eKtab
EN ع
وتكلم الحجر
Read free sample

وتكلم الحجر

by محمد حمدان السيد

Page 1
مقدمة
 
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد ، و بعد:
 
فهذه هي المجموعة القصصية الخامسة التي أُصدرها بعون الله، ولي في بداية سطورها كلمة موجزة أقولها، وهي تتلخص بالمحاور الآتية:
 
• الأدب بمجموعه وأنواعه فن مخترِق للمجتمعات، وهو من أكثر الفنون تأثيراً في تكوينها وبناء نظرتها، ومن هنا جاءت أهميته وخطره في الوقت نفسه، وأخص بالذكر من الأدب: القصُّ أو السرد، وبرهاني على ذلك، ما أولاه رب العزة في القرآن من اهتمام بالقصة وتنوعها في الموضوعات والأساليب.
 
• الأدب الذي لا يحمل رؤية عالية للكون والإنسان والحياة أدب عبثي، لا يشكل تماسكاً ولا شخصية ذات معنى واتجاه في الكتابة، تفرض بهما قواعدها على كل إنتاج لها؛ لينقل خبرتها الحياتية إلى المجتمع موسومة بتلك الرؤية المتماسكة، ولقد خفتت في العقود الأخيرة فكرة أو مقولة الفن للفن؛ لأنها لم تصمد كثيراً أمام السيل العارم الحديث، الذي جعل كل شيء يحدث في العالم ذا وظيفةٍ محددة. وبناءً عليه فقد وقعت التجارب الأدبية على الحقيقة، التي لا تعبث ولا تلعب، إلا إذا كان اللعب من أجل هدف ما، قائم على أساسات من بناء عام، يجوب كلمات الكاتب أو العالم أو الفنان، ويحرك العالم من حولهم برؤية مرسومة محددة المعالم واضحة التفاصيل، قادرة على فتح السبل أمام الناس للمبادرة والتقدم والعطاء الممرع.
 
• ولكي يكون الأدب قريباً من الناس _كل الناس_ يجب أن يتحلى بالمواءمة بين الشكل والمعنى، بحيث لا يجور الأديب في تدويناته على أحدهما من أجل الآخر، كما أن الحق يقتضي أن لا يغرق نفسه بالغموض المطبق، بل يكتفي من الغموض بقريبه إلى الفهم العام، وأن يوظفه في سبيل وضع القارئ في مواجهة عمق التفكر بالمقولات وأبعادها وما تحمله من آفاق رفيفة، لا من أجل إرباكه؛ لأنه حينئذٍ يرمي القارئ الكاتب وراء ظهره.
Page 2
• مضى زمن ليس بالقصير على الحراك الإسلامي المعاصر، متسماً بضعف الاهتمام بالأدب، وعدم الاعتراف بأهميته بشكل عام وبأهمية القصة والرواية بشكل خاص في بناء المجتمعات وتكوين أفكارها وقيادة رؤاها، فكأن هذا الحراك لم تصله الأنباء عن تأثيرات الأدباء الغربيين في قفزات مجتمعاتهم من ساحة فكرية إلى ساحة أخرى. ولقد ظل الأمر كذلك عند الإسلاميين حتى استيقظ العديد منهم، وانتبهوا إلى خطر هذا الفن وأهميته في بناء الأجيال بناءً سليماً، وكانت البداية قبل أربعة عقود من الزمان لا غير، وكان هذا الموقف للاتجاه الإسلامي من الأدب شبيهاً بموقفه من الإعلام أيضاًَ.
 
• خلق الله الإنسان وأوكل إليه إعمار هذا الكون وبناءه، وإذن فإن وجوده ليس عبثاً أو لهواً، بل هو موظف من قبل خالقه لهدف عظيم ومهمة كبيرة تتأسس على تقدم البشرية؛ مادياً، وفكرياً، وأخلاقياً، وسياسياً، واقتصادياً، على أن يجري كل ذلك بناءً على منطلق الآية الكريمة: ﭽﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭼ [المؤمنون: ١١٥]، وإذن فإن الوجود الإنساني يرتكز على النظام والوظيفة والرؤية المستندة جميعها على فكرة الإعمار ﭽﯿﰀﭼ [هود: ٦١]، وليس العبث والهدم اللذين يقومان على غير منهج الله ورؤيته للكون والإنسان والحياة.
 
