Page 1
لا يفكّر أحد قطّ في أنه قد يجد نفسه وامرأةً ميتة بين ذراعيه وأنه لن يرى وجهها وإنما سيذكر اسمها. لا يفكر أحد في أنّ أحداً قد يموت في لحظة بعيدة كلّ البعد عن أن تكون موائمة، وإن كان ذلك يحدث كلّ آن، ونحسب أنْ لن يموت قربنا أحد إلا إذا كان موته مرتقباً. فكثيراً ما تخفى الأحداث أو الظروف علينا. وكثيراً ما يُخجل الأحياءَ أو من يموت، إن كان على وعي، شكلُ الموت الممكن ومظاهره وسببهُ أيضاً، سواءٌ أكان عسر هضم من أكل المحار أم لفافة مشتعلة عند النوم فتحرق الملاءات، أو ما هو أسوأ من ذلك، صوف بطانية، أم انزلاقاً في الحمّام أو على سقّاطة قفل ملقاة ثمّ السقوط على القفا، أم صاعقة تقصم شجرة في جادّة كبيرة، وهذه الشجرة تسحق أو تحصد عند سقوطها رأسَ أحد المارّة الذي قد يكون أجنبياً؛ سواءٌ أكان الموت والمرء لابس جوربيه، أم في محلّ حلاقة واضعاً مريلة كبيرة، أم في ماخور، أم في عيادة طبيب أسنان، أم عند أكل سمك فيعترض الحلقَ عظم، ثم الموت بالغُصّة كالأطفال الذين لا تكون أمهّاتهم قربهم ليدخلن إصبعاً فينقذنهم؛ الموت وقد حُلق نصف الوجه، وما يزال الخدّ الآخر مملوءاً بالرغوة، فتظل اللّحية متنافرة حتى نهاية الأزمان إذا لم يتنبّه أحد لذلك ويُكمل العمل بدافع شفقة جمالية؛ حتى لا أذكر لحظات في الوجود هي أقلّها نبلاً وأخفاها، لحظات لا يذكرها أحد بعد عصر المراهقة، إذْ لا توجد حجّة لذكرها بعد ذلك، وإنْ وُجد من ينعشها ليجعل ظريفاً ما ليس بظريف قطّ. لكنّ هذا (الموت) موت رهيب، يقال عن بعض الميتات؛ لكن (هذا) موت مضحك، يقال أيضاً وسط القهقهات. ترِد القهقهات لأن الحديث يدور حول عدوّ قضي أمره أخيراً، أو حول أحدٍ ما بعيد، أحدٍ ما واجهنا ذاتَ مرة، أحد يسكن الماضي البعيد منذ مدّة طويلة، كأن يكون إمبراطوراً رومانياً، أو أحد أجداد الأجداد، أو بالحريّ أحد ما متسلِّط يُرى في موته الفظّ الذي نتمنّاه في أعماقنا للناس جميعاً ونحن منهم، عدالةً ما تزال حيّة، ما تزال بشرية؛ ما أفرحني بهذا الموت! ما أحزنني له! ما أحفاني به! أمّا الضحك، فحسبنا أن يكون الميت إنساناً مجهولاً نقرأ عن كارثته المضحكة لا محالة في الصحف. يا للمسكين! يقال وسط الضحكات؛ الموت كتمثيلية، أو كمشهد يُعلن عنه، وكل القصص التي تُروى، أو تُقرأ أو تُسمع يُنظر إليها على أنها مسرحية، فهناك دائماً درجة من اللاواقعية في ذلك الذي نُعلم به وكأنّ شيئاً لا يحدث البتّة، حتى الذي يحدث لنا ولا ننساه. حتى الذي لا ننساه.
Page 2
هناك درجة من اللاواقعية في ما حدث لي، وفوق ذلك لم يُختتم بعد، أو ربما كان يجب عليّ أن استعمل زمناً آخر للفعل ـ زمن الماضي المطلق وليس القريب ـ كما استعمله الكلاسيكيون في لغتنا عند القصّ وأقول: ما قد كان حدث لي وإن لم يُختتم الحدث. وربّما كان أثار فيّ الضحك عند قصّه. لكني لا أؤمن بذلك، لأنه لمّا يصبحْ بعيداً، وميّتتي لا تقطن الماضي منذ مدّة طويلة، وهي بلا ريب لم تكن متسلّطة ولا عدوّة؛ لا أستطيع القول إنها كانت مجهولة، وإن كانت معرفتي بها ضئيلة لمّا ماتت بين ذراعيّ، في حين زادت معرفتي بها الآن. لحسن الحظ أنها لم تكن قد تعرّت بعد، أو لم تتعر عريّاً كاملاً، بل كنا بالضبط في سبيلنا لنتعرّى، كلٌّ منا يعرّي الآخر كما يحدث عادة في المرّة الأولى، أعني ما يحدث في الليالي الافتتاحية التي تتخذ مظهر الفعل المُرتجل، أو