Page 1
المقدمة
في التاريخ، ثمة تواريخ للأحداث الماضية، وأحداث مرتقبة، تبحث لها عن تواريخ في المستقبل... وفق هذه النظرية التي تبناها بعض المفكرين السياسيين والباحثين في الاقتصاد السياسي الدولي، أصبح معنى التاريخ منوطاً إما بانتهاء الفروق بين الطبقات (ماركس، 1973) أو بحلول أوان استقرار النظم الليبرالية الغربية (هيغل، 1961) أو بتعميم قيم الديموقراطية الغربية في كل أرجاء الأرض (فوكوياما، 1992)... وتبقى جائزةً كلُ الأسئلة والأبحاث والمقابلات، التي تستفسر عن التاريخ بما يُخبئه للمستقبل أكثر مما يرويه عن الماضي. فيصبح إذ ذاك، تاريخ البشرية جمعاء كتاريخ جماعةٍ بشرية محددة...نحن، في لبنان، لنا تاريخٌ لا يزال ينتظر... ينتظر منجزاتٍ ضرورية شتى، قد يكون أهمها إرساء دور المواطن في الدولة، كما هو الحال في كل الديموقراطيات الغربية الحديثة. لقد نشأت دولة لبنان الكبير، ككيان سياسي منذ العام 1920، عندما اكتملت جغرافية لبنان - الموطن، كما نعرفه اليوم، بسهوله وجباله، وشماله وجنوبه ومدنه وقراه (بالرغم من مناوءة القوميين الذين كانوا ينادون بالإندماج بــــ"سوريا الكبرى" الفاقدة بذلك جزءاً من واجهتها البحرية ومتنفساً مهماً). وتوالت الأحداث، مروراً بعام 1943، تاريخ إعلان استقلال الدولة عن سلطة الانتداب ليكتمل السياق المفضي إلى وجود لبنان - الوطن، وتوافر ظروف نشوء الدولة فيه إلى حد ما. بيد أن كماً من الأحداث التي طرأت فيما بعد، تشير إلى تعثر، لا بل تعثراتٍ على أكثر من صعيد. فلا التوازنات السياسية جعلت وطننا متوازناً عبر المراحل التي مضت، ولا ثقافتنا جعلت مجتمعنا متماسكاً أمام التحديات، ولا ممارساتنا المختلفة أدت بنا إلى انتظام حياتنا وعلاقاتنا في ما بيننا ومع الدولة.
لنا، في لبنان، قراءاتٌ لحقباتٍ من تاريخنا، مختلفةٌ في ما بينها حتى حدود التنافر، وآراءٌ والتزاماتٌ سياسيةٌ متضاربة أدت بنا إلى الاقتتال تلو الاقتتال، وعاداتٌ اجتماعية وتقاليد دينية تقيدنا وتمنعنا من الإختلاط بالآخر. فــــ"نتعايش سوياً" ولا نعيش معاً (بالإشارة على سبيل المثال إلى الزواج بين أبناء الطوائف المتعددة الذي تمنعه، في أكثر من حالة، الطوائف المُمسكة بالأحوال الشخصية في لبنان حتى اليوم)... لنا أيضاً ثقافة ٌ لا تُعلي اهتماماً للشأن العام حتى يكاد يُنعت بالمغفل كل من يُطبق القوانين في السير على الطرقات أو في الدوائر والمؤسسات العامة أو خلال الامتحانات الرسمية... وكل من ليس مغفلاً بهذا المعنى يصبح شاطراً وذكياً... وبالتوازي مع هذه الإخفاقات، تتزايد الأزمات السياسية التي يستحيل حلها إلا بانفجارها أو بتدخلاتٍ أجنبية. وتتقهقر ثقافتنا المواطنية على أكثر من صعيد ويصبح مجتمعنا عاجزاً وبعيداً عن ناجز الحضارات.
لبنان وطنٌ يجمع الطوائف والمذاهب وتشريعاتها ومصالحها الخاصة المتضاربة مع المصلحة العامة، في السياسة والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية. فأين نحن من الوطن الذي يجمع مواطنين، لا الطوائف والمذاهب؟ هل نحن، في لبنان، وطنٌ بلا مواطنين...؟ إن السعي لاكتمال المواطنية وبناء الثقافة المواطنية المرتبطة بها، هو شرط نجاح استكمال بناء الوطن. وبالعكس، تظهر الأسئلة الحادة حول المواطنية والثقافة المواطنية والتربية عليها، كلما تعثرت خطوات بناء الدولة أو واجهت المجتمع، على صعيدٍ ما وفي زمانٍ ما، تحدياتٌ شتى لوجوده ولديمومة الصيغة التي يقوم عليها. إن نشوء الدولة في لبنان لم يتزامن ولم يتبعه، حتى الآن على الأقل، اكتمال صيغة المواطنية بكل أبعادها وإحقاق دور المواطن في الدولة وفي المجتمع.
