Page 1
همسة تعارف
«وكان ابنه الثمن»، ليس الحلقة الأولى في مسلسل كتاباتي، قد تكون الأخيرة، لأن يد الزمن ثقيلة وهي تدق على باب العمر، وهمسة التعارف هذه، ليست بطاقة شخصيّة، فتاريخ الولادة، ومكان السكن، ورقم الهاتف، والفاكس، والحالة الشخصية، وعدد الأولاد، ولون الشعر، أو العينين، وإن لم تكن أسرارا محرمة، إلاّ أنها ليست هي هويتي!!
هويتي كتابي الذي بين يديك، وما يحمل من فكر وأحاسيس، إقتحمت أحلامي في أمسي وفي يومي، وستلاحقني إلى غدي، وآمالي، وطموحاتي، وأفراحي، وأحزاني، وهي تتمرد وتعصى، فأتمرد معها، وأعصى بعصيانها، وأبدو في نظر البعض وكأن لا عجبا يعجبني.
أحاول التكيّف، لأعيش، فتتمرد أفكاري، وتعصى عليَّ قدرتي، حين أحاول ترويضها، وتأبى إلاّ أن تظهر عارية، لتعريني!!
هكذا أنا، أحلم من خلال نزيف قلمي على الورق، أحلم بحرية، لا تقيم وزنا للذين يحسون بحق التملك، أو بأن دماءهم زرقاء.
فلتعرفني عزيزي القارئ، خاليا من كل أنواع الدبلجة أو المكيجة أو المنتجة أو البلطجة، عذرا إن اقتحمت عليك وحدتك، واخترقت حصار خصوصياتك، وفجرت صمتك الرهيب المقدس.
إذا عذرتني، وقرأت كتابي، واستمتعت بكلماتي، يعود ذلك لذكائك وصبرك الجميل.
أما إذا استعصى علي إقناعك بكلماتي، فذلك لعجزي اللغوي وثقل حضوري.
في الحالتين، أقدم اعتذاري لأني قد أكون ضيّقت عليك مساحة حريتك، وعكّرت خلوتك، وجرحت مزاجك.
أمين
Page 2
أحلام سائبة
إستيقظ قارون الأخير، الحفيد التسعمائة بعد الألف لقارون الأول، أغنى أغنياء البشر، على دقات شديدة على باب قصره المتواضع، فهب من فراشه مذعورا وهرول إلى الباب ليرى هذا الطارق الذي يكاد يكسر الباب في ساعات الصباح الأولى، عندما فتح الباب وجد أمامه رجال الشرطة الذين أبلغوه أنه مقبوض عليه، وجروه بثياب النوم كما يجر المجرمون واللصوص إلى مركز الشرطة، حيث استقبله ضابط الشرطة استقبال الأغنياء، وقدم له فنجان قهوة مع اعتذاره عن اقتحام قصره العظيم لكثرة المشتكين، وأنه مرغم على تنفيذ الأوامر الصادرة من فوق.
بعد أن اكتمل التحقيق معه أطلق سراحه،وعند انعقاد المحكمة، أسهب الادعاء بسرد التهم التي تدور كلها حول التهرب من دفع الضرائب والاغتصاب، طلب قارون الأخير مواجهة المشتكين الواحد بعد الآخر، فنودي على المشتكي الأول.
تقدم موظف ضريبة الدخل وقال «إن قارون الأخير لم يدفع ضريبة دخل، منذ أن وضع يده على الأموال التي انتقلت اليه من قارون إلى قارون حتى قارون الأخير، وتقدر الضريبة وحدها بملايين الليرات».
اصطبغ وجه القاضي بملامح الموت وأصبح جافا كقطعة صفيح، ثم طلب المشتكي الثاني، فتقدم موظف ضرائب العقارات وقال «إن قارون الأخير كما أنه يخفي أموله المنقولة، يخفي أيضا أمواله غير المنقولة، كي يتهرب من الضريبة التي تقدر بملايين الليرات».
ازداد وجه القاضي موتا وتصلبا، وصار كحجر صوان يقدح نارا، ونودي على المشتكي الثالث.