تتراءى عفوية إنقاذاً للحياء، ومن ثمّ القدرة على اكتساب إحساس بحتمية الأمر، وهكذا يُطّرح الإثم الممكن جانباً، فالناس يؤمنون بالمقدور وبتدخّل الجنّ إذا ناسبهم ذلك. وكأن للناس جميعاً مصلحة بالقول إذا حان الحين: «أنا لم أسعَ إلى ذلك، ولم أرده» إذا ما انجلت الأمور عن سوء، أو كانت وخيمة، أو إذا تاب المرء، أو تبيّن أنه ألحق الضرر بنفسه. «أنا لم أسع إلى ذلك، ولم أرده». ربّما وجب عليّ أن أقول الآن إذ أعلم أنها ماتت، وأنها قد ماتت على شكل غير ملائم بين ذراعي من غير أن تعرفني تقريباً، وما كان ينبغي لي أن أكون إلى جانبها من غير حقّ. قد لا يصدّقني أحد لو قلت هذا القول، ومع ذلك لا أهتم له كثيراً، لأني أنا من يقصّ القصّة، ويُسمع لي أو لا يُسمع لي: هذا هو كل شيء. أقول الآن إذاً، أنا لم أسعَ إلى ذلك ولم أرده. وهي لا تستطيع أن تقول ما أقول ولا أن تقول شيئاً آخر، ولا أن تكذّبني؛ وكان آخر ما قالته: «يا ربي! ومَنْ للطفل!» أمّا أول ما قالته: «لست على ما يُرام، لا ادري ماذا يحدث لي»، أعني أول شيء بعد قطع عمليّة التعرّي، فقد كنّا وصلنا مخدعها، وكنا شبه مستلقيين، شبه كاسيين، شبه عاريين. وانسحبت بغتة، وغطّت شفتي وكأنها لا تريد أن تقبّلهما من غير أن تنتقل من مداعبة أو لمسة حنان أخرى، ونحّتني بلطف بقفا يدها، واستلقت على جنبها وقد أولتني ظهرها، ولمّا سألتها: «ماذا بك؟» فأجابتني: «لست على ما يُرام. لا أدري ماذا يحدث لي. فرأيت حينئذ قفا عنقها الذي لم أكن رأيته قط، وقد ارتفع شعرها قليلاً وتجعّد قليلاً وتبلّل بالعرق قليلاً ولم يكن الطقس حاراً، قفا تسع عشري تجري عليها أخاديد أو خيوط من الشعر الأسود الملتصق كدم في سبيله ليجفّ أو كطين، أو كرقبة من انزلق في الحمّام. ومازال لديه فسحة من الوقت ليغلق الصنبور، كل ذلك كان سريعاً جدّاً ولم يفسح المجال لصنع شيء. لم يفسح المجال لطلب طبيب (لكن، أي طبيب يُطلب في الساعة الثالثة فجراً. والأطبّاء حتى في ساعة الغداء لا يذهبون إلى البيوت)، ولا لإعلام جارٍ (لكن، أيّ جارٍ إذا كنت لا أعرف الجيران، ولم أكن في بيتي، وما كنت قطّ من قبلُ في ذلك البيت الذي أنا مدعّو إليه، وأنا الآن دخيل، حتى لم أدخل ذلك الشارع، وإنما كنت مرات قليلة في الحيّ منذ مدّة بعيدة)، ولا إلى مخابرة الزوج (لكن، كيف يمكنني مخابرة الزوج، وفوق ذلك هو على سفر، حتى أني لا أعرف اسمه كاملاً)، ولا إلى إيقاظ الطفل (ولأي شيء أوقظ طفلاً بُذل جهد كبير كيما ينام)، ولا إلى أن أحاول تقديم العون لها، فقد أحسّت بالمرض فجأة وفكّرت في البداية أو فكرنا أن العشاء أثقل عليها لكثرة ما تخلّله من تقطّع، أو فكرت أنا وحدي، أنها ربما أكتأبت أو ندمت أو ساورها خوف، والأشياء الثلاثة تتخذ غالباً شكل الانقباض والمرض: الخوف والكآبة والندم خاصّة إذا تزامن هذا الأخير والأفعال التي تثيره، كل الأفعال في آن واحد؛ نعم، ولا، وربمّا، وأثناء ذلك تتابعت كلّها أو زالت، والتعاسة هي في أنك لا تعرف، ولكنك ملزم بالعمل، فلا بدّ لنا من إعطاء الزمن مضموناً، الزمن الذي يضغط ويتابع جريانه من غير انتظار لنا، فنحن نسير أبطأ منه: التعاسة في اتخاذ قرار من غير علم والعمل من غير علم، وبالتالي نترقّب ترقباً، وأكبر كارثة وأكثرها شيوعاً أن نترقّب ما يأتي بعد ذلك، نراها بالطبع على أنها كارثة صغرى، لكنها بمرأى منّا جميعاً كل يوم.
