Page 1
شرارة
"أنحني لصخَب المياه الخفيَّة
وأرفض عبوديَّة الدمْع
وعبوديَّة النار
..
لا شيءَ غير الجَمْر
كل أحبَّائي فيه!"
سنيّة صالح (1935-1965) (1)
أوَّل الباب
جَمْرة الفَيْض
أبو الحُسَين النوري:
"يُحْرَقُ بالنَّارِ مَنْ يُحِسُّ بِهَا، فمَنْ هوَ النارُ،
كَيْفَ يَحْتَرِقُ.. ؟.."
"أنحني لصخَب المياه الخفيَّة
وأرفض عبوديَّة الدمْع
وعبوديَّة النار
..
لا شيءَ غير الجَمْر
كل أحبَّائي فيه!"
سنيّة صالح (1935-1965) (1)
أوَّل الباب
جَمْرة الفَيْض
أبو الحُسَين النوري:
"يُحْرَقُ بالنَّارِ مَنْ يُحِسُّ بِهَا، فمَنْ هوَ النارُ،
كَيْفَ يَحْتَرِقُ.. ؟.."
Page 2
قدح أزلي
ماجد:
.. هامْلت ليْسَ أنا،
.. ولا غِرْترود كانت أمي..
.. وإنما هناك ما يشْبهُنا في الحكاية أو رُبَّما لا تكونُ كذلك.
.. إن لحْمَ الحِكَايات لا يَمُوتُ..، فهو مَوْعُودٌ بخَرَّاز آخر يَقْتَرِحُ للحكاية سَرْداً في زمان ومكان آخرين.
.. ومَنْ يرويها سيحتاج إلى أشخاص وعقدة ليحبسها في مكان أو تحبسه هو في ذات الكتاب لزمن سيحرِّر الأشخاص والعقدة سواء هاملت أو عبد الرحمن، غرترود أو أمي، هوراثيو أو أنا، أو مأساة تخلق زمنها ولا نصدِّق ظنوننا بوقوعها وقت ما نتوهَّم من شفة إلى كتاب، ومنه إلى شفة مرة أخرى.
.. "هاملت النجدي: قراءة في ظواهر نفسية"هذا هو الكتاب الذي أهْدَتْني إيَّاه لَمْياء هو باكورة مؤلَّفاتها في تخصُّصها بعد عودتها من لندن وإبراهيم، تحلِّل فيه أشخاص ترمز لأسمائهم بحروف مختصرة. كأن تقول: ".. هذه حكاية السيدة(د. ع)في منتصف العمر متزوجة وربّة منزل منذ أحد عشر عاماً تخبرني بأنها تعاني من حلم يراودها كل يوم عن جرم سماوي يسبق مجيء القمر بعد غروب الشمس مقترباً من نافذة غرفتها، وكلما دنا تتَّضح صورة امرأة شابة وجميلة شعرها طويل ومنسدل على كتفيها تلبس فستاناً أحمر مشعاً، لكنها مائلة العنق حزينة وشاردة تحمل غصناً مقطوعة وردته تحاول أن تحسن إعادة الوردة إلى رأس الغصن وتفشل..، وأنها تنهض فزعة بجبين متعرِّق، فتجد زوجها نائماً لا بجانبها على السرير بل على الكنبة..، فكما ترون أعزائي القرَّاء والقارئات هو أن هذا الحلم يحتوي على ثلاثة أمور مهمة لتعلل الحالة التي بين أيدينا هي: الجرم الذي يأتي غير القمر والشمس، والشابة الجميلة التي تبدو عمياء، والفستان ذو اللون الأحمر. تعطينا وضعاً غير متزن لحياتها بين غروب الشمس ومجيء القمر، والمرأة هي صورتها لا ترى سبب عزوف زوجها عن النوم بجانبها، والوردة المقطوعة ولون الفستان..".
.. أقلِّب الصفحات الأخرى فأجد عنوان: "الاستعداد العاطفي"، يلفتني فأقرأ: ".. أعزائي وعزيزاتي.. اخترت لكم هذه الحكاية لأبدأ فيها هذا الفصل ما قبل الأخير، فهي حكاية الشاب (ع. م)، يعمل في مجال التعليم يحب مهنته وهو مخلص لها، يعتني بصحته يمارس بعض الهوايات منها رياضة الجري والتمارين الأخرى، لكن هذه الهواية تحوَّلت إلى تنفيس تجاوز حدوده المعقولة، فاتجه-كما يقول لي-إلى تمارين أعنف وأشد على العضلات بالجهد والضغط. كأن يرفع أثقالاً حديديَّة أوزانها بأحجام صخرية، وصار يعتمد على منشِّطات ومقويات من المغذيات المعدنية المصنعة.. لاحظت عليه حالة فراغ عاطفي لم يكن يسدها خبر الأصحاب والرحلات معهم..
.. طلبت منه أن يرسم لي أي شيء يخطر بباله الآن..، فأمسك بالورقة والقلم بثقة وعلى مهل، فاندهشت منها لحظة أن طالعته فإذا هي بورتريه لوجه طفل وقَّعها في أسفل الورقة باسم: Paul ..".
.. اضطررت لأن أقفل الكتاب دون أن أضيع صفحته، لأني سأمضي إلى استقبال بعض زبائن جدُد يدخلون المقهى لأول مرة، فأنا الآن أدير المَقْهى الذي افتتحته أمام جامعتي، لأنني اتفقت مع إدارة الجامعة في القسم الذي درست فيه أن أوفِّر الفترة التدريبية للطلبة كوني أعرف أن الأخطاء التي يحترز عنها باتباع صارم للنظام وللعادة، يمكن أن تكون نواة لطريقة تحضير قهوة تلائم الذوق المحلي وتتيح اقتراحاً جديداً مثلما حدث معي في المَقْهى الذي تدربت فيه حين منعني من اكتشاف تحضير جديد للقهوة، فماذا يعني أن تبقى الكابتشينو على اسمها ونحن لا نعرف أن نحضِّرَها كالإيطاليين؟.
.. كان بعض المتدربين يتحرَّج أو يرتبك من فكرة أن يعد قهوة للآخرين بشكل محترف لكونه لم يعتد أن يفعل ذلك في البيت، ولم يكن تسيطر عليه عقدة العامل التي يهرب منها بعض البرجوازيين، وبعضهم الآخر يتغصَّب فترة التدريب في الصيف فقد كانوا يمتعضون ويشعرون بلا أدنى رغبة في التجربة والتطبيق إنما كانت تشغلهم ورقة التقييم ألا تنزل عن الدرجات التي من الممكن أن تؤذي المعدل التراكمي، فكان بعضهم يقف أمام المدخل حاملاً القائمة دون مبالاة بمن يدخل أو في الخارج ليكون له مجال من السوالف التي تلهيه ربما لم تعنه التلويحة البسيطة لمن يمر في الشارع كوسيلة جذب وتنبيه لوجود مَقْهى، على أن لوحته تتخذ صدر العمارة كلها إلا أن المارَّ بالتوازي لن يلحظها ما لم يتوقف أو يكون قادماً من الشارع الذي ينتهي نحوه بحرف T ، فيتملَّى واجهة العمارة كلها ويعرف بوجود المَقْهى.
ماجد:
.. هامْلت ليْسَ أنا،
.. ولا غِرْترود كانت أمي..
.. وإنما هناك ما يشْبهُنا في الحكاية أو رُبَّما لا تكونُ كذلك.
.. إن لحْمَ الحِكَايات لا يَمُوتُ..، فهو مَوْعُودٌ بخَرَّاز آخر يَقْتَرِحُ للحكاية سَرْداً في زمان ومكان آخرين.
.. ومَنْ يرويها سيحتاج إلى أشخاص وعقدة ليحبسها في مكان أو تحبسه هو في ذات الكتاب لزمن سيحرِّر الأشخاص والعقدة سواء هاملت أو عبد الرحمن، غرترود أو أمي، هوراثيو أو أنا، أو مأساة تخلق زمنها ولا نصدِّق ظنوننا بوقوعها وقت ما نتوهَّم من شفة إلى كتاب، ومنه إلى شفة مرة أخرى.
.. "هاملت النجدي: قراءة في ظواهر نفسية"هذا هو الكتاب الذي أهْدَتْني إيَّاه لَمْياء هو باكورة مؤلَّفاتها في تخصُّصها بعد عودتها من لندن وإبراهيم، تحلِّل فيه أشخاص ترمز لأسمائهم بحروف مختصرة. كأن تقول: ".. هذه حكاية السيدة(د. ع)في منتصف العمر متزوجة وربّة منزل منذ أحد عشر عاماً تخبرني بأنها تعاني من حلم يراودها كل يوم عن جرم سماوي يسبق مجيء القمر بعد غروب الشمس مقترباً من نافذة غرفتها، وكلما دنا تتَّضح صورة امرأة شابة وجميلة شعرها طويل ومنسدل على كتفيها تلبس فستاناً أحمر مشعاً، لكنها مائلة العنق حزينة وشاردة تحمل غصناً مقطوعة وردته تحاول أن تحسن إعادة الوردة إلى رأس الغصن وتفشل..، وأنها تنهض فزعة بجبين متعرِّق، فتجد زوجها نائماً لا بجانبها على السرير بل على الكنبة..، فكما ترون أعزائي القرَّاء والقارئات هو أن هذا الحلم يحتوي على ثلاثة أمور مهمة لتعلل الحالة التي بين أيدينا هي: الجرم الذي يأتي غير القمر والشمس، والشابة الجميلة التي تبدو عمياء، والفستان ذو اللون الأحمر. تعطينا وضعاً غير متزن لحياتها بين غروب الشمس ومجيء القمر، والمرأة هي صورتها لا ترى سبب عزوف زوجها عن النوم بجانبها، والوردة المقطوعة ولون الفستان..".
.. أقلِّب الصفحات الأخرى فأجد عنوان: "الاستعداد العاطفي"، يلفتني فأقرأ: ".. أعزائي وعزيزاتي.. اخترت لكم هذه الحكاية لأبدأ فيها هذا الفصل ما قبل الأخير، فهي حكاية الشاب (ع. م)، يعمل في مجال التعليم يحب مهنته وهو مخلص لها، يعتني بصحته يمارس بعض الهوايات منها رياضة الجري والتمارين الأخرى، لكن هذه الهواية تحوَّلت إلى تنفيس تجاوز حدوده المعقولة، فاتجه-كما يقول لي-إلى تمارين أعنف وأشد على العضلات بالجهد والضغط. كأن يرفع أثقالاً حديديَّة أوزانها بأحجام صخرية، وصار يعتمد على منشِّطات ومقويات من المغذيات المعدنية المصنعة.. لاحظت عليه حالة فراغ عاطفي لم يكن يسدها خبر الأصحاب والرحلات معهم..
