Page 1
فيروز لا تغنّي لغزوان المحيسن
جاءك وكنت في ذروة توحّدك، وفيروز تكتب اسم حبيبها على الحور العتيق· لم تكن لديك حبيبة، فقلبك ما زال يجرب ارتعاشاته الأولى· الأغنية تحفر، وتحفر في ثنايا الذاكرة، تكشف عن اسم دفين· يقفز الاسم أمامك· يمتلئ دما وألوانا، يتجلّى حبيبة، تتعرف عليها، إنها تلك الفتاة التي كنت تنظر إليها بخجل على طريق المدرسة· تكتب الاسم على جذع الشجرة، وفيروز تزين الحروف وتخبئ فيها نبضا0
شخص يظهر فجأة· تتحطم الأغنية مثل صحن خزف· يتوقف الكون عن الحركة، وتتوقف أنت عن الامتداد فيه· يتناثر الاسم إلى شظايا، تغيب صورة الفتاة كما تغيب صورة السماء في صفحة ماء كدّرت بحجر0
لم تدرك من يكون ذاك الشخص، أفلاح هو أم حارس الغابة· ترتبك، تتوقف عن الحفر، تنظر في وجهه بخوف وكراهية· يرى خوفك، يطمئنك: لا تخف، لست حارس الغابة· يتأمل حفرك، يستطرد : حفرك لن يضر الشجرة، إنّه بالنسبة لها، جرح، وسيلتئم بعد أيّام، ولن يبقى منه سوى بعض الندب·
يجلس على صخرة في مواجهتك، يخرج علبة تبغ، يشعل سيجارة، تمور الكراهيّة في صدرك، يجرع عدّة مرّات نافثا الدخان من أنفه، تود لو تقذفه بشيء ثقيل على يافوخه، يواصل الحديث : هل تريد تخليد نفسك؟ هل تعتقد أن هذه الشجرة ستعيش أكثر منك ؟ غدا يأتون، يحتطبونها، يحرقونها، ويحترق اسمك معها· يا للأسف !
يجرع الدخان من جديد· تكظم غيظك مرّة أخرى، فقد أدركت أنه أميّ · تتداعى أفكاره عن الخلود· يشرد ذهنك بعيدا·
تعود إلى ذاتك مجدّدا، وما زال هو يتحدّث· تحدّث عن شخص لا تعرفه اسمه غزوان المحيسن، عن دلال القهوة، وتلال العظام إلى جوار داره، والنساء اللواتي أسمين أبناءهن باسمه، والأبناء، الذين لا يعرف أحد منهم من يكون غزوان المحيسن، الذي أطبقت سمعته على كل الأرجاء··
يشرد ذهنك من جديد· يحاول أن يعيدك إلى حديثه، يسألك:
-هل تعرف غزوان المحيسن؟
-إنه لا يهمني بشيء ·
لم تكن لديك رغبة في الحديث مع شخص خرّب عليك وحدتك· هزّ رأسه أسفا، وتمتم: غزوان، غزوان·
نهض· غادر المكان متمتما، تلاحقه ذبابة زرقاء تصدر طنينا مزعجا ·
صوت فيروز غاب، وغابت الأغنية، التي لم تتمكّن من استعادتها فيما بعد، رغم كلّ محاولاتك· يبدو الرجل لك أقبح إنسان على وجه الأرض· يطبق الكون عليك أضلاعه، والأشجار تغدو تماثيل خرساء ··
1991م
Page 2
أحزان
تصارحه بتغيّره· تسأل عن السبب· لا جواب ·، تعيد على مسامعه مقاطع من أشعاره عن الحب والحياة، عن خفافيش الليل وشمس النهار ·· يصمت، يطرق رأسه، يقلّب فنجان القهوة بين يديه· وجدت في صمته فرصة لتلقي بركام انكساراتها وأحزانها أمامه· قالت بما يشبه الاستنكار : الصباح لديك ليس سوى اكتمال دورة الأرض حول نفسها ·· أغاني العصافير ليست سوى ثرثرة مزعجة ·· الموسيقى لا معنى لها ·· الناس مجرد أشباح تتحرّك··· صمتت قليلا ثم أضافت : أين أفكارك من أشعارك؟
يقلّب فنجان القهوة، يتأمل فيه، لا يود النظر في عينيها المتدفقتين بالرغبة بالحياة· طال صمته ولم يعد يرقها، فقد ألقت بكل الكلام، حبيس صدرها منذ سنوات· تسأله في محاولة لدفعه للكلام :
-هل تقرأ الفنجان ؟