تقدمت فتاة في غاية الجمال، ما أن وقعت عينا القاضي عليها، حتى ارتاحت أساريره ودبت الحيوية في وجهه ونسي أنه قاض، وغرز نظره في جسمها غير مكترث بالادعاء أو الدفاع أو أي من الحضور، قالت الفتاة «أنا ممثلة لرئيس البلدية وأمينة سره أكثر من زوجته، وقد فوضني لأقول للمحكمة الموقرة، إن قارون الأخير منذ ولادته لم يدفع ثمن مياه شرب أو ري أو عوائد عامة مفروضة بموجب القانون، أو ضريبة مجار أو غرامات سير للبلدية، وهي مبالغ طائلة متراكمة منذ عشرات السنين تقدر بملايين الليرات».
ازدادت عينا القاضي اتساعا من الدهشة وكادت الدمعة أن تفر منهما، فقال بتأثر المجروح:
«ألهذا المستوى وصل أغنياؤنا، يأكلون ويشربون ويفرزون على حساب الناس البسطاء» ونودي على المشتكي التالي:
تقدم شاب، عرف عن نفسه أنه عامل اجتماعي وقال «إن قارون الأخير استغل مركزه الاجتماعي وثروته التي تقدر بالملايين، واغتصب كل النساء اللواتي يعملن في قصره، بعد ذلك طردهن إِمّا بفضيحة أو بتهمة، وكانت آخر ضحاياه عاملة ظلَّ يطاردها شهورا وهي تقاومه، وعندما ضعفت اغتصبها انتقاما منها لعنادها وتعنتها أمام زميلاتها، وهددها أنه سيلاحقها أينما ذهبت إن هي اشتكته».
لم يعلق القاضي على شهادة الشاب، ونودي على المشتكي الثاني، بينما ظلت نظراته تلاحق المشتكية ممثلة رئيس البلدية، فتقدمت فتاة في العقد الثاني من عمرها، طويلة القامة، خضراء العينين، متمردة النهدين، تلبس أقل ما يمكن لتكشف أكثر ما يمكن وقالت «إن قارون أقلّها صدفة في سيارته لسفرة طويلة وحاول أن يقبلها فلم تقاوم لأنها ظنت أن القبلة أبوية أو أخوية، لكنه أدخل لسانه في فمها فكادت تختنق من رائحة فمه».
وبعد أن استمع القاضي إلى المشتكين ثم إلى المرافعة والدفاع، سأل القاضي قارون الأخير:
مراعاة لمركزك ولمكانتك أخيّرك بين سجن يقع في السهول الخضراء حيث الخصوبة والمناظر الجميلة، أو سجن في قلب الصحراء حيث الخيال الواسع وحرية الأفكار والأحلام غير المراقبة أو على شاطئ البحر حيث يسهر العشاق ويطيب السهر.
رد قارون وقال:«أرجو لو أعفيتني من السجن واكتفيت بالخدمة الوطنية المجانية، لأنني لست بحاجة إلى المال ولأنني تعودت الحياة الحرة، وتحقيق أحلامي وطموحاتي وقدراتي».
أعجب القاضي بطموحه وقناعته وأفكاره وقدراته، وبعث به إلى حيث أراد.
Page 3
هروب
التقيا صدفة... بين السماء والأرض، على مقعدين متجاورين في طائرة محلقة في الجو... كانت عيناها تشتعل بهموم الدنيا... وصدرها يقذف آهات من نار... فسألها:
من أشعل حربا كونية في صدرك؟
قالت: زوجي.
- وأين هو؟
- تركته وهربت.
- أكنت تحبينه؟
- حبي له يكفي لتعويض أبناء هذه الأمة الذين حرموا من الحب.
- أكان وسيما؟
- ليس هناك رجل على وجه الأرض بوسامته أو برجولته.
- وهو. أكان يحبك؟
- كان يرى بي كل نساء الدنيا.
- وكيف أطاعك قلبك على هجره؟
- رئيسي في العمل.
- كيف؟
- إنه أخطبوط له ألف ذراع وألف عين، بعث بزوجي في مهمة بعيدة وطويلة ليستفرد بي.
- وهل بردت ناره وقضى وتره؟
- غصبا عني.
- كيف؟
- إنه حيوان مفترس، مريض، مصاص دماء، منحرف.
- ألم تشتكيه؟
- فعلت، لكن لسانه أمضى من سكاكين الجزار وأطول من كل أذرع الأخطبوط، استطاع أن يلفه حولي من كل الجهات.
- وزوجك؟ ما به؟ ألا تدركين أنك تقتلينه مرتين؟
- لم أفكر بذلك.