• هناك مقولة مغلوطة ولكنها سائدة عند العديد من الدارسين للآداب، ويكمن غلطها في قولها: إن الغرب هو مصدر تاريخ الإنسانية وأساسها، وأن ثقافته هي الثقافة، وحضارته هي الحضارة، وأن كل ما قالته الأمم الأخرى إن هو إلا فقاعات، لا تلبث أن تنفقئ عند بوابات ثقافتهم وحضارتهم.
Page 3
ويتفرع عن تلك المقولة الخاطئة قولهم: إن القصة والرواية ليستا إلا اختراعاً غربياً خالصاً لا دخل لأمة أو حضارة أخرى في نشوئهما أو تطورهما.
 
غير أن الناظر في تاريخ الآداب الأخرى، سوف يجد أن الأمم والحضارات غير الغربية قد سبقت أمم الغرب في ارتياد ساحات السرد، ونخص بالذكر هنا رواد ذلك السرد في أمتنا من كتاب المقامات التي هي قصص قصيرة تتعرض للحظة شعورية من لحظات حياة الإنسان ومعاناته، فتسردها بشكل حكائي أقرب إلى القصة القصيرة الحديثة منه إلى الحكاية التي بدأ بها الغرب السرد في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو سرد تعارف الغربيون على تسميته (بمصنع الأكاذيب)، حيث كانت تدار حكاياته في اجتماع مسائي لأركان أمانة الفاتيكان وأتباعهم في قاعة فسيحة من قاعات الفاتيكان، وهناك يقوم (الحكواتية) بسرد شفوي لحكاياتهم المصنوعة، وكان أشهر (حكواتي) عندهم (يوتشيو) الذي دوّن حكاياته في القرن الرابع عشر الميلادي، إلى أن جاء (موباسان) في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، الذي طور الحكاية وكتب القصة الحديثة الشبيهة بحكايات المقامات العربية التي سبقتها، و كان قد سبقه في عملة السرد الفني الهندي (بيدبا) كاتب (كليلة ودمنة)، المنقولة إلى العربية، كما سبقه في العربية سرد ألف ليلة وليلة، وحي بن يقظان، وشهرزاد، وسيف بن ذي يزن، وروايات بني هلال، وغيرها؛ مما يجعلنا نؤكد أن القصة والرواية مجهود إنساني بنته وأنشأته وطورته الحضارات الإنسانية مشتركة، مستفيدة من تصوير الواقع، ومعالجة المعاناة الإنسانية.
 
• إن الكاتب الإسلامي عندما انتبه إلى أهمية القصة القصيرة في تأصيل العامل التربوي وتعديل الاتجاه الفكري والسلوكي، راح يرود هذا الباب ولو متأخراً، (فأن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي)، وهو إذ يخوض في بحر هذا الأدب النافع، لا يغض الطرف عن روعة القصص القرآني، وكثافة جملته، و توظيف المشاعر والمعاني لصالح الإنسان في إقامة الحياة الآمنة على الأرض. لا بل إنه يتخذ من هذا القصص نموذجاً وخطة وعبرة مع الاهتمام بالتقنيات الحديثة بدءاً من تكثيف اللحظة، وانتهاءً بتطوير الشخصية، ومروراً بالاهتمام بالمشاعر والأحاسيس والمنولوج الداخلي، إلى غير ذلك من أدوات السرد الحديث، وهو في هذا كله لا يكل من الاقتداء بالقص القرآني والبلاغة النبوية العالية الغالية، ولا يدير الظهر إلى تراث عريق في السرد الغائي، الذي سطرته أقلام جهابذة الأدب العربي الإسلامي على مدى القرون.
Page 4
ولما وجدتني أحمل همّ دعوة الإسلام، وهمّ الارتقاء بمجتمعاتنا الإسلامية، وهمّ معاناة شعوبنا الرازحة تحت وطأة الظلم والاستبداد والاستعمار والغطرسة، ووجدتني وقد تكونت لدي إمكانية الدخول في هذا الباب الواسع، أقوم بتوظيف إمكاناتي تلك، هادفاً إلى رسم المعاناة وتعيين سبيل الخلاص، وتوعية الأجيال وتعديل أفكارها وسلوكها، وإنهاء حالة الذهول والتبعية والتقليد.
 