ينظر إليها من تحت حاجبيه مبتسما· تتشجع، تواصل الحديث : قل الحقيقة، ماذا قرأت ؟ · مرة أخرى يحطّم جسور الكلام :
-وهل تصدّقين هذه الخزعبلات ؟
يسيران في الشارع· الذاكرة متعبة، أكداس من مزق الأفكار تثقلها· الجو قائظ، خانق، يغرقهما بمزيد من فيض التعب المتفصّد من كل الأشياء· تكدّس الغبار على البضائع في الدكاكين، ذبل الخضار على البسطات، الباعة الكهول، ناعسون، ينشّون الذباب عن وجوههم، سيّارات الأجرة ذات الألوان الباهتة، مهترئة، متهالكة، تنطلق منها أغاني ناعسة لمغنين ماتوا من زمن طويل، الناس في الشارع بملابسهم القديمة، بدوا كأنهم من زمن آخر· تلتقط آذانهما صوت مذيع من إحدى السيارات -··· طفلا يموتون جرّاء الحصار·· يختفي الصوت· سألت، في محاولة جديدة لجره لحديث ما : أين يموت الأطفال ؟ مرة أخرى يلقي بثلوجه في وجهها : لا فرق
لا تريد إقفال الأبواب، تواصل الحوار، تقول، إنهم ربما في العراق، أو فلسطين، أو البوسنة··· يرد بلا مبالاة في اتجاه آخر :
-أليس العالم ثقيلا متداعيا حتى الاحتضار ؟
يحزنها، ويقلقها صمته وحياده تجاه الأشياء وسخريته من العالم· عندما تعرّفت إليه كان مقبلا على الحياة، متحمسا لها، يريد تغيير العالم، يغزل أحلاما كثيرة، يفيض بالعاطفة· لم تشعر كيف تغيّر· طالما تحدّث عن أطفال الشوارع، مأساتهم، طفولتهم المغتالة·· إنه الآن لا يرى في الأطفال، بائعي العلكة في كراج السيّارات، سوى عبثية وجود· رفيق دربه مات، ظل صامتا، ولم تند عيناه بدمعة، مع أن الجميع راهنوا أنه سيبكيه كثيرا· إنه الآن شخص آخر، غير ما عرفته· حاولت أن تخرجه من عزلته، لكنه صدّها· إجابات جامدة، لم يبق فيها أثر للرغبة بالحياة، أو الاحتفاء بها : ··· العلاقة مع الآخرين عمل زائد لا جدوى منه، والناس جميعا يمارسون الحياة كعملية قتل للزمن كي ينسوا مؤقتا الحفرة السوداء···
فكّرت : لأحيي لديه بعض الذكريات· قد تساعده على استعادة إحساسه بالحياة شوارع عمّان احتضنت لقاءاتهما الأولى، حفظت أسرارهما، دونت لحظات التعب والفرح، الأيام المرة والحلوة، أيام البحث عن العمل، المشاوير، الجوع، سندويتشات الفلافل على الرصيف،مسيرات التضامن مع العراق من مجمّع النقابات، جمع التبرعات لأطفال العراق، الندوات في مؤسسة شومان···
Page 3
قالت : لنذهب إلى عمّان·
يمشيان في عمّان، شوارع هادئة، خالية من أقدام المشاة، بيوت فخمة تقف في مكانها كسائح أجنبي لا يعرف لغة أو إحساس المارة · الشوارع نفسها التي شهدت اللقاءات، وسمعت الهمسات، وأحست الأقدام المتورمة من المشاوير الطويلة···
يقطف زهرة من سياج أحد البيوت، يقربها من أنفه، لا يجد لها رائحة يتمتم يائسا : حتى الأزهار في عمّان لم تعد لها رائحة · لا يرمي الزهرة، بل يزيّن بها حاوية نفايات قريبة·
-سبحان الله ! حتى الوردة في يدك لم تعد لها رائحة·
-وما ذنبي أنا، هل صادرت أنا رائحتها ؟
-كيف كانت هذه الأزهار تعبق عطرا ذكياً ؟
-لا أدري·· لا أدري· هل تعتقدين أنني فرح لهذه الحالة ؟ هل هو ذنبي أن أجد حالة التداعي والاحتضار أينما حللت ؟ هل ذنبي أن تنكرني الشوارع، ينكرني العالم، تنكرني الحياة ؟
-يا إلهي، كم أنت مطعون باليأس في كل بقعة من روحك !
