Page 1
قراءة في كتاب هناء حلاحل
قرأت الكتاب وبي همّ الكتابة عنه لا عن صاحبته فإذا بي بعد قراءته أكتب عنها بفعل التماهي القائم بين النصّ والذات.
الذات تكتب نفسها نصّاً يتحرّك يحيا، يتألم، يعاني، يغضب، يثور، يستكين، يفرح، يحزن، يعشق، يتذكّر، يحلم، ييأس، يفكّر، ينفعل... إنّها تكتب كما تتحرّك في يومها العادي.. وهي صادقة في كلّ ذلك مخلصة لما تكتب.. نصوصها لوحة حياتها بما فيها من وجوه وأحوال.. تنعم بالفرح السرمدي وتشقى بالقلق الوجودي.. ربيعية الطلّة خريفية الرحيل..
الذات تكتب نفسها نصّاً واقعياً اعترافياً بارداً يقارب التقرير عن حال أو حدث أو فكرة.. وتجده في موضع آخر نصّاً رؤيوياً إيحائياً حارّاً تتدافع فيه الصور بحيوية الروح الملتهبة بأسمى المشاعر وألطف الأحاسيس والمرتقية بالصلاة إلى سدنة باريها.
الذات تكتب نفسها نصّاً مكشوفاً تعليمياً فيه من حقائق الوجود وحكم الحياة واختباراتها الصعبة ومن منظومة القيم الإنسانية ما يجعله يبرز الوجه الآخر للذات النافرة من تشوّهات واقع لا يرضي طموحها والمثال والمتيقّظة دوماً للخدمة والمحبّة والترفّع عن الابتذال والحقد والاستنارة بالمحبّة والتسامح طريقاً للحياة.
الذات تكتب نفسها نصّاً غوّاصاً في منازع النفس البشرية ومنطوياتها فتنفتح له كشفاً عن مسوءاتها والمعايب في موضع وكشفاً عن فضائلها والمحاسن في موضع آخر.. الذات في نصّها جوّابة آفاق وسبّارة أغوار وكشّافة ما استسرّ في دواخل النفوس وبواطن المواجد والقلوب والأفئدة وما طفح منها أو طفر سيّالاً فوق صفحات يوميّاتها اعياناً أو اذهاناً أو استحضاراً لذكرى.
الذات تكتب نفسها نصّاً تكتبه بالجرح والجمر والعصب في مكان وتكتبه بالعقل البارد أو الفاحم والذاكرة الصقيعية في مكان آخر.. أجمل ما في هذه الكتابة جدلية الثنائيات ما يغني النصّ ويمنحه قوّة امتلاك القارئ بكلّية كيانه وتحريك ما في أعماقه ومسطّحاته من حقائق وحالات ومنازع والتحامات وتشظّيات كامنة أو سافرة... نصوصها مرآة قارئها..
الذات تكتب نفسها نصّاً مشفوعاً بالأمل المزهر انتصاراً للحقّ على الباطل وللضوء على العتمة وللصحوة على الغثيان وللسكينة على القلق وللخضرة على اليباس وللانشراح على الغمّ وللارتقاء على الانحدار وللامتداد على الضيق ولاختراق المسافات على التجمّد في المكان.. هذه الشبوبية دفع من سماء وزخم من إيمان بالفرح العظيم.
الذات تكتب نفسها نصّاً يمجّد باريها، نصّاً صلاتياً من لحم ودم غارقاً في التسابيح تنفتح له السماوات.. والنصّ الأدبي في أعلى مراتبه الابداعية صلاة..
الذات تكتب نفسها نصّاً بوحياً لذاتية موّارة بالبشائر والصلوات والقلق الوجودي المرهف لا الصاخب ولا القاتل يتطلّع إلى نعمة الخلاص وباب الحرية..
الذات تكتب نفسها نصّاً استحضارياً لصور عمرها من عمر الذاكرة يعيد تكوينها بحميّة وشفافية وإبداع هندسي يحترم أشكال السردية الصادقة.
الذات تكتب نفسها نصّاً يتماهى والكائنات فلا تعود هي إيّاها فتحلّ فيه وتنعقد بصوفيّة تتعشّق أنفاس المكان في استكانة جسد وهدأة روح.
الذات تكتب نفسها نصّاً هارباً من عقم وسواد تشدّه رؤية الثمر وانبساط الخضرة في امتداد المسافات فيتمدّد بارتياح وانخطاف بهيّ وتفلّت من متاعب الوقت والأرقام.
إنّها تكتب باسترخاء كلّي فلا تصنّع أو افتعال.. تأتي الفكرة أو الحالة بحلّتها الأصلية حتى أصبحت الكتابة عندها فعل نوم أو قيام أو واحدة من حركات يومها المتعاقبة. إنّها تحيا بالكتابة ولها.. فلا همّ عندها إن طال نصّها أو قصر.. الفكرة أو الحالة تكتب النصّ في أيّ وقت.. وهي لا تخضع لقانون مدرسي... فالكتابة بالطبع تمنح النصّ فرادته.. نصّها لا يشبه ما عداه.. يتكوّن ويتكيّن في ذاته بقدرة ذاتية ولا تجري عليه قواعد الفهم بالتماثل أو بالقياس.
بعض نصوصها عادي في موضوعه مفاجئ في معانيه المستخلصة من حدث أو تجربة أو تأمّل أو رغبة في التجاوز والازهار في الجرح المفتوح على صلاة ما أن تنتهي بالتئام واحد حتى تتصعّد من آخر طلباً لنعمة تسمو بها الروح فوق المكاسب وتنقى بها وتنأى عن عبادات دنياها والغوايات.
هذا ونجد الكاتبة في غير مكان تكتب بالجسد المغلول نهراً طافراً من زمن الاحتباس في السأم المطبق إلى الجريان الحرّ والمتألّق إقداماً وإبداعاً وأحلاماً وردية مصاغة بالعصب الثائر على البلادة والكآبة يضجّ بها نفور من أسر المكان وقيد الزمان ترفده رغبة في التجدّد ومعانقة الضياء اللامنتهي والمتمدّد فوق الأزمنة والمساحات ومعاينة البراعم تتفتّح في الأرض اليباب... إنّه النور في الأعماق قوّة ربّانية ترتفع بها "لأسبح في الفضاء مع الحرية الواسعة "، تقول..
هنا الذات تكتب نفسها نصّاً مشبعاً بالتلهّف إلى السموّ بالروح إلى منازلها السماوية.
نصوص الكاتبة عصارة عمر قطّرتها وسكبتها فوق أوراق لا تزعج قارئها وفضلها في ذلك حمله على اكتشاف أنّ ما فيه هو إيّاه ما فيها..
ساسين عساف
عبرين في 17 تشرين الثاني 2011
قرأت الكتاب وبي همّ الكتابة عنه لا عن صاحبته فإذا بي بعد قراءته أكتب عنها بفعل التماهي القائم بين النصّ والذات.
الذات تكتب نفسها نصّاً يتحرّك يحيا، يتألم، يعاني، يغضب، يثور، يستكين، يفرح، يحزن، يعشق، يتذكّر، يحلم، ييأس، يفكّر، ينفعل... إنّها تكتب كما تتحرّك في يومها العادي.. وهي صادقة في كلّ ذلك مخلصة لما تكتب.. نصوصها لوحة حياتها بما فيها من وجوه وأحوال.. تنعم بالفرح السرمدي وتشقى بالقلق الوجودي.. ربيعية الطلّة خريفية الرحيل..
الذات تكتب نفسها نصّاً واقعياً اعترافياً بارداً يقارب التقرير عن حال أو حدث أو فكرة.. وتجده في موضع آخر نصّاً رؤيوياً إيحائياً حارّاً تتدافع فيه الصور بحيوية الروح الملتهبة بأسمى المشاعر وألطف الأحاسيس والمرتقية بالصلاة إلى سدنة باريها.
الذات تكتب نفسها نصّاً مكشوفاً تعليمياً فيه من حقائق الوجود وحكم الحياة واختباراتها الصعبة ومن منظومة القيم الإنسانية ما يجعله يبرز الوجه الآخر للذات النافرة من تشوّهات واقع لا يرضي طموحها والمثال والمتيقّظة دوماً للخدمة والمحبّة والترفّع عن الابتذال والحقد والاستنارة بالمحبّة والتسامح طريقاً للحياة.