Page 3
هي شيء يعتاده المرء اعتياداً فلا يلتفت إليه كثيراً. احسّت بالمرض ولا أجرؤ على تسميتها. مارتا هذا ما كان اسمها، وتيّبث كنيتها، قالت إنها أحست باضطراب وسألتها: «أي نوع من الاضطراب، في المعدة أم في الرأس؟»، «لا أدري. هو اضطراب رهيب في كل أنحاء جسمي. أحس بنفسي أموت». ذلك الجسم الذي أخذ يصبح ملك يدي؛ يدان تجريان في كلّ الاتجاهات، يدان تضغطان أو تداعبان، أو تتحرّيان وتضربان أيضاً (أوه، كان ذلك من غير إرادة مني، من غير قصد، ربّما من غير انتباه)، حركات آليّة تقوم أحياناً بها اليدان اللتان تتقريّان كامل جسم ما تزالان لا تعرفان إن كان يلذّ لهما، ثم يعاني هذا الجسم فجأة الاضطراب، وعكة هي أشدّ الوعكات غموضاً تشمل الجسم كلّه كما قالت هي، وكان آخر ما قالته: «أحس بنفسي أموت»، لم تقل ذلك تفصيلاً وإنما جملة جاهزة. هي ما كانت تصدّق الأمر ولا أنا أيضاً، وفوق هذا كانت قالت: «لست أدري ماذا يحدث لي». وألححتُ عليها لأن السؤال طريقة في تجنّب العمل، ليس السؤال فقط، وإنما الكلام والقصّ يبعد القبلات ويمنع الضرب واتخاذ إجراءات، والتخلّي عن الأمل. وماذا كان بوسعي أن أعمل خاصّة في بداية الأمر لمّا كان كل شيء يبدو عارضاً حسب قواعد ما يجري وما لا يجري، قواعد تتحطّم أحياناً؛ «لكن، ألديكِ رغبة في التقيّؤ؟» هي لم تجب بالكلمات وإنما أومأت نافية بحركة من رقبتها التي عليها ما يشبه الدم الجاف أو الطين، وكأن النطق يثقل عليها. نهضتُ من السرير ودرت حوله وركعت قربها لأرى وجهها، ووضعت يدي على زندها (اللمس يواسي، ولنذكر يد الطبيب). كانت عيناها مغمضتين وقد أطبقت عليهما بأهدابها الطويلة وكأنما يؤذيها ضوء المنضدة الليلية الذي لم نطفئه (لكني كنت أفكر في إطفائه سريعاً، وكنت شككت قبل مرضها في أن أطفئه أو أتركه حتى حين. كنت أريد أن أرى، بل كنت في سبيلي لأرى ذلك الجسد الجديد الذي كان سيلذّ لي يقيناً، فلم أطفئه). وتركته مشعلاً، وقد يكون ذا نفع لنا الآن نظراً إلى حالتها الطارئة، إلى مرضها أو انحطاط قواها، أو الخوف أو الندم؛ «أتريدين أن أستدعي طبيباً؟» وفكّرت في أرقام هواتف الطوارئ التي لا أترقّب أن تجيب، وتبدو كخيال الظلّ في اللائحة الهاتفية. ورفضتْ مرة أخرى بحركة من رأسها، وسألتُ: «أين موضع الألم؟» فأشارت من غير رغبة إلى منطقة غير محدّدة تشمل الجذع والمعدة وأسفل المعدة، في الواقع تشمل الجسم كله ما عدا الرأس والأطراف. كانت معدتها مكشوفة، أمّا الصدر فلم يكن كذلك كله، كانت ما تزال تضع على ثدييها حاملة الثديين من غير حمّالة، وإن كان دبّوسها قد فُكّ، كانت أثراً من آثار الصيف وتشبه القسم الأعلى من (بكيني)، وكانت ضيّقة عليها، وربما لبستها قديمة إلى حدّ ما، لأنها كانت بانتظاري هذه الليلة، وكان كل شيء قد أُعدّ خلافاً للمظاهر والمصادفات التي اختُلقت بعناية كيما تقودنا إلى سريرها ذاك (أعَلم أن بعض النساء يستعملن مقاييس صغرى لإبراز أثدائهنّ). كنت فككت الدبّوس، لكن قطعة القماش لم تسقط، لأن مارتا كانت ماتزال تثبّتها بذراعيها، أو بإبطيها ربما من غير رغبة الآن: «أزال الألم عنك؟»، «لا، لا أدري. ربما لم يزل». قالت مارتا تيّيث بصوت أصبح غير ناعم وإنما صار مشوّهاً جرّاء الألم أو القلق، لأني في الحقيقة ما كنت أعلم إن كانت تتألّم. «انتظر قليلاً، أكاد لا أستطيع الكلام»، أضافت. والمرض يبعث على الكسل، ومع ذلك قالت شيئاً آخر، فهي لم تكن على درجة كبيرة من المرض حتى تغفل عني، أو أنها كانت محترمة في كل ظرف، وإن كان الظرف حالة نزع. ففي تعاملي الضئيل معها بدت لي شخصاً محترماً (لكنّا ما كنا نعلم حينئذ أنها في سبيلها لتموت): «مسكين!» قالت، «ما كنت تحسب هذا الحساب. ما أرهب هذه الليلة!» ما كنت أحسب حساب شيء، أو ربما نعم، كنت أحسب حسابها هي. والليل لما يصبح رهيباً حتى تلك الساعة، وإن كان مضجراً قليلاً، ولم أعلم إن كانت تحدس بما سوف يحدث لها عمّا قليل، أو أنها تشير إلى الانتظار المرهق بسبب الطفل الذي لا ينام. فنهضت ودرت حول السرير مرة أخرى واستلقيت على الجانب الذي كنت أشغله من قبل، أي على الجانب الأيسر مفكراً (رأيت قفا رقبتها المتيبّسة المخطّطة المتشنّجة كأنما أصيبت بالبرد): «لعلّ من الخير لي أن أنتظر ولا أسألها خلال فترة ما، وأدعها هادئة لأرى إن كان يزول عنها الألم ولا أُلجئها إلى الإجابة عن أسئلة، ولا أعاين كل بضع ثوان إن كان تحسّن وضعها قليلاً أو ساء قليلاً، فالتفكير في المرض يفاقمه، كما هو الحرص عليها حرصاً مفرطاً في دقتّه».