- بم فكرت؟
- فكرت أن أقتل نفسي ببعدي عنه، ليموت الغدر وتنتحر الخيانة.
- هذا انتحار والانتحار هروب وهزيمة.
- علّ ملوك هذه الغابة وحراسها أن يخجلوا ولو قليلا.
- ألهذا تهربين؟
- لست نادمة. لأني أهرب من أرض يأكل فيها القوي لحم الضعيف تحت مظلة القانون ويساعد مناخها على تكاثر الأفاعي.
Page 4
الله يرحمه، لا يرحمه، يرحمه...؟
«يرحمه الله، لا يرحمه، يرحمه، لا يرحمه، يرحمه» مع هذه العبارة انتهت حبات سبحة الشيخ بدوي الغريب التي كان يكرجها وهو يردد تلك العبارة.
لم ترق هذه النهاية للشيخ الغريب، وهو الذي لم يمض على انضمامه للجماعة أكثر من نصف سنة، وكان قبل ذلك صديقا حميما وشريكا في مصلحة تجارية مع غسان المتوفى،لم ير من غسان إلا الوفاء والإخلاص،احتار الشيخ الغريب كيف سيشارك في تشييع جنازة غسان وكيف سيطلب له الرحمة من الله وقد كان عاصيا ولم ينضم للجماعة،مع علمه أيضا أن غسان لم يغضب الله حتى في الأحلام، وقد ساعد الكثيرين من المحتاجين والأرامل والأيتام، من خلال عمله في السنتين الأخيرتين كعامل اجتماعي في مكتب الشؤون الاجتماعية.
تكدر وجه الشيخ غريب، وارتسمت على وجهه علامة استفهام كبيرة، واشتعلت الحيرة في عينيه كمن ركبته عفاريت الدنيا.
قام إلى حجرته، دخلها وأغلق الباب وراءه، أدار وجهه إلى أعلى وتمنى لو يستطيع الكلام مع ملاك الرحمة، فخيل له في الحال أنه يسمع صوتا يسأله:
- ماذا تريد يا غريب؟
- سيدي، أنا عبدكم المطيع.
- عباد الله المطيعون كُثُر.
- أنا حارس الأخلاق الحميدة وحارس الدين.
- الدين والأخلاق الحميدة ليست سجونا ولا ثكنات عسكرية ولا حتى محال تجارية.
- لا أقصد ذلك.
- ماذا تريد إذا.
- أتمنى أن يمحى التاريخ ويقف الزمان وتموت الحضارات.
- وكيف يعيش الناس بلا زمان؟
- كما تشاؤون.
- وكيف تتخيل مشيئتنا؟
- أن تقلع الفرحة من العيون وتخنق الأصوات في الحناجر حتى لا يجرؤ أحد على الغناء حتى في الحمام، وتحطم المرايا في البيوت حتى لا تتبرج النساء، وتصادر من البيوت كل أجهزة التلفزيونات والفيديوهات والدي فيديوهات والكاميرات، وتهب هوريكان تقلع أعمدة التلفونات وتقطع أسلاكها، وتفنى الحواسيب ليموت هذا الزنديق الذي يسمى إنترنت، وتمحى من كتب القواعد كل عبارة أو سطر يلتقي فيهما الضميران هو وهي، ليبقيا غائبين مدى الدهر حتى قيام الساعة، وترفع المشانق لعلي الجارم ومصطفى أمين لأنهما سبب الاختلاط بين اللواتي والذين وهم وهن...
- ولم كل هذا؟
- ليرضى الله.
- وهل يرضى الله بذلك؟
- أظن ذلك.
- ظنك في غير محله.
Page 5
كفاك كسلا
اقترب شاب يافع من شيخ جليل متعمق في أمور الدين وسأله:
- سيدي الشيخ، هل يوجد تفاح في الجنة؟
- طبعا يا بني.
- وعنب؟
- في الجنة يوجد كل شيئ.
- وهل صحيح أن من يدخل الجنة، إذا اشتهى التفاح أو العنب، يأتيه دون أن يحرك يدا أو رجلا من مكانهما؟
سسكت الشيخ ولم يجب، فتشجع الشاب اليافع وسأل:
- وهل صحيح، أنني إذا أردت أن أصبح غنيا، يأتي المال دون أن أحرك يدا أو رجلا من مكانهما؟
ازداد ضيق الشيخ الجليل ونهره بغضب قائلا:
كفاك كسلا، قم إلى العمل.