فما هي هذه المواطنية التي لم نُنجزها بعد في وطننا؟ وإلى أي حد يساهم طغيان مظاهر التبعية السياسية - الدينية والفروقات الاجتماعية في أكثرية الميادين في تربية مواطني المستقبل وطرائق تنشئتهم على القيم الاجتماعية المشتركة؟ ماذا نحمل في صيغة عيشنا من مظاهر وممارسات تعودناها وهي مناقضة لمفهوم المواطنية وتمنع إحقاقها؟
في هذا الكتاب أربعة أبواب:
يتناول الباب الأول البحث في مفهوم المواطنية مع إظهار التطور في المضامين وآليات التطبيق تبعاً لتغير الحقبات التاريخية وظروفها وصولاً إلى أدبياتنا المعاصرة.
ويعرض الباب الثاني، إمكانيات أن تكون المواطنية قابلةً للتعلم وما تثيره التربية على المواطنية من إشكاليات وما تتطلبه من ظروف للنجاح، ضمن هوامش محددة. كما نبحث في إمكانيات تعليم المواطنية في المدرسة من خلال النظر إلى التربية على المواطنية وارتباط هذه الأخيرة بتطور مفهوم المواطنية عبر التاريخ. وصولاً إلى الزمن الراهن حيث أصبحت فعالية المدرسة في تنافس مع العائلة والإعلام وعوامل اجتماعية أخرى، لكل منها حدود يجب السؤال عنها من أجل فهمٍ أعمق للموضوع.
وفي الباب الثالث، نتناول عدم نضوج مفهوم المواطنية في لبنان وعدم اكتمال وعي المواطن للثقافة المواطنية. كما نعرض مقارباتٍ عديدة لمفهوم المواطنية لا يزال اللبنانيون منقسمين بشأنها. ونستنتج بعض وجوه ومظاهر أزمة المواطنية في المجتمع التعددي اللبناني عبر دور عوامل اجتماعية عديدة ومنها المدرسة ومساهماتها في صياغة شعور الانتماء الجماعي لدى اللبنانيين وتكوين الثقافة المواطنية لديهم.
وينتهي البحث، في الباب الرابع، باقتراح توصيات منطلقة من أهم النقاط التي عالجناها وما تؤدي إليه على صعيد تبني مشروع علماني شامل كطوق نجاة للمواطنية وبناء الدولة في لبنان.
علي خليفة بيروت 2008
Page 2
الباب الأول :نشوء مفهوم المواطنية وتطوره
المواطنية ذاك الاختراع القديم...
كان مفهوم المواطنية يعني لدى اليونانيين القدماء إمكانية المشاركة في الشأن العام للجماعة في الإطار الجغرافي الذي تتخذه هذه الأخيرة مستقراً لها وتبني عليه مؤسساتها السياسية. وقد حدد أرسطو مفهوم المواطن باعتباره كل من له الحق بالمشاركة في مجلس الحكم والتعاطي بشؤون الدولة من خلال المكانات والرتب الرسمية المنوطة بها. إذ ذاك نسمي هذا الإنسان مواطناً، يلخص أرسطو بهذا المعنى، وتكون الدولة مجموعة المواطنين الذين يتمتعون كلهم بهذا الحق وبعددٍ كافٍ منهم ليضمنوا استقلال الدولة. في أثينا، خلال القرن الخامس قبل الميلاد، كان للمواطنين حق - لا بل واجب - المشاركة في الجمعية التي تمثل السلطة الفعلية في المدينة. وكانت الحياة اليومية لأي مواطنٍ أثيني عادي تنتظم حول واجباته الشخصية والعائلية والسياسية. ووُلِدَت بذلك الديموقراطية المباشرة في أثينا لينخرط فيها كل من له صفة المواطنية.لكن ما يجدر بنا ذكره في هذا الإطار هو أن التجربة الديموقراطية في أثينا كانت تقتصر على نخبة الرجال إذ أن النساء والعبيد والأطفال وشرائح اجتماعية أخرى كانت مهمشة عبر منعها من ممارسة المواطنية والتمتع بحقوقها.
وفي القرن الرابع قبل الميلاد، إثر الهزيمة العسكرية أمام فيليبوس ملك مقدونيا، برزت في أثينا عدة مدارس فلسفية مناقضة مدرسة المواطنية وداعيةً الناس إلى الاهتمام بشؤونهم الخاصة وترك الشأن العام.
وشهدت روما بدورها تشريعات خاصة بالمواطنية باعتبارها ثقافة الشأن العام مع الإبقاء على مركزية القرار. بيد أن جو المؤامرات والمنافسات والخيانات دخل مؤسسات الحكم. ولم يتقدم، في هذا المناخ، نموذج المواطنية في روما.
ثم تعاقبت القرون فشهد مفهوم المواطنية كسوفاً قبل أن يبزغ من جديد في التاريخ الحديث مع اعتبارات جديدة اختلفت جذرياً عن المفهوم القديم ومسوغاته وآليات تطبيقه.