الذات تكتب نفسها نصّاً غوّاصاً في منازع النفس البشرية ومنطوياتها فتنفتح له كشفاً عن مسوءاتها والمعايب في موضع وكشفاً عن فضائلها والمحاسن في موضع آخر.. الذات في نصّها جوّابة آفاق وسبّارة أغوار وكشّافة ما استسرّ في دواخل النفوس وبواطن المواجد والقلوب والأفئدة وما طفح منها أو طفر سيّالاً فوق صفحات يوميّاتها اعياناً أو اذهاناً أو استحضاراً لذكرى.
الذات تكتب نفسها نصّاً تكتبه بالجرح والجمر والعصب في مكان وتكتبه بالعقل البارد أو الفاحم والذاكرة الصقيعية في مكان آخر.. أجمل ما في هذه الكتابة جدلية الثنائيات ما يغني النصّ ويمنحه قوّة امتلاك القارئ بكلّية كيانه وتحريك ما في أعماقه ومسطّحاته من حقائق وحالات ومنازع والتحامات وتشظّيات كامنة أو سافرة... نصوصها مرآة قارئها..
الذات تكتب نفسها نصّاً مشفوعاً بالأمل المزهر انتصاراً للحقّ على الباطل وللضوء على العتمة وللصحوة على الغثيان وللسكينة على القلق وللخضرة على اليباس وللانشراح على الغمّ وللارتقاء على الانحدار وللامتداد على الضيق ولاختراق المسافات على التجمّد في المكان.. هذه الشبوبية دفع من سماء وزخم من إيمان بالفرح العظيم.
الذات تكتب نفسها نصّاً يمجّد باريها، نصّاً صلاتياً من لحم ودم غارقاً في التسابيح تنفتح له السماوات.. والنصّ الأدبي في أعلى مراتبه الابداعية صلاة..
الذات تكتب نفسها نصّاً بوحياً لذاتية موّارة بالبشائر والصلوات والقلق الوجودي المرهف لا الصاخب ولا القاتل يتطلّع إلى نعمة الخلاص وباب الحرية..
الذات تكتب نفسها نصّاً استحضارياً لصور عمرها من عمر الذاكرة يعيد تكوينها بحميّة وشفافية وإبداع هندسي يحترم أشكال السردية الصادقة.
الذات تكتب نفسها نصّاً يتماهى والكائنات فلا تعود هي إيّاها فتحلّ فيه وتنعقد بصوفيّة تتعشّق أنفاس المكان في استكانة جسد وهدأة روح.
الذات تكتب نفسها نصّاً هارباً من عقم وسواد تشدّه رؤية الثمر وانبساط الخضرة في امتداد المسافات فيتمدّد بارتياح وانخطاف بهيّ وتفلّت من متاعب الوقت والأرقام.
إنّها تكتب باسترخاء كلّي فلا تصنّع أو افتعال.. تأتي الفكرة أو الحالة بحلّتها الأصلية حتى أصبحت الكتابة عندها فعل نوم أو قيام أو واحدة من حركات يومها المتعاقبة. إنّها تحيا بالكتابة ولها.. فلا همّ عندها إن طال نصّها أو قصر.. الفكرة أو الحالة تكتب النصّ في أيّ وقت.. وهي لا تخضع لقانون مدرسي... فالكتابة بالطبع تمنح النصّ فرادته.. نصّها لا يشبه ما عداه.. يتكوّن ويتكيّن في ذاته بقدرة ذاتية ولا تجري عليه قواعد الفهم بالتماثل أو بالقياس.
بعض نصوصها عادي في موضوعه مفاجئ في معانيه المستخلصة من حدث أو تجربة أو تأمّل أو رغبة في التجاوز والازهار في الجرح المفتوح على صلاة ما أن تنتهي بالتئام واحد حتى تتصعّد من آخر طلباً لنعمة تسمو بها الروح فوق المكاسب وتنقى بها وتنأى عن عبادات دنياها والغوايات.
هذا ونجد الكاتبة في غير مكان تكتب بالجسد المغلول نهراً طافراً من زمن الاحتباس في السأم المطبق إلى الجريان الحرّ والمتألّق إقداماً وإبداعاً وأحلاماً وردية مصاغة بالعصب الثائر على البلادة والكآبة يضجّ بها نفور من أسر المكان وقيد الزمان ترفده رغبة في التجدّد ومعانقة الضياء اللامنتهي والمتمدّد فوق الأزمنة والمساحات ومعاينة البراعم تتفتّح في الأرض اليباب... إنّه النور في الأعماق قوّة ربّانية ترتفع بها "لأسبح في الفضاء مع الحرية الواسعة "، تقول..
هنا الذات تكتب نفسها نصّاً مشبعاً بالتلهّف إلى السموّ بالروح إلى منازلها السماوية.
نصوص الكاتبة عصارة عمر قطّرتها وسكبتها فوق أوراق لا تزعج قارئها وفضلها في ذلك حمله على اكتشاف أنّ ما فيه هو إيّاه ما فيها..
ساسين عساف
عبرين في 17 تشرين الثاني 2011
Page 2
العنصرة
عيد (الأنعام) السّبع!.. تهبط على طالبيها بنعمة الرّوح القدس!..
شيءٌ توارثناه، وكان مصدر فرح!.. و الإيمان هو الفرح السّرمديّ الأعظم!..
ليلة العنصرة، هي ليلة التهيئة لغسل الخطايا، وتطييب الجسد بروائح الزّهور العطرة، لاستقبال (الأنعام) السّبع!..
زهرة "الملعة" هي البشارة؛ فهي تفوح بأجمل عطر بريّ، من ثوب عروسيّ، يُظِّلل السّنديان، ومعظم شجر الأحراج، وسفوح التّلال، والجبال.
عند الغروب، يتهافت الناس على جمع الأزهار العطرة، لنقعها في الماء طوال اللّيل، لتتبارك بالرّوح!.. وفي الصّباح تكون قد تقدست؛ فنغتسل بها، ونتنعم بالقداسة، والطّهر!...يُشترط بأن نجمع سبعة أصناف من الأزهار العطرة؛ مثل الياسمين، والغاردينيا، والورد الجوريّ وغصن البان، والرّيحان، والفلّ، والعطر، والبيلسان، وكلّ ما زاد من زهر عاطر؛ فهو خير؛ وعلينا أن نضيف، ما ليس له عطر، كورق الجوز، وورق الزيتون.
يسأل المؤمنون بعضهم بعضاً، عن الأصناف التي لم يجدوها بعد؛ لكي يتعاونوا على جمعها كاملة! زهرة الياسمين البرّي النّادرة الوجود؛ فإن وُجِدت، فلا بدّ من قطفها، من حفرة، تحمل جذع شجرة نمت، في موضع خطر، أو حَفّة مهوار؛ فالتقرب منها يعني الاقتراب من موضع محفوف بالخطر!..فزلّة قدم تودي إلى الانحدار إلى أسفل القاع! وبالمقابل فإن لم يكتمل النّقوع بعطرها، يضيع المجهود، ولا نحصل على المطلوب.
الرّائحة الزّكية هي الأمل المنشود؛ فإن كان من زهرة برّيّة، تكن الغاية أجدى وأنفع، من زهرة عطرة نبتت في حوش، أو سور منزل، لينفرد بزينة مميزة عن باقي البيوت.
عيد (الأنعام) السّبع!.. تهبط على طالبيها بنعمة الرّوح القدس!..
شيءٌ توارثناه، وكان مصدر فرح!.. و الإيمان هو الفرح السّرمديّ الأعظم!..
ليلة العنصرة، هي ليلة التهيئة لغسل الخطايا، وتطييب الجسد بروائح الزّهور العطرة، لاستقبال (الأنعام) السّبع!..
زهرة "الملعة" هي البشارة؛ فهي تفوح بأجمل عطر بريّ، من ثوب عروسيّ، يُظِّلل السّنديان، ومعظم شجر الأحراج، وسفوح التّلال، والجبال.
عند الغروب، يتهافت الناس على جمع الأزهار العطرة، لنقعها في الماء طوال اللّيل، لتتبارك بالرّوح!.. وفي الصّباح تكون قد تقدست؛ فنغتسل بها، ونتنعم بالقداسة، والطّهر!...يُشترط بأن نجمع سبعة أصناف من الأزهار العطرة؛ مثل الياسمين، والغاردينيا، والورد الجوريّ وغصن البان، والرّيحان، والفلّ، والعطر، والبيلسان، وكلّ ما زاد من زهر عاطر؛ فهو خير؛ وعلينا أن نضيف، ما ليس له عطر، كورق الجوز، وورق الزيتون.
