وحدة
جميلةٌ هي الصباحات الفيروزية.. لكن المساءات عندما تتلونُ بصوت فيروز تصبحُ موجعةً بشكل مبهم..
أحبّ سماعَها مساءً... مع أن صوتها في هذا الوقت يجلب لي شيئاً من الألم... وشيئاً من الذكرى...
كان مساء خريفيا، عابقاً برائحة فيروز، إنه أحد مساءات سنة 2011..
سرحتُ في السماءِ المحترقة بلون المغيب الأحمر، ينتابني شيءٌ من المرارةِ غير المفهومة.. بينما كان الصمتُ يدندنُ ويغني: «كيفَك انْتَ ملاّ انْتَ..».
السماء تحترق كل يوم وقت المغيب كي تضيء لي شمعة الذكريات الدفينة..
تسأل الذكرياتُ السؤال نفسه كل يوم: (كيف هو؟ كيف هو ذلك الرجل؟!). ربما كانت ذكرياتي هي سبب مرارتي؟
مرارتي لم تتجاوز حد البكاء يوما... فالبكاء ترف لا أستطيع التنعمَ به دون شرح أو توضيحات...
فأكتفي بهذا الشعور المبهم المرّ في قلبي... بهدوء... وصمت....
انتفضتُ على وقع اقدام زوجي وهو يدخلُ الباب.. وعلى صوتِ يديه وهما تَصْفقان الباب والذكريات..
نظرت إليهِ نظرةً فارغةً وفكرتُ: كم هو بعيدٌ هذا القريب.. وما أقربَ ذلك البعيد!
ارتمى بجثته الثقيلة على أقربِ أريكة، وابتسم ابتسامةً عريضةً وهو يحيّيني بإيماءةٍ صامتة.. فهمت من ابتسامته أنه سعيدٌ وهادئ البال.. على غير العادة..
هو رجلٌ كثيرُ الانشغال.. دائمُ الركض.. يركضُ من اجتماعٍ لآخر.. من صفقةٍ لأخرى.. من بلدٍ لآخر.. هو دائم الركض حتى إنكَ حين تراه تكاد تلهث تلقائياً.. لذا كان من الغريبِ رؤيته مكتسياً بالهدوء.. لا بد أن شيئاً خطيراً يشغلُ باله!
لم أستغرب إيماءته الصامتة.. فهو رجل يختصرُ جمله.. ومشاعره.. يختصرُ حياته معي.. ويختصرني معه..
قال: «ارتدي ثوباً جميلاً.. سنخرجُ للعشاء».
كامرأةٍ آليةٍ
صعدتُ إلى غرفتي، غرفتنا، في الطابق الأعلى من المنزلِ لارتداء شيء مناسب.. بعجلة ارتداني فستاني الوردي.. ورفعت شعري عالياً بتسريحةٍ فرنسية الطراز.. كما أحبُّه.. صففته على هذا النحو وأنا أعلمُ أنه لا يحبُّه هكذا..
هو يفرضُ رأيهُ حتى على شعري.. إخالُ أحياناً أنّ خصلات شعري تخافه، وتنهمر شلالاً على ظهري ما إن تلمحه.. خصلات شعري حفظت الدرس وتعلم أنه يحبُّها مستلقيةً بلا حولٍ أو قوةٍ.
أما أنا، فأعلم في قرارة نفسي أنه لا يهتم ّكثيراً بتسريحتي، هو فقط يحبّ أن يخالفني الرأي!
يقف أسفل الدرج منشغلاً.. منهمكاً كعادته بهاتفهِ المحمول.. لم يحاول أن ينظر إليّ، بل اندفعَ خارجاً، تاركاً خلفه صوته الآمر: «أسرعي يا نرجس».
خطواتي تسارعت إلى السيارةِ، وتعثرت نظرتي بجارتنا فادية التي تقضي معظمَ وقتها قرب النافذة، تراقبُ هذا وذاك!
رمقتني بنظرةٍ سريعة متعالية.. كانت امرأةً تكبرني في العمرِ بعقدٍ أو أكثرَ بقليل.. كنت أشعرُ بعدم استلطافها لي، بلا سبب، فكل ما جمعنا هو أحاديث متقطعة على مدى السنوات الطويلة التي عرفتها فيها، إذ إنّ بيتها يقع في منتصفِ الطريقِ بين منزل أهلي ومنزل زوجي.
منزلُ أهلي يقع في جبل عمّان، شتان ما بين تواضعه وبين بهرجةِ منزل زوجي الواقع أيضاً في الشارع نفسه..
كان هذا التمازجُ الساحرُ بين الطبقات الاجتماعية هو أحدُ أجملِ خصائص عمّان.. فالفقير لا يفتخرُ بمجاورة الغني.. والغني لا يتأففُ من مجاورة الفقير..
كلهم أبناء عمّان.. كلهم بين يديها، كما هم بين يدي الله، سواسيةٌ..
لا أعلم كيف استطاعت هذه المدينةُ أن تدمجَ ملامحَ القدمِ والحداثةِ بعفويةٍ وسلاسةٍ... لكن المزيجَ كان جميلاً فريداً من نوعه، لا يشبههُ ما قد تراه في مدنِ العالم الأخرى...
تبدو لي بيوتها أحياناً كأشجارٍ نبتت على مدى قرونٍ متفرقة... فترى بيتاً مجعدَ التضاريس يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبجواره تنهضُ بنايةٌ عصريةٌ حديثةٌ على استحياء..