Page 3
المواطنية مرافقة لقيام الدولة في الغرب
عندما كانت الدولة مُلكاً للحاكم بالحق الإلهي - لغاية القرن الخامس عشر إجمالاً - كان النمط الاجتماعي يتمحور حول الإقطاعية واستتباع الناس أو التوسع الديني واستعبادهم. مما شكل عائقاً أمام بروز السلطة المدنية المركزية التي تمثل الشعب وتحرر أبناءه من كل استتباع أو استعباد. ومع تفجر الثورات الشعبية في إنكلترا وفرنسا، عاد مفهوم المواطنية للظهور بمعطياتٍ متطورة بالنسبة إلى ما ساد لدى اليونانيين القدماء والرومان. وتجلى هذا التطور بالإبتعاد عن الإقصاء بحق فئات كانت ممنوعة من الممارسة المواطنية.ودخلت تسمية الدولة في الأدبيات السياسية الغربية عبر مطابقتها، خلال مرحلة طويلة، لمفهوم الأمة. وبالتالي، نشأ مفهوم الدولة - الأمة. فتماهت المواطنية مع الانتماء الوطني. وأدى هذا التماهي إلى تحرير مفهوم المواطنية من قدريته، كما كان الحال في أثينا مثلاً - أن يولد الإنسان حراً جديراً بالمواطنة أو عبداً (أولمان 1966).
وأدت بالتدريج مرادفة المواطنية للانتماء الوطني إلى بلورة ثلاثة مكونات للمواطنية، هي:
المكون المدني
(ويشمل الحقوق الشخصية الفردية...)
المكون السياسي
(ويشمل حقوق المشاركة في السلطة...)
المكون الاجتماعي
(ويشمل حقوق الضمان والتعلم والاستشفاء والسكن ومتطلبات العيش...).
وغدا هذا المفهوم للمواطنية في أساس اكتمال صورة المواطنية كما نعرفها في عصرنا الراهن (مارشال 1965). بيد أن اكتمال المواطنية، بأبعادها الثلاثة، في المجتمعات الغربية، شابته نواقص جوهرية كاقتصار الإقتراع العام على الذكور فقط، كما في فرنسا حتى بدايات القرن العشرين. كما أن الانتماء للدول - الأمم أظهر أنه غير كافٍ لتثبيت باقي قيم المواطنية، على صعيد الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والقانونية كلها... بالنتيجة، انفصلت المواطنية، اليوم، بما تحمله من قيم، عن الانتماء الوطني بما يعنيه من طغيان الإديولوجيات القومية.
ولا يزال صحيحاً، حتى عصرنا الراهن، النظر إلى المواطنية عبر ما هو أكثر من الانتماء الوطني للفرد، بغض النظر عما يؤمنه هذا الانتماء، من حقوق وامتيازات. وذلك بغية التركيز على ما يمكن أن يُخفيه هذا الانتماء من طمس لأبعاد أخرى من الثقافة المواطنية تتمحور بشكلٍ أساسي حول سلة الحريات الخاصة والعامة ومنظومة الحقوق.
Page 4
المواطنية العصرية بكل أبعادها
لا مرادف لمفهوم المواطنية... فقد رأينا أن الانتماء الوطني لا يختزل كل الأبعاد اللازمة لاكتمال هذا المفهوم. إذاً، تتمحور الأدبيات الراهنة حول اعتبار المواطنية مفهوماً مركباً ذا أبعادٍ كثيرة. وفي تعداد هذه الأبعاد، نذكر، لا للحصر، ما يلي (كونستن 1998):الهوية الناتجة عن الانتماء الوطني أو ما دون الوطني (كالطوائف الدينية، اللغوية، الثقافية...) أو ما فوق الوطني (كالإقليم، أو العالم)،
سلة الحقوق المدنية والسياسية والقانونية والاجتماعية،
الحريات الخاصة والعامة،
الواجبات والإلتزامات،
منظومات القيم الفردية والجماعية.
وتشمل الهوية عناصر يتقاسمها المواطنون كالثقافة المدنية التي تحوي المبادئ السياسية والقانونية، وفق كل مجموعة وعاداتها وناجزها الحضاري. وتشمل الهوية أيضاً، كل الثقافة المجتمعية التي تواكب حياة الأفراد وتحاكي تطلعاتهم ومشاعرهم. فمثلاً، في فرنسا، تتمحور الهوية الوطنية حول الثقافة المجتمعية متغذيةً بشكلٍ مباشر من علاقة الأفراد بتاريخهم المشترك وقيمهم. بينما تنحو الهوية الوطنية في الولايات المتحدة الأميركية نحو الثقافة المدنية، بحيزيها السياسي والقانوني (باجي 1999). وفي أكثر من مجتمعٍ تعددي، تشمل الهوية انتماءاتٍ مختلفة، وقد تقتصر على انتماءٍ أحادي: ديني، إثني، ثقافي... (معلوف 2000؛ عبو 2002، 2008).
وحول سلة الحقوق، يمكن الإشارة إلى:
الحقوق المدنية
(الإرتباط، التملك،...)
الحقوق القانونية
(المساواة، الإدعاء، المرافعة...)
الحقوق الاجتماعية
(العمل، التعلم، الإستشفاء، الأمان،...)
الحقوق السياسية
(الإقتراع، الترشح، تأليف الجمعيات، الأحزاب أو الإنضمام إلى إحداها...).