يسأل المؤمنون بعضهم بعضاً، عن الأصناف التي لم يجدوها بعد؛ لكي يتعاونوا على جمعها كاملة! زهرة الياسمين البرّي النّادرة الوجود؛ فإن وُجِدت، فلا بدّ من قطفها، من حفرة، تحمل جذع شجرة نمت، في موضع خطر، أو حَفّة مهوار؛ فالتقرب منها يعني الاقتراب من موضع محفوف بالخطر!..فزلّة قدم تودي إلى الانحدار إلى أسفل القاع! وبالمقابل فإن لم يكتمل النّقوع بعطرها، يضيع المجهود، ولا نحصل على المطلوب.
الرّائحة الزّكية هي الأمل المنشود؛ فإن كان من زهرة برّيّة، تكن الغاية أجدى وأنفع، من زهرة عطرة نبتت في حوش، أو سور منزل، لينفرد بزينة مميزة عن باقي البيوت.
Page 3
ما بين الحق والخداع
كذب شاع، حتى استقرأته الفلاسفة بالدراسات، كحجّة، أو كبرهان. كذب كبر من رحم الخيانة، وصدّقته الجماهير بكل قناعة؛ حدّاً ترسّخ في الأفئدة، ترسّخ الإيمان.
لكلّ واحد حق الاحتفاظ بالسِّر؛ فالبيوت أسرار!.. والمجتمع يحاسب الإنسان، على قواعد، من نسج ما تووُرِث من قيم، وتقاليد؛ لا تعرف الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا تمازج الحضارات!..
الويل لِمن يخالف؛ فهو؛ وإن نجح، فسوف يلقى السّدود في وجهه؛ لأنه مرذول!..
فرحه لا يكتمل ؛ ففي كلّ خطوة، نحو حرّيته، يسير؛ تعترضه مشكلة المراسم والقوانين!.. عليه أن يدفع الثمن، مما يملك، ضريبة للتعويض!.. ومع كلّ قفزة حرّة، يأمل منها الفرحة؛ تكمن غصّة!.. ويكمِّل الدّرب؛ يكافح، حاملاً مشعل الحقّ، طالباً الأفضل، حتى يستنفد العمر طاقاته من القدرة، والنّخوة، فينتهي؛ وتبقى الشّعلة تسطع في يد رائد آخر، لعالِم آخر، لتصفية المبادئ من الشوائب، فيفهم من يفهم، ويرحل جاهلاً من راقه أن يبقى على حاله، مرتاحاً بما يجهل!..
للأنفس الحرّة مصادر في السّماء؛ تمدّ مَن أورثته العزّة، بالصّبر؛ للمضيّ في الثبات، من أجل الحقّ لنيل نعمة الحياة.
كذب شاع، حتى استقرأته الفلاسفة بالدراسات، كحجّة، أو كبرهان. كذب كبر من رحم الخيانة، وصدّقته الجماهير بكل قناعة؛ حدّاً ترسّخ في الأفئدة، ترسّخ الإيمان.
لكلّ واحد حق الاحتفاظ بالسِّر؛ فالبيوت أسرار!.. والمجتمع يحاسب الإنسان، على قواعد، من نسج ما تووُرِث من قيم، وتقاليد؛ لا تعرف الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا تمازج الحضارات!..
الويل لِمن يخالف؛ فهو؛ وإن نجح، فسوف يلقى السّدود في وجهه؛ لأنه مرذول!..
فرحه لا يكتمل ؛ ففي كلّ خطوة، نحو حرّيته، يسير؛ تعترضه مشكلة المراسم والقوانين!.. عليه أن يدفع الثمن، مما يملك، ضريبة للتعويض!.. ومع كلّ قفزة حرّة، يأمل منها الفرحة؛ تكمن غصّة!.. ويكمِّل الدّرب؛ يكافح، حاملاً مشعل الحقّ، طالباً الأفضل، حتى يستنفد العمر طاقاته من القدرة، والنّخوة، فينتهي؛ وتبقى الشّعلة تسطع في يد رائد آخر، لعالِم آخر، لتصفية المبادئ من الشوائب، فيفهم من يفهم، ويرحل جاهلاً من راقه أن يبقى على حاله، مرتاحاً بما يجهل!..
للأنفس الحرّة مصادر في السّماء؛ تمدّ مَن أورثته العزّة، بالصّبر؛ للمضيّ في الثبات، من أجل الحقّ لنيل نعمة الحياة.
Page 4
حبّ الملكيّة أم النّفس السّادية؟
اختلاف يؤدي إلى نزاع، ومن ثم إلى حرب!... ما من سلام يدوم؛ لا بين الأقارب ولا بين الشعوب. كلّ يدّعي الأحقّية في الملك؛ حتى ولو تمّ الصّلح، ورضي كل امرئ بما قُدّر له من نصيب ؛ فالحال لا يدوم، لأنّ الطّبع طمّاع، والغلبة نشوة.
من يحلّق في التدرّجات إلى السّفح، لا يقلقه وضع مُنحنٍ على الأرض؛ يدبّ دبيب الرّمال!..
عمر الفرح قصير؛ وأمّا العذاب فشائق، ويطول!..
كأس تدور على كلّ الناس، منهم من يرتشف منها القليل؛ ويكون العارف والخبير؛ بعدما ذاق الطّعم؛ فيتّخذ لنفسه الحيطة، والحذر، ممن يودّ أن ينصب له؛ وعلى شكله، فخاً؛ وهو الكمين!..
المجرّب يحذر الوقوع في الخطأ عينه؛ هذا إن كان، على قدر من الفطانة والذّكاء!.. أمّا من يغفل عن تجارب كهذه؛ فهو من عداد السُّذّج، والأغبياء ؛ الذّين همّ علّة المجتمع، وعالة على من حولهم؛ أهلاً كانوا، أم أقرباء!...
أمّا الأشرار، فهم من جبلة الشيطان؛ يضمرون الأذيّة للغير؛ فإذا ما حصلت؛ يرتاحون!..
نوع من البشر، قلوبهم من صخر!... قهقهتهم تخترق الصّدى، إلى كلِّ مدىً؛ إذا ما رأوا غيرهم في القعر، أو المنحنى!.. يزرعون النّميمة، ويفرشون الأرض ثورات ضلال، ليرتطم مَن يرتطم؛ وتعمّ الفوضى كلّ أنحاء البلاد.
اختلاف يؤدي إلى نزاع، ومن ثم إلى حرب!... ما من سلام يدوم؛ لا بين الأقارب ولا بين الشعوب. كلّ يدّعي الأحقّية في الملك؛ حتى ولو تمّ الصّلح، ورضي كل امرئ بما قُدّر له من نصيب ؛ فالحال لا يدوم، لأنّ الطّبع طمّاع، والغلبة نشوة.
من يحلّق في التدرّجات إلى السّفح، لا يقلقه وضع مُنحنٍ على الأرض؛ يدبّ دبيب الرّمال!..
عمر الفرح قصير؛ وأمّا العذاب فشائق، ويطول!..
كأس تدور على كلّ الناس، منهم من يرتشف منها القليل؛ ويكون العارف والخبير؛ بعدما ذاق الطّعم؛ فيتّخذ لنفسه الحيطة، والحذر، ممن يودّ أن ينصب له؛ وعلى شكله، فخاً؛ وهو الكمين!..
المجرّب يحذر الوقوع في الخطأ عينه؛ هذا إن كان، على قدر من الفطانة والذّكاء!.. أمّا من يغفل عن تجارب كهذه؛ فهو من عداد السُّذّج، والأغبياء ؛ الذّين همّ علّة المجتمع، وعالة على من حولهم؛ أهلاً كانوا، أم أقرباء!...
أمّا الأشرار، فهم من جبلة الشيطان؛ يضمرون الأذيّة للغير؛ فإذا ما حصلت؛ يرتاحون!..
نوع من البشر، قلوبهم من صخر!... قهقهتهم تخترق الصّدى، إلى كلِّ مدىً؛ إذا ما رأوا غيرهم في القعر، أو المنحنى!.. يزرعون النّميمة، ويفرشون الأرض ثورات ضلال، ليرتطم مَن يرتطم؛ وتعمّ الفوضى كلّ أنحاء البلاد.
Page 5
حظّ، أم عناء، طال، فأثمر!..
شيء فتّشت عنه طويلاً!.. شيء ينقصني لأكمل زخرفة الطلّة الأبهى؛ لما أحبّ، وأرغب!..
في مخيّلتي ترتسم الصّور، التي أتمنّى؛ فلا أجيد رسمها، بدقّة المتقن؛ ولا أعرف كيف أجمع المواد التي أودّ؛ لو توافرت، لأمّنت صنعها.
و ضحكت ضحكة، من له ثقة بفم، وأسنان جميلة؛ كعقد لؤلؤ قديم؛ من بحر طاهر عفيف؛ بورك قعره؛ فلم يتلوث!..