Page 6
أياد ملطخة
كان ذلك مساء أحد أيام كانون الثاني، أول العقد الأول من القرن الأول من الألفية الثالثة، وكان جو الغرفة دافئا بفعل النار المتقدة التي تزيد حرارتها عن مقاسات الغرفة الصغيرة، ورغم البرد القارس الذي يهاجم الناس في الخارج، ويتربص بمن يلوذون داخل بيوتهم بدفء نيرانهم، كانت أصوات قطرات مياه المطر، المنهمر من أبواب السماء المفتوحة على مصراعيها، تطرق على السطح وعلى الجدران الخارجية، فتصل إلى أُذُني، وتمزق الهدوء الذي يسود جو الغرفة الصغيرة، والدفء المنبعث في أوصالي والهدوء في أعصابي، أنا بطبعي أحب الهدوء الممزوج بالدفء وأتضايق من أي تمزيق له، حتى لو كان بفعل حبة برد بلورية بيضاء آتية من الفوق اللامحدود، ورغم التجاوب المعلن لجسمي مع هذا الهدوء والبرد والمطر وضجيجه، جاء أمين الصغير، بحركاته الرشيقة وجسمه المرن كالخيزران وبحركاته الرياضية العجيبة والكبيرة بالنسبة لجسمه ولسنِّه، جلس بجانبي فضممته إلى صدري وقبلت أطراف شعر رأسه واحتظنته بشدة أبثه دفء المشاعر، فاستكان كما تستكين صغار العصافير إلى أجسام أمهاتها حين تنطوي تحت أجنحتها.
قلبت محطة التلفزيون، هربا من الأخبار التي تبعث الكآبة، أبحث عن محطة تبث برامج للأطفال، وكان «توم وجيري» فتهللت أسارير وجه أمين، وضحك ضحكة كلها احساس بالسعادة، بقدر ما فيها من براءة، اعتدل في جلسته متحديا البرد وقال «بدي هذا»، وأصغى اصغاء كاملا لصوت البرنامج وصوره وأدار لي ظهره كأنني لم أحضنه أو أقبله، تخيلت عينيه الباسمتين وهما تتبعان توم وجيري على الشاشة الصغيرة، وأحسست بجسمه يتململ بحركات تجاري الحركة على الشاشة الصغيرة، وبنبضات دمه تضج في عروقه، وذبذبة عضلاته تسابق الحركات البهلوانية، فأخذت أعايشه وأتمنى لو أغوص في بحر أفكاره، لأدرك ما يدور في رأسه، وأحاول استكشاف سيناريوهات مستقبله المجهول، لمعرفة ما ينتظره. وفجأة انتفض وكشف عن طفولته وحيويته الصاخبة وحركاته السريعة، وتذكر أنني بجانبه، فاستدار نحوي يقطع حبل أفكاري الثقيلة بصوته الناعم الذي انساب في أذني انسياب النسمة الرقيقة في ليالي الصيف الصافية، أنعشني صوته وأحسست بالراحة والانفراج في عتمة هذا الزمن، ليقول لي «بدي أغيرها» يقصد تغيير المحطة، استجبت لطلبه وأخذت أقلب صفحات المحطات على الشاشة الصغيرة، حتى طالعتني صورة فتاة لا يتجاوز عمرها الأثنتي عشرة سنة، تتهادى بسذاجة ظبية حين ترفع عنقها، كأنها ترى الدنيا عشبا أخضر وماء صافيا، تمسك بيدها خيطا مربوطا بطيارة ورقية من أربعة ألوان، الأخضر والأحمر والأبيض والأسود، تنتقل من مكان لآخر بهدوء أحيانا، وبسرعة أحيانا أخرى، تكاد تطير من الفرح مع طيارتها، فأحسست أن أمين الصغير يكاد يطير من الفرح لفرحها، ويعيش معها ومع طيارتها، يميل إذا مالت، ويتحرك إذا تحركت، ويركض في فراغ الغرفة الصغيرة إن هي ركضت، وظل هكذا إلى أن ظهرت فجأة طائرة كبيرة وسريعة، وانقضت على الفتاة الصغيرة وقصفتها كما تقصف الدبابات أو القلاع الحصينة بصاروخ، لمع كالبرق، ودوى كالرعد، فأطار الحجارة من أماكنها وأثار غبارا كثيفا حجب الرؤية... وعندما ابتعدت الطائرة ولحق بها صوتها وأخذ كل شيء يهدأ، فتش أمين عن الفتاة بعينيه وبكل تعابير جسمه، ولما لم يجدها، سألني عنها بصوت مبحوح وحنجرة مغلظة وصدر يعلو ويهبط فأجبته «قتلتها الطائرة الكبيرة».