وهكذا خضت هذا الغمار آملاً من الله التوفيق والعون والتسديد، وكانت هذه المجموعة القصصية الخامسة لي منذ بدأت هذه التجربة في سبعينيات القرن العشرين، وكلي أمل أن يوفقني الله إلى جمع عدد من القصص الإسلامي الذي نثرته في العديد من الصحف السيارة ولم يسعفني الوقت حتى اللحظة لجمعه، ولسوف تكون تلك القصص المجموعة السادسة إن شاء الله، ولا يغض ذلك من كتابات كثيرة نثرتها أيضاً في العديد من الصحف والمجلات العربية والإسلامية، وهي قد تنوف على عشرين كتاباً بعد أن تجمع، وتتنوع موضوعاتها، من التربية والإعلام إلى السياسة والفكر ومعالجة الأحداث والواقع، وباعتقادي أنها جميعاً تقع ضمن الهدف الإسلامي من الكتابة، الذي لا تشوف فيه إلى سمعة أو مادة، بل هي كتابة تحوز على مواصفات الأدب الهادف، ولا تتجاوز على الثوابت، لكنها باعتقادي تسدّ ثغرة، وتضع مدماكاً في البناء الغائي، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، فإن كنت أصبت فهو من الله، وإن كنت أخطأت فمن نفسي، وأرجو الله أن يكتب لي الأجرين فإن لم يكن فهو أجر الاجتهاد.
 
محمد السيد
 
في 13حزيران (يونيو) 2011م
Page 5
- 1 -
 
الطفل القادم
 
فنجان قهوة، وصباح وليد، ونسمة ناعمة، وشرفة حالمة، تتعلق بأذيال غيمة صيفية ندية وصوت مذيع يتذبذب بين الصحو والغفو، يأتيك بنبأ: طفل لم يمض على قدومه إلى الحياة طويل زمن، يجوب شوارع القدس بقارورة حليب فارغة، يبحث عن مأوى على الأرض التي تلقت أول نسمة حياة خرجت من صدره، يرنو إلى المسجد بعيني ذاكرة المجد، إلى القبة، التي تجوب بحر عينيه، شراع أمل ومحبة وسلام، يرفع أصبعين علامة نصر. وتوقظك صورته في الشاشة الصغيرة من كابوس فقدان الحس.. فتقول:
 
نيام.. نيام.. نيام.. حفنة شمس عذرية بين يديك، تلثم شفة الليل، بحدِّ الضياء، وتهدهد الصمت بترنيمة.. نيام.. نيام.. نيام. ورشفة من فنجان القهوة، فيسري في الرأس الصحو، ويستيقظ في قلبك حنين القربى، وأوجاع ذوي الرحم، فتنهلُّ دمعة حزن مكبوتة، تعالج حنجرتك بكلمة موؤودة: إلامَ النوم..؟ إلامَ النوم..؟
 
تفرك عينيك: لتطرد غزو النوم، وهاأنت تَثّاقل إلى الأرض، وتعلو هاماتِ نفسك تثاؤبةٌ حمقى، ولكن بقايا نخوة ترتاد تخومك، تنفض عن وجهك آثار الغزوة، فتهب واقفاً، صائحا..
 
-ألق عن كاهلك سحر النوم، وابتسم للحجر السحر، واكتب على ظهر حجر، غداً يختبئ يهود داخل جحر.
 
ترتعد فرائصك للفكرة، وتنتفض جوارحك، وتنداح الجملة الأخيرة في أفقك، فتردد:
 
داخل جحر..! داخل جحر..! ويحتل ذاكرتك سؤال مستنكر:
Page 6
- الحجر ! ولكن الحجر أساس البنيان، ها هو يرتاد وهو في يد الأطفال روح الإنسان!
 