صدفة، مررت أمام محلّ؛ فيه مجموعة من الحلي المصطنعة، والمصنّعة، لكي تتماشى مع ما هو معروض من الفساتين والبلوزات.
استوقفني قرطان، من شيء يشبه اللؤلؤ؛ مصنوع بدقّة المهرة!.. سألت عن سعره، وتعجّبت!.. كيف أنّه، على ما اعتقدت، للوهلة الأولى، باهظ الثمن؛ ولكنّي اشتريته؛ لا لشيء، بل ليكون عندي رسم، أستطيع أن أطلب من الصائغ، أن يصنع لي نسخة، طبق الأصل عنه، ولكن بجواهر ثمينة؛ كالذهب الخالص، واللؤلؤ، وغيرها، مما أستطيع أن أشتري من الأحجار.
طلع النّهار، وسرت في طريقي؛ آملة تحقيق هدف ما؛ علّني أحظى بما منه المراد.
فرح صامت رافقني منذ الابتداء.. طلبت سيارة أجرة، وتوجّهت إلى السوق القديمة.. لم أتوقّف أمام الواجهات، بل ساقتني حشريّتي إلى اكتشاف ما وراء السوق، وإلى ما يوصل الباب الخلفي الكبير، والمتفرّع من الشارع الرّئيسيّ، والمؤديّ إلى ما يُروّج له بيافطة، كتب عليها: "نبيع، ونشتري، كلّ ما هو معدن ثمين، أو حجارة كريمة، وذلك بشهادة موثّقة، وبإصدار مكتوب"..
سألت البائع؛ وكان كبير السّن، والطيبة بادية على محيّاه: "- هل عندك غير ما تعرضه في الواجهات"؟
فأجابني: "- ما هو طلبك بالذّات"؟
قلت: "- إنّي أتمنّى لو تساعدني، وتدلّني على بائع، عنده بعض حبّات اللؤلؤ الخليجيّ"!..
سرت في عينيّ البائع التفاتة رضىً، واستوى واقفاً، ثمّ توجّه نحو الباب قائلاً لي: - "إبقي هنا، سوف أعود خلال عشر دقائق"..
لقد تركني لوحدي، في المحل!..
تأمّلت الموجودات، من أقراط، وعقود، وخواتم، وأساور، وأنا قابعة على الكرسيّ، متمنية أن يعود بشيء، طالما انتظرته!...
لم يكذّب وعداً، وعاد حسبما قال، ومعه كيس بالّلون الأبيض المعتّق، ففتحه داخل صينية كبيرة، فانفرطت حبّات لؤلؤ ذات حجوم مختلفة!..
فرحت بمنظر اللؤلؤ، وهو يتلألأ، أمام ناظريّ!..
وضع، الرجل الطيّب، بعض الحبّات في الميزان، وكان دقيقاً جداً، وصغيراً أيضاً، وقال لي: "هذا هو الثمن"! فقلت له: "أريد، بعض الحبّات فقط، ذات الشكل المستدير"!..
وبدأت أساعده على اختيار ما أريد، فكان يتأمل كل حبة بمفردها، ثم يضعها في الميزان.
وبعد أن جلت بناظري، على كلّ ما في جعبة الرجل، من أصناف اللؤلؤ، قلت له: "هذا ما أريد"! فقال لي: "- مبروك"!.. وأردف: "في كلّ مرّة تأتين إلى الدّوحة، أرجوك أن تأتي لزيارتنا، فإن لم يكن عندنا ما تطلبين، فسوف نوفّره لك، كما في هذه المرّة"..
شعرت بارتياح، تجاه هذا التاجر الأمين، ودفعت ثمن ما اشتريت، بطيبة خاطر، لأنّ ما كسبته كان عظيماً جدّاً.
خرجت من المحلّ شاكرة.
لم ألتفت إلى باقي المحالّ، كعادتي في التسوّق، بل طلبت سيّارة أجرة، وعدت إلى الفندق.
في طريقي، كنت أفتح حقيبتي، وأتلصص على لؤلؤاتي، وهي داخل العلبة الصغيرة!.. لم أخرجها، خوفاً من فضوليّة السائق؛ بأن يعرف، ما بحوزتي، فيكثر من الأسئلة!..
وصلت إلى باحة الفندق، وتوجّهت فوراً، إلى غرفتي لأتأمل مليّاً، لؤلؤاتي...
شيء فتّشت عنه طويلاً!.. شيء ينقصني لأكمل زخرفة الطلّة الأبهى؛ لما أحبّ، وأرغب!..
في مخيّلتي ترتسم الصّور، التي أتمنّى؛ فلا أجيد رسمها، بدقّة المتقن؛ ولا أعرف كيف أجمع المواد التي أودّ؛ لو توافرت، لأمّنت صنعها.
و ضحكت ضحكة، من له ثقة بفم، وأسنان جميلة؛ كعقد لؤلؤ قديم؛ من بحر طاهر عفيف؛ بورك قعره؛ فلم يتلوث!..
صدفة، مررت أمام محلّ؛ فيه مجموعة من الحلي المصطنعة، والمصنّعة، لكي تتماشى مع ما هو معروض من الفساتين والبلوزات.
استوقفني قرطان، من شيء يشبه اللؤلؤ؛ مصنوع بدقّة المهرة!.. سألت عن سعره، وتعجّبت!.. كيف أنّه، على ما اعتقدت، للوهلة الأولى، باهظ الثمن؛ ولكنّي اشتريته؛ لا لشيء، بل ليكون عندي رسم، أستطيع أن أطلب من الصائغ، أن يصنع لي نسخة، طبق الأصل عنه، ولكن بجواهر ثمينة؛ كالذهب الخالص، واللؤلؤ، وغيرها، مما أستطيع أن أشتري من الأحجار.
طلع النّهار، وسرت في طريقي؛ آملة تحقيق هدف ما؛ علّني أحظى بما منه المراد.
فرح صامت رافقني منذ الابتداء.. طلبت سيارة أجرة، وتوجّهت إلى السوق القديمة.. لم أتوقّف أمام الواجهات، بل ساقتني حشريّتي إلى اكتشاف ما وراء السوق، وإلى ما يوصل الباب الخلفي الكبير، والمتفرّع من الشارع الرّئيسيّ، والمؤديّ إلى ما يُروّج له بيافطة، كتب عليها: "نبيع، ونشتري، كلّ ما هو معدن ثمين، أو حجارة كريمة، وذلك بشهادة موثّقة، وبإصدار مكتوب"..
سألت البائع؛ وكان كبير السّن، والطيبة بادية على محيّاه: "- هل عندك غير ما تعرضه في الواجهات"؟
فأجابني: "- ما هو طلبك بالذّات"؟
قلت: "- إنّي أتمنّى لو تساعدني، وتدلّني على بائع، عنده بعض حبّات اللؤلؤ الخليجيّ"!..
سرت في عينيّ البائع التفاتة رضىً، واستوى واقفاً، ثمّ توجّه نحو الباب قائلاً لي: - "إبقي هنا، سوف أعود خلال عشر دقائق"..
لقد تركني لوحدي، في المحل!..
تأمّلت الموجودات، من أقراط، وعقود، وخواتم، وأساور، وأنا قابعة على الكرسيّ، متمنية أن يعود بشيء، طالما انتظرته!...
لم يكذّب وعداً، وعاد حسبما قال، ومعه كيس بالّلون الأبيض المعتّق، ففتحه داخل صينية كبيرة، فانفرطت حبّات لؤلؤ ذات حجوم مختلفة!..
فرحت بمنظر اللؤلؤ، وهو يتلألأ، أمام ناظريّ!..
وضع، الرجل الطيّب، بعض الحبّات في الميزان، وكان دقيقاً جداً، وصغيراً أيضاً، وقال لي: "هذا هو الثمن"! فقلت له: "أريد، بعض الحبّات فقط، ذات الشكل المستدير"!..
وبدأت أساعده على اختيار ما أريد، فكان يتأمل كل حبة بمفردها، ثم يضعها في الميزان.
وبعد أن جلت بناظري، على كلّ ما في جعبة الرجل، من أصناف اللؤلؤ، قلت له: "هذا ما أريد"! فقال لي: "- مبروك"!.. وأردف: "في كلّ مرّة تأتين إلى الدّوحة، أرجوك أن تأتي لزيارتنا، فإن لم يكن عندنا ما تطلبين، فسوف نوفّره لك، كما في هذه المرّة"..
