eKtab
EN ع
وما لا يرى
Read free sample

وما لا يرى

by بسمة النمري

Page 1
أبيض
 
اللوحات على الحيطان، وجوهٌ تستدير كلّها نحو الحائط الأخير، عيونٌ جائعةٌ تحدّق إلى بياضه الشاحب، فيما تنكبّ هي على لوحتها، جاهدةً تحاول أن تنجز ذاتها، كي تملأ فراغه القلق الموحش، واللوحة، مصيدة الروح، أبداً تأبى،
 
محال أخيراً تقول·
 
وجهها يشغل الجدار الآن، فلا يلحظ أحدٌ قدميها المتدلّيتين بعيداً عن الأرض·
Page 2
ضجر
 
ضَجَرٌ، وضَجَرُ هذي الليلة لا يُشبع نهمه إلا ناراً أشعلها، فأوقد شمعةً، أحدّق طويلاً إلى لهبها، يومض، يتثنّى، لا يثبتُ على حالٍ لحظةً، ولا يكرّر نفسه أبداً، فيسحرني· يتراقص اللهب الآن فوق الشمع المنصهر على المائدة الخشبيّة، يمتدّ إلى السجّادة تحتها، إلى المقاعد حولها، يلتهم كلّ الضجر، يحيله إلى حفنة رمادٍ أذرّها بعيداً عن روحي، أنتشي، وأغيب·
 
لكن كلّ هذه الجُدر البيضاء حولي الآن، ترجع إليّ الضجر نفسه، آه! لو أنّ هذا الأبله يفكّ قيودي، فأضرم مثل تلك النار من جديد·
Page 3
دمنا
 
دمٌ، دمٌ، دمٌ كثيرٌ يسيل في كلّ مكان، ويغمر كلّ شيء· بيتي ينزف، الجدران بلاط الأرض المقاعد الخزائن الوسائد حتّى اللوحات على الحيطان، تصرخ كلّها، تتلوّى ألماً· أفزع، أودّ لو أفرّ، أحاول لاهفةً أن أعالج جرحاً هنا، أسدّ ثقباً هناك، أعجز، أستكين، أسلّم روحي للمصير نفسه· كلّنا بهدوءٍ، ننزف الآن معاً، نصرخ بتناغمٍ معاً، نتلوّى ألماً بانسيابٍ رشيق، ماتتْ في دواخلنا أيّ رغبةٍ بالفرار·
Page 4
خطّة
 
الحافلة التي تقلّها مع آخرين تتعرّض لحادثٍ مروّعٍ تخرج منه سليمةً دون أيّ خدشٍ· حريقٌ ضخمٌ يشبّ في منزل الأسرة بفعلها، ومن بين ألسنة النار والدخان، عبر الباب، بإعجوبةٍ، تنفذ· سائلٌ في زجاجةٍ يقع تحت يدها، تشربه دون أنٍ تعي سميّته القاتلة، وقبل أن ينتهي اليوم تغادر المستشفى معافاة وسط ذهول الأطبّاء· تسقط من سطح البيت و تتعثّر وتقع أمام سيّارةٍ مسرعةٍ و وتنجو البلهاء دائماً! أتراها خطّة الحياة الذكيّة، أم محض تخبّطٍ أحمق يفوق تلك بلاهةً·
Page 5
فوق تحت
 
وتحلّ اللحظة تلك، وأرى كلّ الكون تحت، عندها تماماً، حيث يكون بعدها السقوط، أصيح بالأرجوحة: قفي، فتجمد في عليائها، تمتدّ اللحظة وتصير عمراً، وأظلّ فوق، منتشيةً أجوّل عينيّ في فضائي الجديد فألمحها، كلّ الأراجيح المعلّقة تتبدّى فجأةً حولي، وكلّهم عالقون مثلها مثلي· أتخبّط في فراغي الآن، يائسةً أبحث عن منفذٍ للسقوط·
Page 6
خطوط
 