ويسكن الحزن تقاطيع وجهك من جديد، وتُناوش الغفوة بوابات عينيك على عجل، فيعاود التثاؤب غزوه.. وبنصف فتحة عين، وبنصف صحو، رحت تدندن:
 
أضناني سهر الليل، وراء الخميلة
 
أقعدني السوط عن الفضيلة
 
ألهمني الذُّل إلى باب
 
لا يفتحه إلا النوم
 
إلا الصمت
 
إلا العجز
 
ويأتيك صوت المذيع قوياً عارماً هذه المرة..: في فندق الأحلام، حفل حياة، مطربة الجيل، راقصة من نوع ناري، تهز الخصر والأرداف، لتسكب الدماء في الوجنات الناعمة، فيطيب الراح وتخضلُّ الأرواح.. بادروا إلى الحجز، من نوافذ الحجز، في كل شرفات الأوطان، التي يحتلها الرقص والراح والنوم..!
 
ويتراءى لك الطفل القادم من بين ظلال الغفو يافعاً جاداً، يتناول حجراً، يأخذ مقلاعاً، يشد سكيناً إلى خصره، يتمنطق بزجاجة زيت، يفتح ثغرة في جبهة يهودي يتعملق.. وتأخذك: الحمية، فتهب مذعوراً من نومك.
Page 7
فتجد الزوجة تدعوك ومائدة من نعم فياضة تحدوك، ووجهاً ناعماً يناديك، هلم إلى الطعام، اقترب موعد العمل.. فتغيب صورة الطفل والمقلاع والسكين والزجاجة، وتطير من الذاكرة أشتات الفورة، وتحضر هموم اللحظة، ويتراكض جذب الطين في أرجائك لتلتهم المائدة، ويعلو صوت تجشؤ مقيت، وتسد نافذة الشرفة، وتنظر من خلف الزجاج، فإذا غيمة رمادية تأتي من الغرب، تمطر الأرض بأحرف عَتْب غامض، اصطفت الحروف جنباً إلى جنب، وشكلت في صفحة ذاكرتك جملة لن تنساها..
 
- آه لن أنساها، لكنني لست متأكداً من ذلك! فقد... وقد..
 
- ولكن ما هي الجملة..؟
 
- بيت الأحباب يُخرب..!
 
- بيت الأطفال يُسرب..!
 
عبث عبث عبث...!
 
أيد ملطخة ترسم خططاً غادرة، وتربصٌ من مكرٍ يسكن عيون الغيلان.
 
ويأتيك صوت المذياع ناعماً ناعساً مهدهداً:
 
على أنغام (التانغو) وفي أحضان الطبيعة الحالمة، تقضون ساعات حلوة، بين المازات اللبنانية ورائحة الشواء الشهي، وعلى أصوات العندليب(...) تمضون غرة من وقت، بادروا إلى زيارتنا، فكل الطرق في أوطان العرب تؤدي إلينا.. وعند آخر كلمة من صوت المذياع تنجم في أفقك صورة ذلك الطفل.. يبحث عن موطئ قدم..!
Page 8
- وتفجؤك الصورة، وتنتقم من غفوك والدعوة، وتتسلل إلى رأسك حروف من شجر الغرقد، وأرقم من حجارة الأطفال، فتنطلق المخيلة في رحلة، لا تتعدى المسافات نحو الغرب. حيث غزة ما زالت تنتظر الرد، والمعتصمون الكبار في أكناف المسجد، لا ينفكون مصرين على نجدة الطفل، وعلى الالتصاق ببوابة السماء.
 
الطفل ما زال يحمل قارورة الحليب، ويبحث عن مأوى في وطن لم يُكتب خطه بعد.
 
وتنسل إلى رأسك رائحة النوم، لتنقذك من صحوة الفكرة، فأنت لا تستطيع أن تداوم في ساحات الحقيقة لساعات طويلة، لأنك مدين للضرورة واللحظة، وترزح تحت نير اللقمة، وذل الهمسة، ويأتيك صوت يحدوك، إنه فاقع اللون والحجم والرائحة:
 
-ارفع عن نفسك النير والذل والعجز، وعش مع سيف الشمس بإخلاص.
 