تنهّد تنهيدة طويلة، أشاح بوجهه عنها، كأنه يريد أن يخفي الحزن الذي ارتسم على وجهه· أضافت : يا إلهي، كم أنت حزين ! آبار الدمع طافحة تحت أجفانك· لماذا لا تبكي، من حقك أن تبكي·
-لا يبكي الإنسان بعين واحدة·
ألقت برأسها على صدره· احتضن رأسها تحت عباءة الليل، بكى، بكت· الدمع الحار يبلل صدره ورأسها · وكان الليل قد تحوّل إلى كائن مرهف الأحاسيس، أنيس في صحراء الأحزان، والمارة تحوّلوا إلى ظلال بعيدة·
1991
Page 4
البيت
اليوم سيأتيان· لا بد أن يأتيا· لن تكون لديّ مناسبة أهم من نجاح يوسف وقبوله في الجامعة· الله وحده يعلم متى يعود، أو هل مقدّر لي أن أراه ثانية·
لا بد أن يأتيا· ترى هل اكتفيا بإرسال هداياهما ؟ إنها لم تفرحني· لا أبدل صداقتي بقميص ( نايلون ) وزجاجة ( ريفدور )· قد يفرح ذلك يوسف المسافر· نعم مذ رآهما قال :
-هدايا جاءت في وقتها·
سيأتيان· هل أطلق طيور صدري فرحا ؟ لا أدري· هل سنتبادل النكات والتعليقات على مهابيل البلد، ونطلق ضحكاتنا عاليا ؟ إنني أنتظر قدومهما بلهفة، لكن قلبي لا يسترخي، ولا يهدأ خفقانه·
تفرش أم يوسف ( العريشة )، الليل يلقي عباءة ثقيلة من العتمة والترقب· المصباح المدلى من ( معرش ) الدالية ينير قطوف العنب، التي بدت مثل ثريات ذهبية، توقد الحطب في الكانون، وتضع دلال القهوة·
الصغار يلعبون في الساحة، جانب ( العريشة )· يأتي إخواني ونساؤهم وأولادهم، أخواتي، أخوال يوسف وخالاته··· تمتليء الدار بالصغار والكبار·· يتطاير السكون أشلاء·· تمتليء ( العريشة ) بكاسات الشاي البلورية المخصّرة·· يمتد السهر·· وما زلت أنتظر شخصين لا يأتيان· لا بد أن يأتيا، ولو في اللحظة الأخيرة، ليس لوداع يوسف، بل من أجلي أنا، من أجل صداقة عمر شارف على الأفول ···
لقد غابا من أجل أن يعودا ويبنيا بيوتا لا تدلف في الشتاء، ولا ينبت العشب على أسطحها، وتتسع لسهرات الأصدقاء· ألمانيا سرقت واحدا، والسعودية خطفت الآخر· كان الناس يقولون : لن يفرّقهم حتى الموت· لكننا افترقنا، ولم يعدهما سوى الموت نفسه : ألمانيا طردت سلطان بعد الحرب مع إسرائيل، ومصطفى عاد بعد وفاة ابنه في حادث هناك·
هل يعيد ذاك البيت، الذي بنيناه ثلاثتنا، ما أخذته الأيام ؟ كسّرنا الصخور، نخلنا التراب، جبلنا الطين·· بنينا حجرا حجرا، صففنا أعواد القصب والدفلا في سقفه··
بقي ذاك البيت حضن صداقتنا رغم سنوات الفراق·· كم أود لو يأتيان !