وأسترجع في مخيّلتي الحوادث، تماماً كما جرتْ، يلسع الماء الساخن يدي فيما أحضّر قهوتي الصباحيّة، أشرق بأوّل رشفةٍ منها وأكاد أختنق، أتكدّر إذْ تنسكب القهوة على أريكتي المفضّلة فلا أرتدع، وأكمل، أدوّر القليل المتبقّي من التفل في القعر، أقلب الفنجان فوق صحنه وأنتظر· لكن حين ترتطم يدي به فيسقط ويستقرّ كِسَراً على الأرض، تساورني شكوكٌ ما حول الذي يجري، أتوجّس خيفةً وأنا ألملم الكسر، أجمعها بعضاً إلى بعضٍ، أنظر الخطوط السوداء التي أعدتُ وصلها للتوّ داخل الفنجان، آه، هل كان عليّ أن أمضي في الأمر إلى نهايته؟
Page 7
أصل وصورة
 
تقف مشدوهةً وسط الحضور، المرأة التي اصطحبتْ صغيرها إلى الحفل الذي تقيمه روضة الأطفال، تتلفّت مصعوقةً حولها، كلّ النساء لهنّ هيئتها، الملامح نفسها، الملابس نفسها، وأطفالهنّ جميعاً يماثلون طفلها،
 
أتراني جننتُ؟! وتصارح إحداهنّ بما ترى، فتجيبها تلك ذاهلةً،
 
كلّ الأخريات يكرّرنني كأنّهن أنا! لحظاتٌ ويدبّ الذعر فيهنّ حين يدركن أنّهن جميعاً قد وقعن ضحيّة تلك الحالة، يهرعن إلى المرآة كي يتحقّقن مَن منهنّ الأصل ومَن الصورة، فلا تعكس لهن المرآة سوى الفراغ·
Page 8
في الليل
 
آه، في الليل، تتشهّى روحي الثلج، فيكون هناك ثلج، أدوّره كراتٍ، أشكّها بالخيط، ألفّها بحرصٍ، أرقدها إلى جانبي وأغفو، هذه الليلة أشكّ قبضاتٍ من الغيم، أطعّمها ببعض الأغنيات، بذكرياتنا معاً، أضمّها لفائف، ونهاراً أنسجها، أصنع منها ثوباً، أرتديه لأجلك، فتضحك من عريي·
Page 9
عيناه
 
تقف الشاحنة الصغيرة المكشوفة إلى جانب الطريق، يترجّل السائق، يتّجه إلى الصندوق الخلفي، يُنزل حافّته ثم يعتليه، يسحب الخروف الذي يبدو مستكيناً هادئاً من الحبل الذي يقيّد قوائمه ببطءٍ نحو الخارج· شلاّل حزنٍ يجتاح قلبي ويجرفه إلى قعرٍ أسود، لاهفةً أبحث عن وجه الخروف في كتلة الصوف المغبرّة تلك فتلتقي عينانا بنظرةٍ عميقةٍ متّصلةٍ أعي فيها استسلامه الكلّي العاجز لما هو آتٍ ويدركه، تضطرب روحي، أنتفض، وأنا أرى الخروف يصل إلى حافّة الصندوق، وقبل أن يجتاز مدى بصري، يسدل جفنيه، ويغيب في إغماضةٍ طويلةٍ· أشهق فجأةً وأرفع يدي، أتحسّس عنقي فيما أهوي·
Page 10
يوم جديد
 
يرفع عن وجهه الغطاء، يفتح ببطءٍ عينيه، يسند ظهره فيما ينزل ساقيه إلى الأرض، يتثاءَب، يتمطّى، يمسّد شعره بأصابعه، يبحث بقدميه عن خفّيه، يسأل نفسه متعجّباً،
 
أكون أو أكون، فأين هي المشكلة؟! ثم نشطاً يحمل الموت أدواته، وينهض إلى يومه·