Page 4
نظرت صوب جدران ذلك المخدع التي لم أمعن النظر فيها لمّا دخلتُ، بل كان نظري معلّقاً بالمرأة التي كانت تقودني من يدي، وكانت حينئذ منتعشة أو خجلة، والآن متوعّكة أشدّ التوعّك. كان في المخدع مرآة بطول القامة كاملة تقف إزاء السرير وكأن المخدع حجرة في فندق. (زوجان كان يسرّهما أن يتراءيا في المرآة قبل الخروج إلى الشارع وقبل الاضطجاع. وما عدا ذلك، كل ما فيه يشي بمخدع زوجي يتّسع لشخصين وفيه آثار خلّفها زوج على المنضدة الليلية الموجودة إلى جانبي. أما هي فقد انزلقت منذ البدء صوب الجانب الذي ربما تشغله كل ليلة وكل صباح كأنه أمر آلي لا يقبل الجدل): وآلة حاسبة، وفتّاحة رسائل وقناع لطرد ضوء المحيط وبعض القطع النقدية، ومنفضة متّسخة ومنبّه مع مذياع، أما الفراغ السفلي فيشغله صندوق من التبغ بقيت فيه علبة واحدة، وزجاجة كولونيا خاصّة بالرجال من طرز (لو)، ربما أهديت إليه، وربما كانت الهدية من مارتا نفسها بمناسبة عيد ميلاد حديث، وروايتان أهديتا إليه أيضاً، (أوليستا كذلك، لكني لا أحسبهما شراء) وأنبوب من دواء ريدوكسون فوّار، وإناء فارغ ربمّا لم يُتح له الوقت لرفعه قبل الانطلاق في سفره، وملحق صحيفة يتضمن برنامج تلفزة لم يره لأنه اليوم في سفر. كان التلفاز عند قدمّي السرير إلى جانب المرآة، وهذا يشي بأنها عائلة مرفّهة، وخطر لي خلال لحظة معيّنة أن أشغّله بجهاز التحكّم عن بعد، لكن الجهاز كان على المنضدة الأخرى، أي منضدة مارتا، وكان ينبغي لي أن أدور حول السرير مرة أخرى، أو أزعجها ببسط ذراعي فوق رأسها، وفي ما عساني أفكر إن كان ماداهمها كآبة أو خوف؟ وبسطت ذراعي، وأخذت جهاز التحكّم فلم تنتبّه وإن احتكّ شعرها بكمّ قميصي المشمور. على الجدار الأيسر نسخة من لوحة فنيّة فيها شيء من الحذلقة، وأعرفها جيّداً. إنها للرسام برتولوميوده فينيتزيا، رسمها في فرانكفورت. اللوحة تمثل امرأة تحمل الغار وتضع طرحة على رأسها وقد استرخت ذوائبها المعقوصة، والتاج على جبينها وقبضة من الأزاهير المختلفة في يدها المرفوعة، وصدرها مكشوف (بالحريّ من غير ستر)؛ في الجدار الأيمن خزن غاصّة بالملابس، وبيضاء اللّون كالجدار. قد تكون في داخلها الثياب أو معظم الثياب التي لم يأخذها الزوج معه في سفره إلى لندن.
Page 5
سيغيب مدة بسيطة» كما أعلمتني مارتا خلال العشاء. يوجد أيضاً كرسيّان عليهما ثياب لم تُجمع، ربما كانت ثياباً متّسخة، أو ربمّا غُسلت حديثاً ولمّا تُكوَ، فضوء منضدة مارتا الليلية يضيئها جيّداً. أحد الكرسيّين استُعمل شمّاعة عُلقّت عليها ثياب رجل، وهي بنطال ما يزال فيه النطاق والإبزيم الغليظ (وقد فُتح السحّاب مثل كل البناطيل إذا خُلعت)، وزوج من القمصان فاتح الألوان مفكوك الأزرار تشي بأن الزوج كان منذ قليل في ذلك المكان، ولعلّه نهض منه ذلك الصباح، نهض عن الوسادة التي أستندُ بمتني إليها، ولعلّه عزم على ألاّ، يبدّل بناطيله على عجل، وربمّا رفضت مارتا أن تكويها له. فتلك الثياب ما تزال تحمل رائحته؛ ورأيت جوربين أسودين وتنّورتين لمارتا تيّيث لم تكونا من طراز التنّورة التي ما تزال ترتديها، وإنما هي من طراز يتماشى و(الموضة) ولعلّها كانت تجرّبهما متردّدة حتى دقيقة واحدة قبل أن أطرق الباب، فقد لا يعرف المرء قطّ أن يختار أُبهته من أجل مواعيد الغرام (أنا لم أكن أعاني مشاكل في ذلك، ولم أكن على ثقة بأن الموعد غرامي، وكانت ثيابي رتيبة). كانت التنورة التي اختارتها قد تجعدّت على شكل كبير في الوضع الذي اتخذته. كان جسمها تثنّى ورأيتها تضغط بشدّة بإبهاميها على سائر أصابعها الأُخرى. وانكمشت ساقاها وكأنهما تبذلان جهداً لتهدئة معدتها وصدرها، أو تريدان كبحهما بهذا الضغط. وهذا الوضع جعل سروالها مكشوفاً، وكشفت هذه السراويل بدورها عن ردفيها جزئياً لأنها كانت صغيرة المقياس. وفكرت في أن أسحب التنّورة وأنزلها بشكل من الخجل المباغت ولكيلا تتجعّد كثيراً، لكني لم أستطع أن أتجنّب الإعجاب بما كنت أرى. وكان من المشكوك فيه أن أتابع النظر إذا لم يتحسّن وضع مارتا التي ربما تنبّهت إلى هذه التجاعيد، لأنها أخذت بالظهور على التنّورة من وقت سابق، فلا أهمية للثياب في الليالي الافتتاحية، سواء أكانت الثياب التي تُخلع أم الثياب التي تظلّ، نعم، هناك أهمية للجسد الجديد المجهول: ربما، لهذا السبب لم تكوِ شيئاً حتى الآن ممّا كان معلّقاً، لأنها كانت تعلم على كل حال أنها ستضطرّ في اليوم التالي إلى أن تكوي أيضاً التنّورة التي ارتدتها هذه الليلة. وإن أيّاً من التنّورتين ستتجعدّ ليلة تستقبلني وتتلطّخ، وتُدعك وتصبح خارج الاستعمال مؤقتاً في أمثال هذه الحالة.