ترقرقت الدموع في عينيه، وضغط على الضابط بعصبية الكبار، وبغضب المقهورين، كأنه يريد تحطيمه.
وهدأ كل شيء، التلفزيون وأنا وأمين الصغير، وببراءة الأطفال وبتلقائية رمى نفسه في حضني وانكمش، ولم يعد يطالبني بشيء، كأنما سدت نفسه عن المرح، وازداد التصاقا بي، كأنه يريد أن يحتمي أو يهرب من أي صوت، حتى لو كان صوت غسالة، ولم يعد ينطق بحرف، كأن لسانه انعقد وجسمه تجمد، فأخذته إلى صدري واحتضنته وقبلته، فاستكان في حضني، استكانة الطيور عند المبيت، وسرعان ما غاص بنوم عميق.
بعد أيام، كوفئ الطيار على «بطولته»، وبعد سنتين عيِّن قائدا عاما للجيش، وعندما سرح عيِّن وزيرا للعدل، وصار يتكلم كثيرا عن الأيدي الملطخة بالدم.
كان ذلك مساء أحد أيام كانون الثاني، أول العقد الأول من القرن الأول من الألفية الثالثة، وكان جو الغرفة دافئا بفعل النار المتقدة التي تزيد حرارتها عن مقاسات الغرفة الصغيرة، ورغم البرد القارس الذي يهاجم الناس في الخارج، ويتربص بمن يلوذون داخل بيوتهم بدفء نيرانهم، كانت أصوات قطرات مياه المطر، المنهمر من أبواب السماء المفتوحة على مصراعيها، تطرق على السطح وعلى الجدران الخارجية، فتصل إلى أُذُني، وتمزق الهدوء الذي يسود جو الغرفة الصغيرة، والدفء المنبعث في أوصالي والهدوء في أعصابي، أنا بطبعي أحب الهدوء الممزوج بالدفء وأتضايق من أي تمزيق له، حتى لو كان بفعل حبة برد بلورية بيضاء آتية من الفوق اللامحدود، ورغم التجاوب المعلن لجسمي مع هذا الهدوء والبرد والمطر وضجيجه، جاء أمين الصغير، بحركاته الرشيقة وجسمه المرن كالخيزران وبحركاته الرياضية العجيبة والكبيرة بالنسبة لجسمه ولسنِّه، جلس بجانبي فضممته إلى صدري وقبلت أطراف شعر رأسه واحتظنته بشدة أبثه دفء المشاعر، فاستكان كما تستكين صغار العصافير إلى أجسام أمهاتها حين تنطوي تحت أجنحتها.
قلبت محطة التلفزيون، هربا من الأخبار التي تبعث الكآبة، أبحث عن محطة تبث برامج للأطفال، وكان «توم وجيري» فتهللت أسارير وجه أمين، وضحك ضحكة كلها احساس بالسعادة، بقدر ما فيها من براءة، اعتدل في جلسته متحديا البرد وقال «بدي هذا»، وأصغى اصغاء كاملا لصوت البرنامج وصوره وأدار لي ظهره كأنني لم أحضنه أو أقبله، تخيلت عينيه الباسمتين وهما تتبعان توم وجيري على الشاشة الصغيرة، وأحسست بجسمه يتململ بحركات تجاري الحركة على الشاشة الصغيرة، وبنبضات دمه تضج في عروقه، وذبذبة عضلاته تسابق الحركات البهلوانية، فأخذت أعايشه وأتمنى لو أغوص في بحر أفكاره، لأدرك ما يدور في رأسه، وأحاول استكشاف سيناريوهات مستقبله المجهول، لمعرفة ما ينتظره. وفجأة انتفض وكشف عن طفولته وحيويته الصاخبة وحركاته السريعة، وتذكر أنني بجانبه، فاستدار نحوي يقطع حبل أفكاري الثقيلة بصوته الناعم الذي انساب في أذني انسياب النسمة الرقيقة في ليالي الصيف الصافية، أنعشني صوته وأحسست بالراحة والانفراج في عتمة هذا الزمن، ليقول لي «بدي أغيرها» يقصد تغيير