انتصف الليل، حمل الكبار صغارهم النائمين، تبادلوا القبلات مع يوسف، ونثروا الدموع والأماني· حطت أشلاء السكون على ( العريشة ) مجددا· أحضرت أم يوسف الأغطية، اندس كل واحد تحت غطاء· أطفئ النور· غفا الجميع ما عدا عيني يوسف اللتين بقيتا تلمعان ببريق النجوم، وعيني اللتين كانتا تنتظران شخصين لم يأتيا بعد··
1999م
Page 5
الخروج من الضباب
خريف وغابة وضباب· أوراق الشجر الساقطة مبتلة كالخرق· لا أحياء سوى بعض طيور القاق قابعة على أعالي الأشجار· ضباب كثيف يلف كل شيء : الأشجار والشمس والسماء والناس· لا يكاد يرى إصبعه· جلس منكمشا على جذع شجرة ملقى على الأرض· سيجارته أنيس وحيد· جعله الضباب يشعر بأنه في عالم آخر - عالم بدء تشكل الأرض· حتى الناس، تخيلهم، في تلك اللحظة، أنهم في عالم آخر خلّفه بعيدا عندما دخل الغابة، رغم قرب البيوت منها· لم تكن تربطه بهم، في تلك اللحظة، سوى أفكار ضبابية· الضباب يلف حتى ذاكرته· إنه لا يذكر ليلة الأمس : ضوء الشموع الخافت، دخان السجائر الكثيف، أثر المشروب··· كل ذلك جعل العالم وأشياءه ضبابية· تذكر أنه رأى فتاة بشعر أسود قصير، ناعم كريش الحمام، ممشوقة القوام· تذكرها لأن أسنانها اللؤلؤية كانت تلمع بأضواء الشموع من خلال سحب الدخان· كان حديثها همسا، كما لو أنها في حلم· تذكر ذلك جيدا، فدينا كانت الشخص الوحيد الذي سيطر على اهتمامه في تلك الحفلة·
اللعنة، لماذا لم أتعرف إليها، لقد كانت فتاة تجذب الاهتمام بحديثها، بحركتها·· لماذا جبنت ولم أتعرف عليها ؟
رأسه ما زال تحت تأثير مشروب الأمس· اعتصر ذاكرته لعله يتذكر تفاصيل ما جرى فيها، وما جرى له· تذكر أنه بعد الكأس الثانية قرّر التعرف إليها· تذكر أيضا، أنه رقص معها···
اللعنة على المشروب، إنني لا أستطيع التذكر جيدا· هل حقا تحدّثت معها؟ ماذا تحدّثت معها ؟ إنني لا أذكر شيئا
فجأة ظهر شخص خلال الضباب، تقدم، لم تكن ملامحه واضحة· عندما أصبح أمامه مباشرة على بعد خطوتين، تكشّف عن فتاة· استأذنته الجلوس، أجاب مرتبكا :
-تفضلي، فالجذع ملك الغابة·
جلست إلى جواره، فاجأته مرة أخرى بطلب سيجارة· ارتبك مجددا· رأت ارتباكه· ابتسمت· تعرّف من خلال الضباب إلى الابتسامة إيّاها - ابتسامة دينا · تتسارع دقّات قلبه·
ما الذي يحدث ؟ هل كان موعدا ؟ هل اتفقت معها على موعد ولا أتذكره؟ لكنني لم آت هنا إلا مصادفة !
هدأ قلبه، وانطلقت أسئلته كطيور حبيسة فتحت أقفاصها : هل اسمك دينا؟ هل سبق وان التقينا ؟ ألم يكن عيد ميلاد صديقتك بالأمس، ألم تلاعبينا لعبة الزجاجة والأسئلة····
ضحكت· دهش· انتفض واقفا· هتف : يا للمصادفة!