Page 6
خفّضت صوت التلفاز بجهاز التحكم قبل أن أشغله، وظهرت الصورة كما أردت من غير صوت. أمّا هي فلم تلتفت إلى شيء من ذلك على الرغم من زيادة الإضاءة في الحجرة فوراً. ظهر على الشاشة فريد ماك موري والترجمة مكتوبة. وهو فيلم قديم يُقدّم آخر الليل. استعرضت الأقنية وعدت إلى ماك موري بالأبيض والأسود وإلى وجهه القليل الذكاء. كان ذلك لما لم أستطع تفادي التفكير، وإن كان لا يفكر أحد قط في النظام الذي تُحكى فيه الأفكار أو تكتب، وفكرت: «ماذا أصنع هنا؟ أنا في بيت لا أعرفه، وفي مخدع فرد لم أره قطّ، ولا أعرف عنه سوى اسمه الأول الذي ذكرته زوجته على شكل طبيعي لا يُطاق مرّات عدّة خلال السهرة. وهو مخدعها أيضاً، لذلك أنا موجود هنا ساهراً عليها في مرضها بعد أن نزعت عنها بعض ثيابها، ولامست يدي بدنها، نعم، هي أعرفها وإن تكن معرفتي بها ضئيلة، فقد بدأت منذ أسبوعين فقط، وهي ثالث مرة أراها في حياتي. هتف لها زوجها منذ ساعتين لما كنتُ في بيته أتعشّى، هتف ليقول إنه وصل لندن سالماً، وإنه تعشّى في مطعم بومباي براسّوري عشاء رائعاً، وإنه يتأهّب ليأوي إلى السرير في حجرته في الفندق، وإن عملاً كثيراً ينتظره في اليوم التالي، وإنه في رحلة عمل قصيرة». ولم تقل له زوجته مارتا إني هنا أتناول العشاء معها، وهذا ما جعلني على شيء من اليقين أن ذلك العشاء كان عشاء غرامياً وإن كان الطفل ما يزال حينئذ مستيقظاً. وقد سأل الزوج عن هذا الطفل بلا ريب، فقد أجابته مارتا إن الطفل على وشك أن ينام. وأرجّح أن الزوج قال لها: «أعطنيه كيما أسلّم عليه»، لأن مارتا قالت: «خير له ألا تسلّم عليه، فهو أرق جداً، وإذا كلّمته فسوف يزداد نرفزة ولن تجد أحداً يدفعه إلى النوم». كل ذلك كان محالاً من وجهة نظري، لأن الطفل وهو في الثانية من عمره على زعم أمه، كان يتكلّم بشكل بدائي لا يُفهم إلا بمشقّة، وكان على مارتا أن تسدّد له وتترجم، والأمّهات أولى الهدّافات في العالم والمترجمات اللاتي يفسّرن ثم يصغن ما لم يصبح لغة بعد، ويفسّرن أيضاً الإيماءات ومظاهر الخوف، ومعاني البكاء المختلفة إذا كان البكاء مفكّكاً ولا يعادل الكلمات أو ينبذها أو يعيقها، وربمّا كان الأب يفهمه أيضاً، ولذلك طلب أن يكلّم بالهاتف ذلك الطفل الذي كان يتكلّم كل الوقت والمصّاصة في فمه ممّا يفاقم من صعوبة نطقه. لقد قلت له ذات مرة لمّا كانت مارتا غائبة عنّا لبضع دقائق في المطبخ، وظللنا أنا وهو وحدنا في الصالون الذي هو غرفة معيشة أيضاً، أنا جالس إلى المائدة والمنشفة على حضني وهو على الصوفا والأرنب القزم في يده، ناظرَيْن كلينا إلى التلفاز الشغّال، هو مواجهة وأنا بمؤخّر طرفي: «بالمصّاصة لا أفهمك». فأخرجها طائعاً وأمسك بها في يده بحركة فيها شيء من الأناقة (في اليد الأخرى كان يمسك الأرنب القزم) وردّد بفمه الخالي ما كان يرغب في قوله من غير نجاح أيضاً. وعدم سماح مارتا للطفل بتناول الهاتف زادني يقيناً على يقين.