المحطة، استجبت لطلبه وأخذت أقلب صفحات المحطات على الشاشة الصغيرة، حتى طالعتني صورة فتاة لا يتجاوز عمرها الأثنتي عشرة سنة، تتهادى بسذاجة ظبية حين ترفع عنقها، كأنها ترى الدنيا عشبا أخضر وماء صافيا، تمسك بيدها خيطا مربوطا بطيارة ورقية من أربعة ألوان، الأخضر والأحمر والأبيض والأسود، تنتقل من مكان لآخر بهدوء أحيانا، وبسرعة أحيانا أخرى، تكاد تطير من الفرح مع طيارتها، فأحسست أن أمين الصغير يكاد يطير من الفرح لفرحها، ويعيش معها ومع طيارتها، يميل إذا مالت، ويتحرك إذا تحركت، ويركض في فراغ الغرفة الصغيرة إن هي ركضت، وظل هكذا إلى أن ظهرت فجأة طائرة كبيرة وسريعة، وانقضت على الفتاة الصغيرة وقصفتها كما تقصف الدبابات أو القلاع الحصينة بصاروخ، لمع كالبرق، ودوى كالرعد، فأطار الحجارة من أماكنها وأثار غبارا كثيفا حجب الرؤية... وعندما ابتعدت الطائرة ولحق بها صوتها وأخذ كل شيء يهدأ، فتش أمين عن الفتاة بعينيه وبكل تعابير جسمه، ولما لم يجدها، سألني عنها بصوت مبحوح وحنجرة مغلظة وصدر يعلو ويهبط فأجبته «قتلتها الطائرة الكبيرة».
ترقرقت الدموع في عينيه، وضغط على الضابط بعصبية الكبار، وبغضب المقهورين، كأنه يريد تحطيمه.
وهدأ كل شيء، التلفزيون وأنا وأمين الصغير، وببراءة الأطفال وبتلقائية رمى نفسه في حضني وانكمش، ولم يعد يطالبني بشيء، كأنما سدت نفسه عن المرح، وازداد التصاقا بي، كأنه يريد أن يحتمي أو يهرب من أي صوت، حتى لو كان صوت غسالة، ولم يعد ينطق بحرف، كأن لسانه انعقد وجسمه تجمد، فأخذته إلى صدري واحتضنته وقبلته، فاستكان في حضني، استكانة الطيور عند المبيت، وسرعان ما غاص بنوم عميق.
بعد أيام، كوفئ الطيار على «بطولته»، وبعد سنتين عيِّن قائدا عاما للجيش، وعندما سرح عيِّن وزيرا للعدل، وصار يتكلم كثيرا عن الأيدي الملطخة بالدم.
Page 7
آمين
جدتي - أطال الله في عمرها - لم تدرس لغات أجنبية أو علوما اقتصادية أو سياسية أو عسكرية ولم تقرأ تاريخ العرب المجيدعن حروب صلاح الدين أو أدب محمد عبده أوجمال الدين الأفغاني.كل ثقافتها أنها عاصرت جمال عبد الناصر وبكت يوم النكسة ويوم التنحي.
وبعدها صارت تشتم أمريكا لأتفه الأسباب.
تشتمها أحيانا بسبب وأحيانا بلا سبب.
شتمتها عندما سوّقت لنا ثرواتنا المرغوبة والرائجة، وفتحت لها أسواقا في بلادها، تحت رعايتها، متقاسمة معنا ثرواتنا تقاسم الأقطاعي مع الأجير أو السيد مع العبد.
شتمتها عندما صنعت لنا استسلاما مدعية أن هذا سلام.
وشتمتها عندما صممت لنا إسلامًا وديمقراطية على مقاسها كما يصمم مصمم الأزياء الملابس على الموضة التي يريدها.
شتمتها عندما رأت ما يفعله جنودها في العراق.
وشتمتها عندما رأت بوش يقرأ الفاتحة مع العرب على حصار الشعب الفلسطيني ويعطي «الأوكي» لسفك الدم الفلسطيني المغموس بالصمت العربي الذي يتردد صداه في القطبين.
شتمتها عندما رأت بوش يتناول سيفا عربيا يده من ذهب ويرقص به على الدم الفلسطيني.