وظلت تضحك، ويذوب صدى ضحكها في الضباب· قالت بعد أن هدأ ضحكها :
-اجلس· إنها مصادفة، لكني لا أذكر أنني تعرفت إليك، لنتعارف - اسمي دينا·
لم يصدّق أنها دينا أخرى، بل إنه لا يود تصديق ذلك· حاول إقناع نفسه أنها هي، وأنه بالأمس، لا بد أن تحدّث معها واتفقا على موعد في الغابة· الصدفة هي في أنه جاء إلى هنا رغم عدم تذكره الموعد، وأنها لا بد تداعبه· قال لنفسه : سأمرر لها هذه المداعبة
غاب في حلم جميل : تمشيا معا في الغابة وعادا للجلوس على جذع الشجرة وقد جمدت أطرافهما من برد الخريف، أشعلا السجائر، التصقا ببعضهما مستدفئين بحرارة الحديث·
-يبدو أنك تحب الضباب ؟
-بالتأكيد· أجاب بحماس·
Page 6
ود لو يحضنها، أن يقبلها، لكنه لم يملك الجرأة الكافية· ظل يحدثها عن حياته قبلها : كانت لا شيء، فراغ كامل· إنها الآن تمتليء نبضا وأزهارا· وقف على قدميه، دار حول نفسه، رقص، غنى فرحا··
الضباب بدأ يتبدد· الضوء يتسلل من جميع الجهات· نهضت· أدرك أنها قررت الرحيل· حط عليه الحزن، كما لو أن الضباب الذي انساح عن الغابة، تكثّف على روحه· كانت لديه الرغبة في أن تبقى أكثر· سألها عن اللقاء القادم:
-لن نلتقي·
صعق، شعر أن كيانه ينهار· ثقلت أطرافه فلم يعد يحتمل الوقوف· دماغه ذاب في الضباب، شعر بقدم حيوان ضخم تهرس قلبه· الأحلام ذهبت بعيدا كالطيور المهاجرة· صدرت عنه لماذا أليمة، حزينة·
-إنه الصحو·
-وماذا ؟ سأل بعصبية
ابتسمت، ولم تقل شيئا·
-إذا أنت لست دينا ؟
-إنني دينا·
-دينا كانت حقيقة·
دخلت في الضباب، وظل يردد · دينا كانت حقيقة·
خفت الصوت وتلاشى مع اختفاء طيف دينا· اعتصر آخر نفس من سيجارته، داسها تحت قدمه، ثم خرج من الغابة·
خارج الغابة كان الجو صحوا، ظهرت البنايات، آرمات المحلات، إعلانات السينما والمسرح، الشوارع بصخبها وناسها وسيّاراتها··· يصادف ناسا يعرفهم، يبادلهم التحية، يدخل مخزنا تجاريا كبيرا، يقف في ذيل طابور طويل، يحصل على خبز و يعود إلى وحدته في شقّته في وسط المدينة المزدحم·
1989م
Page 7
لا أحد
قال: لا شيء يستحق الحياة· - هذه هي الحقيقة·
حسم أمره، واختار الشكل المناسب للانتحار : بالمسدّس· طلقة واحدة في الصدغ أو في الفم كافية لأن يودّع العالم من دون ألم أو حزن، بل إن الرصاصة التي ستنطلق وتأخذ روحه بأسرع من وميض فكرة، ستأخذ معها آلامه وأحزانه الكثيرة، التي لا يبالي بها أحد·
راح يفكّر بالتفاصيل : سأشتري مسدّسا ورصاصة واحدة· رصاصة واحدة تكفي، لا بأس أن أدفع ثمن موتي، فالناس اعتادوا دفع ثمن نعي الأموات في الجرائد· مكان الانتحار ليس مشكلة· لا فرق، فهم سيجدونني في النهاية، وسيدفنونني قرر أن يلبس لباسه المعتاد، ويحلق ذقنه، ويتناول فطوره، تماما كما لو أنه ذاهب إلى وظيفته كالعادة·
بدا الموضوع في غاية السهولة، إنها ضغطة صغيرة بالإصبع على الزناد وتنطلق الرصاصة وينتهي كل شيء·
في حالة من الاسترخاء، وكما لو أن كل شيء قد تحقق ومات وارتاح، شرد ذهنه فيما دار بعد وفاته : ابنه جاسر يتنفس الصعداء، يفرك يديه مسرورا : لم تبق عقبة في طريق زواجي منك يا ابنة الخال· راح من كان يقول لي دوما : أنت غير مؤهل للزواج، أيها الغر المتهوّر· أمه العجوز تملأ غليونها، وتقص على المعزيات : ·· كان ابنا عاقا، لم يزرني يوما وبيده ولو حبة خيار أو قطف عنب·· · طلابه يرقصون فرحا : · · الحمد لله، كم كان بخيلا بالعلامات، لئيم، كم كان شديدا بالواجبات· زملاؤه يتهامسون في غرفة الإدارة، يضربون كفا بكف، ويضحكون : · · رحمة الله عليك يا (أبو جاسر)، لن نراك تفطر سندويتشا وحدك كل يوم !