Page 5
وتقترن سلة الحقوق بمجموعة واجبات، من أبرزها: احترام القوانين والدفاع عن الوطن. وتأتي المشاركة، السياسية منها أو المدنية، لتضيف إلى واجبات المواطنين، ما يُمكن أن يعتبروه، هم، في صلب حقوقهم، كما رأينا آنفاً. هذا الجانب معروفٌ بكونه شكلاً من الإلتزام الجماعي.
وأخيراً ترعى كل هذه المكونات منظومة قيمٍ فردية وجماعية، يُمكن ذكرها، بالإعتماد على الثقافة المستمدة من شرعة حقوق الإنسان، من خلال التبويب التالي:
القيم الإنسانية
(المنطلقة من احترام الإنسان لحقوق الإنسان الآخر) على قاعدة المساواة
القيم المدنية
(القاضية باحترام - والحث على احترام - القوانين والنظم والأعراف)
القيم الأخلاقية
(المرتكزة على التعاون ورفض التعديات والظلم والغبن).
ويمكن إضافة القيم الدينية التي تسعى إلى إضفاء بعدٍ روحي أو عقائدي على حياة الفرد وعلاقته بالجماعة ومفهومه للحياة. بيد أن هذه الإضافة ليست ضرورية، نظراً لما أوجدته النظرة العلمانية من قيمٍ متجسدةٍ دون أي بُعدٍ إلهي، مكتفيةً فقط بالبعد الإنساني.
ولا بد من الإشارة إلى المتغير الدائم في كل منظومةٍ قيمية. ويتجلى هذا المتغير من خلال النظام المعرفي للأفراد وللاجتماع والسلوك العام خلال فترة محددة.
نلاحظ أن كل هذه المكونات تتداخل في ما بينها ولا يمكن اختزالها ولا فصلها: فالحق في المساواة والحرية، هما كفيلا المشاركة والمحاسبة على المسؤولية. وتتجلى أهمية منظومة القيم على صعيد العلاقات بين المواطنين، في ما بينهم وإزاء المجموعة. كما أن هذه المكونات للمواطنية يُمكن أن تتآلف في أكثر من صيغةٍ ممكنة. فتجتمع إذ ذاك حول مفهوم المواطنية عدة مكونات تتداخل وتترابط. وتشكل هذه الصيغ المتنوعة، غنًى في مقاربة مفهوم المواطنية وما يعنيه وفقاً لكل مجتمع وتزامناً مع كل مرحلة من تاريخه.
أمام هذا الواقع، نطرح السؤالين التاليين: ما ارتباط مفهوم المواطنية بالنظام الديموقراطي في المجتمع؟ وبالتالي، ما هي مقاربات المواطنية في المجتمعات الديموقراطية الحديثة؟
وأخيراً ترعى كل هذه المكونات منظومة قيمٍ فردية وجماعية، يُمكن ذكرها، بالإعتماد على الثقافة المستمدة من شرعة حقوق الإنسان، من خلال التبويب التالي:
القيم الإنسانية
(المنطلقة من احترام الإنسان لحقوق الإنسان الآخر) على قاعدة المساواة
القيم المدنية
(القاضية باحترام - والحث على احترام - القوانين والنظم والأعراف)
القيم الأخلاقية
(المرتكزة على التعاون ورفض التعديات والظلم والغبن).
ويمكن إضافة القيم الدينية التي تسعى إلى إضفاء بعدٍ روحي أو عقائدي على حياة الفرد وعلاقته بالجماعة ومفهومه للحياة. بيد أن هذه الإضافة ليست ضرورية، نظراً لما أوجدته النظرة العلمانية من قيمٍ متجسدةٍ دون أي بُعدٍ إلهي، مكتفيةً فقط بالبعد الإنساني.
ولا بد من الإشارة إلى المتغير الدائم في كل منظومةٍ قيمية. ويتجلى هذا المتغير من خلال النظام المعرفي للأفراد وللاجتماع والسلوك العام خلال فترة محددة.
نلاحظ أن كل هذه المكونات تتداخل في ما بينها ولا يمكن اختزالها ولا فصلها: فالحق في المساواة والحرية، هما كفيلا المشاركة والمحاسبة على المسؤولية. وتتجلى أهمية منظومة القيم على صعيد العلاقات بين المواطنين، في ما بينهم وإزاء المجموعة. كما أن هذه المكونات للمواطنية يُمكن أن تتآلف في أكثر من صيغةٍ ممكنة. فتجتمع إذ ذاك حول مفهوم المواطنية عدة مكونات تتداخل وتترابط. وتشكل هذه الصيغ المتنوعة، غنًى في مقاربة مفهوم المواطنية وما يعنيه وفقاً لكل مجتمع وتزامناً مع كل مرحلة من تاريخه.