وشتمتها عندما اخذ الباز بيده متباهيا بكرم العرب، بدمائهم، بثرواتهم، بزعامتهم وبغبائهم، وحتى بطيور السماء الحرة أكثر من نسائهم وشعوبهم، ليصطاد من يريده من أبناء الشعب الفلسطيني، ثم ليزج بها بعد ذلك في غياهب سجن غوانتينامو أو سجن مجيدو أو كتصيعوت.
وشتمتها عندما رأت زعماء العرب، يفرشون المنتجعات السياحية بالبسط الحمراء، كي لا يتوسخ حذاء بوش المصنوع من جلودهم برمال الصحراء.
وشتمتها عندما صممت لنا سلاما وديمقراطية على مقاسها، كما يصمم مصمم الأزياء الملابس على الموضة التي يريدها.
وأنا كعادتي، لا آخذ كلام جدتي على محمل الجد، على اعتبار أنها عجوز بنصف وعي، ولكن لا أرد لها كلامها، احتراما لسنها أولكونها جدتي التي ليس لي غيرها، فأوافقها على شتيمة أمريكا بصمت لا ترتاح له.
فتشدني من أذني وتقول:
«قل آمين»
فأقول وأنا أبتسم «آمين» رغم أني مؤمن أن الشتيمة لا تليق ولا تكفي.
Page 8
دموع الرئيس
موكب الجنازة يتقدم بخطى ثقيلة، كمن تتحكم به خيوط تحركها أيد خفية، والرئيس الذي يشارك في الجنازة، يسير محفوفا بحراسه ومعاونيه المتأهبين لكل طارئ غير متوقع، وفجأة اعترض طريقه ثلاثة أطفال، قتل والدهم الضابط، عندما اقتحم مع وحدته العسكرية، بعد صلاة الفجر قرية هادئة هدوء الليل، قبل أن تنعم بصبح جديد وشروق جديد، قال أحدهم للرئس:
أين أبي؟
قال الثاني:
أريد أبي.
قال أكبرهم وكان يعي ما يجري في البلاد:
أنت قتلت أبي.
وعلى غير عادته غرقت عينا الرئيس بالدموع، وهو الذي صدر أمر دولي باعتقاله في أي مطار يهبط فيه، لارتكابه جرائم حرب، فالتفت الرئيس من خلال دموعه إلى أحد معاونيه وقال:
يمكنني أن أعلن حربا على كل الدول المحيطة بنا معا، ولكني لا أعرف ماذا أقول لأطفال الضابط القتيل.
فاضت عينا المعاون أيضا بالدموع، وقال مواسيا رئيسه ومتعاطفا معه:
سيدي الرئيس «أنت نوعية نادرة، ليس هناك على سطح الأرض أو في باطنها من هو بمثل إنسانيتك أو حتى يفكر مثلك».
Page 9
سذاجة
كان مروان يحب القراءة كثيرا، وكان يحب زميلته سلوى كحبه للقراءة، لذلك كان يقاسمها كل ما يقرأه، يقاسمها اللقمة الطيبة والسهرة الممتعة والرحلة الشيقة،كان إذا قرأ قصة وأحس بمتعة قراءتها، نادى على سلوى وأعاد على مسمعها قراءة القصة، مضيفا ما أمكنه من التجويد والحركات، وكأنه يمثلها، مما يجعلها أطيب من اللقمة بفم الذي يكاد يموت جوعا، فيزداد اعجاب سلوى به، وحبها له، ويدخل السرور إلى قلبها، ويرسم على وجهها بسمة واسعة تبدأ من عينيها وتنتهي تحت شفتيها.
وعندما اشترى آخر كتب زكريا تامر، قرأ لها قصصا عديدة منه، وشرح لها ما يقصده الكاتب، في رؤيته للرجل الشرقي، المتعطش للجنس، تعطشه للمال والحرية والكرامة، وكيف أن هذا الرجل يضطرب حين يرى نهدي امرأة يضغطان بشدة على ثوبها، أو يرى ساقها أو عنقها أوعينيها. وتحمر خدوده كالأطفال، حتى لو كان يقف على شاربه صقر، إذا هي لمسته أو حيّته تحية الصباح أو المساء.
قرأ لها عن لمى التي تسهو وتضع في فمها كل ما تمسكه يداها، حتى بعد أن تزوجت، وقرأ لها عن المرأة التي ظن زوجها أنها بريئة كقطة مغمضة العينين، وفي ليلة دخلتها سبحت الخالق مما رأت، وقرأ لها عن الرجل الصالح الذي أنزل مطرا، إذا لمست قطرة منه الرجل ازداد رجولة لا يختلف عليها اثنان، وإذا لمست قطرة منه امرأة ازدادت أنوثتها.