مر على ذاكرته شريط من الذكريات : هو وابن الجيران المشاكس يسطوان على كن دجاج أم علي· تحس بهما العجوز المسكينة، تصيح بهما، يوليان هاربين، تزلق قدمه بروث البقرة الطري، ويسقط فيه· أولاد الحارة يعيرونه حظ الروث ·
معلم العربية يلمزه قائلا : رائحتك حمير يضحك التلاميذ، يطلقون عليه لقبا جديدا أبو الحمرّة · في حصة الفيزياء، يصر على خطأ الحل في المسألة المتصلة بالقطار الكهربائي· المعلم يتجاهله ويسخر منه : في أي قطار جئت اليوم ؟ وهو يعلم بأنه يحضر إلى المدرسة على الحمار0في محاضرة : تاريخ الطب في معهد الطب في بلغراد، يقول البروفيسور اليهودي، إن العقل العربي ليس عقلا منطقيا أو عمليا، يقول له : إن مساهمة العرب في العلوم لا تقل عن مساهمة الشعوب الأخرى· يتعمّد البروفيسور تعقيد الأسئلة عليه والسخرية منه في الامتحانات الشفوية بشكل غير عادي، كره الجامعة، كره الطب، وأصبحت يوغسلافيا سجنا مقيتا بالنسبة له، فعاد·
زوجته تبكي· قال في نفسه : لن أصدق دموعك· إنك تندبين حظك التعس معي· تضع رأسها قرب رأس امرأة أخرى في العزاء، يتدفق الكلام : لم ينجز شيئا في حياته، صديقه جمال لديه صيدلية وسيارة وبيت، وحسن، لديه مكتبه الهندسي، وبنى عمارتين وعنده سيارتان - له ولزوجته· حتى ذلك الخائب - زياد، الذي ما زال يسير على قدميه، أصبح كاتبا معروفا يظهر في التلفزيون، وصوره تنشر في كل مكان·· إن الحياة لا تصلح لأمثاله، لذلك انتحر··
انتفض كالملسوع، تحرّك الدم في جسده، تخيل زوجته تمعن في السخرية منه:
Page 8
-إنك لا تصلح حتى لموت لائق·
يغضب، يضرب المقعد بقبضته، ينتفض واقفا : لن أدعك تسخرين مني، لن أترك لك فرصة للتشفي بموتي، سأشرح كل شيء
قرر أن يكتب سيرته، وأن لا يترك بقعة منسية تحت الظلال· سيفوت الفرصة على جميع عذاله في كل شيء : الأسرار التي بقيت في تلافيف دماغه، نبأ وفاته·· سيقدّم سيرته على صورة نعي· سيوضح سبب انتحاره، لن يبقي مجالا لأحد للادعاء بشرف القضاء عليه، إنه يختار هذه النهاية بمحض حريته·
مشاكل غير منتظرة برزت أمامه : هل يقدمها كمخطوط ينشر قبل انتحاره ؟ هل يدققها ويراجعها، أم يتركها عفو الخاطر ؟ هل يعرضها على أحد من النقاد لمعرفة رأيه بها، أم يتركها لتكتشف بعد وفاته ؟···
استوقفته الفكرة الأخيرة· إن به رغبة في معرفة رأي الآخرين به، بقصته بعد موته· لكن··· لا، لن يعرضها على أحد : سيكتشفون خطتي قبل أن أنجزها· ولا أهمية لذلك، الذين لا يبالون بي في حياتي، لا حاجة لي بهم بعد وفاتي·
ظل حائرا : لماذا لا أكتبها بشكل غير مباشر ؟ لن أضع أسماء حقيقية، سأحور بعض الوقائع التي تشير إلي مباشرة· ··
رأت الرواية النور· اتقدت جميرات في صدره، بعد إحساس طويل بالبرود تجاه كل شيء· انتظر حديث الناس فيها· لم يأت أحد من زملائه أو أصدقائه، ولم يقل : أوه، لقد قرأت الرواية، إنها رائعة· · أين كنت تخفي كل هذه المواهب؟ ولم يقل آخر : لقد كشفناك، كنت متواريا خلف البطل· حتى زوجته لم تحفل بها· قالت، وهي توضب أوراقه في المكتب : ما أكثر أوراقك ! دائما منثورة· متى سأخلص من هذه المشكلة ؟ قال مستنتجا : هذه هي الحياة _ كل يغني على ليلاه ولا أحد يبالي بأحد·