أمام هذا الواقع، نطرح السؤالين التاليين: ما ارتباط مفهوم المواطنية بالنظام الديموقراطي في المجتمع؟ وبالتالي، ما هي مقاربات المواطنية في المجتمعات الديموقراطية الحديثة؟
Page 6
بين المواطنية والديموقراطية
هل صادفت ولادة مفهوم المواطنية في أثينا القديمة مع نشوء نظام الديموقراطية المباشرة؟ وبالمقابل، هل صادف أن تكون هزيمة أثينا عسكرياً أمام الملك فيليبوس المقدوني متزامنةً مع سقوط الديموقراطية الناشئة واضمحلال ثقافة المواطنية التي تصورها ونظر لها أفلاطون في كتاب الجمهورية؟ربما يرجع ارتباط المواطنية والديموقراطية، في أثينا، إلى أن النهضة التي عرفتها أثينا وأدت إلى الديموقراطية، ساهمت في ذات الوقت، بتطور مكونات المواطنية بمفهومها القديم وتغيير حياة الجماعة على صعيد التمثيل وآليات الحكم وسلطة القرار. ويرجع تقهقر مفهوم المواطنية، بعد الهزيمة، إلى سبب يُعرف به علم النفس الاجتماعي من خلال ما يُسمى بالوعي الجماعي. إذ ان وعي الهزيمة بكل ما يرافقها من وقائع أو مشاعر يشكل عائقاً صلباً بوجه سطوع الديموقراطية وما يرتبط بها من مفاهيم وعناصر ثقافية. لأن الهزيمة تؤدي إلى الإحباط، هكذا علمتنا تجربة أثينا وشواهد تاريخية كثيرة لاحقة. مما يؤول إلى غياب منظومات الحياة الاجتماعية. ويمدد في غياب هذه المنظومات طغيان أنظمة الحكم المستبدة المناقضة للديموقراطية.
في يومنا هذا، يجب أن نلاحظ أن كل انتماء سياسي، أو اجتماعي أو ثقافي يؤمن سلة الحقوق والواجبات المتعارف عليها في المجتمع، دون أن تكون هذه السلة مؤاتيةً بالضرورة لمبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان كالمساواة بين المواطنين بلا تمييز. ففي الأنظمة الشمولية والدكتاتورية، كل المنتمين للوطن يُعتبرون مواطنين ولهم حقوقٌ وواجبات، حتى لو كانت الحقوق محدودةً ومقيدة، والواجبات كثيرة ومُرهِقة. إذاً، لا معنى للتنظير للمواطنية دون اقتران مفهوم المواطنية بالديموقراطية كنظام اجتماعي لعصرنا الحالي.
إن مرتكزات النظام الديموقراطي في المجتمعات الغربية المعاصرة نابعةٌ بمجملها من مبدأين اثنين: أولهما حرية الانتماء للجماعة وإمكانية تغيير هذا الانتماء وثانيهما المساواة الشاملة بين كل المواطنين دون أي تمييز في حقوقهم المدنية، القانونية، الاجتماعية، والسياسية. هذان المبدآن، بالإضافة إلى مستلزماتهما وتبعاتهما، يتحققان بالتدريج مع الوقت، في ظل نظامٍ ديموقراطي دون سواه، حتى لو استلزم تحقيق الديموقراطية، أخطاء أو سوء اختيار (كيوان، 2007)... فلا أكثر قدرةً من الديموقراطية إلا ذاتها على تدارك الأخطاء كلما حصلت وتصحيح المسار...
Page 7
بعض مفاهيم المواطنية في المجتمعات الديموقراطية الحديثة
ثمة مقاربات عديدة لمفهوم المواطنية، عرضها عدة باحثين وعرفوا بها انطلاقاً من دراسة المجتمعات الديموقراطية الحديثة (فاينستوك، 2000؛ باجي، 2001؛ مرزوق، 2001...). كل هذه المقاربات انطلقت من مكونات المواطنية التي ذكرناها سابقاً مع إعطاء قدراً من الأهمية لمكونٍ ما على حساب المكونات الأخرى. وذلك، تماشياً مع حاجات المجتمع وتركيبته ووفقاً لتطور الفكر السياسي السائد في هذا المجتمع خلال مرحلةٍ زمنية معينة. ولكل من هذه المقاربات المقترحة ما يميزها على صعيد إعطاء الأولوية إما لشعور الانتماء للوطن، أو للمشاركة العامة، أو للمشاركة المدنية أو للنظرة الليبرالية.فأما مقاربة المواطنية المعتمدة على تعزيز شعور الانتماء الوطني، فتقضي أدبياتها بترسيخ هذا الشعور وإعطائه الأولوية إزاء طروحات الهويات الخاصة، الثقافية منها أو الإثنية، أو الدينية... ويكون للانتماء الوطني، وفق هذه المقاربة، دور الحفاظ على تماسك المجتمع وضمان وحدته. ويطغى على هذه المقاربة إيلاء الأهمية القصوى للمناسبات الوطنية وكل ما يمت بصلة إلى تاريخ الشعب والأحداث التي طبعته والأشخاص الذين صنعوا هذه الأحداث.
وأما مقاربة المواطنية المعتمدة على إعطاء الأولوية للمشاركة العامة، فهي متحدرة من ثقافة الجمهورية وقيمها من ناحية تغليب المصلحة العامة والمشاركة في الشأن العام على المصلحة الخاصة وحصر الإهتمام بالأمور الفردية. ويتصف المواطن، وفق هذه المقاربة، بقوة انتمائه للمجموعة وارتباطه بمنظومة حقوقه لدى المجموعة ومتوجباته نحوها.