.. طلبت منه أن يرسم لي أي شيء يخطر بباله الآن..، فأمسك بالورقة والقلم بثقة وعلى مهل، فاندهشت منها لحظة أن طالعته فإذا هي بورتريه لوجه طفل وقَّعها في أسفل الورقة باسم: Paul ..".
.. اضطررت لأن أقفل الكتاب دون أن أضيع صفحته، لأني سأمضي إلى استقبال بعض زبائن جدُد يدخلون المقهى لأول مرة، فأنا الآن أدير المَقْهى الذي افتتحته أمام جامعتي، لأنني اتفقت مع إدارة الجامعة في القسم الذي درست فيه أن أوفِّر الفترة التدريبية للطلبة كوني أعرف أن الأخطاء التي يحترز عنها باتباع صارم للنظام وللعادة، يمكن أن تكون نواة لطريقة تحضير قهوة تلائم الذوق المحلي وتتيح اقتراحاً جديداً مثلما حدث معي في المَقْهى الذي تدربت فيه حين منعني من اكتشاف تحضير جديد للقهوة، فماذا يعني أن تبقى الكابتشينو على اسمها ونحن لا نعرف أن نحضِّرَها كالإيطاليين؟.
.. كان بعض المتدربين يتحرَّج أو يرتبك من فكرة أن يعد قهوة للآخرين بشكل محترف لكونه لم يعتد أن يفعل ذلك في البيت، ولم يكن تسيطر عليه عقدة العامل التي يهرب منها بعض البرجوازيين، وبعضهم الآخر يتغصَّب فترة التدريب في الصيف فقد كانوا يمتعضون ويشعرون بلا أدنى رغبة في التجربة والتطبيق إنما كانت تشغلهم ورقة التقييم ألا تنزل عن الدرجات التي من الممكن أن تؤذي المعدل التراكمي، فكان بعضهم يقف أمام المدخل حاملاً القائمة دون مبالاة بمن يدخل أو في الخارج ليكون له مجال من السوالف التي تلهيه ربما لم تعنه التلويحة البسيطة لمن يمر في الشارع كوسيلة جذب وتنبيه لوجود مَقْهى، على أن لوحته تتخذ صدر العمارة كلها إلا أن المارَّ بالتوازي لن يلحظها ما لم يتوقف أو يكون قادماً من الشارع الذي ينتهي نحوه بحرف T ، فيتملَّى واجهة العمارة كلها ويعرف بوجود المَقْهى.
Page 3
.. كنت أرتِّب كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع اجتماعاً نجلس فيه معاً، ونتحدَّث عن انطباعنا في نوعية المشروب وبعض ما نريد أن نعطيه من انطباع باختصاص في تحضير القهوة بالنكهة الخاصة والكوب المميز، واكتشفت أنني لا بد من كسر فكرة المدير وصورته، فنزلت معهم واضعاً علَّاقات "المَرْيلة" على عنقي وشددْتُ رباطَها حول خاصرتي لأساعد في تحضير القهوة وتقديمها للزبائن، فوجدت التوتر الذي كنت أراه في عيونهم يخفُّ، ولحظت توددهم بشكل واضح نحو الزبائن، والانطباع الذي تعزَّز عندما عدت بعد صلاة المغرب بالتناغم الذي كان بيننا، حين وجدْتُ باقة ورد كبيرة على شكل هرم بألوان صفراء وتركوازية على المنضدة أدهشتني معها بطاقة صغيرة:
"أتمنى لك مزيداً من التقدم..
أشعر أنني سأعود مرة ثانية إلى المقهى
سأخبر أصحابي عنه ليزوروه معي.. "
.. فرحْتُ كثيراً، لكنني ظلَلْتُ أهْجِسُ بمَنْ يكون أو تكون..، فالذي أوصلها أحد عُمَّال محل الورود، ولم يذكر سوى أن هذه البطاقة هي المرفقة معه دون اسم.
.. عندما عدت في المساء إلى البيت اتصلت بعبد الرحمن لأخبره عن ذلك الموقف، ضحِكْنا معاً حين مازَحني بأنها ربما تكون من مُعْجب راقَ له مَنْ قدَّم القهوة لا هي.
.. لم تكن همومنا بعيدة عن بعضنا، فقد حدَّثني عن اجتماع الكليّة التي أصبح مديرها، والأشياء التي تغلي حول طاولة الاجتماع، حين يتملَّقُه بعْضٌ من المحاضرين الجدُد..، ويلوذ بعْضٌ آخر بالصمت والحنق، وهؤلاء هم زملاؤه الذين يتطلَّعُون منذ أعوام، بنوايا لا تشبه التي لديه، إلى الكرسي لكي يفرغ منه لهم في المستقبل القريب..، لكن لا نصيبَ لأحد يسعى منهم، فالموضوع تتدخَّل به أمور كثيرة ربما أولها ألا تكون تسعى إليه، فهذا الكرسي يدور لا يثبت، يحمل وينزل.
.. ليس الكرسي وحده، بل التابوت أيضاً لا يملكه أحد. إن مَنْ يجلس على الأول، ويرقد في الثاني لا يملكان لحْظتَها إمرة أحدهما.
.. لا تهمُّه هذه النوايا المكشوفة، بعد عامين سيتركه لسواه لأن مدة الإدارة تنتهي دورياً، وهذه حكاية لأناسٍ غير حكاية هامْلِت، ربما هي حكاية الجُنديَيْن اللذين تعرَّيا معه ونزلا في الحوض ليقتلاه في الحمَّام، لكنه لا يسْمَح بدخول جنود إلى حمَّامه. كما أن حمَّامه ليس به إلا كرْسي مثقوبٌ ربما لا يغري أحداً سواي عندما كنت أختاره أيام نقاهتي بعد حادث السيَّارة لأحلام تدور عن حارس المرمى الذي باغت خيالاتي، ولآكل عليه تلك الحلوى السكّرية التي أجمع أشكالاً وألواناً منها كالحيوانات والألعاب لأسأله في الظِّلِّ عنها كألغاز وهو على طاولة الكمبيوتر.
.. الكرسي والتابوت مطمع الكثيرين والكثيرات. إنما لا يهمه ذلك فماذا يعني أن يكون الكرسي مِلْك مَنْ لا يجلس عليه كالحلاَّق، أو التابوت مِلْك مَنْ لا يرقد فيه كحَفَّار القبور؟.
.. لا يهُمُّ مَنْ يجلس أو يرقد بل مَنْ يَعْرِفُ الحكاية.
.. أعرف أن هامْلِت ليس أنا،
.. ولا غِرْترود كانت أمي..
.. إن الذي كتب هذه الرواية ليس شكسبير نفسه الذي ظل مثار شك لأنه من برج الحمل، الذي يفاجئك بما لا تتوقَّع عندما يكون مبدعاً سواء كان كاتب حكايات مثل غسان كنفاني أو تينسي وليامز أو ممثلها مثل مارلون براندو أو عمر الشريف، وربما لم يطمح أن يكون ذلك بل إنه ينفخ رمادَ حكاية..
.. لعلها ذكرى اللهب في حياتنا لا نراها..، فعُيونها الجمَرات ومقامُها الورد.
.. قيل إن الجمرة جسد، والغبار ناس وأيامهم.
.. والأيادي رغبات وأمنيات في النار والماء.
.. ربما حدث أمر لتلك البئر، أ هي بئر الحكايات أم بئر الحياة، حياتنا: أنا وعبد الرحمن، ربما حياة آخرين.
لطالما عطلت آبارهم تلك القصور من الفتاوى والجماجم أو التاريخ الأعور في ذاكرة يبست منذ أنقصت زواياها الأربعة فاختلّت الحكاية. يوم كتمت بعض أصواتها.
.. يبقى الصوت صدى طارقاً كل زمان. إنه رنين يبدأ بقطرة ثم بقعة ماء ثم بحيرة تسعى إلى المحيط مثلما تسعى إلى الحياة بعد رماد، فكل شيء ينطفئ إلا الجمرة، وما زالت بيدي. إن الجمرة هي أنا!
"أتمنى لك مزيداً من التقدم..
أشعر أنني سأعود مرة ثانية إلى المقهى
سأخبر أصحابي عنه ليزوروه معي.. "
.. فرحْتُ كثيراً، لكنني ظلَلْتُ أهْجِسُ بمَنْ يكون أو تكون..، فالذي أوصلها أحد عُمَّال محل الورود، ولم يذكر سوى أن هذه البطاقة هي المرفقة معه دون اسم.
.. عندما عدت في المساء إلى البيت اتصلت بعبد الرحمن لأخبره عن ذلك الموقف، ضحِكْنا معاً حين مازَحني بأنها ربما تكون من مُعْجب راقَ له مَنْ قدَّم القهوة لا هي.
.. لم تكن همومنا بعيدة عن بعضنا، فقد حدَّثني عن اجتماع الكليّة التي أصبح مديرها، والأشياء التي تغلي حول طاولة الاجتماع، حين يتملَّقُه بعْضٌ من المحاضرين الجدُد..، ويلوذ بعْضٌ آخر بالصمت والحنق، وهؤلاء هم زملاؤه الذين يتطلَّعُون منذ أعوام، بنوايا لا تشبه التي لديه، إلى الكرسي لكي يفرغ منه لهم في المستقبل القريب..، لكن لا نصيبَ لأحد يسعى منهم، فالموضوع تتدخَّل به أمور كثيرة ربما أولها ألا تكون تسعى إليه، فهذا الكرسي يدور لا يثبت، يحمل وينزل.
.. ليس الكرسي وحده، بل التابوت أيضاً لا يملكه أحد. إن مَنْ يجلس على الأول، ويرقد في الثاني لا يملكان لحْظتَها إمرة أحدهما.