عاد البرود يتسلل من أطرافه إلى جميع أجزاء جسده· جمع نسخ روايته،جعلها كوما، ثم أشعل بها النار·
منذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يعرف عن أبي جاسر شيئا· بعضهم قال، إنه انتحر مثل بطل روايته، في مكان لا يعرفه أحد، ويؤكدون استنتاجهم ذاك باختفاء المسدس· بعضهم قال، إنه هرب من البلاد إلى ألمانيا، وأكد أحدهم أنه شاهده في مدينة ديزلدورف· بعضهم قال، إنه تخفى في هيئة متسوّل ويجوب الشوارع··· لكن ما من تأكيد على موت الكاتب·
1995
Page 9
غزالة
ما أن دخلت غزالة الفرن،حتى لمحها صبحي الفرّان· تتحرك أشياء داخله· يداه لم تعودا إلى حركتهما الآلية في رق العجين · تتباطآن فيتطاول الرغيف بين يديه· تنبهه إلى نفسه المرأة صاحبة الخبز · لكن صبحي لا يهتم بالمرأة، وينادي على غزالة المنزوية آخر النساء :
- هاتي عجينك يا غزالة·
تتهادى الغزالة مطأطئة الرأس، وفرح سرّي نغش القلب تحت الثوب الأسود المطرّز بالخيوط البنفسجيّة·
-رغيفين أو ثلاثة للفطور·
النسوة يتصايحن احتجاجا على الدور · صبحي يرد بحزم، بأن ذلك شغله، و أن من لا يعجبها فلتذهب إلى فرن آخر، وهو يدرك تماما أن لا أحد سيذهب، لأن الفرن الآخر بعيد عن هذا الحي· تتحول المشادة إلى وشوشة بين النسوة : حب وقع بين صبحي وغزالة
الخبر انتشر في القرية :صبحي الفران يحب غزالة زوجة سامي الكايد· وتأويلات أخرى :إن غزالة تبادله الحب أيضا·
قالت إحداهن :
-كان ذلك واضحا من نظراتها الخجلة·
وقالت أخرى :
-ولماذا لا تحب، وهي ما زالت في عمر الورد ومثل الورد وزوجها غائب منذ سنين ؟!
قالت ثالثة، مع تداعيات حول الموضوع :
-اللعنة على ألمانيا، كيف سرقت الشباب !
تسلل الخبر إلى دار مزعل، وأشعل نارا في هشيمهم· اجتمع أخوة غزالة ضخام الجثث، غلاظ الحواجب والشوارب، مع أمّهم· كانت الوجوه محتقنة، والعيون تنفجر من الغضب·
قال الأخ الأصغر :
-لست على استعداد لأبقى راعيا لها ولأولادها· فلتذهب إلى الجحيم· ليس لها مأوى عندي بعد اليوم·
قال الأخ الأكبر :أنا لا أكاد أطعم أولادي، علينا بتزويجها·
قالت الأم :
Page 10
-طلب يدها أبو سالم - فلاح الحجي· أرضه كثيرة· سيستر عليها·
خرجت لا من أعماق غزالة حاملة ركام الرعب والألم الرابض على روحها· شحبت الوجوه، وجف الكلام على الشفاه، وراح الدم يغلي في العروق فوق نيران الغضب· نهض مزعل الأكبر-وهكذا كانوا يسمّونه-تقدّم، أحسّت بالهواء بينها وبينه يطبق على صدرها· توقف أمامها، وفي لحظة أحسّت بجدار يصفع وجهها· إرّتج رأسها وسقطت أرضا· وفي أرضها سمعت هديرا:
-إذاً، الفرّان أفضل منه يا···
سمعت شتائم مقذعة· ارتجف جسدها كورقة شجر غضه أمام ريح لا ترحم · تناولتها كفّان ضخمتان، رفعتاها إلى عنان السماء· للحظة مرّ بخيالها طيف والدها وهو يلاعبها صغيرة قاذفا إيّاها إلى السماء·
أحسّت أنه يسقطها في هاوية بلا قرار· صاحت : أبي
اللطمات تتساقط على رأسها وجنوبها وظهرها،وظلت تصرخ : لا أريد الزواج، أريد زوجي·