وأما مقاربة المواطنية المعتمدة على المشاركة المدنية، فتركز على أهمية مشاركة المواطن في إطار المجتمع المدني حيث يجتمع الناس وفق التقاء أفكارهم وأهدافهم ومصالحهم. ويتصف المواطن، وفق هذه المقاربة، بحرصه الشديد على حقوقه المدنية والاجتماعية وبالتزامه القوي بالشؤون التي يناضل من أجلها دون أن تعني هذه الشؤون بالضرورة مشاريع سياسية تبغي الوصول إلى الحكم.
وأما مقاربة المواطنية المعتمدة على النظرة الليبرالية، فتقضي بضمان حقوق المواطن في المبادرة الفردية، لا سيما في مجال العمل، والحرية الشخصية دون قيد، لا سيما في العلاقات الخاصة. ويمكن للنظرة الليبرالية في مقاربة المواطنية أن تلحظ للمواطن فرصة المشاركة في الحياة العامة، هذا إن أراد ذلك، دون أي موجبٍ مسبق. ويتصف المواطن، وفق هذه المقاربة، بضعف الرابط بينه وبين المجموعة وبالتعبير المفرط عن الخصوصيات بشتى أنواعها وبكل ما تستتبعه برأي الفرد.
نستطيع أن نلاحظ اختلاف هذه المقاربات، في تحديد أطر المشاركة، وأولوية حقوق المواطنين وارتباطهم بواجباتهم ودائرة انتمائهم الجماعي. ولا نستطيع، بيسير القول، أن نفاضل بين هذه المقاربات، لأن مجتمعاتنا أصبحت حالياً شديدة التعقيد والتنوع على صعد الثقافة والدين ومرجعية القيم. ويبدو تفضيل إحدى هذه المقاربات على سواها، نقيضاً لمبدأ أحقية الخيار على أساس المساواة بين كل الناس، بغض النظر عن تنوع رؤاهم في مجتمعهم.
أمام هذا الناجز المتمثل بتطور واكتمال مفهوم المواطنية، تبرز الأسئلة حول إمكانية تعليم المواطنية في المدرسة، وفق المقاربة التي ينتجها المجتمع لمفهوم المواطنية ومكوناته. غير أن دخول مفهوم المواطنية إلى التربية، يحمل هذه الأخيرة على التفكير بمبادئها وطرائقها وإمكاناتها. هذا ما سيكون في صلب بحثنا، ضمن الباب الثاني.
Page 8
الباب الثاني :هل نتعلم المواطنية؟
التربية على المواطنية عبر التاريخ
كان أفلاطون ينظر للتربية على قيم الشأن العام ويُنشئ مدرسةً لنخبة التلاميذ، ينتقيهم بدقة وينكب على تأمين تعليمهم بعناية كبيرة. وكان تعليم أفلاطون قائماً على تنظيم المجتمع، وفق فئات المواطنين، ومنهم: العمال والجنود والحكام الذين ينبغي أن يجتازوا مراحل تربوية طويلة الأمد "تؤهلهم للتأمل في طبيعة الخير لاستخلاص ما يُمكن تطبيقه في المجتمع". وقد عرض أفلاطون، في كتاب الجمهورية، مبادئ وطرائق تنشئة النفس وأدب الحياة ضمن الجماعة. وسعى لتلقين مبادئ التربية بشكلٍ رصين يكاد يكون مطبقاً على دور الفرد وجعله محصوراً في الفئة التي ينتمي إليها. فيكون المواطن إزاء هذا الأمر مقيداً بمكانه ومحكوماً بدوره.لم تعد التربية على المواطنية ذات شأن منذ أن انتهت تجربة أثينا مع الديموقراطية وعلى مدى قرون. ويرجع السبب في ذلك لكون مفهوم المواطنية لا يكتمل بغياب البُعد السياسي نظراً لطبيعة هذا المشروع التربوي - الاجتماعي.
ثم شهدت التربية طوال القرون الوسطى، ارتباطاً بنقل تعاليم الدين. "ونشأت علاقة بين مفهوم التربية والبعد الاجتماعي للدين. (...) ثم استُخدِمت كلمة التربية في اللغة الفرنسية خلال القرن الخامس عشر للإشارة إلى التعليم. فكان المربي معلّماً وكان رجل الدين مربياً بامتياز. وأصبحت مجموعة القيم المرتبطة بالتربية مرادفة لاحترام التقاليد والعادات مما جعل الفرد على صورة الجماعة التي ينتمي لها. (...) ثم شهدت أوروبا مرحلة النهضة والثورات والأنوار. فتعدلت مفاهيم التربية وانقلبت على المجتمع والدين لتخلق مجتمعاً جديداً وتترك جانباً الدين وأبعاده" (خليفة، 2007، ص 24 - 25). مما سمح للتربية على المواطنية أن تشق طريقاً لها مختلفاً عن التربية على الأخلاق وعن التربية الدينية بالتأكيد.