.. لا تهمُّه هذه النوايا المكشوفة، بعد عامين سيتركه لسواه لأن مدة الإدارة تنتهي دورياً، وهذه حكاية لأناسٍ غير حكاية هامْلِت، ربما هي حكاية الجُنديَيْن اللذين تعرَّيا معه ونزلا في الحوض ليقتلاه في الحمَّام، لكنه لا يسْمَح بدخول جنود إلى حمَّامه. كما أن حمَّامه ليس به إلا كرْسي مثقوبٌ ربما لا يغري أحداً سواي عندما كنت أختاره أيام نقاهتي بعد حادث السيَّارة لأحلام تدور عن حارس المرمى الذي باغت خيالاتي، ولآكل عليه تلك الحلوى السكّرية التي أجمع أشكالاً وألواناً منها كالحيوانات والألعاب لأسأله في الظِّلِّ عنها كألغاز وهو على طاولة الكمبيوتر.
.. الكرسي والتابوت مطمع الكثيرين والكثيرات. إنما لا يهمه ذلك فماذا يعني أن يكون الكرسي مِلْك مَنْ لا يجلس عليه كالحلاَّق، أو التابوت مِلْك مَنْ لا يرقد فيه كحَفَّار القبور؟.
.. لا يهُمُّ مَنْ يجلس أو يرقد بل مَنْ يَعْرِفُ الحكاية.
.. أعرف أن هامْلِت ليس أنا،
.. ولا غِرْترود كانت أمي..
.. إن الذي كتب هذه الرواية ليس شكسبير نفسه الذي ظل مثار شك لأنه من برج الحمل، الذي يفاجئك بما لا تتوقَّع عندما يكون مبدعاً سواء كان كاتب حكايات مثل غسان كنفاني أو تينسي وليامز أو ممثلها مثل مارلون براندو أو عمر الشريف، وربما لم يطمح أن يكون ذلك بل إنه ينفخ رمادَ حكاية..
.. لعلها ذكرى اللهب في حياتنا لا نراها..، فعُيونها الجمَرات ومقامُها الورد.
.. قيل إن الجمرة جسد، والغبار ناس وأيامهم.
.. والأيادي رغبات وأمنيات في النار والماء.
.. ربما حدث أمر لتلك البئر، أ هي بئر الحكايات أم بئر الحياة، حياتنا: أنا وعبد الرحمن، ربما حياة آخرين.
لطالما عطلت آبارهم تلك القصور من الفتاوى والجماجم أو التاريخ الأعور في ذاكرة يبست منذ أنقصت زواياها الأربعة فاختلّت الحكاية. يوم كتمت بعض أصواتها.
.. يبقى الصوت صدى طارقاً كل زمان. إنه رنين يبدأ بقطرة ثم بقعة ماء ثم بحيرة تسعى إلى المحيط مثلما تسعى إلى الحياة بعد رماد، فكل شيء ينطفئ إلا الجمرة، وما زالت بيدي. إن الجمرة هي أنا!
Page 4
عبد الرحمن
-1-
.. لا يشبه تلك الراحة المنهوبة، حين أوقف بدْءَ تمْرينٍ جديد استصْعَبْته في الإيروبكس، إلا وقع اللحظة الصادمة التي باتت تدفعني لإنهاء علاقتي بنسرين. ثالث فتاة أتعرف إليها بعدهما، والمتأفِّفَة من عنافتي في أي تصرُّف أو كلام..
: "يا خي، إنت جَفْس، لا ما يصلح كذا مع البنات.."
:..!
: "شِفْ لِكْ شباب زَيِّكْ.. لا ما أقدر.."
.. كانت الرسالة الأخيرة التي تركتها في جهاز الأنسرماشين، ولم تعاود بعدها الاتصال.. لا أعرف، ما مشكلتي مع البنات؟. قيل لي إنهن يعجبن بصاحب الجسم الرياضي وتتهاوى مقاومته منهن ما إذا فردت عضلات ذراعي أو فخذي على كلام ناصر في النادي، وأعتقد أن هذا سبب رنين جوّاله الدائم حيث يتقطَّع عن تمرينه وينبِّهُه المدرب فتحي:
"عايز الموبايل يخْرَسْ تماماً واحنا بنتمرَّن.."
.. وإذا وقف بجانبي همس غيظاً من المدرب يدبِّر الفرار من التمرين:
"تصدِّق عندي date لازم أروح"..
.. وأقول: "رح، يا رجَّال.."كأنما أشعر أنه يريد من يجعله جازماً على الذهاب، فيعرض: "تجي..؟، أبخلِّيها تجيب خويِّتْها.." أتجاهله مشيحاً بوجهي أثناء تمرين الضغط: "ما طلبت منك شي روح بالسلامة!"، فيرد علي بين عنترية طائشة ومِنَّة لن تحصل بقدر ما هي من مباهاة: "مسوِّي لي فيها.. ترى مو كل مرة تلقى واحدة توافق من أول مرة..".
--
.. ربما بحكم اعتيادي على حمل الأثقال لم يشق على جسمي بعد الاستحمام البارد أن يجعلني مستعداً لأن أذهب اليوم إلى الاستراحة عند الشباب، لكن أمي دائماً ما تفتح موضوع السهر كأنني ما كبرت على زمن الملاحظات الصغيرة.
.. أهي مصيبة أن أكون الولد الذكر الوحيد وأيضاً، الصغير بعد أختيَّ: لمياء وحنان..؟.
.. لمياء أختي الكبرى، والتي أحب حين تتفهَّمُني دائماً وأستطيع أن أقول إنها أمي الروحية، بعد أن مرضت أمي بذلك المرض الغريب الذي أقعدها كرسيًّا متحرِّكاً طيلة سنوات، ولم تشف منه إلَّا بعد عملية التخلُّص من ترهُّل الدهون حول قلبها، التي دفعتها إليها أختي الوسطى حنان المفتونة بكل عالم التجميل والحمية والعناية بالبشرة. تتجوَّل كل أسبوع على محال منطقة العليا من"قزَّاز"إلى "بقشان" وإلى"محمود سعيد"مفاضلة ما بين"عبد الخالق سعيد" و"المصباح"اللذين افتتحا منذ التسعينات وتكره محل"ماجستيك" لأن البائع اللبناني يخبِّئ مستحضراته الجديدة للأميرات وبعض الزبونات الخاصات..
.. غرفتها مليئة بملصقات كليرانس وكادوس ولانكوم.. هنا في غرفتها تسريحة كاملة لمستحضرات الوجه.
وفي الزاوية آلتان للشعر واحدة للبخار وأخرى لتجفيفه وتصفيفه.. أذكر الملعونة عندما استدرجت لمياء إلى آلة البخار لتزيين شعرها حيث تعد لحضور حفل توزيع جوائز نهاية نشاط السنة الدراسية كضيفة شرف في مدارس دار السلام التي كانت إحدى طالباتها الأوليات.
.. ما إن وضعت حنان آلة البخار على حد زعمها أنها آلة التجفيف لتصلح تسريح شعرها ساح المكياج على بلوزتها البيضاء وجُنَّتْ كيف حدث ذلك بها وهي على قول حنان إنها آلة تصفيف الشعر.. راحت تمطر حنان باستجواب غاضب: "كيف كذا؟.. حرام البلوزة راحت وطي، وشعري كيف أروح للحفل حنان يا هبلا عارفة هالمقلب..!"، ورأيتهما تتلاحقان وجاءت مدبرة المقلب لتختبئ عندي، فلم أمنع نفسي من الضحك على شكل الضحية ظاناً أنها ستروح إلى سيرك لا حفلَ جوائز..
.. تصالحتا بكل بساطة أو: "خرِّيجَة علم نفس وتفهم.."جملة عمتي نادية. على أن أمي ترى أنها تبالغ في الدقة عند اهتمامها المفرط بشؤون البيت ومعاتبة أمي واقتراح افتراضات ما يكون عليه صفُّ الأثاث وألوانه وأدوات المطبخ إذ دائماً ما تتململ وكأن حنان تنطق ما تخفيه بعد جملة: "يا اللا الغدا"، فترد: "بس من دون محاضرات لو سمحتي!". تبتسم لمياء حانيةً فتسحبنا من ذراعينا..
-1-
.. لا يشبه تلك الراحة المنهوبة، حين أوقف بدْءَ تمْرينٍ جديد استصْعَبْته في الإيروبكس، إلا وقع اللحظة الصادمة التي باتت تدفعني لإنهاء علاقتي بنسرين. ثالث فتاة أتعرف إليها بعدهما، والمتأفِّفَة من عنافتي في أي تصرُّف أو كلام..
: "يا خي، إنت جَفْس، لا ما يصلح كذا مع البنات.."
:..!
: "شِفْ لِكْ شباب زَيِّكْ.. لا ما أقدر.."
.. كانت الرسالة الأخيرة التي تركتها في جهاز الأنسرماشين، ولم تعاود بعدها الاتصال.. لا أعرف، ما مشكلتي مع البنات؟. قيل لي إنهن يعجبن بصاحب الجسم الرياضي وتتهاوى مقاومته منهن ما إذا فردت عضلات ذراعي أو فخذي على كلام ناصر في النادي، وأعتقد أن هذا سبب رنين جوّاله الدائم حيث يتقطَّع عن تمرينه وينبِّهُه المدرب فتحي:
"عايز الموبايل يخْرَسْ تماماً واحنا بنتمرَّن.."
.. وإذا وقف بجانبي همس غيظاً من المدرب يدبِّر الفرار من التمرين:
"تصدِّق عندي date لازم أروح"..
.. وأقول: "رح، يا رجَّال.."كأنما أشعر أنه يريد من يجعله جازماً على الذهاب، فيعرض: "تجي..؟، أبخلِّيها تجيب خويِّتْها.." أتجاهله مشيحاً بوجهي أثناء تمرين الضغط: "ما طلبت منك شي روح بالسلامة!"، فيرد علي بين عنترية طائشة ومِنَّة لن تحصل بقدر ما هي من مباهاة: "مسوِّي لي فيها.. ترى مو كل مرة تلقى واحدة توافق من أول مرة..".
--
.. ربما بحكم اعتيادي على حمل الأثقال لم يشق على جسمي بعد الاستحمام البارد أن يجعلني مستعداً لأن أذهب اليوم إلى الاستراحة عند الشباب، لكن أمي دائماً ما تفتح موضوع السهر كأنني ما كبرت على زمن الملاحظات الصغيرة.
.. أهي مصيبة أن أكون الولد الذكر الوحيد وأيضاً، الصغير بعد أختيَّ: لمياء وحنان..؟.