لكنها تسمع ردا آخر
-لن تري الشارع بعد اليوم يا بنت الكلاب·
حبست في غرفة طينية حقيرة لا يدخلها النور سوى من طاقة صغيرة مغلقة بشبك حديدي· لم يعد الزمن يعني شيئا بالنسبة لها، سوى حطام ذكريات الماضي· ولم تعد الشمس تشرق وتغرب، وهي غير متأكدة فيما إذا كان الناس ينامون ويصحون في الخارج أم لا· لم تعد تنهض إلى الطاقة تتوسّل النور· لم تعد تبكي، كل ما كانت تقوم به هو الانكماش في زاوية معتمة من الغرفة، غير مبالية بالعالم خارج جدران الغرفة، ولا بالحركة التي تدور حولها بين الحين والآخر كي تمدّ لها صحن الطعام···
الضباب الدخاني يلف كل أشياء الغرفة بالسواد، ويبيّض رأس غزالة وروحها التي أصبحت شفّافة تترقرق فيها الأشياء· كانت لا ترى سوى أشياء تشبه المنام، ترى والدها أبيض الوجه بلحية بيضاء وثوب أبيض· ترى زوجها بهيئة اللقلق الأبيض، وأبناءها بهيئة الحمام الأبيض· أما صبحي فلم تستطع رؤيته، كانت فقط ترى عباءة بيضاء وأرغفة من الخبز·
الصبية الأشقياء كانوا الشيء الوحيد الذي يؤكد وجود عالم آخر، ورغم شقاوة الصبية، فإنها كانت تنتظرهم، تنتظر إطلالتهم كشمس الشتاء، كرسالة من عزيز طال غيابه· تتأمل الوجوه التي لوّحتها الشمس، تقترب منهم بحذر، تسألهم عن زوجها، تأخذ نفسا عميقا، كما لو كانت تخرج للهواء لأول مرّة، يتبادل الصبية النظرات فيما بينهم، ينزلقون عن الجدار برهبة، تكسو وجوههم الدهشة· تحت الطاقة يتّفقون : إن غزالة قد جنّت·
قال الناس : إن في الخبر لصحة· وإلا لماذا لم تعد تظهر على الناس· صبحي لعن أولاد مزعل، وتحدّى الجميع· قال : إن غزالة ليست مجنونة، بل إن أهلها هم المجانين·
هوى التحدي على رؤوس أولاد مزعل مثل نيزك· ثاروا كمرجل· جاء أكبرهم إلى صبحي والشرر يتطاير من تحت حاجبيه الكثيفين· ركل بقدمه كل الأشياء التي واجهته: إبريق الشاي، طبق عجين·· أعلن لصبحي من دون مقدّمة: إذا بقيت يوما آخر في البلد، فاحسب أن الله لم يخلقك· وأدار ظهره، تاركا صبحي والنسوة في الفرن تماثيل خرساء، وألقى من وراء ظهره عبارة :مقطوع ويتطاول··
غزالة لم تعد ترى وجه أحد· تبكي حتّى تغفو· ترقب الطاقة لعل وجه طفل يطل، لعل وجه ابنها · تشتاق لطلة الصغار، وجوههم المؤنس الوحيد، الشعاع الوحيد الذي يشق ظلام ليلها ··
جاء تشرين بالبرد قبل الأوان· امرأة غريبة بوجه صقيعي ظهرت فجأة في دار أولاد مزعل، أخرجت أشياء من كيسها، وراحت تحضّر طعاما لغزالة· أولاد مزعل وقفوا مطرقين في الأرض·
أنهت المرأة عملها، ذهبت، ودست صحن الطعام في غرفة غزالة، ثم عادت وجلست تحت أقدام أولاد مزعل وراحوا جميعا ينتظرون حدوث شيء ما·
المرأة الغريبة تلف سيجارة وتدخنها بهدوء· الأخ الأصغر اتكأ على الحائط، الأكبر جلس القرفصاء· ترقب قلق· صرخة ألم تصدر من غرفة غزالة· لم يتحرّك أحد، ثلاثتهم بقوا صامتين يدخنون سجائرهم بانفعال· الصراخ يزداد حدة ويعلو ويتحوّل تدريجيا إلى أنين، يخفت الأنين شيئا فشيئا، وفي السماء كانت تمر أسراب من طائر مالك الحزين ملأ صوتها الفضاء وطغى على صوت الأنين·
1987