى الحب وانكسرت اللهفة·
 
بالفعل الحياة كذبة··
 
والسر كربة··
Page 8
3
 
الحنجرة جزء من أصالة لم تعد موجودة أعادت لزوجتها وضخامة النبرة المنتشية إلى الروح الغافلة·· وجه أمي قبل رحيلها·· صوت السبتي يوم قال قبل موته بساعات حين سألته··
 
* إلى أين ؟
 
* قريب··
 
ضمنت أنه وضع جزءاً منه قرب الحنجرة ورحل·· ورأيت وجه فضة يسبح في ماء الحنجرة الكثيف··
 
حنجرتك جزء من اللحظات، ولكن يفرق بينها وبين غيرها·· أنها الشيء الأصيل الذي بُعث ليعبئ الكون الذي لي·· فمجيئك ليس مرهوناً بالظروف··
 
أعتقد أنه أحد معالم المكان·· جزء من قبور بلدتنا·· نخيلها، توتها العتيق، ومياه آبارها الساكنة في ظلمة المزارع·· لم أكن أعلم أن الرعود مخابئ الرغبة في السماوات·· وأنها حين تتنفس هابطة نحو الأرض تحتك بحنجرتك فتولد شرارة دافئة فوق السرّة وأنت تمطر في هاتف غروبي··
 
إذا وجدت أوار الحب فــي كبــدي··
 
ذهبت نحــو سقاء القوم أبتــرد
 
هبنـــي ابتـردت ببــرد الماء ظاهــــره
 
فمـــن لنارٍ على الأحشـاء تتقد
 
صوتك نتاج تزاوج بين الرعد والعسل·· لزوجة غضة تغوص في عمق أعماقي التي ما كنت أعرفها··
 
* أين كنت منذ زمن بعيد·· ولمَ تأت الآن·· كيف غادرتني كل هذه السنين ثم تأتي وتحوّل كل شيء إلى رعود لا تهدأ جلجلتها وفيضاناتها··
 
تقرأ لي أشعار ابن عربي··
 
فأتجول بهداك في الصحارى·· بين المرابع ووسط الخيام·· وأحس ببرد التراب يحتوي باطن القدم المرتجفة·· أشرب من فمك ماء القرب فتعج في المفاصل رائحة القطران وطعمه اللذيذ اللاذع·· أرى القمر بألوانه·· زهر·· أزرق·· يسبح في الليل ويغازل ذؤابات النخيل وزهر البرتقال الفواح وياسمينات بيتنا القديم الملتف حول شجرة الكينا الضخمة مخبأ فضة حين كانت تهرب في الليل من لحافها البارد إلى حضن أبرد·· وتنقر بأصابع خفيفة على نافذتي··
 
* تعالي··
 
* ماذا ؟·
 
تجرني من يدي·· نتعثر في القطط النائمة·· ندوس بالخطأ في بطون القطط الإناث·· تموء بألم·· فيرتجف قلبي··
 
* فضة إنها حامل··
 
* هوناً··
 
تصرّ الأبواب الصدئة خلفنا ونحن نهجر المنزل باتجاه المنحدر الذي يطل على مزارع العنب··
 
* لكن الثعابين يا فضة··
 
نفترش التراب البارد·· ويصدح صوت جورج وسوف بخفوت من مسجل صغير في حضنها··
 
كلموني تاني عنك·· فكروني··
Page 9
صحو نار الشوق في قلبي وفي عيوني··
 
تهمس··
 
* سنسافر جدة··
 
لأول مرة بعد أعوام مرت توجعني فضة وترش بعشوائية قطرات من العطر الحار على جرح مفتوح لا يزال دمه ينزف أسود مثل مجاري مياه المذبح العطنة في منزلنا القديم·· أحضن صوت جورج وسط الظلمة، وأتعلق وهماً ببقايا كلمات يقولها ثامر حين ينتشي وهو يرشف قبلة من شفاه امرأة صغيرة·· يدفئ لهيبها بنفس يسحبه ببطء من سيجار نصف محروق··
 
··بلسان ثقيل أردد فرحتها·· بجدة··
 
سنسافر جدة··
 
* أول الشهر··
 
* بداية الإجازة··
 
تراود الذاكرة كلمات حفظتها عن ظهر قلب··
 
يمني قلبي بالأفراح
 
وأرجع وقلبي كله جراح
 
أم كلثوم صادت بهذا البيت المغنى لب السرّ يا فضة·
 
اقتربت منها··
 
* فضة أريد مواصلة الحياة دون ثامر··
 
ضحكت من أنفها فها أنا أنفذ أخيراً رغبة قديمة لمستها في صوت فضة يوم قالت:
 
* أنت مجرد شيء من كماليات حياته··
 
* الأكثر سرية··
 
من بين أسناني قلتها··
 
وكأنها لم تسمع تابعت··
Page 10
* ربما·· ولست وحدك ثم أدارت إسورتها البراقة في يدها هل ترين أنه من الصعب استبدال هذه··
 
* فضة تعيش حكاياتي برمتها·· حتى بعد موتها تُسمعُني ما كان يجب أن يكون·· وأنا ليس بمقدوري أن آخذ الوضع ذاته·· لكني أسير خلفها كأنما أنا ظل يلاحق صاحبه بل هو ذاته بينما الشخص المعني هو ظل لحياة لا يدري كيف دخلها··
 
بعد موت فضة ما عدت أعرف من أنا·· بحثت بشراسة كلبة ضائعة عن منقذ، عن أذن تحرضني على الكلام، تساعدني على أن أحتمل مواجهة كوني تمثالاً لرغبة متفجرة لا تفتح أبواب معبدها إلا لرجل واحد ظننته ثامر
 
فاندفعت إليه مُغيثي قلب فضة الذي لم يقرّبه ولم يبعده حتى حواها فراش حمود فصمتت·· صمتاً ما عرفت له معنى واضحاً إلا بعد سنوات وبالتحديد في صيف (99) حين ألغيت هاتفي الخاص·· معلنة أن المعبد لن يُفتح، وأن على المآذن أن تصرخ بما هو معهود منذ أول الأزمان··
 
فضة يومها ما عادت متواجدة لأشاورها في الأمر، لكن نقرات أصابعها لا تزال توقظني··
 
* تعالي··
 
تعودت السفر إلى مدينة بعينها لمجرد أن ثامر يسكنها، وأن نقرات أصابع فضة السمراء تدفعني للرحيل خلف أهلي·· ولا أدري ما الذي أجنيه من وراء تلك الأيام الباردة التي أقضيها بين الجدران··
 
أو صامتة كصخور البحر·· الذي يندفع نحوي هائجاً ثم لا يمسني··