في البداية كانت سلوى تخجل وتحمر خدودها كالأطفال الصغار، وتستعيذ بالله من هذه القصص وتستنكر بشدة، ولكنها لم تطلب منه أبدا أن يتوقف عن القراءة، ثم صارت حين ينهي قراءة قصة تسأله عن القصة التالية.
أراد مرة أن يختبرها، فتوقف عن القراءة وتصنع النعاس، فهزته بيديها بقوة أدهشته، وقالت.
أتريد فنجانا من القهوة، تجدد قواك وتستعيد نشاطك؟
عندئذ اطمأن مروان إلى أن سلوى أكثر سذاجة من لمى، ومن كل بطلات القصص التي قرأها.
Page 10
عش الدبابير
1
عاد محمود من عمله منهكا، محني الظهر، كأنه يمشي على أربع ورمى نفسه على السرير، دون أن يخلع حذاءه أو يغسل وجهه أو يتناول عشاءه، وما أن أسلم نفسه إلى السرير حتى راح في نوم عميق، رأى نفسه فيه نسرا عجوزا هرما يطير عاليا يمر فوق جحر للدبابير، ويقع ظله على باب الجحر مكونا نوعا من الظلمة،مرت مسرعة كما يمر الطير،وحين انقشعت الظلمة سارعت ملكة الدبابير غير المتوجة في جحرها إلى استنفار العاملات والذكور، وعقدت مجلس دفاعها لبحث ألاعتداء الطارئ الذي يهدد وجود الجحر كله،وللتشاور في كيفية الرد على وقاحة هذا النسر، والكل يعرف جيدا ما جرى لتلك السنونو الصغيرة التي لم تتقن بعد فن الطيران أو التحليق في الفضاء الواسع، حين ساقتها أجنحتها إلى المرور أمام الجحر، فهاجمتها الدبابير وصبت معظم سمها في جسمها الطري، الذي لم يكسه الريش بعد،وعلى، أثرها ظلت الدبابير تحوم حول السنونو، لتتأكد من تغلغل السم في جسمها الطري ومن سريان مفعوله.
وخوفا من عودة غيرها من السنونو أو من الطيور ظلت الدبابير في استنفار متواصل وتناوب مستمر.
عندما تجرأ هذا النسر العجوز وتحدى الشمس وألقى بظله على باب الجحر، محدثا نوعا من العتمة العابرة، ازداد الاستنفار والتأهب وانطلقت الدبابير بدوريات منظمة مبرمجة، كانتظام الجيوش النظامية الحديثة والمدربة تلاحق النسر العجوز، تقطع عليه مسار طيرانه، تهاجمه وتحاول استعمال إبرها السامة، فيرد عليها بتجاهل الكبار من النسور ووقارهم، إلى أن ساقته جناحاه إلى حديقة مسيّجة بأسلاك متشابكة،فيها أشجار خضراء ونوافير ماء جار، وطيور مختلفة كبيرة وصغيرة، استأنس بها واطمأن، فرأى الدنيا واحة خضراء وشمسا مشرقة لا غيوم فيها تحجب ضوء الشمس، ولا ظلال تستفز الدبابير والحشرات السامة والحشرات الضارة، فهبط لاستراحة قصيرة، إلّا أنه اصطدم بأسلاك شائكة، فوقف عليها وأحنى رأسه بإذلال يصارع انكسار شموخه وكبريائه، بعد أن فشلت الدبابير من النيل من وقاره، لكنه فوجئ بحارس يرتدي بزة شبه رسمية وقبعة سوداء يصحو من غفوته على صوت الارتطام، يشهر بندقية غير عادية ويقول:
- إذهب بعيدا أيها النسر العجوز.
- إنني أهيم في هذا الفضاء الواسع.
- أنا رب هذا الفضاء...
- ورب السماء؟!!
- رب الفضاء من يملأه بالقوة، إذهب وإلّا...
- أنت تشبه الدبابير!
- رصاصات بندقّيتي حين تتناثر أخطر من سمّ الدّبابير...
- لكني عجوز مسالم ...
- إذهب دون سلام عليك أو على غيرك.
شهق النسر شهقة أيقظت محمودا من نومه فهب نشيطا كأن النوم أخذ التعب والكد وطار.