شعرت بارتياح، تجاه هذا التاجر الأمين، ودفعت ثمن ما اشتريت، بطيبة خاطر، لأنّ ما كسبته كان عظيماً جدّاً.
خرجت من المحلّ شاكرة.
لم ألتفت إلى باقي المحالّ، كعادتي في التسوّق، بل طلبت سيّارة أجرة، وعدت إلى الفندق.
في طريقي، كنت أفتح حقيبتي، وأتلصص على لؤلؤاتي، وهي داخل العلبة الصغيرة!.. لم أخرجها، خوفاً من فضوليّة السائق؛ بأن يعرف، ما بحوزتي، فيكثر من الأسئلة!..
وصلت إلى باحة الفندق، وتوجّهت فوراً، إلى غرفتي لأتأمل مليّاً، لؤلؤاتي...
Page 6
أنفاس موبقة ودخان
عبق صدري بالسّعال المتقطّع والحشرجة، من غير ما يتنفس الكبت عن الطلق للمفرقعات، ولسيلان الأنهر، وجريان السّدود.
فارق النوم ركب الأحلام، وأبى أن يغمر النّعاس الهدب، ولا أن يُمرمغ الليل ذيل المنام، فكيف نصحو إذا لم نغفُ؟! وكيف ننعم بالهدوء، وراحة البال، إن كان القلق عدّونا المهيمن على أحاسيسنا؟! إنّه يكتم زخم أفكارنا، ويجثو بثقله على بلعومنا، فنختنق بصمت، ونترقّّب الفرج مع بزوغ الفجر، علّ الشمس تحمل الجديد من الصّحوة، فينتظم المسار ونستنير المصير!
الخضرة والانبساط
يسرح النظر في المدى البعيد! يرافق الانبساط، ويتبع في الفلاة، زُرقة السماء ؛ وعلى الأرض الخضرة! ففي المدّ انشراح، وصحوة ارتداد، لنشاط الفكر، ويقظة الخلق، وإبداع حِسيّ أفاق؛ بعدما نام، عن زمن الجهد، والعطاء، والغِنى!..
كلّ ما فينا يمرض في مرحلة ما، وإعادة تأهيلنا تستلزم دفعة سماوية، من الإيمان في الفرح، لتكون ناجعة.. فرح الإنسان بالحبيب، وبالمكان!.. فرح الارتقاء إلى المعنى الحقيقيّ، في جوهر الامتداد، وخرق المسافات، لنصل إلى روح الرّوح، في قلب مَن نحيا له، وبه وحده تُعاد السُّبحة، خوفاً، وتشفّعاً، وأملاً باستجابة حُبٍّ، ليس بمردود.
عبق صدري بالسّعال المتقطّع والحشرجة، من غير ما يتنفس الكبت عن الطلق للمفرقعات، ولسيلان الأنهر، وجريان السّدود.
فارق النوم ركب الأحلام، وأبى أن يغمر النّعاس الهدب، ولا أن يُمرمغ الليل ذيل المنام، فكيف نصحو إذا لم نغفُ؟! وكيف ننعم بالهدوء، وراحة البال، إن كان القلق عدّونا المهيمن على أحاسيسنا؟! إنّه يكتم زخم أفكارنا، ويجثو بثقله على بلعومنا، فنختنق بصمت، ونترقّّب الفرج مع بزوغ الفجر، علّ الشمس تحمل الجديد من الصّحوة، فينتظم المسار ونستنير المصير!
الخضرة والانبساط
يسرح النظر في المدى البعيد! يرافق الانبساط، ويتبع في الفلاة، زُرقة السماء ؛ وعلى الأرض الخضرة! ففي المدّ انشراح، وصحوة ارتداد، لنشاط الفكر، ويقظة الخلق، وإبداع حِسيّ أفاق؛ بعدما نام، عن زمن الجهد، والعطاء، والغِنى!..
كلّ ما فينا يمرض في مرحلة ما، وإعادة تأهيلنا تستلزم دفعة سماوية، من الإيمان في الفرح، لتكون ناجعة.. فرح الإنسان بالحبيب، وبالمكان!.. فرح الارتقاء إلى المعنى الحقيقيّ، في جوهر الامتداد، وخرق المسافات، لنصل إلى روح الرّوح، في قلب مَن نحيا له، وبه وحده تُعاد السُّبحة، خوفاً، وتشفّعاً، وأملاً باستجابة حُبٍّ، ليس بمردود.
Page 7
قلق يغرقنا في بحور الدّعوات
شدّة، وتزول! بنفس منكسرة، طائعة، تتواصل التسابيح لمجد الخالق، لكيما يرأف، ويتحنّن علينا، وعلى من نهوى، فيفكّ أسرنا، من مقاليد الأحكام الجائرة، ويرسل برسله ليشقّوا بالنّّور دروبنا، فلا نهوى في الفخاخ المنصوبة لنا، ولا نضلّ، ولا نحيد عن النّهج السّويّ الذي يرضاه الرّبّ لنا ولذوينا.
مع الأثير تتواصل الأرواح! نصلي لمن نحبّ، لكي ينقذ الله من نهوى، مِن الضائقة.. كيف نزيح الغمامة السّوداء؛ إن لم نوجّه صوبها، دفعة الصلاة؟!.. فللروح المعذّبة جرعة محبّة، وللقلب المأسور جرعة ندم، وتوبة لذنب ارتكبه، فالله سموح غفور!..
مع طلب العون تتفتّح السّموات! تسري في العروق ذبذبات الإيمان!... تشعر وكأن للقلب المكسور طقطقات صدق، تصل مرهفة إلى الرّحمن، فيُسرع بالسّلام، وتنام!.. تسري في عروقنا الآمال بأنّ ما مِن مُحال!..
فالفرج، وإن تعثّر، فلا بدّ من أن يتقدم نحونا بالمرام!.. ننال منه الكثير، أم القليل؟! ولكنّنا، بحسب إيماننا، جرعة منه، سوف ننال!..
رهبة الامتحان
تحاليل موجبة، لمعرفة حقيقة ما نشكو، لأمر بالغ الأهمية!... فالصحّة هي في التكامل مع الحقوق الطبيعية، لكلّ ما خُلقنا من أجله.
نحافظ، قدر الإمكان على المحاسن المجانية فينا، ونعمل من أجل تلميع الصورة القبيحة التي تلبسنا.
نحن حصيلة مورثات تجمّعت فينا، ولا قدرة لنا على تخطيها، أو تنقيتها، من الآفات، إلا بفحص الذّات.
هنيئاً لكلّ من اعتراه ناقد، وأشار عليه بإصبع الاتهام! فعلى الأقلّ نبّهه إلى الغلط الذي فيه!.. فهو يدري، أو لا يدري، فهذا شأنه في أن يتريّث، ويسائل نفسه، عن كلّ ما اتُهم به؛ وليدافع بالبراهين، إن كان بريئاً من كلّ ما نُسِب إليه، أو على الأقلّ، بعضه!..
قليل الحظّ شخص لا يعرف الاعتذار صوته، ولا حركة يديه تفي بالغرض، ولا حتى إيماءة رأسه!..
ما أتعس مُدّعي المفهومية والعرفان! وكأن بينه وبين الناس مسافة تحفّظ؛ يتحاشون إسداء النصيحة إليه، لسببين، فإما ليقينهم بأنه شخص متعنِّت، لا يأخذ برأي أحد، وإمّا لقناعتهم بأن الجهل زين له، فليعش بنعيم الغباوة، طوال أيامه، لا يُبارح حدودها، ولا يتخطّى أسوارها! فالأفق أمامه مسدود، والحلم عنده مفقود؛ يُراوح مكانه، ويتخبّط بسخفه؛ وهو في ذلك ملتذٌّ، مبسوط!..
شدّة، وتزول! بنفس منكسرة، طائعة، تتواصل التسابيح لمجد الخالق، لكيما يرأف، ويتحنّن علينا، وعلى من نهوى، فيفكّ أسرنا، من مقاليد الأحكام الجائرة، ويرسل برسله ليشقّوا بالنّّور دروبنا، فلا نهوى في الفخاخ المنصوبة لنا، ولا نضلّ، ولا نحيد عن النّهج السّويّ الذي يرضاه الرّبّ لنا ولذوينا.
مع الأثير تتواصل الأرواح! نصلي لمن نحبّ، لكي ينقذ الله من نهوى، مِن الضائقة.. كيف نزيح الغمامة السّوداء؛ إن لم نوجّه صوبها، دفعة الصلاة؟!.. فللروح المعذّبة جرعة محبّة، وللقلب المأسور جرعة ندم، وتوبة لذنب ارتكبه، فالله سموح غفور!..