ويجدر بنا الوقوف على ما ابتدعته الثورة الفرنسية تحت مسمى التربية المدنية التي رافقت بناء الجمهورية في فرنسا. وفي موسوعتهم الشهيرة، أشار فلاسفة الأنوار إلى تحديدهم للمواطن باعتبارهم أن للحاكم المستبد رعايا، وأما المواطن فإنه مشاركٌ في الحكم. وباعتبار أن هذه المشاركة تفترض الكفاءة والمقدرة، نتبين الحاجة إلى التربية وضرورة التربية المدنية لإعداد مواطني الجمهورية. وأدت هذه المقاربة إلى فصل التربية عن دائرة سيطرة المؤسسة الدينية والعائلة وإلى جعل هذه التربية شأن الدولة. بيد أن بعض المفكرين (كوندرسيه، مونتسكيو،...) وضحوا ضرورة تفادي تحويل التربية المدنية إلى دين مدني يأخذ مكان الدين الإلهي البائد. ونبهوا إلى ضرورة أن لا تكون العلمانية دين الدولة الجديد؛ فالعلمانية تعني استقلالية البعد المدني عن البعد الإلهي وفصل هذين البعدين في الشأن العام ولا تعني العلمانية استحداث دين مدني جديد مناقضٍ للدين ولا خلق إيديولوجية جديدة.
في عصرنا الراهن، عاد للتربية بُعدُها السياسي المهم. وقد توسع هذا البعد ليشمل بالإجمال كل مكونات المواطنية في التربية. ومع اقتران المواطنية بالديموقراطية، أصبحت التربية على المواطنية تشمل حيزاً لحقوق الإنسان وفق ما تعنيه هذه الحقوق على الصعيد السياسي. بيد أن منظومة حقوق الإنسان تبدو أوسع من حدود المواطنية، بالرغم من الإنتقادات التي تُوجه إلى حقوق الإنسان باسم الخصوصيات الثقافية والخلفيات التاريخية.
وفيما تتداخل حدود المواطنية بهامشها السياسي مع دائرة حقوق الإنسان وما تنشده، أصبحت المواطنية في المدرسة، والنظرة إليها من منطلقها وهدفها السياسيين، أكثر صعوبةً وتعقيداً وتتطلب النظر بعمق للإشكاليات التي تطرحها وحدود نجاحها.
Page 9
إشكاليات التربية على المواطنية في المدرسة وهوامش النجاح الممكن
هل المدرسة قادرة على إنشاء مواطنين؟قبل عرض صعوبات الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من عرض التناقضات التي يثيرها السؤال بحد ذاته إزاء صيغة التلميذ - المواطن. ولهذه التناقضات أيضاً مساهمةٌ في تعقيد مهمة إنشاء المواطنين في المدرسة وزيادة صعوبتها. وتتلخص هذه التناقضات بثلاث إشكاليات تتمحور حول:
تطبيق نظام المدرسة والإعتراف بحقوق التلميذ.
تقدير حاجة التلميذ من قِبل المدرسة وحرية اختيار التلميذ لحاجته.
ضمان التعاون والقبول بسلطة المدرسة والحس النقدي الذي قد يؤدي لدى التلميذ إلى الرفض.
أما فيما يخص الإشكالية الأولى، فإن مكان الديموقراطية في المدرسة هو الذي يثير التساؤل أكثر من التربية على القيم الديموقراطية وثقافة الحقوق في المدرسة. ولا بد من ملاحظة أن التطبع صفةٌ أساسية تقوم عليها التربية وتتطلب من التلميذ ضرورة التقيد بأحكام النظام وعدم اعتباره مواطناً مكتمل الصفات. لذا تقتضي معالجة الإشكالية الأولى، أن تترافق إرادة التربية وأدواتها مع إرادة تعريف التلميذ على حقوقه وما تحفظه له من أطرٍ للمستقبل.
أما فيما يخص الإشكالية الثانية، فإن رسم خط فاصل بين مكانة التلميذ والمواطن هو الكفيل بتقدير حاجة التلميذ من قِبل المدرسة في مرحلةٍ أولى وترك حرية الخيار له فيما بعد أو في مجالاتٍ معينة كتحضير للمرحلة اللاحقة. ويأتي هذا الفصل منسجماً تماماً مع النظرة القانونية التي تميز القاصر والراشد في المجالات المذكورة. وتجدر الإشارة إلى أن الخط الفاصل هذا لا يمكن إلا أن يكون مؤقتاً بل قابلاً للزوال متى اكتملت عناصر الانتقال من مرحلةٍ لأخرى، وفق الحالات التي تطرأ والظروف التي تساعد أو تؤخر هذا الانتقال.
وتبقى الإشكالية الثالثة ضمان التعاون والقبول بسلطة المدرسة والحس النقدي الذي قد يؤدي إلى الرفض. ويمكن تلافي هذه الإشكالية من خلال تفهم حس النقد ومقاربة موضوع الإختلاف من زاوية تنظيمه لاستيعابه. إن المخاطرة التي تنطوي عليها هذه الإشكالية ومعالجتها، من خلال تشجيع الحس النقدي ومن ثم استيعاب ما يلحظه، هي أساس المجتمعات الديموقراطية الراهنة.