.. لمياء أختي الكبرى، والتي أحب حين تتفهَّمُني دائماً وأستطيع أن أقول إنها أمي الروحية، بعد أن مرضت أمي بذلك المرض الغريب الذي أقعدها كرسيًّا متحرِّكاً طيلة سنوات، ولم تشف منه إلَّا بعد عملية التخلُّص من ترهُّل الدهون حول قلبها، التي دفعتها إليها أختي الوسطى حنان المفتونة بكل عالم التجميل والحمية والعناية بالبشرة. تتجوَّل كل أسبوع على محال منطقة العليا من"قزَّاز"إلى "بقشان" وإلى"محمود سعيد"مفاضلة ما بين"عبد الخالق سعيد" و"المصباح"اللذين افتتحا منذ التسعينات وتكره محل"ماجستيك" لأن البائع اللبناني يخبِّئ مستحضراته الجديدة للأميرات وبعض الزبونات الخاصات..
.. غرفتها مليئة بملصقات كليرانس وكادوس ولانكوم.. هنا في غرفتها تسريحة كاملة لمستحضرات الوجه.
وفي الزاوية آلتان للشعر واحدة للبخار وأخرى لتجفيفه وتصفيفه.. أذكر الملعونة عندما استدرجت لمياء إلى آلة البخار لتزيين شعرها حيث تعد لحضور حفل توزيع جوائز نهاية نشاط السنة الدراسية كضيفة شرف في مدارس دار السلام التي كانت إحدى طالباتها الأوليات.
.. ما إن وضعت حنان آلة البخار على حد زعمها أنها آلة التجفيف لتصلح تسريح شعرها ساح المكياج على بلوزتها البيضاء وجُنَّتْ كيف حدث ذلك بها وهي على قول حنان إنها آلة تصفيف الشعر.. راحت تمطر حنان باستجواب غاضب: "كيف كذا؟.. حرام البلوزة راحت وطي، وشعري كيف أروح للحفل حنان يا هبلا عارفة هالمقلب..!"، ورأيتهما تتلاحقان وجاءت مدبرة المقلب لتختبئ عندي، فلم أمنع نفسي من الضحك على شكل الضحية ظاناً أنها ستروح إلى سيرك لا حفلَ جوائز..
.. تصالحتا بكل بساطة أو: "خرِّيجَة علم نفس وتفهم.."جملة عمتي نادية. على أن أمي ترى أنها تبالغ في الدقة عند اهتمامها المفرط بشؤون البيت ومعاتبة أمي واقتراح افتراضات ما يكون عليه صفُّ الأثاث وألوانه وأدوات المطبخ إذ دائماً ما تتململ وكأن حنان تنطق ما تخفيه بعد جملة: "يا اللا الغدا"، فترد: "بس من دون محاضرات لو سمحتي!". تبتسم لمياء حانيةً فتسحبنا من ذراعينا..
Page 5
.. بعد طلاقها الموجع جداً لها والمؤثر فينا. بعد عذاب غريب في محبة زوج يريد تطليقها حين اكتشف مرضاً يمنعه أن يكمل الحياة معها فما عاد يريدها أن تبقى معه!.
.. أ ترى كان يخاف عليها من لقب أرملة..؟.
.. عانت لمياء عذاباً صامتاً لإصراره على أن يطلقها وجابهته للبقاء بجانبه مهما حدث، لكنه كان مصمماً على أن يفعل أي شيء ليجعلها تبتعد. عارضاً عليها بيتاً باسمها أو وديعة في البنك، وإذا لم تستجب له طلب منها أن تتزوج قبل أن يموت ليطمئن عليها من عذاب فقده.
.. لم نكن نفهم ذلك أنا وحنان.. أمي كانت تظهر عدم رضاها على هذا الزواج لأن فارق العمر بينهما يزعجها وهذه جنايته بينما ترى لمياء أن هذا اختيارها متحملة المسؤولية، لكن والدي لم يكن يعنيه التعليق بأمر محسوم غير أن يقترح عليها ما يوحي أنه يتجاهل توترها العاطفي وتأزمها:
"اخلصوا يا بنيتي ورَيْحينا.."
: "وش لون يا يبه؟"
: "زي ما الناس تسوِّي طلاق وانتهينا"
: "لو تفهم بس المسألة غير.."
: "لا غير ولا شي اخلصوا تطلقوا.."
: "واترك الرجَّال كذا..؟"
: "هو الباغي ما حد جابره..".
--
.. اليوم، كل الشباب حضروا في الاستراحة على أنه يوم الثلاثاء واسطة الأسبوع ربما مصادفة، فلو اتفقوا لما جاؤوا وسمعنا الأعذار، من تأخر ناسياً ومن تعذر بالنوم أو الانشغال مع أهله.
: "جانا يْتَخَنْطَل.. يمشي على الطل/بير معطَّل وقصرٍ مِشيد.."
.. عادة ما يهزج إبراهيم بهذه الكلمات "اللعبونية"، كلما رآني، فهو يذكرها عن جده..
: "أهلين.."
: "والله الجسم شدّ وقوي.."
: "عاجبك أجل..؟"
: "قم افسخ خ نشوف الحبَّة.."
.. يتضاحك الشباب على مزحة إبراهيم.
.. بعضهم يلعب كرة الطائرة بينما آخرون يتسمَّرون أمام الفضائيات لمشاهدة فيلم من أفلام السبعينات التي فلحت محطة الشيوخ-كما يقول متعب-أوربت في إعداد باقة لتجذب الناس لعصر ناهد شريف، وتسمع تعليقات الشباب..
: "يلعن أمْهَا قحبة.."
: "الديد تَكْفيْن.."
: "يا شباب الرجَّال صحا بقوة".
.. إذا ما تهيأت لنزع قطعة من ملابسها أمام أي بطل أو جدار أو مرآة أو مفتاح..
.. متعب يمسك بسمَّاعة الجوَّال وينتحي في زاوية يتكلم طيلة ساعات جلوسنا عكس ناصر الذي معي في النادي حيث تقصر مكالمته لأن "مواعِداته" لا يقبلن بصوته فقط بل به كاملاً.
.. أ ترى كان يخاف عليها من لقب أرملة..؟.
.. عانت لمياء عذاباً صامتاً لإصراره على أن يطلقها وجابهته للبقاء بجانبه مهما حدث، لكنه كان مصمماً على أن يفعل أي شيء ليجعلها تبتعد. عارضاً عليها بيتاً باسمها أو وديعة في البنك، وإذا لم تستجب له طلب منها أن تتزوج قبل أن يموت ليطمئن عليها من عذاب فقده.
.. لم نكن نفهم ذلك أنا وحنان.. أمي كانت تظهر عدم رضاها على هذا الزواج لأن فارق العمر بينهما يزعجها وهذه جنايته بينما ترى لمياء أن هذا اختيارها متحملة المسؤولية، لكن والدي لم يكن يعنيه التعليق بأمر محسوم غير أن يقترح عليها ما يوحي أنه يتجاهل توترها العاطفي وتأزمها:
"اخلصوا يا بنيتي ورَيْحينا.."
: "وش لون يا يبه؟"
: "زي ما الناس تسوِّي طلاق وانتهينا"
: "لو تفهم بس المسألة غير.."
: "لا غير ولا شي اخلصوا تطلقوا.."
: "واترك الرجَّال كذا..؟"
: "هو الباغي ما حد جابره..".
--
.. اليوم، كل الشباب حضروا في الاستراحة على أنه يوم الثلاثاء واسطة الأسبوع ربما مصادفة، فلو اتفقوا لما جاؤوا وسمعنا الأعذار، من تأخر ناسياً ومن تعذر بالنوم أو الانشغال مع أهله.
: "جانا يْتَخَنْطَل.. يمشي على الطل/بير معطَّل وقصرٍ مِشيد.."
.. عادة ما يهزج إبراهيم بهذه الكلمات "اللعبونية"، كلما رآني، فهو يذكرها عن جده..
: "أهلين.."
: "والله الجسم شدّ وقوي.."
: "عاجبك أجل..؟"
: "قم افسخ خ نشوف الحبَّة.."
.. يتضاحك الشباب على مزحة إبراهيم.
.. بعضهم يلعب كرة الطائرة بينما آخرون يتسمَّرون أمام الفضائيات لمشاهدة فيلم من أفلام السبعينات التي فلحت محطة الشيوخ-كما يقول متعب-أوربت في إعداد باقة لتجذب الناس لعصر ناهد شريف، وتسمع تعليقات الشباب..
: "يلعن أمْهَا قحبة.."
: "الديد تَكْفيْن.."
: "يا شباب الرجَّال صحا بقوة".
.. إذا ما تهيأت لنزع قطعة من ملابسها أمام أي بطل أو جدار أو مرآة أو مفتاح..
.. متعب يمسك بسمَّاعة الجوَّال وينتحي في زاوية يتكلم طيلة ساعات جلوسنا عكس ناصر الذي معي في النادي حيث تقصر مكالمته لأن "مواعِداته" لا يقبلن بصوته فقط بل به كاملاً.
Page 6
.. متعب وإبراهيم، زميلا دراستي في ثانوية الخليج كنا معاً في دَشْرتنا وهروبنا من الفصل أحياناً أو ترجِّينا لمدرِّس الرياضيات رضا أن ينجحنا في المادة أو سنصدم سيارته. كدنا نطبق ما شاهدناه في فيلم لجاكي شان، لكنه أنجحنا دون أن نحضر حصته التي كانت مفضلة لنأكل حمص أبو زكي في البوفيه خارج المدرسة مقابل مدرستنا في شارع مساعد العنقري.
.. طلعنا من الثانوية، إبراهيم دخل كليّة التقنية ما أقربه من تخصصي، ومتعب إلى العلوم الإدارية. أما أنا فاخترت الحاسب الآلي..
.. تخرَّجنا وظللنا بعضاً إذ أشعر أننا مثل ذرات محْوَر تدور وتدار بالزمن والمكان.. تعرَّفنا إلى زملاء كُثر في الثانوية والجامعة، لكن لم يؤثر علينا، ولم يفصم عرى رفقتنا..
.. أشياء كثيرة مشتركة بيننا على اختلاف اختصاصات حياتنا في هذه الاستراحة التي يعرف إبراهيم أكثر روَّادها إذ هو الذي شكلهم كمجموعة وكان مكاني، أنا ومتعب محفوظين في المجيء إليها مثلما هو في ذهن إبراهيم أبينا الروحي الذي يقول: "أنتم هالثنتين.."قاصداً عينيه عندما كنا نقوم بأي عمل فيه شيطنة أيام الثانوية، فلا أنسى عندما أردنا أن نطل على ساحة قسم البنات خلفنا والفاصل جدار. ذهبنا إلى أقصى نقطة تقربنا ورفع إبراهيم رجل متعب بشبك أصابع يديه وتساعدا فوصلا القمة ونسياني حينها عجزت أن أطلع فوق البرميل لبدانتي.. غضبت وذهبت لأكشف فعلتهما للمرشد الطلابي.