مع طلب العون تتفتّح السّموات! تسري في العروق ذبذبات الإيمان!... تشعر وكأن للقلب المكسور طقطقات صدق، تصل مرهفة إلى الرّحمن، فيُسرع بالسّلام، وتنام!.. تسري في عروقنا الآمال بأنّ ما مِن مُحال!..
فالفرج، وإن تعثّر، فلا بدّ من أن يتقدم نحونا بالمرام!.. ننال منه الكثير، أم القليل؟! ولكنّنا، بحسب إيماننا، جرعة منه، سوف ننال!..
رهبة الامتحان
تحاليل موجبة، لمعرفة حقيقة ما نشكو، لأمر بالغ الأهمية!... فالصحّة هي في التكامل مع الحقوق الطبيعية، لكلّ ما خُلقنا من أجله.
نحافظ، قدر الإمكان على المحاسن المجانية فينا، ونعمل من أجل تلميع الصورة القبيحة التي تلبسنا.
نحن حصيلة مورثات تجمّعت فينا، ولا قدرة لنا على تخطيها، أو تنقيتها، من الآفات، إلا بفحص الذّات.
هنيئاً لكلّ من اعتراه ناقد، وأشار عليه بإصبع الاتهام! فعلى الأقلّ نبّهه إلى الغلط الذي فيه!.. فهو يدري، أو لا يدري، فهذا شأنه في أن يتريّث، ويسائل نفسه، عن كلّ ما اتُهم به؛ وليدافع بالبراهين، إن كان بريئاً من كلّ ما نُسِب إليه، أو على الأقلّ، بعضه!..
قليل الحظّ شخص لا يعرف الاعتذار صوته، ولا حركة يديه تفي بالغرض، ولا حتى إيماءة رأسه!..
ما أتعس مُدّعي المفهومية والعرفان! وكأن بينه وبين الناس مسافة تحفّظ؛ يتحاشون إسداء النصيحة إليه، لسببين، فإما ليقينهم بأنه شخص متعنِّت، لا يأخذ برأي أحد، وإمّا لقناعتهم بأن الجهل زين له، فليعش بنعيم الغباوة، طوال أيامه، لا يُبارح حدودها، ولا يتخطّى أسوارها! فالأفق أمامه مسدود، والحلم عنده مفقود؛ يُراوح مكانه، ويتخبّط بسخفه؛ وهو في ذلك ملتذٌّ، مبسوط!..
Page 8
ليل قارب أن ينتصف
بيني وبين النعاس بُعدٌ لا يقارب الانتهاء! بُعدٌ لا يلوّح، لا بالبشائر، ولا بتكرار الأعداد، ولا بالقراءة، أو الكتابة، ولا بالصلوات!...
جرّبت كل وسيلة، كانت ناجعة فيما مضى، لمثل أحوال كهذه، ولم أنجح في الإتيان بإغفاءة تريحني، بعد تثاؤب بشارة بالنعاس.
سكون مسيطر على كل ما من حولي، ومارد القلق جاثم في تأمّلاتي! لا تفلت فكرة صائبة، إلا ويمرغها بالسّواد! لا يبزغ فجر أمل، إلا ويرشقه ببحر الظلام! لا يَسحب نفس ٌ فرحَ استنشاق هواء؛ إلا ويتقطّع بالضّربات، فيلهث مرعوباً، ويسرع بالخفقان.
لهذا الجسد ترامٍ في مكان ما، فهو من صلة الرّحم، إلى صلة الرّحمة موصول!..
نقلق لأن قطعة منّا في مكان ما، تتلبّك! تتألّم! تتخبّط في الأهوال، وتتطلّع إلى الرّبّ، لكي يرسل نعمة خلاص أو منقذ!..
في كلّ الأروقة، لفائف تنبك، أو تنباك! منافض ملأى بأعقاب السّجائر، ورماد منثور في كلّ مكان!.. على الجدران عارضات مكتوبة بأحرف عريضة، مقرّية للجميع، وواضحة المعالم، وتمنع التدّخين، لا أحد يأبه لها، حتى واضعي القانون، تراهم في الممرّات يدخّنون!.. شرطة السير، يدخّنون!.. حرّاس المبنى، يدخّنون!.. رجال السياسة، والأطباء، ومعظم الزعماء، كلّهم في قتل الأصحّاء مشتركون..
ليتنا نتقاسم الفضاء! ليت لكلِّ منّا جانباً من الحرّية، في تنفّس الهواء الذي يريد، فلا يلحقه أذىً، من أيّ كان!..
نُولد أحراراً، ثم ما نلبث أن نصبح سلعة لأصحاب العادات السيّئة، وللمعتدي!..
بيني وبين النعاس بُعدٌ لا يقارب الانتهاء! بُعدٌ لا يلوّح، لا بالبشائر، ولا بتكرار الأعداد، ولا بالقراءة، أو الكتابة، ولا بالصلوات!...
جرّبت كل وسيلة، كانت ناجعة فيما مضى، لمثل أحوال كهذه، ولم أنجح في الإتيان بإغفاءة تريحني، بعد تثاؤب بشارة بالنعاس.
سكون مسيطر على كل ما من حولي، ومارد القلق جاثم في تأمّلاتي! لا تفلت فكرة صائبة، إلا ويمرغها بالسّواد! لا يبزغ فجر أمل، إلا ويرشقه ببحر الظلام! لا يَسحب نفس ٌ فرحَ استنشاق هواء؛ إلا ويتقطّع بالضّربات، فيلهث مرعوباً، ويسرع بالخفقان.
لهذا الجسد ترامٍ في مكان ما، فهو من صلة الرّحم، إلى صلة الرّحمة موصول!..
نقلق لأن قطعة منّا في مكان ما، تتلبّك! تتألّم! تتخبّط في الأهوال، وتتطلّع إلى الرّبّ، لكي يرسل نعمة خلاص أو منقذ!..
في كلّ الأروقة، لفائف تنبك، أو تنباك! منافض ملأى بأعقاب السّجائر، ورماد منثور في كلّ مكان!.. على الجدران عارضات مكتوبة بأحرف عريضة، مقرّية للجميع، وواضحة المعالم، وتمنع التدّخين، لا أحد يأبه لها، حتى واضعي القانون، تراهم في الممرّات يدخّنون!.. شرطة السير، يدخّنون!.. حرّاس المبنى، يدخّنون!.. رجال السياسة، والأطباء، ومعظم الزعماء، كلّهم في قتل الأصحّاء مشتركون..
ليتنا نتقاسم الفضاء! ليت لكلِّ منّا جانباً من الحرّية، في تنفّس الهواء الذي يريد، فلا يلحقه أذىً، من أيّ كان!..
نُولد أحراراً، ثم ما نلبث أن نصبح سلعة لأصحاب العادات السيّئة، وللمعتدي!..
Page 9
صور في ذاكرتي
ربّّما هي الصورة الأولى في مخيّلتي، ممّا تبقّى لطفلة، في عمر الأربع سنوات، أنظر إلى أمّي، وقد انتفخ بطنها، لسبب لا أعلمه، ووالدي يتأبّط ذراعها، ويسيران معاً عند الغروب، ليعودا بعد ساعة تقريباً، حسب تقدير طفلة، على حسبان الوقت.
في صبيحة أحد الأيام الصيفية، تجمّع في بيتنا أناس كثيرون، من جيران وأقارب، وكأن شيئاً بأمّي، ما هو إلا بالغريب!..
وقفت سيّارة قرب منزلنا، فراعنا المنظر!.. فقد تركونا مع الأقارب، وأخذوا أمي وأبي، وسارت السيّارة، ونحن في ذهول!.. لا ندري عن وجهتهم أيّ شيء، ولا عن غيبتهم، إن كانت سوف تطول!..
كنت، وأنا ابنة الأربع سنوات، أهتمّ بأختي، ابنة السنتين، وأنتظر رجوع أهلي، بفارغ الصّبر، وأحاول إرضاء أقاربي، ممّن مكثوا في بيتنا لإدارة شؤوننا.
مرّت بضعة أيام، وعاد أهلي، ولكن مع طفلين صغيرين جداً!.. عادت الحركة إلى بيتنا، واجتمعنا حول أمي، وهي ترضع الطّفلين، في آن، بمساعدة جدّتي، وخالتي، ثمّ تعاد الكرّة، كلّ بضع ساعات!..
أناس عندنا طوال النّهار يمكثون!.. منهم من يساعد في حمل الرضيعين، ومنهم مَن يهتّم بمأكلنا وحمّامنا، ومنهم من يجلب الأغراض.