Page 7
لأن الطفل بشبه كلامه المعوق قد يستطيع على الرغم من كل شيء أن يدلّ أباه على وجود شخص يتناول العشاء في البيت. وأدركت بعد قليل أنه كان يلفظ المقاطع الأخيرة من الكلمات التي تزيد على مقطعين اثنين، حتى هذه كان يلفظها على شكل غير مفهوم (فقال: «رب» بدلاً من شارب، و"آتا" بدلاً من كورباتا، و"صاصة" بدلاً من مصّاصة و"ليه" بدلاً من فيليه، إذ ظهر على الشاشة عمدة ذو شاربين وأنا بلا شاربين وقدّمت لي مارتا على العشاء لحم فيليه إيرلندياً)، وكان من الصعب حلّ هذه الشيفرة حتى لو علم الأب ذلك. لكن هذا الأب ربما يكون ألِف هذه اللغة، وشحذ حاسّته في تفسير لغة بدائية يتكلّمها متكلّم وحيد لن يلبث بعد ذلك أن يهجرها سريعاً. كان الطفل يستعمل قليلاً من الأفعال، لذلك كان يشقّ عليه تشكيل جُمل بل كان يستعمل على وجه خاص أسماء وبعض النعوت، وكان كل شيء عنده له طابع الهتاف والتعجّب. لقد جهد ألا ينام بينما نحن نتعشى أولا نتعشى، فأنا كنت أنتظر عودة مارتا بعد ذهابها إلى المطبخ وعنايتها المفرطة الصبورة بالطفل. كانت الأم وضعت في تلفاز الصالون ـ وهو أوّل جهاز أراه في البيت حتى ذلك الحين ـ شريطاً ذا صور متحركة لترى إن كانت أضواء الشاشة تبعث فيه النعاس. لكن الطفل كان يقظاً وأبى أن يذهب إلى السرير، وهو بجهله العالم أو بمعرفته الهشة به كان يعلم أكثر مما أعلم، فكان يراقب أمه ويراقب هذا المدعوّ الذي لم يره قطّ من قبلُ في هذا البيت، وكان يقوم بحراسة مكان والده. مرّت عليّ لحظات عدّة أردت فيها أن أنصرف، فكنت أحس بأني دخيل أكثر مما أنا مدعوّ. وكان إحساسي بأني دخيل يزداد كلما اكتسبت اليقين من أن ذلك الموعد كان غرامياً، وأن الطفل يعلم ذلك على شكل غريزي كالقطط، وكان يحاول منعه بحضوره مكافحاً النعاس الذي يقتله، وجالساً بهدوء على الصوفا إزاء الصور المتحرّكة التي ما كان يفهمها، وإن كان يعرف الأشخاص لأنه كان يشير من حين لآخر بسبّابته إلى الشاشة. وقد وُفّقت إلى فهمه على الرغم من المصاصة، لأني كنت أرى ما كان يراه، فكان يقول: «تيتّان!» أو «طان!» وكانت الأم تُعرض عنّي مولية اهتمامها له، فتترجم أو تؤكد له كيلا تظلّ كلمة واحدة من كلماته المستجدّة البسيطة من غير احتفاء أو صدى. «نعم، هما تانتان والقبطان، يا حياتي». أنا كنت قرأت تانتان صغيراً في كتب كبيرة الحجم، أمّا أطفال اليوم فيرونه يتحرّك ويسمعونه يتكلم بصوت مضحك، لذلك لم أجد بدّاً من أن أشرد بذهني عن المحادثة المجزأّة وعن العشاء المتقطّع كثيراً، ليس لأني كنت أعرف الأشخاص فقط، وإنما أعرف مغامراتهم والجزيرة السوداء، وكنت أتابعها قليلاً بلا رغبة من مقعدي إلى المائدة من حين لآخر.
Page 8
كان عناد الطفل بألا ينام ما جعلني على اقتناع بما كان ينتظرني (لو نام هو، ولو أردت أنا). كانت مراقبة الأم نفسّها وخوفها الغريزي ذاته ما نمّ عنها أكثر مما نمّ عنها صمتها أثناء محادثتها زوجها في لندن (أعني الصمت عن وجودي)، أو انتظارها لي وقد رتّبت نفسها غاية الترتيب، وأفرطت في زينتها، وتوردّت وجنتاها كثيراً كيما تكون في البيت آخر النهار (أو ربما كانت منوّرة). ظهور الخوف يبعث أفكاراً لدى من أصيب بالخوف، أو لدى من يبثّ الخوف، والحيطة المتخذة حيال ما لم يحدث يجلب الحدث، والشكوك تقرر ما لم يُبتّ فيه قطّ وتحركّه، والخوف من الخطر والترقّبُ يدفع إلى ملء الفجوات التي يخلقانها ويعمّقانها، شيء ما ينبغي له أن يطرأ إذا أردنا تبديد الخوف، والخير في أن نسعى به إلى غايته. فالطفل يتّهم أمّه بأرقه، والأم تتّهم نفسها بتساهلها؛ (خير لنا أن نقضي حفلتنا بسلام)، ربما هكذا كانت تفكر، أو أنها فكّرت هكذا منذ البدء؛ (فإذا ما أثيرت حفيظة الطفل هلكنا)، وكلتا الحالتين تزيل كلّ فعالية تنتج عن التمويه الذي لا مفرّ منه في الليالي الافتتاحية دائماً ممّا يفسح المجال للقول في وقت لاحق إنّ أحداً لم يسعَ إلى شيء ولم يرد شيئاً: وأنا لم أسعَ وراء شيء، ولم أرده. بل كنت أتّهم نفسي أيضاً، ليس بسبب جهد الطفل ألا يستسلم للنوم، وإنما بسبب موقفه منّي وطريقته في النظر إليّ مليّاً: فلم يدنُ منّي في أية لحظة كثيراً، وكان ينظر إليّ بمزيج من عدم التصديق والحاجة أو الرغبة في الثقة. وقد تجلّت هذه الرغبة خاصة لمّا كان يخاطبني بمفرداته التعجبيّة والمعزولة عن بعضها والغامضة دائماً تقريباً، يخاطبني بصوته القويّ الذي لا يُصدق أن يصدر عمّن كان في مثل حجمه. لقد أراني أشياء قليلة، لكنه لم يتخلّ عن أرنبه القزم؛ «الطفل على حقّ وحسناً فعل»، كنت أفكر، «لأنه ما إن ينام حتى احتلّ مكان والده المألوف خلال هنيهة من الزمن، ليس أكثر من هنيهة. هو كان يحس بذلك إحساساً مسبقاً ويريد أن يحمي هذا المكان الذي هو ضمانة له، لكنه، إذْ يجهل العالم ولا يدري أنه يدري، فقد مهّد لي الطريق بخوفه الشفّاف، ودلّني على القرائن التي تعوزني. فهو بعد كل شيء وعلى الرغم من أنه لا يعرف شيئاً، يعرف أمّه خيراً مني لأنها العالم الذي يعرفه خير معرفة، وهو في نظره ليس سرّاً. وبفضله لن أتردّد إن أردت الأمر هكذا». وراح يضطجع شيئاً فشيئاً مدفوعاً بعامل النعاس وانتهى إلى أن تكوّم على الصوفا جرماً دقيقاً قياساً إلى تلك القطعة من الأثاث ـ كالنملة في علبة كبريت فارغة، لكن النملة تتحرك فيها ـ، وظل ينظر إلى الفيديو مستنداً بوجهه إلى الوسائد والمصّاصة في فمه كتذكار أو شعار من سنّه الصغيرة جداً، وقد طوى ساقيه في وضع النوم، أو مقاربة النوم فاتحاً عينيه للغاية، فما كان يسمح لنفسه بإطباقهما ولو للحظة واحدة، وكانت الأم تنحني من حين لآخر من مقعدها لترى إن كان ابنها قد أغفى كما كانت ترغب فيه، إذْ كانت المسكينة تريد أن تبعده عنها، وإن يكن حياتها، كانت المسكينة تودّ أن نبقى معاً وحيدين لمدّة لا خطر فيها (لكنّي أقول "المسكينة" الآن ولم أفكر حينئذٍ في قوله، وربما كان ينبغي لي أن أفعل).