ويفجؤك العجز وأنت تدير مفتاح السيارة، وتطلُّ بناظريك فتبصر الشوارع المأسورة، والشمس المكسوفة فيئن في صدرك لحن موؤود، وتحتل خيالك صورة الطفل القادم. وقارورة الحليب ما تزال فارغة تنتظر صحوة دائمة، متكئة على حدِّ السيف، وعزم شيوخ لا يغادرون الأرض.
Page 9
- 2 -
 
المعركة والتحدي
 
أ- التحدي:
 
كان أحمد في مواجهة ليفي تماماً، حيث وجه إليه سهاماً حادة من نظراته، لقد فهم ليفي من هذه النظرات معنى التحدي الموجه إليه، فغض النظر عن أحمد، مشيحاً بوجهه عنه، وعلى الرغم من أن زملاءه الجنود الآخرين كانوا يحيطون بأحمد كالمعصم، ويحاصرونه من أجل أسره، إلا أن وجودهم لم يطمئنه، تحسس ليفي بندقيته التي ركب على فوهتها قاذف قنابل الغاز، لعلها تشد من عزيمته، وجال ببصره بعيداً عن أحمد، كان الشارع الرئيسي في (رام الله) (الآتي من البيرة والواصل إلى دوار المنارة باتجاه المعاهد) منسق الأرصفة، تصطف على جانبيه المحلات التجارية المتنوعة، التي زينت واجهاتها باللافتات، التي تبين اسم صاحب المحل، ونوع المواد التي يتاجر بها، باللغة العربية، مترجمة إلى اللغة الإنجليزية في كثير من الأحوال، لقد جلب ذلك المشهد الذي راود بصر ليفي إلى نفسه بعض الاطمئنان، وقال في سره:
 
- إنهم منهزمون حتى في عناوين محلاتهم..
 
حاول للمرة الثانية أن يبتعد ببصره عن رؤية أحمد، إلا أنه لم يستطع التغاضي هذه المرة، فقد كان أحمد يركز نظراته عليه، ويتقدم بقوة نحوه، متخذاً وضعاً قتالياً… وتحركت شفتا ليفي بكلمات لم تكد تبين:
 
يا للّعين.. إنه يتحداني حقاً.. ولكن ماذا في يده غير الحجر، وهذا الإهاب الفارع.
 
وفي الحال فهم أحمد ما يدور من كلمات على شفتي ليفي فتمتم قائلاً: أهو التحدي؟
 
لكن ليفي قال في سره:
Page 10
- إنك أعزل... وإنك وحدك... وأنا كما ترى لست وحدي... وتكفيني الحربة التي في راس البندقية. ولكن أحمد قبل التحدي، وصاح في وجه ليفي، وكأنه فهم ما يدور في خلده:
 
- لست وحدي أيها الجبان..!.
 
وفي الحال علت في المكان صيحات رفاق ليفي مختلطة بضحكات الاستخفاف
 
ليفي، اقبل التحدي... نحن معك... ها... ها... ها... ها.
 
ب- المعركة:
 
قبل أن يتخذ ليفي وضعاً قتالياً، تردد كثيراً، وتحركت في نفسه شهوة الحياة – أي حياة- وألقى نظرات متعاقبة إلى زملائه، إنه يحتقرهم؛ إذ يزجون به أمام هذا الفتى الفلسطيني، ويحرضونه على تحديه، كل التعاليم التي لقنه إياها رؤساؤه أصبحت الآن مكدسة في زاوية الإهمال من دماغه، وفي بؤرة واحدة أخرى اجتمعت كل شهوات الطين التي تجري في دمه.
 
- وترددت كلمات في صدر أحمد قائلة: إنني أتحداك أيها الوغد.. أتحداك..
 
قبل سويعات كان أحمد على مقعد الدرس، حينما هوجمت مدرسته من قبل هؤلاء الغرباء، لم يكن يخطر بباله في لحظة من اللحظات أنه سيترك دراسته ليخوض معركة الشهادة هذه، لكن دم (عامر) زميله في المدرسة هيج كوامن عميقة غائره في أحشائه، فانطلق يهدر ويضرب ويقاوم، حتى ساقته اقداره إلى هذا الموقف، وهنا تذكر أحمد ما قرأه في كتاب التربية عن الصبي الذي تحدى السلطة كلها في مملكة اليمن القديم، حين دلَّ السلطان على كيفية الخلاص منه، مبتغياً من ذلك أن ينطق الجميع بكلمة الإيمان...