وضبطهما يشيران للبنات اللواتي رحن في الصراخ، فضحكت عليهما، لكن المرشد ساوى في عقابنا ربما استشعار منه بعلاقتنا..
.. ذلك الموقف أثبت من بين كثير أن الأمور تتساوى فيما بيننا حقوقاً وواجبات حيث نتحد ننجز، وإن تفرقنا لم نتحرك إلّا بأشغال وقتية..
.. سفرتنا الأولى كنا فيها مع بعضنا عندما رحنا لنكتشف حياة خارج البلاد. زرنا مصر متحمِّسين ونظنها مثل الأفلام إذ ما إن أطل إبراهيم ورأى خلفنا حيًّا شعبياً هبَّ يَصْرخ:
-"يا عيال، فيلم مصري..!".
.. أذكر تماماً مساومة متعب لينام مع البنت الصغيرة التي أحضرتها زوجة الحارس حريصة على أنها ابنة أختها وطلبت الرفق بها..
.. أذكر دَرْوَخَتنا من الشرب في مرقص الباشا، أنا وإبراهيم.. عندما خرج وراح يسلِّم باحترام وأدب على كل من يلقاه في الشارع خاصة المرأة العجوز التي كانت تفترش الأرض سلَّم عليها مقبِّلا رأسها واعداً إياها أن يفطر معها في الغد ومطمئناً إياها أنه سيلحق صلاة الفجر كما لو كانت إحدى جدَّتَيْه..
.. أذكر عندما أضعنا طريق الإسكندرية كدنا نصل منطقة السَّلُّوم حدود مصر بليبيا.. حيث بقينا هناك وتعاونا على الرجوع والفكاك من الورطة عندما عرفوا أننا سعوديون..
.. كان الضحك ينتابنا بانفعال جامح إذا ما تذكرنا هذه الرحلة أو غيرها
.. يُقَدِّر أهالينا مدى ارتباطنا خاصة أن متعب يعيش نفس وضعي في ترتيب أسرته، لكن بين أربع بنات بترتيب ثانٍ بينهن بينما إبراهيم أكبر إخوته الثلاثة من الذكور.
--
.. عرض عليّ متعب التقدُّمَ خاطباً لأختي حنان، لكنني لم أجرؤ أن أخبرها؛لأنني سأرتبك من مجرد هزء حنان من متعب. إذ كانت دائماً ما تستلمه بالسخرية لطوله ونحولته ونظارتيه المقعَّرتين: "اللي آكله وجهه.."كما كانت تقول إذا ما اجتمعوا عندي لنلعب بالأتاري إذ نلتها هدية نجاحي من سادس ابتدائي، كنا نلعب يومياً بها لدرجة أنها أوشكت أن تنفجر من تناوبنا ونزاعنا عليها.. حتى اكتشف إبراهيم لعبة المونو بولي.. التي أدخلتنا وهم رجال الأعمال لعباً بالورق الأخضر تملك القارات. كان يختار إبراهيم السفينة ومتعب المكواة بينما أنا ألتقط أيَّ شيء..
.. ألح متعب أن أفاتح حنان بالموضوع، عرضت عليه أن يتَّصل بأمي لتتولى الأمر، فهاج.
.. طلعنا من الثانوية، إبراهيم دخل كليّة التقنية ما أقربه من تخصصي، ومتعب إلى العلوم الإدارية. أما أنا فاخترت الحاسب الآلي..
.. تخرَّجنا وظللنا بعضاً إذ أشعر أننا مثل ذرات محْوَر تدور وتدار بالزمن والمكان.. تعرَّفنا إلى زملاء كُثر في الثانوية والجامعة، لكن لم يؤثر علينا، ولم يفصم عرى رفقتنا..
.. أشياء كثيرة مشتركة بيننا على اختلاف اختصاصات حياتنا في هذه الاستراحة التي يعرف إبراهيم أكثر روَّادها إذ هو الذي شكلهم كمجموعة وكان مكاني، أنا ومتعب محفوظين في المجيء إليها مثلما هو في ذهن إبراهيم أبينا الروحي الذي يقول: "أنتم هالثنتين.."قاصداً عينيه عندما كنا نقوم بأي عمل فيه شيطنة أيام الثانوية، فلا أنسى عندما أردنا أن نطل على ساحة قسم البنات خلفنا والفاصل جدار. ذهبنا إلى أقصى نقطة تقربنا ورفع إبراهيم رجل متعب بشبك أصابع يديه وتساعدا فوصلا القمة ونسياني حينها عجزت أن أطلع فوق البرميل لبدانتي.. غضبت وذهبت لأكشف فعلتهما للمرشد الطلابي.
وضبطهما يشيران للبنات اللواتي رحن في الصراخ، فضحكت عليهما، لكن المرشد ساوى في عقابنا ربما استشعار منه بعلاقتنا..
.. ذلك الموقف أثبت من بين كثير أن الأمور تتساوى فيما بيننا حقوقاً وواجبات حيث نتحد ننجز، وإن تفرقنا لم نتحرك إلّا بأشغال وقتية..
.. سفرتنا الأولى كنا فيها مع بعضنا عندما رحنا لنكتشف حياة خارج البلاد. زرنا مصر متحمِّسين ونظنها مثل الأفلام إذ ما إن أطل إبراهيم ورأى خلفنا حيًّا شعبياً هبَّ يَصْرخ:
-"يا عيال، فيلم مصري..!".
.. أذكر تماماً مساومة متعب لينام مع البنت الصغيرة التي أحضرتها زوجة الحارس حريصة على أنها ابنة أختها وطلبت الرفق بها..
.. أذكر دَرْوَخَتنا من الشرب في مرقص الباشا، أنا وإبراهيم.. عندما خرج وراح يسلِّم باحترام وأدب على كل من يلقاه في الشارع خاصة المرأة العجوز التي كانت تفترش الأرض سلَّم عليها مقبِّلا رأسها واعداً إياها أن يفطر معها في الغد ومطمئناً إياها أنه سيلحق صلاة الفجر كما لو كانت إحدى جدَّتَيْه..
.. أذكر عندما أضعنا طريق الإسكندرية كدنا نصل منطقة السَّلُّوم حدود مصر بليبيا.. حيث بقينا هناك وتعاونا على الرجوع والفكاك من الورطة عندما عرفوا أننا سعوديون..
.. كان الضحك ينتابنا بانفعال جامح إذا ما تذكرنا هذه الرحلة أو غيرها
.. يُقَدِّر أهالينا مدى ارتباطنا خاصة أن متعب يعيش نفس وضعي في ترتيب أسرته، لكن بين أربع بنات بترتيب ثانٍ بينهن بينما إبراهيم أكبر إخوته الثلاثة من الذكور.
--
.. عرض عليّ متعب التقدُّمَ خاطباً لأختي حنان، لكنني لم أجرؤ أن أخبرها؛لأنني سأرتبك من مجرد هزء حنان من متعب. إذ كانت دائماً ما تستلمه بالسخرية لطوله ونحولته ونظارتيه المقعَّرتين: "اللي آكله وجهه.."كما كانت تقول إذا ما اجتمعوا عندي لنلعب بالأتاري إذ نلتها هدية نجاحي من سادس ابتدائي، كنا نلعب يومياً بها لدرجة أنها أوشكت أن تنفجر من تناوبنا ونزاعنا عليها.. حتى اكتشف إبراهيم لعبة المونو بولي.. التي أدخلتنا وهم رجال الأعمال لعباً بالورق الأخضر تملك القارات. كان يختار إبراهيم السفينة ومتعب المكواة بينما أنا ألتقط أيَّ شيء..
.. ألح متعب أن أفاتح حنان بالموضوع، عرضت عليه أن يتَّصل بأمي لتتولى الأمر، فهاج.
Page 7
: "وش إنت ما لك كلام عليها..؟"
: "لا مو شغلي.."
: "إنت أخوها.."
: "وإذا صار.."
: "إنت رجال وتحكمها.."
: "وش؟، أجرَهَا لك..؟"
: "لا مو كذا، يا عبد الرحمن.."
: "ولا هي طريقة للزواج، يا متعب.".
--
.. عندما نحتد أنا ومتعب أشعر أننا نصطنع الهدوء حين نهدأ أمام إبراهيم بينما تتأجَّج نقاط اختلافنا في أي محاورة ننفعل فيها. مثلاً، تنديده حد الطعن بي في علاقتي بالبنات غير المتواصلة. إذ مرة كاد يجن عندما علم أنني تركت الأولى والثانية مرة واحدة بعدما اكتشفت أنهما تكتمان علاقة لم أفهم أبعادها معي إذا دامتا ما تظهران مشاعر ولع بي لكل واحدة طريقة تكتمل إذا ما وصلتها بالثانية.
.. عرفت في مؤخر علاقتي بهما أنني كنت خارجاً من موعد كنت فيه عند هدى..، لم أتحرك من السيارة التي أنا فيها، كان من حسن حظي أنني أخذت سيارة إبراهيم بعد أن أخذ سيارتي ليريها إلى والده ليقتنع بأن يشتري مثيلتها لأخيه فهد بعد نجاحه من الثانوية، لأنني رأيت لحظتها سيارة العنود قادمة ودخلَتْ بيت هدى..
.. هدى موظفة بنك عصبية المزاج، وتهدأ إذا ما وضعت يدها بيدي سواء في السيارة عندما تورطت في أن أرْجِعَها من دوامها النهاري في البنك أو في بيتها إذا جاءت مكتفية بذلك، وإذا ما همت تستدرجني لأقبِّلَها فجأة، انتفضت وظنت أن أحداً خلف الباب يستمع أو يتحفز ليدخل فتوقف كل شيء أو رنين جوالها من قبل إحدى أخواتها المتواطئة معها.