وبعد عرض إشكاليات التربية على المواطنية وهوامش نجاحها، في المدرسة، لا بد من اقتراح، في حدود هذه الهوامش، عناصر هذه التربية ومقوماتها. ومن أهم ما جاء في هذا السياق، توصيف هيكلية المدرسة لديواي (1963) وآليات التعلم الفضلى حسب بياجي (1988). رأى ديواي أن تكون المدرسة مكاناً مثالياً لبناء المواطنية والعمل على تنمية الحس النقدي لدى التلاميذ وذلك من خلال ممارسة المواطنية بحدودها المشار إليها وليس فقط الحديث عنها نظرياً. واقترح بياجي التقاءً بين نمو المقدرات الفكرية للأفراد واكتمال الهيكلية الاجتماعية التي يعيشون فيها. وبذلك، لا تنفصل التربية على المواطنية عن التربية الذهنية بواسطة تقنيات تأخذ بالإعتبار مراحل نمو الفرد ومتطلباتها على الصعيدين الفكري والخلقي. وبالنتيجة، عندما تنجح تربية الفرد الذهنية وفق المعايير المشار إليها، يصبح التلميذ بذلك مواطناً بكامل صفاته.
Page 10
التربية على المواطنية في مهب العوامل الاجتماعية
ليس دور المدرسة إلا جزئياً ومنقوصاً في حقل التربية على المواطنية. فالكثير من مفاهيم المواطنية مكتسبة بطرق شتى عبر التربية الأسرية وخلفياتها الثقافية والاجتماعية، أو عبر التأثير الإعلامي وتناقل المعرفة وحركتها على أكثر من صعيد. ولكلً من هذه العوامل تأثيرٌ في رسم معالم شخصية الإنسان، وتحديد توجهاته وخياراته (فريحة، 1997).ينطلق الإنسان من خلفيات أسرته الثقافية والاجتماعية ووقائعها اليومية إزاء كل ما يواجهها من أحداث. فتكون هذه الخلفيات بمثابة النظرة الأولى التي يكونها الفرد عن المجتمع. كثيرٌ من الأسر تتسم بعقلية ونظرة متميزة - بانغلاقها أو انفتاحها - وعاداتٍ تطبع طريقة عيش أبنائها ورؤيتهم للمجتمع والعالم. من هذه النواة الأولى، يحمل الفرد الخصائص الوراثية والمكتسبة عن أهله وأبويه، ومجموع المؤثرات التي تشكل العامل الأول في انخراطه بالمجتمع. فتتلاقى هذه الخلفيات الأسرية مع عوامل متنوعة تؤثر في الإنسان ويتأثر فيها وينتج عن هذا التلاقي صراعٌ بين كل هذه العوامل والخلفيات. قد تذوب بعض العوامل والخلفيات لتبرز أخرى أو تتفاعل في ما بينها لتؤدي إلى استنباط أبعاد جديدة، ينمحي بعضها ويبقى بعضها الآخر (ليفي - شتراوس، 1961؛ عبو، 2000).
في خضم هذه العوامل والمؤثرات التي ترافق أو تتلو مرحلة الانطباع بالخلفيات العائلية، لا بد من الإشارة إلى دور أجهزة الإعلام - من زاوية خلفياتها الطائفية على سبيل المثال - في تكوين وجهات النظر والتأثير على تصرفات المواطنين وعلاقاتهم ببعضهم وبالدولة. إن الإعلام لا يستأذننا ليغسل عقلنا، ويستبدل ذاكرتنا بأخرى ويرسم معالم ثقافتنا ويعدل ملامحنا... وقد يعيد كتابة التاريخ، ابتداءً من أي يوم. وقد يُعيد رسم الصورة، أكثر أو أقل قتامةً، ويفتح الباب أو يغلقه، بالمعايير التي يلتقي عليها، كل من لا يشاطرنا الرأي.
كما أن للجمعيات الكشفية والرياضية والاجتماعية والثقافية والدينية دور في صياغة رأي عام مناهض لحالة ما أو مؤيد لحالة أخرى.
وكل هذه العوامل، توظف حيزاً لها، تعمل فيه وتنطلق لحيزٍ آخر في ما بعد، وسط تنافسٍ شديد. والمواطن في مهب كل هذه العوامل، يتلقى تأثيراتها، بمقادير مختلفة فلا نستطيع تحديد كل منها ولا التكهن بمقدار مساهمته. فكم من خيار، أو تصرف دفعتنا إليه تربيتنا المدرسية، أو بيئتنا الأسرية أو وسيلة إعلامية، أو علاقتنا بأحد ما التقيناه في جمعية أو نادٍ أو مؤسسة أو معبد؟ إذا كان الجواب أن خيارنا أو تصرفنا حصيلة تفكيرنا وإدراكنا، فلأي مدى يتطور ويكتمل التفكير والإدراك بمعزل عن التربية المدرسية والبيئة الأسرية وتأثير الإعلام والاختلاط ضمن الجمعيات والمؤسسات والنوادي والمعابد...؟