Page 9
أنا ما كانت أسألها ولا أبدي أيّ تعليق حول الموضوع، فما كان يعجبني أن أبدو قلقاً وخالياً من الشكوك، وفوق ذلك، كانت هي تُعلمني على شكل طبيعي كل مرة بعد أن تنحني فوقه: «هوّي! ما تزال عيناه مفتوحتين كالصحن!» وجود ذلك الصبيّ هيمن على كل شيء على الرغم من هدوئه. كان طفلاً هادئاً ويبدو أنه حسن الطبع لا يكاد يثير الضجر، لكنه ما كان يريد بأي شكل أن يدعنا وحدنا، ما كان يريد بأي شكل أن يغيب عن هذا المكان، وما كان يريد بأي شكل أن تبتعد عنه أمه التي تتخذ الآن ذات الوضع الذي اتّخذه ابنها على الصوفا الكبيرة قياساً لحجمه بينا كان يقاوم التعب، أما هي فكانت تقاوم المرض أو الخوف أو الكآبة أو الندم، ولا تبدو جرماً دقيقاً على سريرها ذاته، ولم تكن وحيدة، بل أقف أنا إلى جانبها وجهاز التحكّم بيدي من غير أن أعرف ما أنا صانع. وقلت لها: «أتريدين أن أذهب؟»، «لا تذهب، بل انتظر قليلاً، فلا بدّ للألم من أن يزول عني. لا تتركني!» أجابت مارتا تيِّيث، ثم التفتت بوجهها صوبي بالنيّة أكثر مما هو بالفعل: ولم تبلغ أن تراني، لأنها لم تلتفت التفاتة كافية، بل على العكس من ذلك، دخل مجال رؤيتها التلفازُ الشغّال، ووجه ماك موري الأبله الذي أخذت أقرنه بوجه الزوج الغائب بينا كنت أفكر فيها وفيما حدث وفيما لم يحدث، وفيما كنت أحضّر له حتى ذلك الحين. فلِمَ لا يهتف الآن إذا كان مسهدّاً في لندن؟ فقد يخفّف عنها لو رنّ الهاتف الآن وأمسكت بالسمّاعة وشرحت للزوج بصوت ضعيف أنها مريضة جدّاً وأنها لا تدري ماذا يحدث لها. وسوف يتحمّل هو الأمر وإن كان بعيداً، وسأجد نفسي مُعفى من كل مسؤولية، وأكفّ عن أن أكون شاهداً (مسؤولية من يُوفّق في النجاة فقط، ولا شيء آخر)، ربما استطاع هو أن يهتف إلى طبيب أو إلى جار (نعم، هو يعرفهم لانهم جيرانه وليسوا جيراني)، أو إلى أخت له، أو بنت حميّ ليستفيقوا من نومهم مذعورين ويصلوا في منتصف الليل إلى بيته ليسعفوا زوجه المريضة. وأنصرف أثناء ذلك، وقد أعود في ليلة أخرى إن اقتضى الحال، في ليلة لا نحتاج فيها إلى مساعٍ ومقدّمات أُخرى، قد أزورها غداً مساء في مثل هذه الساعة إذا كنت مطمئناً إلى أن الطفل قد نام. أمّا أنا فلن أنام، لكن الزوج قد يكون عاد قبل الأوان: «أتريدين أن أهتف لزوجك؟» سألتُ مارتا، «على الأغلب سيطمئنك كلامه، وليْعلمْ أنك لست على ما يرام».، نحن لا نطيق ألا يكون أقرباؤنا على علم بآلامنا، لا نطيق أن يظلوا يحسبوننا سعداء إلى هذا الحدّ أو ذاك، إذا أصبحنا غير سعداء بغتة، هناك أربعة أشخاص أو خمسة في حياة كل امرئ ينبغي لهم أن يكونوا على علم بكل ما يحدث لنا فوراً، لا نطيق أن يظلّوا يؤمنون لحظة واحدة أخرى بما أصبح غير موجود، كأنْ يحسبوننا متزوّجين إذا أمسينا أرامل، أو أن لنا آباء إذا صرنا يتامى، وفي صحبة إذا هُجرنا، أو بصحّة إذا أصبحنا مرضى، أو أن يحسبونا أحياء إذا متنا. لكن تلك الليلة كانت ليلة غريبة خاصّة على مارتا تيّيث، كانت بلا ريب أغرب ليلة في تاريخ وجودها. والتفتت إليّ بوجهها التفاتة أكبر، ورأيت ذلك الوجه مباشرة، كما قد تكون رأت وجهي، منذ لحظة فقط كانت تُبدي لي نقرتها التي تزداد تعرّقاً وصلابة. وخيوط الشعر التي تجري فوقها تزداد تلبّداً أو كأنها بُلّلت بالطين، كانت توليني ظهرها العاري الخالي من أية علامات. لمّا استدارت استدارة كاملة رأيت عينيها غائرتين حتى يبدو محالاً أن تريا شيئاً، وقد غطتهما تقريباً الجفون الطويلة، ولا أدري إن كانت الغرابة التي لمحتها في نظرتها تعود إلى أنها قد نسيتني مؤقّتاً، أو أنها لم تعرفني، أو تعود إلى سؤالي وتعليقي أو ربّما لإحساسها الآن بشيء لم تحسّ به قطّ من قبل. افترض أنها كانت تُحتضر، ولم أتنبّه إليها لأن الاحتضار أمر طارئ على الناس جميعاً. «أأنت مجنون؟»، قالت لي، «كيف أهتف له؟ لسوف يقتلني».