.. لم أكن حريصاً على إغراء أن نكمل ما تشدني إليه قدر ما أريد أن أفهم رد فعلها المتبدل والسريع من الأمر كله..، تحب الحديث بيننا على الجوال دائماً. تسألني عما أفعل في النادي؟. أي أجزاء جسمي يعرق بسرعة؟.. بماذا أشعر إذا عرقت..؟، أو ما الذي أفعله لأعرق..؟. تطلب بإلحاح أن أصف لها، كيف أستحم أي قطعة من ملابسي الرياضية أنزع أولاً.. لم أستوعب ما أراه وقاحة منها وصرت أقول ذلك لها، فبدت تظهر أنها متأثرة وتتأوَّه.. لم أشعر بأي متعة في ذلك حين أقول لها إنما جعلني أن أعي كل أعضاء جسمي كلما أمسّ جزءاً أشعر به وأدير له معنى حتى اعتنائي بملابسي الاعتيادية سواء بالثوب عندما أضع رجلاً على أخرى، وأنفض لحظتها ثنيته لئلا تحبس بين الفخذين. أتلذذ بسحب الهواء داخله على أنني ألبس سروالاً طويلاً كالمعتاد ينتابني شعور باكتناز ما بين فخذي. خاصة إذا جلست بمرتبة السيارة وغلطت واهماً القميص أو التي شيرت ثوباً لأشده كيلا يخلف سَفْطات من تثنيه، فتقع يدي على منابر تثني سحاب الجينز، فألقى يدي بجماعها تتحسَّس سريعاً ثم تنتقل إلى المقود وتقبض عليه، لكن هدى لم تطلب مني مرة أن ترى هذا الجسم الذي تسأل عن أحواله.
.. العنود طالبة إدارة أعمال. يخدعك كل مظهر ناعم فيها أو بريء بينما تحمل وقاحة مرض لم أحسب لأي وجه مزح حين تسحب يدي وتدس أوسط إصبعها إلى كرنبتها الغافية، وأسحب يدي منها لتباغتني: "يا خي ما عرفنالك..، وش اللي تبي..؟".
.. كنت أداهنها بأن يكون الأمر في غير السيارة، فتطلب مني أمسك خط الثمامة أو في أي مكان في البر دون تحسس العاقبة ثم تهجم بيدها تقبض منارتي، فأحاول أن أبعد يدها إذ دام ما رجعت للبيت أعاني ألم لمسها الهمجي، وهي تقول: "بالنسبة لي عادي.. ما عندي مانع بس إنت خوَّاف..".
.. كنت أرتاب من قصة شعرها القصيرة، لكن فمها الصغير المتورِّد هو الملفت لي وكثيراً ما طلبت منها كشف غطاء وجهها لأراه وترشقني: "هذانا كشفنا وما سوَّيت شي..".
.. كان إبراهيم يستغرب معي لأنني أصارحه ببعض تفاصيل ما أراه مع هاتين الفتاتين لا كما أقول لمتعب لمماً مما يحدث، لكنني لا أسمع سوى: "لا تفوِّت ولا واحدة.. لو أنا منك أجمعهن مع بعض ليلة ولا شي.. البنات يحبِّن الوناسة والدلع والتلميس.. كيف مقاس الحمَّالات.؟.."
.. أتجاهله لاهياً بسحب سيجارة وحرقها لأنني لا أرتاح لطريقة تفكيره التي تفزعني خاصة عندما أتذكر أنه طلب الزواج بأختي حنان، على عكسه تماماً أجد إبراهيم لم يعرض أي شكل من تصوراته إنما كان يحذرني ألا أقع بمشاكل معهما، ويركز متسائلاً على مسألة متناقضة بينهما أن واحدة تدخلك البيت.
وتتراجع فجأة ما إن تبدأ بحججها بينما الأخرى تريد أن تفعل كل شيء إلى أقصاه في السيارة أو على الرصيف لا يفرق معها..
.. طبعاً لم أوافق أن أعرض على العنود أن أحضرها إلى الاستراحة كما يعرض متعب لأنه يريد قسمة من الغنيمة، لكنني خرجت تلك اللحظة وعرفت الواحدة تعرف الأخرى. شعرت باضطراب عمَّ تعني علاقتي بهدى وألا تعرف بذلك العنود..؟. هل تخبر كل منهما الأخرى بذلك؟. هل تكذب العنود أمام هدى بأننا فعلناها لذا تتراجع أم لديها مشكلة ما..؟
.. ماذا تعنيان لبعضهما..؟
.. رأسي لم تغلِ فيه براكين الهواجس الصغيرة أحدَّ من هذه المرة..
.. هدى تنكس خطوات تقدُّمِها..
.. العنود تتجاسر على قيودها..
: "لا مو شغلي.."
: "إنت أخوها.."
: "وإذا صار.."
: "إنت رجال وتحكمها.."
: "وش؟، أجرَهَا لك..؟"
: "لا مو كذا، يا عبد الرحمن.."
: "ولا هي طريقة للزواج، يا متعب.".
--
.. عندما نحتد أنا ومتعب أشعر أننا نصطنع الهدوء حين نهدأ أمام إبراهيم بينما تتأجَّج نقاط اختلافنا في أي محاورة ننفعل فيها. مثلاً، تنديده حد الطعن بي في علاقتي بالبنات غير المتواصلة. إذ مرة كاد يجن عندما علم أنني تركت الأولى والثانية مرة واحدة بعدما اكتشفت أنهما تكتمان علاقة لم أفهم أبعادها معي إذا دامتا ما تظهران مشاعر ولع بي لكل واحدة طريقة تكتمل إذا ما وصلتها بالثانية.
.. عرفت في مؤخر علاقتي بهما أنني كنت خارجاً من موعد كنت فيه عند هدى..، لم أتحرك من السيارة التي أنا فيها، كان من حسن حظي أنني أخذت سيارة إبراهيم بعد أن أخذ سيارتي ليريها إلى والده ليقتنع بأن يشتري مثيلتها لأخيه فهد بعد نجاحه من الثانوية، لأنني رأيت لحظتها سيارة العنود قادمة ودخلَتْ بيت هدى..
.. هدى موظفة بنك عصبية المزاج، وتهدأ إذا ما وضعت يدها بيدي سواء في السيارة عندما تورطت في أن أرْجِعَها من دوامها النهاري في البنك أو في بيتها إذا جاءت مكتفية بذلك، وإذا ما همت تستدرجني لأقبِّلَها فجأة، انتفضت وظنت أن أحداً خلف الباب يستمع أو يتحفز ليدخل فتوقف كل شيء أو رنين جوالها من قبل إحدى أخواتها المتواطئة معها.
.. لم أكن حريصاً على إغراء أن نكمل ما تشدني إليه قدر ما أريد أن أفهم رد فعلها المتبدل والسريع من الأمر كله..، تحب الحديث بيننا على الجوال دائماً. تسألني عما أفعل في النادي؟. أي أجزاء جسمي يعرق بسرعة؟.. بماذا أشعر إذا عرقت..؟، أو ما الذي أفعله لأعرق..؟. تطلب بإلحاح أن أصف لها، كيف أستحم أي قطعة من ملابسي الرياضية أنزع أولاً.. لم أستوعب ما أراه وقاحة منها وصرت أقول ذلك لها، فبدت تظهر أنها متأثرة وتتأوَّه.. لم أشعر بأي متعة في ذلك حين أقول لها إنما جعلني أن أعي كل أعضاء جسمي كلما أمسّ جزءاً أشعر به وأدير له معنى حتى اعتنائي بملابسي الاعتيادية سواء بالثوب عندما أضع رجلاً على أخرى، وأنفض لحظتها ثنيته لئلا تحبس بين الفخذين. أتلذذ بسحب الهواء داخله على أنني ألبس سروالاً طويلاً كالمعتاد ينتابني شعور باكتناز ما بين فخذي. خاصة إذا جلست بمرتبة السيارة وغلطت واهماً القميص أو التي شيرت ثوباً لأشده كيلا يخلف سَفْطات من تثنيه، فتقع يدي على منابر تثني سحاب الجينز، فألقى يدي بجماعها تتحسَّس سريعاً ثم تنتقل إلى المقود وتقبض عليه، لكن هدى لم تطلب مني مرة أن ترى هذا الجسم الذي تسأل عن أحواله.
.. العنود طالبة إدارة أعمال. يخدعك كل مظهر ناعم فيها أو بريء بينما تحمل وقاحة مرض لم أحسب لأي وجه مزح حين تسحب يدي وتدس أوسط إصبعها إلى كرنبتها الغافية، وأسحب يدي منها لتباغتني: "يا خي ما عرفنالك..، وش اللي تبي..؟".
.. كنت أداهنها بأن يكون الأمر في غير السيارة، فتطلب مني أمسك خط الثمامة أو في أي مكان في البر دون تحسس العاقبة ثم تهجم بيدها تقبض منارتي، فأحاول أن أبعد يدها إذ دام ما رجعت للبيت أعاني ألم لمسها الهمجي، وهي تقول: "بالنسبة لي عادي.. ما عندي مانع بس إنت خوَّاف..".
.. كنت أرتاب من قصة شعرها القصيرة، لكن فمها الصغير المتورِّد هو الملفت لي وكثيراً ما طلبت منها كشف غطاء وجهها لأراه وترشقني: "هذانا كشفنا وما سوَّيت شي..".
.. كان إبراهيم يستغرب معي لأنني أصارحه ببعض تفاصيل ما أراه مع هاتين الفتاتين لا كما أقول لمتعب لمماً مما يحدث، لكنني لا أسمع سوى: "لا تفوِّت ولا واحدة.. لو أنا منك أجمعهن مع بعض ليلة ولا شي.. البنات يحبِّن الوناسة والدلع والتلميس.. كيف مقاس الحمَّالات.؟.."
.. أتجاهله لاهياً بسحب سيجارة وحرقها لأنني لا أرتاح لطريقة تفكيره التي تفزعني خاصة عندما أتذكر أنه طلب الزواج بأختي حنان، على عكسه تماماً أجد إبراهيم لم يعرض أي شكل من تصوراته إنما كان يحذرني ألا أقع بمشاكل معهما، ويركز متسائلاً على مسألة متناقضة بينهما أن واحدة تدخلك البيت.
وتتراجع فجأة ما إن تبدأ بحججها بينما الأخرى تريد أن تفعل كل شيء إلى أقصاه في السيارة أو على الرصيف لا يفرق معها..