أجمل الأشياء كانت عندما كان يُطلب منّا أن نساعد، في جلب الماء، أو الصّابون، أو المنشفة، أو علبة البودرة؛ عند تغطيس التوأم، في الماء، وهما عاريان!..
"الطفلة أجمل! ولكن الطفل صبيٌّ!.. شعرها أشقر، وشعره أسود، ولكنّه صبيٌّ!.."
مضت عدّة أشهر، وكبر الطفلان، وارتأى والدي أن نذهب جميعاً إلى المصوّر، ليتخذ صوراً لأولاده جميعاً، فلبسنا جميعاً، أجمل ما عندنا، وركبنا السيّارة، متوجهين إلى العاصمة.
ما أن وصلنا، حتى قصدنا حانوت المصوّر، فأخذ صوراً لإخوتي الثلاثة، وأمّا أنا، فلم يصوّرني!.. وهنا حزنت جدّاً، ولم أعلم السّبب!.. وكان والدي يحاول أن يقنع المصوّر، بل يرجوه؛ لكن لا فائدة.
عُدنا إلى البيت، وبعد عدّة أيام كان في بيتنا جمع كبير من الجيران، يتفرّجون على صور إخوتي، وكنت أنا فرحة بالصّور، رغم الغصّة التي ما برحت في قلبي تتمدّد.
قالت لي أمي: "أنتِ كبرتِ! عمرك الآن فوق الخمس سنوات، لذلك لم تشملك منحة التصوير، لأنك لستِ بحاجة إلى شرب الحليب، من الماركة التي يروّجون لها، وأرادوا تصوير إخوتكِ للدعاية لهذا المنتج...
منذ ذلك الحين، وأنا بي شوق، إلى أن تُؤخذ لي صورة جميلة في كل مناسبة، وتُعرض في الصّالة، أو على المنضدة، أو على الرّف، أو تبقى في الجارور!..
المهمّ، أن أعرف قيمة جمالي، مثلي، مثل إخوتي، وأخواتي!.. هل هذا جزاء مَن لا يشرب الحليب؟! هل هذا جزاء من يكبر عن الخمس سنوات؟!..
أشدّ ما كان يقهرني، ويحزّ في قلبي، عندما كان يُقال عنّي بأنّي كبرت!.. لم أشعر بطفولتي، أو على الأقل، لا أذكر، سوى أنني مسؤولة عن إخوتي الصّغار!.. لم أتخلص من هذه المسؤولية، طوال حياتي!..
في عمر الثماني سنوات، طلب مني أهلي أن أرافق أختي الكبرى؛ وهي تكبرني بثمان سنوات أيضاً!.. فكبرتُ كثيراً، لأني سمعت أحاديث الكبار، ولأني تعلّمت أن: "كيف يتصرّف من يريد أن يوجد مع من هم أكبر منه سِنّاً!.." فلا أغلط!.. لبستُ ثياباً على طريقة الصبايا، ومشيتُ بأناقة، ورزانة الكبار!.. في العاشرة من عمري، أدركتُ، وأدرك أهلي أنّي صِرتُ مكتملة الأنوثة، مثلي مثل جميع الفتيات الحاضرات، لتقبّل الحياة، من بابها الواسع، حيث ينتظرهنّ النّصيب!.. فمصير الفتاة هو الزّواج!..
مرّة، كنّا نحاول تهدئة والدي، وهو يسأل عن أختي الكبرى، إن أتت من المدرسة أم لا!.. كانت أمي تحاول تهدئته، وكان أمام بيتنا أُناس كثيرون، ينتظرون رجوع أختي!..
و أطلّت أختي، متّسخة بالوحل، بل كلّها وحل!.. اختلطت صرخات فرح الاستقبال بالبكاء!.. كانت أختي حافية القدمين، ورجلاها مغمّستين بالتراب!..
سمعت النّاس يتكلّمون عن "أبو علي"!.. لم أفهم، وقتئذ، أنّ "أبو علي" ليس رجلاً، وقد آذاها! فقد عرفتُ لاحقاً أنه النهر الذي فاض، ودخل مدرسة أختي الداخلية، كما دخل الشوارع الطرابلسية، وجرف معه البيوت وروّع السكّان!..
ربّّما هي الصورة الأولى في مخيّلتي، ممّا تبقّى لطفلة، في عمر الأربع سنوات، أنظر إلى أمّي، وقد انتفخ بطنها، لسبب لا أعلمه، ووالدي يتأبّط ذراعها، ويسيران معاً عند الغروب، ليعودا بعد ساعة تقريباً، حسب تقدير طفلة، على حسبان الوقت.
في صبيحة أحد الأيام الصيفية، تجمّع في بيتنا أناس كثيرون، من جيران وأقارب، وكأن شيئاً بأمّي، ما هو إلا بالغريب!..
وقفت سيّارة قرب منزلنا، فراعنا المنظر!.. فقد تركونا مع الأقارب، وأخذوا أمي وأبي، وسارت السيّارة، ونحن في ذهول!.. لا ندري عن وجهتهم أيّ شيء، ولا عن غيبتهم، إن كانت سوف تطول!..
كنت، وأنا ابنة الأربع سنوات، أهتمّ بأختي، ابنة السنتين، وأنتظر رجوع أهلي، بفارغ الصّبر، وأحاول إرضاء أقاربي، ممّن مكثوا في بيتنا لإدارة شؤوننا.
مرّت بضعة أيام، وعاد أهلي، ولكن مع طفلين صغيرين جداً!.. عادت الحركة إلى بيتنا، واجتمعنا حول أمي، وهي ترضع الطّفلين، في آن، بمساعدة جدّتي، وخالتي، ثمّ تعاد الكرّة، كلّ بضع ساعات!..
أناس عندنا طوال النّهار يمكثون!.. منهم من يساعد في حمل الرضيعين، ومنهم مَن يهتّم بمأكلنا وحمّامنا، ومنهم من يجلب الأغراض.
أجمل الأشياء كانت عندما كان يُطلب منّا أن نساعد، في جلب الماء، أو الصّابون، أو المنشفة، أو علبة البودرة؛ عند تغطيس التوأم، في الماء، وهما عاريان!..
"الطفلة أجمل! ولكن الطفل صبيٌّ!.. شعرها أشقر، وشعره أسود، ولكنّه صبيٌّ!.."
مضت عدّة أشهر، وكبر الطفلان، وارتأى والدي أن نذهب جميعاً إلى المصوّر، ليتخذ صوراً لأولاده جميعاً، فلبسنا جميعاً، أجمل ما عندنا، وركبنا السيّارة، متوجهين إلى العاصمة.
ما أن وصلنا، حتى قصدنا حانوت المصوّر، فأخذ صوراً لإخوتي الثلاثة، وأمّا أنا، فلم يصوّرني!.. وهنا حزنت جدّاً، ولم أعلم السّبب!.. وكان والدي يحاول أن يقنع المصوّر، بل يرجوه؛ لكن لا فائدة.
عُدنا إلى البيت، وبعد عدّة أيام كان في بيتنا جمع كبير من الجيران، يتفرّجون على صور إخوتي، وكنت أنا فرحة بالصّور، رغم الغصّة التي ما برحت في قلبي تتمدّد.
قالت لي أمي: "أنتِ كبرتِ! عمرك الآن فوق الخمس سنوات، لذلك لم تشملك منحة التصوير، لأنك لستِ بحاجة إلى شرب الحليب، من الماركة التي يروّجون لها، وأرادوا تصوير إخوتكِ للدعاية لهذا المنتج...
منذ ذلك الحين، وأنا بي شوق، إلى أن تُؤخذ لي صورة جميلة في كل مناسبة، وتُعرض في الصّالة، أو على المنضدة، أو على الرّف، أو تبقى في الجارور!..
المهمّ، أن أعرف قيمة جمالي، مثلي، مثل إخوتي، وأخواتي!.. هل هذا جزاء مَن لا يشرب الحليب؟! هل هذا جزاء من يكبر عن الخمس سنوات؟!..
أشدّ ما كان يقهرني، ويحزّ في قلبي، عندما كان يُقال عنّي بأنّي كبرت!.. لم أشعر بطفولتي، أو على الأقل، لا أذكر، سوى أنني مسؤولة عن إخوتي الصّغار!.. لم أتخلص من هذه المسؤولية، طوال حياتي!..