Page 10
لما استدارت انزلقت حاملة الثديين التي كانت تضغط عليها إرادياً أو لا إرادياً بذراعيها أو بإبطيها، وسقطت على الفراش وصار جذعها عريان، ولم تفعل شيئاً لتغطيّه: افترض أنها كانت تنازع، وأنا لم أتنبّه لذلك. وأضافت مبيّنة أنها تستطيع أن تتذكرني وأنها لم تفقد وعيها: «آي، يا مسكين! لقد شغلت التلفاز لأنك ضجر، ارفع الصوت إن شئت. ماذا ترى؟» لمّا قالت لي ذلك وكأنه صادر من أعماقها، وضعت إحدى يديها على ساقي إشعاراً بمداعبة لم تستطع إتمامها؛ ثم سحبتها راجعة إلى وضعها موليَة ظهرها ومنكمشة كأنها طفلة، أو كطفلها الذي يرقد أخيراً غافلاً عني وعنها في حجرته، يقيناً هو يضطجع في مهد، ولست أدري إن كان أطفال السنة الثانية تقريباً، يتعرّضون لخطر التدحرج خلال الليل والسقوط على الأرض إن ناموا في أسرّة كما يفعل الكبار، أم ينامون بالتالي في مهود حيث يكونون آمنين: «هو فيلم عتيق لفريد ماك موري»، أجبتها (هي كانت أصغر مني، وسألت نفسي إن كانت تعلم من هو ماك موري)، «لكني لا أراه». وكذلك الزوج ينام أيضاً في لندن غافلاً عنها، جاهلاً بوجودي، فلِمَ لا يستيقظ قلقاً، لِمَ لا يهجس، لِمَ لا يهتف باحثاً عن عزاء في مدريد، عن عزاء في بيته ليعثر هنا بصوت قلق آخر أعظم من قلقه، قلق يجعله ينبذ قلقه ذاته؛ لِمَ لا ينقذنا؟ لكن كل شيء كان منتظماً في منتصف الليل لدى كل الأشخاص أو الوجوه الممكنة التي جاءتها الأخبار متأخرّة: لدى الطفل القريب جداً والجاهل بالعالم الذي يعيش فيه تحت سقف واحد، لدى الأب البعيد في الجزيرة التي ينام فيها عادة بهدوء؛ لدى بنات حميّه أو الأخوات اللاتي قد يكنّ حالمات الآن بالمستقبل المجرّد في هذه المدينة التي لا تهدأ قطّ، والتي يصعب النوم فيها ـ نوم يأتي مغالبة وليس عادة قط؛ منتظمة لدى طبيب ما مُتعب مُنهك ربما كان يمستطاعه أن ينقذ حياة لو انتُزع تلك الليلة من كوابيسه؛ لدى الجيران في ذلك البناء، الجيران القانطين مفكّرين نياماً في اليوم التالي الذي يزداد اقتراباً، ويتقلّص الوقت كيما يستيقظوا ويتراؤوا في المرآة، ويغسلوا أسنانهم ويشغّلوا المذياع؛ ها كم يوماً آخر: ما أتعسه! هاكم يوماً آخر ما أسعده! أمّا أنا ومارتا فلم تكن أمورنا منتظمة، أنا لم أكن غافلاً ولا غارقاً في النوم، وقد كان فات الوقت طويلاً. قلت من قبلُ إن كل شيء جرى سريعاً جداً، وأنا أعلم أنه هكذا كان، لكنني إذا تذكرته بدا بطيئاً بطء حضوري له، فقد كان لديّ إحساس بأن الزمن كان يجري، ومع ذلك كان يجري ببطء شديد في الساعات (في ساعة منضدة مارتا الليلة وفي ساعة معصمي)، أنا كنت أرغب في أن أدعه يجري من غير عجل قبل كل جملة أو حركة مني، ولم أستطع، فإذا مضت دقيقة واحدة بين جملي وحركاتي تقريباً أو بين حركة واحدة أو جملة منّي، فإنيّ أحسبها عشراً أو على الأقل خمساً.