.. طبعاً لم أوافق أن أعرض على العنود أن أحضرها إلى الاستراحة كما يعرض متعب لأنه يريد قسمة من الغنيمة، لكنني خرجت تلك اللحظة وعرفت الواحدة تعرف الأخرى. شعرت باضطراب عمَّ تعني علاقتي بهدى وألا تعرف بذلك العنود..؟. هل تخبر كل منهما الأخرى بذلك؟. هل تكذب العنود أمام هدى بأننا فعلناها لذا تتراجع أم لديها مشكلة ما..؟
.. ماذا تعنيان لبعضهما..؟
.. رأسي لم تغلِ فيه براكين الهواجس الصغيرة أحدَّ من هذه المرة..
.. هدى تنكس خطوات تقدُّمِها..
.. العنود تتجاسر على قيودها..
Page 8
-2-
.. حمل عنّي إبراهيم القلق. كان كلما رآني مطرقاً أو مشوش الذهن طيلة شهر قرار مقاطعتهما: "ترى عادي توقع كل واحدة تقدر تسيطر عليك بس الحسبة جت غلط..". لم أسمح لمتعب أن يدرك من حديثنا شيئاً لأنني أعرف أنه سيعرض خدماته الجاهزة لكوني نفضت يدي منهما..
.. في أحد الأيام المسلِّية في الاستراحة يوم دعا إبراهيم مدير الشركة مع موظَّفَيْن كبيرَيْن لباربيكيو غداء يوم الخميس.
.. كان إبراهيم سيد مذاقات شوائه مشرفاً على كل تجهيز، وساعدته بترتيب استئجار الطاولة والكراسي ونادِلَيْن للمساعدة بينما متعب صفَّف جلسة الدكّة على المسبح.
.. ارتفع المسجل بصوت وردة:
"مين قلبه فِ إديه/مين دا هوَّ قولوا لي عليه؟
دا مفيش في الدنيا/عاشق غيَّرْ بَخْتُه بإديه..
مين..؟
مين..؟"
.. كان أبو زياد مدير إبراهيم، حاسراً كُمَّيه مصراً على الاستمتاع بالمساعدة. شعره الأبيض المسرَّح على جانب رأسه يدفعه الهواء إلى عكس اتجاهه وينتشر وهو يردد: "مين..؟.. مين يشوي بإديه..؟"، نضحك عليه ويتجه لإبراهيم: "والله اللحمة هادي متبَّلة صَح، كيف عملتوها؟.. لا زم أقول للجماعة يعملوا كدا اتهرينا مضغوط حد ما انتفخ بطني.."، وتضوع قهقهات زملائه ويشير عليه إبراهيم بمزحة لاذعة:
-"المشكلة في اللحمة مو في التتبيل.."
.. نظر إلينا مستدركاً ليفهم تخوفت أن كانت أزعجته، لكنه لطمنا بضحكة مجلجلة احتجزتها كحَّة لم تفارقه بل تزايدت بعد الغداء عندما رتب الشيشة، وفاحت رائحة التفاح.. شاركه بها متعب. شكرت له أنا وإبراهيم، بينما الضيفان الآخران أبو معتز وعبد الهادي اكتفيا بالشاي ولعب الشطرنج الذي أنزلاه من سيارة أحدهما.
.. سأل أبو معتز أبا زياد عن وزنه، فقال دافعاً كركرة شيشته هو ومتعب: "وزني دهب.."على اسم برنامج أيمن زيدان في قناة أبو ظبي، وقام أبو زياد ينطُّ مظهراً خفَّته وليثبت رشاقته على تعاقب ارتفاع كرشته في قفزه.. استغربنا حالة النشوى التي تعالى بها وجلس يدير اتجاهه في كل قفزة وكدنا ننهض لنوقفه، لكنه عاجلاً سقط في المسبح.. تدافعنا لننقذه خرج يلوِّح بيديه بعلامة النصر وجلس يصرخ:
-"فلسطين عربية.. بغداد عربية..".
.. أدْنَيناه من السُّلَّم ودفعته أنا وإبراهيم وجاء عبد الهادي ليربِّت كتفيه وراح إلى السيارة ليحضر غياراً له بينما ظل أبو زياد في حالة شرود بعد أن غيَّر ملابسه المبلَّلة وأصر على أَنه فقد مسبحته وخاتمه في المَسْبح. أضاء إبراهيم نور المسبح وحرَّك بإحدى العصي روحَةَ جيْئةَ، ولم يسمع أي رنين..
.. أقبل أبو معتز من الحمّام ومدَّ راحة يده اليمنى سائلاً مشيراً إلى ما فيها: "من ترك سبحته وخاتمه عند المغاسل..؟".
: "أيوه شفتو..، لقيتهم كويس..".
.. تلهَّى بلبسه وعقد المسبحة بين أصابعه. عرض إبراهيم أن يحضر نعناعاً أو شيئاً آخر: "لا..، خلاص يا ابني، أكرمكم الله.. إحنا رايحين". تمنينا لهم أن يكونوا قضوا وقتاً ممتعاً شكرونا..، ورأيت انشراح صدر إبراهيم حيث ستدفع هذه البادرة مكانته عند مديره في العمل بعد أن انقبض قلبه عندما وقع مديره أبو زياد في المسبح بعد القفزات البهلوانية التي ظل متعب يستهزئ بها: "وش ذا؟، دب يناقز.. هذه أول مرة يشرب شيشة؟"، ويلتفت عليَّ: "وساكت إنت بعد.. تتفرَّج..؟"، لكنني رددتها: "لا والله كنت مكيِّف على الشيشة مثل بعض الناس..".. طالعه إبراهيم: "لا يكون حاطّ في الشيشة شي..؟"..
.. نهضت ناوياً أن أسبح بينما إبراهيم راح يلَمْلم بعض الأغراض، جاء متعب ليشاكلَني إذ يريد أن يوقعني قبل أن أخلع ملابسي أوقفته بقبض أذرعته وتصليبها عليه بشدة حتى هدأ وأجلسته.. خلعت ملابسي وحين هممت بشدِّ خيط مايّوه السباحة، رمى متعب كلمته: "شِدْ.. شِدْ هذا اللي انت فالح فيه وغيرك يرتخي ما ينشد.."أغاظتني عبارته، فدفعت بغتة جسمي كله عليه مُبْرِزاً أوسطه ومزيحاً بسرعة مقدمة المايّوه بوجهه رفع يديه ليخبط بهما ويدافع بصراخ: "يا حمار.. يا مْخَنَّثْ..، وش شايفني..؟".
.. حمل عنّي إبراهيم القلق. كان كلما رآني مطرقاً أو مشوش الذهن طيلة شهر قرار مقاطعتهما: "ترى عادي توقع كل واحدة تقدر تسيطر عليك بس الحسبة جت غلط..". لم أسمح لمتعب أن يدرك من حديثنا شيئاً لأنني أعرف أنه سيعرض خدماته الجاهزة لكوني نفضت يدي منهما..
.. في أحد الأيام المسلِّية في الاستراحة يوم دعا إبراهيم مدير الشركة مع موظَّفَيْن كبيرَيْن لباربيكيو غداء يوم الخميس.
.. كان إبراهيم سيد مذاقات شوائه مشرفاً على كل تجهيز، وساعدته بترتيب استئجار الطاولة والكراسي ونادِلَيْن للمساعدة بينما متعب صفَّف جلسة الدكّة على المسبح.
.. ارتفع المسجل بصوت وردة:
"مين قلبه فِ إديه/مين دا هوَّ قولوا لي عليه؟
دا مفيش في الدنيا/عاشق غيَّرْ بَخْتُه بإديه..
مين..؟
مين..؟"
.. كان أبو زياد مدير إبراهيم، حاسراً كُمَّيه مصراً على الاستمتاع بالمساعدة. شعره الأبيض المسرَّح على جانب رأسه يدفعه الهواء إلى عكس اتجاهه وينتشر وهو يردد: "مين..؟.. مين يشوي بإديه..؟"، نضحك عليه ويتجه لإبراهيم: "والله اللحمة هادي متبَّلة صَح، كيف عملتوها؟.. لا زم أقول للجماعة يعملوا كدا اتهرينا مضغوط حد ما انتفخ بطني.."، وتضوع قهقهات زملائه ويشير عليه إبراهيم بمزحة لاذعة:
-"المشكلة في اللحمة مو في التتبيل.."
.. نظر إلينا مستدركاً ليفهم تخوفت أن كانت أزعجته، لكنه لطمنا بضحكة مجلجلة احتجزتها كحَّة لم تفارقه بل تزايدت بعد الغداء عندما رتب الشيشة، وفاحت رائحة التفاح.. شاركه بها متعب. شكرت له أنا وإبراهيم، بينما الضيفان الآخران أبو معتز وعبد الهادي اكتفيا بالشاي ولعب الشطرنج الذي أنزلاه من سيارة أحدهما.
.. سأل أبو معتز أبا زياد عن وزنه، فقال دافعاً كركرة شيشته هو ومتعب: "وزني دهب.."على اسم برنامج أيمن زيدان في قناة أبو ظبي، وقام أبو زياد ينطُّ مظهراً خفَّته وليثبت رشاقته على تعاقب ارتفاع كرشته في قفزه.. استغربنا حالة النشوى التي تعالى بها وجلس يدير اتجاهه في كل قفزة وكدنا ننهض لنوقفه، لكنه عاجلاً سقط في المسبح.. تدافعنا لننقذه خرج يلوِّح بيديه بعلامة النصر وجلس يصرخ:
-"فلسطين عربية.. بغداد عربية..".
.. أدْنَيناه من السُّلَّم ودفعته أنا وإبراهيم وجاء عبد الهادي ليربِّت كتفيه وراح إلى السيارة ليحضر غياراً له بينما ظل أبو زياد في حالة شرود بعد أن غيَّر ملابسه المبلَّلة وأصر على أَنه فقد مسبحته وخاتمه في المَسْبح. أضاء إبراهيم نور المسبح وحرَّك بإحدى العصي روحَةَ جيْئةَ، ولم يسمع أي رنين..
.. أقبل أبو معتز من الحمّام ومدَّ راحة يده اليمنى سائلاً مشيراً إلى ما فيها: "من ترك سبحته وخاتمه عند المغاسل..؟".
: "أيوه شفتو..، لقيتهم كويس..".