في عمر الثماني سنوات، طلب مني أهلي أن أرافق أختي الكبرى؛ وهي تكبرني بثمان سنوات أيضاً!.. فكبرتُ كثيراً، لأني سمعت أحاديث الكبار، ولأني تعلّمت أن: "كيف يتصرّف من يريد أن يوجد مع من هم أكبر منه سِنّاً!.." فلا أغلط!.. لبستُ ثياباً على طريقة الصبايا، ومشيتُ بأناقة، ورزانة الكبار!.. في العاشرة من عمري، أدركتُ، وأدرك أهلي أنّي صِرتُ مكتملة الأنوثة، مثلي مثل جميع الفتيات الحاضرات، لتقبّل الحياة، من بابها الواسع، حيث ينتظرهنّ النّصيب!.. فمصير الفتاة هو الزّواج!..
مرّة، كنّا نحاول تهدئة والدي، وهو يسأل عن أختي الكبرى، إن أتت من المدرسة أم لا!.. كانت أمي تحاول تهدئته، وكان أمام بيتنا أُناس كثيرون، ينتظرون رجوع أختي!..
و أطلّت أختي، متّسخة بالوحل، بل كلّها وحل!.. اختلطت صرخات فرح الاستقبال بالبكاء!.. كانت أختي حافية القدمين، ورجلاها مغمّستين بالتراب!..
سمعت النّاس يتكلّمون عن "أبو علي"!.. لم أفهم، وقتئذ، أنّ "أبو علي" ليس رجلاً، وقد آذاها! فقد عرفتُ لاحقاً أنه النهر الذي فاض، ودخل مدرسة أختي الداخلية، كما دخل الشوارع الطرابلسية، وجرف معه البيوت وروّع السكّان!..
Page 10
بعد هذه الحادثة، التي كانت تذكر كلّ يوم، حيث كانوا يقولون: "فيضان أبو علي"، قرّر والدي نقل أختي إلى مدرسة داخلية، قريبة من قريتنا، فكانت تعود إلى البيت، كلّما تهيأت لها فرصة؛ من مناسبة عيد، أو عطلة مدرسة!..
كنتُ في التاسعة من عمري، عندما قالت لي أختي الكبرى، لآخذ سلّة مأكولات لجدّتي!.. وهي تسكن في الجهة المقابلة، من قريتنا التي تُفصَلُ، بواسطة طريق رئيسي، إلى حارتين!..
أوصلت السلّة، وفي طريق عودتي، استوقفني شابّ كان قد لمحني ذاهبة إلى منزل جدّتي، فانتظر رجوعي وأعطاني رسالة لأوصلها إلى أختي!..
عدتُ إلى البيت، وبطريقة سريّة، سلّمت الرسالة إلى أختي، فأخفتها أمام ناظريّ، ولم تخف منّي، ولم تنبّهني إلى وجوب حفظ سرِّها!..
مضت عدة سنوات، وكانت أختي تتسلّم الرسائل، من صديقها بالطريقة نفسها، أي عندما تكون عندنا في القرية، بسبب العطل المدرسية، أو أثناء فرصة الصيف.
أمّا أنا فلم أعش عمر المراهقة بهفواته!.. لم أكتب رسائل، ولم أطلع على رسائل!.. وكأن بي أنفاً، من عمر ارتكاب الأخطاء، بحجّة طيش المراهقة!.. فأنا لا أعرف شيئاً عن فتيات، هنَّ في مثل عمري، كيف يتصرّفن!..
أنا أرافق أختي الكبرى، وصديقاتها الكبار!.. كنت أذهب معها إلى دار الخيّّاطة، وأساعدها على انتقاء الموديلات!.. أحببت ما كان يُقال عنّي بأنّي خلاقة، وأستطيع استنباط أفكار جديدة، أو أخترع موضة، تليق بأختي، وغيرها ممّا يتناسب مع تكوين جسمي، وبطريقة فريدة!..
ليس في الثياب، فقط، كنت المدبّرة، بل في تمشيط الشعر، ورفعه إلى الأعلى، بطريقة تتناسب مع شكل الوجه، وصيحات الموضة! كنت كالمزيّنة، تتوافد إلى بيتنا قريباتنا، وصديقات أختي، وكلهنّ يقصدنني، لطلب إظهار الجمال، فكنت عند حسن ظنّ الجميع، لأنّي أحببت الإطراء منهنّ، بعد كلّ عمل ناجح أقوم به!.. أحببت المسؤولية في تنفيذ المهمة!.. أردت أن أكون مميّزة!.. ولا أشبه أحداً، ولا أحد يشبهني!.. كان والدي يوزّع علينا المصروف بالتساوي!.. ويقول: "هذه الخرجية" يجب أن تكفيكم طوال هذا الأسبوع!.. من أراد أن يعمل، ليكسب أكثر، فليكسِّر ما أراد من اللوز، وأنا أبيعه له، في الدكّان، وأعطيه الفلوس!.. طلبت من والدي أن يعطيني مفتاحاً خاصاً، ليكون لي مخبأ، أضع فيه فلوسي، وحاجياتي الخاصة! فكان لي ما أردت، وأعطاني والدي مفتاح جارور ليس له بديل!.. فرحتي كانت لا تُوصف! أولاً لثقة والدي بي، وإعجاب أمي بعقلي الراجح!، فأنا ابنة العشر سنوات، أرسم الأشياء، وأفكر في الاقتصاد، وتوفير القرش الأبيض لليوم الأسود، وأخطط لعمل، فيه منفعة، وذلك على الوجه الأكيد!..
كنتُ في التاسعة من عمري، عندما قالت لي أختي الكبرى، لآخذ سلّة مأكولات لجدّتي!.. وهي تسكن في الجهة المقابلة، من قريتنا التي تُفصَلُ، بواسطة طريق رئيسي، إلى حارتين!..
أوصلت السلّة، وفي طريق عودتي، استوقفني شابّ كان قد لمحني ذاهبة إلى منزل جدّتي، فانتظر رجوعي وأعطاني رسالة لأوصلها إلى أختي!..
عدتُ إلى البيت، وبطريقة سريّة، سلّمت الرسالة إلى أختي، فأخفتها أمام ناظريّ، ولم تخف منّي، ولم تنبّهني إلى وجوب حفظ سرِّها!..
مضت عدة سنوات، وكانت أختي تتسلّم الرسائل، من صديقها بالطريقة نفسها، أي عندما تكون عندنا في القرية، بسبب العطل المدرسية، أو أثناء فرصة الصيف.
أمّا أنا فلم أعش عمر المراهقة بهفواته!.. لم أكتب رسائل، ولم أطلع على رسائل!.. وكأن بي أنفاً، من عمر ارتكاب الأخطاء، بحجّة طيش المراهقة!.. فأنا لا أعرف شيئاً عن فتيات، هنَّ في مثل عمري، كيف يتصرّفن!..
أنا أرافق أختي الكبرى، وصديقاتها الكبار!.. كنت أذهب معها إلى دار الخيّّاطة، وأساعدها على انتقاء الموديلات!.. أحببت ما كان يُقال عنّي بأنّي خلاقة، وأستطيع استنباط أفكار جديدة، أو أخترع موضة، تليق بأختي، وغيرها ممّا يتناسب مع تكوين جسمي، وبطريقة فريدة!..
ليس في الثياب، فقط، كنت المدبّرة، بل في تمشيط الشعر، ورفعه إلى الأعلى، بطريقة تتناسب مع شكل الوجه، وصيحات الموضة! كنت كالمزيّنة، تتوافد إلى بيتنا قريباتنا، وصديقات أختي، وكلهنّ يقصدنني، لطلب إظهار الجمال، فكنت عند حسن ظنّ الجميع، لأنّي أحببت الإطراء منهنّ، بعد كلّ عمل ناجح أقوم به!.. أحببت المسؤولية في تنفيذ المهمة!.. أردت أن أكون مميّزة!.. ولا أشبه أحداً، ولا أحد يشبهني!.. كان والدي يوزّع علينا المصروف بالتساوي!.. ويقول: "هذه الخرجية" يجب أن تكفيكم طوال هذا الأسبوع!.. من أراد أن يعمل، ليكسب أكثر، فليكسِّر ما أراد من اللوز، وأنا أبيعه له، في الدكّان، وأعطيه الفلوس!.. طلبت من والدي أن يعطيني مفتاحاً خاصاً، ليكون لي مخبأ، أضع فيه فلوسي، وحاجياتي الخاصة! فكان لي ما أردت، وأعطاني والدي مفتاح جارور ليس له بديل!.. فرحتي كانت لا تُوصف! أولاً لثقة والدي بي، وإعجاب أمي بعقلي الراجح!، فأنا ابنة العشر سنوات، أرسم الأشياء، وأفكر في الاقتصاد، وتوفير القرش الأبيض لليوم الأسود، وأخطط لعمل، فيه منفعة، وذلك على الوجه الأكيد!..