.. تلهَّى بلبسه وعقد المسبحة بين أصابعه. عرض إبراهيم أن يحضر نعناعاً أو شيئاً آخر: "لا..، خلاص يا ابني، أكرمكم الله.. إحنا رايحين". تمنينا لهم أن يكونوا قضوا وقتاً ممتعاً شكرونا..، ورأيت انشراح صدر إبراهيم حيث ستدفع هذه البادرة مكانته عند مديره في العمل بعد أن انقبض قلبه عندما وقع مديره أبو زياد في المسبح بعد القفزات البهلوانية التي ظل متعب يستهزئ بها: "وش ذا؟، دب يناقز.. هذه أول مرة يشرب شيشة؟"، ويلتفت عليَّ: "وساكت إنت بعد.. تتفرَّج..؟"، لكنني رددتها: "لا والله كنت مكيِّف على الشيشة مثل بعض الناس..".. طالعه إبراهيم: "لا يكون حاطّ في الشيشة شي..؟"..
.. نهضت ناوياً أن أسبح بينما إبراهيم راح يلَمْلم بعض الأغراض، جاء متعب ليشاكلَني إذ يريد أن يوقعني قبل أن أخلع ملابسي أوقفته بقبض أذرعته وتصليبها عليه بشدة حتى هدأ وأجلسته.. خلعت ملابسي وحين هممت بشدِّ خيط مايّوه السباحة، رمى متعب كلمته: "شِدْ.. شِدْ هذا اللي انت فالح فيه وغيرك يرتخي ما ينشد.."أغاظتني عبارته، فدفعت بغتة جسمي كله عليه مُبْرِزاً أوسطه ومزيحاً بسرعة مقدمة المايّوه بوجهه رفع يديه ليخبط بهما ويدافع بصراخ: "يا حمار.. يا مْخَنَّثْ..، وش شايفني..؟".
Page 9
.. جاء إبراهيم ليفسح ما بيننا ومتعب في هلعه يزمجر: "هِيْ إنت وش شايفني..؟، وش قصدك من هالحركة؟.. قل وش قصدك..؟".
.. لم أشأ أن أسبح أعدت ملابسي ورحت أساعد إبراهيم في لمْلَمة الأغراض المتبقية حيث لن تبقى في الاستراحة..
.. رفع إبراهيم على صوت الوردة الذي لم ينته من المسجِّل:
"حالة فيها اسْتِحَالة/ما تْفَسَّرْهَاش قِوَالَةْ
ولا شَكْوَى.. ولا أنين!"
.. لم أعبأ بالصوت إنما كنت أغلي بغيظي من استثارة متعب الحمقاء رحت أنفض المجمرة على مقربة من رفِّ المسجِّل وكدت أن ألقي بها على وجه متعب لحظة حاول أن يستهزئ بصوت الوردة لأن أمي تحبها وأختي لمياء كذلك إبراهيم يحبها، فانداحت:
أنا عايزة مُعْجِزَة/تنجِدْني مِنِ الحَنين
أكْبَرْ مِنِ السِّنين.."
.. شغلتني عبارة: " أنا عايزة معجزة".
.. لماذا نطلب المعجزات..؟
.. أ هي نصْرَة لعجز قدراتنا أم وجه ليثبت عجز سوانا..؟، كأنما حين تأخذ يفقد أحدهم شيئاً؟..، لكن ماذا لو جاءك ما ليس لك منحة أخْذِهِ ثم تتْرُكُه..؟.
.. أنا تركت ما لا سعيت إليه أو تنافت أسباب بقائي عليه..
.. لم يهن عليَّ أن نخرج من الاستراحة بزعل متعب بادرته بالاعتذار وقبّلت جبينه فنفخ في صدري دخانه شددت شعره: "لا.. لا.. تكفى خلاص.. يا عبد الرحمن.. أمْزَح.. والله أمزح".
.. أشار إبراهيم أن نذهب فالساعة الثامنة وليس لنا أن نقضي بقية الوقت استحسن لياقتي مع مديره وضيوفه الوقت، وكذلك اعتذاري من متعب الذي يلحقنا بسيارته. سألني إبراهيم أي شريط أسمع، فدفعت الذي رأيته بفم المسجل عالقاً، واندلقت الوردة:
"نخاصمهم والا لأه..؟/قولوا أيوه والا لأه..؟
نصالحهم والا لأه..؟"
.. اندلعت ضحكتي وأعديت إبراهيم، فحاول أن يحد متعب بسيارته كيلا يتجاوزنا إذ هو مسرع، فحنق وضرب المنبه معلقاً عليه وطار..
: "يا خي.. مهبول متعب.!"
: "بس قلبه طيب.. على نياته ضعيِّف.."
: "بس طريقة تفكيره بايخة.."
: "لا تتشاكلون مع بعض.."
: "وش هو اللي يبدا..؟"
.. لم أشأ أن أسبح أعدت ملابسي ورحت أساعد إبراهيم في لمْلَمة الأغراض المتبقية حيث لن تبقى في الاستراحة..
.. رفع إبراهيم على صوت الوردة الذي لم ينته من المسجِّل:
"حالة فيها اسْتِحَالة/ما تْفَسَّرْهَاش قِوَالَةْ
ولا شَكْوَى.. ولا أنين!"
.. لم أعبأ بالصوت إنما كنت أغلي بغيظي من استثارة متعب الحمقاء رحت أنفض المجمرة على مقربة من رفِّ المسجِّل وكدت أن ألقي بها على وجه متعب لحظة حاول أن يستهزئ بصوت الوردة لأن أمي تحبها وأختي لمياء كذلك إبراهيم يحبها، فانداحت:
أنا عايزة مُعْجِزَة/تنجِدْني مِنِ الحَنين
أكْبَرْ مِنِ السِّنين.."
.. شغلتني عبارة: " أنا عايزة معجزة".
.. لماذا نطلب المعجزات..؟
.. أ هي نصْرَة لعجز قدراتنا أم وجه ليثبت عجز سوانا..؟، كأنما حين تأخذ يفقد أحدهم شيئاً؟..، لكن ماذا لو جاءك ما ليس لك منحة أخْذِهِ ثم تتْرُكُه..؟.
.. أنا تركت ما لا سعيت إليه أو تنافت أسباب بقائي عليه..
.. لم يهن عليَّ أن نخرج من الاستراحة بزعل متعب بادرته بالاعتذار وقبّلت جبينه فنفخ في صدري دخانه شددت شعره: "لا.. لا.. تكفى خلاص.. يا عبد الرحمن.. أمْزَح.. والله أمزح".
.. أشار إبراهيم أن نذهب فالساعة الثامنة وليس لنا أن نقضي بقية الوقت استحسن لياقتي مع مديره وضيوفه الوقت، وكذلك اعتذاري من متعب الذي يلحقنا بسيارته. سألني إبراهيم أي شريط أسمع، فدفعت الذي رأيته بفم المسجل عالقاً، واندلقت الوردة:
"نخاصمهم والا لأه..؟/قولوا أيوه والا لأه..؟
نصالحهم والا لأه..؟"
.. اندلعت ضحكتي وأعديت إبراهيم، فحاول أن يحد متعب بسيارته كيلا يتجاوزنا إذ هو مسرع، فحنق وضرب المنبه معلقاً عليه وطار..
: "يا خي.. مهبول متعب.!"
: "بس قلبه طيب.. على نياته ضعيِّف.."
: "بس طريقة تفكيره بايخة.."
: "لا تتشاكلون مع بعض.."
: "وش هو اللي يبدا..؟"
Page 10
:..
: "أحس إن عنده مشكلة بس مو عارف وش هي..؟"
: "حللت الرجَّال..؟!"
: "لا أختي لمياء تقول.."(قاطعني)
: "وش خص إختك..؟"
: "لا تفهم غلط..!"
: "طيب فهِّمْني.."
: "متعب عرض عليَّ أن يخطب حنان أختي"
: "طيب وش دخَّل لمياء.."
: جاي لك في الكلام وراك عصَّبْت؟"
.. لم أنتبه جيداً إلى سبب عصبية إبراهيم وهو يطالعني بعينين مائيتين وطلبه أن أفصِّل الموضوع له ببساطة، ولم يسأل عن شأن حنان.. أو أي شيء عن متعب بل استكان ما إن قلت أن لمياء قالت تلك العبارة مقدمة لحديثها عنه إلى حنان كمشروع عريس، فلم تبال به واستهزأت دون أن ترى في الأمر جدية: "ناقصين سباكين.. الفلاحين أشْوَى..؟". ضحك، وقال: "والله صدق شكله ماسورة، اختك ذبِّيْبَة".
--
.. إبراهيم ولمياء قريبان إليَّ، ولا يعرفان ذلك. أرتاح في الحديث مع كل واحد منهما أكشف أموري، ودائماً ما أكتشف مصادفة اتفاق رأييهما أو اقتراحاتهما مع احتفاظ كل واحد بطريقة التنفيذ ويتركان لي الأمر دون إلزام بل كأنهما يدفعانني إلى تحمُّل المسؤولية سواء بسلبيَّتها وإيجابيتها. أشعر أنهما كائن واحد.. ذاكرة واحدة أو قلب واحد.. ربما جناحا طائر..!
: "أحس إن عنده مشكلة بس مو عارف وش هي..؟"
: "حللت الرجَّال..؟!"
: "لا أختي لمياء تقول.."(قاطعني)
: "وش خص إختك..؟"
: "لا تفهم غلط..!"
: "طيب فهِّمْني.."
: "متعب عرض عليَّ أن يخطب حنان أختي"
: "طيب وش دخَّل لمياء.."
: جاي لك في الكلام وراك عصَّبْت؟"
.. لم أنتبه جيداً إلى سبب عصبية إبراهيم وهو يطالعني بعينين مائيتين وطلبه أن أفصِّل الموضوع له ببساطة، ولم يسأل عن شأن حنان.. أو أي شيء عن متعب بل استكان ما إن قلت أن لمياء قالت تلك العبارة مقدمة لحديثها عنه إلى حنان كمشروع عريس، فلم تبال به واستهزأت دون أن ترى في الأمر جدية: "ناقصين سباكين.. الفلاحين أشْوَى..؟". ضحك، وقال: "والله صدق شكله ماسورة، اختك ذبِّيْبَة".
--
.. إبراهيم ولمياء قريبان إليَّ، ولا يعرفان ذلك. أرتاح في الحديث مع كل واحد منهما أكشف أموري، ودائماً ما أكتشف مصادفة اتفاق رأييهما أو اقتراحاتهما مع احتفاظ كل واحد بطريقة التنفيذ ويتركان لي الأمر دون إلزام بل كأنهما يدفعانني إلى تحمُّل المسؤولية سواء بسلبيَّتها وإيجابيتها. أشعر أنهما كائن واحد.. ذاكرة واحدة أو قلب واحد.. ربما جناحا طائر..!