هكذا هي عمّان.. قد تبدو غريبةً للوهلة الأولى في عيني السائح أو الزائر لأول مرة، ولكن أهلها يندمجون في مظاهرها اليوميةِ المتكررةِ ويضيعون في ملامح ازدحامها الروتيني حتى باتوا يشبهونها...
لم يكن أهلي من طبقة المعدمين.. بل كان أبي تاجر أقمشة أباً عن جد.. ولكن ثروة أبي تتلاشى وتتضاءل أمامَ ثروة معاذ بصفقاته الضخمة المشبوهة..
وقعت عيناي على حبالِ الأرجوحةِ المعلقةِ على شجرةِ السنديان المتفرعةِ غصونها تعانقُ سماءَ حديقة بيت أهلي..
طالت أصابعُ الريح الأرجوحةَ فحركتها.. بدت تعلو وتهبط بحركةٍ منتظمة وكأن شخصاً ما قد تركَ الدنيا كلها وانشغلَ بأرجوحته في هذا المساء..
خُيل لي في تلك اللحظة أنّ هذا الشخص هو أناي الأخرى.. فقد كنت كلما ضاقت بي الدنيا ألجأ بخيالي إلى بيتِ أهلي، وبالتحديد إلى تلك الحبال المربوطة بالشجرة.. حتى كدتُ في الفترة الأخيرة أقتنعُ أنّ نفسي قد انشطرت، وأنّ جزءاً منّي قد تركني وباتَ يقضي جُلّ وقته يتأرجح على تلك الحبالِ المعقودةِ كالظفيرة..
انطلقَ معاذ بالسيارة مسرعاً يجوبُ الطرقات، بينما كانت ذاكرتي تجوبُ طرقات حياتي.. تذكرتُ يومَ انتقالي من بيتِ أهلي إلى بيتِ زوجي بعد سنين من محاولاته لاستمالتي، كنتُ أعتقد أنه يعشقني حدّ الجنون.. تحت إصراره وافقتُ على الزواجِ منه قبل خمسِ سنين، واكتشفت لاحقاً أنني ما كنت سوى نجاحٍ آخر يضيفه إلى نجاحاته.
نعم، نجحَ في جعلي أحملُ اسمه.. أنا.. ابنةُ الجيران، باسم عائلتي المتواضعةِ أمام ضخامةِ اسم عائلته.. أنا نرجس ذات الجمال الذي يبعدُ كل البعدِ عن التواضع، بعينيّ العسليتين القادرتين على إخضاع من أشاء من الرجال.. لكن الأمرَ لم يستهوني يوماً.. فأنا ما كنتُ في قرارةِ نفسي سوى فتاة بسيطة، لم يقطف قلبي سوى ذاك الشاب بعينيه البُنّيتين.
خالف القدرُ إرادتي، ولم يكن هو من نصيبي.. فأصبحَ الرجالُ من بعده سواسيةً، لا فرق بينهم عندي.. صاروا مجرد أسماء.. فانتقيتُ اسماً من بين الأسماء التي أمامي.. كان اسم معاذ.. نصيبي!
لا تلوموني لأنني تزوجت بهذه الطريقة.. معظم الفتيات في بلاد الشرق هذه يفعلن مثلما فعلت.. بل لقد كنت محظوظةً بينهنّ لأن الله أهداني في ما مضى حبّاً صافياً عذباً أرتوي من بحارِ ذكرياته كلما شعرتُ بالظمأ..
بلاد الشرق صحراويةُ الطباع، يخيفها المطرُ، ولا تتردد بشنق الغيمةِ قبل أن تنجب، خوفاً من البلل...
أنا محظوظةٌ لأنني غنيةٌ بذكرياتي قبل الزواج... هي كنزي العظيم الذي أخبئهُ في قلبي بحرصٍ وعنايةٍ وأخفيه عن عيونِ البشر...
أتفقدُ هذه الذكريات بين الحين والآخر... أتحسسها برفقٍ... أتنهدُ برضى وسعادة... وأستمد منها صبراً للأيام القادمة...
توقفت السيارةُ.. توقفت ذكرياتي، ودخلنا أحدَ الفنادقِ ذاتِ النجوم الستة، وجلسنا على طاولةٍ تتسع لأكثرَ من اثنين.. كان ثالثنا صمتنا.
لم يكن صمتنا ضيفاً غريباً، بل كان يشاركنا أغلبَ أوقاتنا... فلم يزعجني هذا السكونُ الذي لم يقطعهُ سوى حديثنا إلى النادلِ وطلبنا بعضَ الأطباقِ غريبةِ الاسم، التي لم أستسغ يوماً لا شكلها ولا طعمها، خاصة عند مقارنتها بالأطباقِ الشهيةِ التي كانت أمي تُعدُّها باتقانٍ متوارثٍ عن الجدة وجدة الجدة....
قال بعد أنْ طالت فترة الصمت واقتربنا من إنهاءِ طعامِنا: «أعلمُ أنك لن تحبّي ما أريدُ قوله.. ولكنني مضطر إلى نقلِ بعض الأعمال إلى روما.. هناك بعضُ الصفقات التي تستدعي وجودي شخصياً.. ولا أستطيع تمضيةَ وقتي في الطائرات».
«أمامك خياران.. إما أن تأتي معي.. لفترةٍ لا أعرف مدتها.. قد تطولُ سنةً أو أكثر، أو تستطيعين البقاءَ هنا في عمّان.. لن يتغيَّر عليك شيء.. وسآتيك كلما أستطعت».
ارتشفتُ بعض العصير من كأسِ صدمتي..
إذن، هذا هو سرُّ سعادته هذا المساء! لا بد أنّ صفقةً أخرى كانت في طريقها إليه!
ثارت أفكاري.. وقلت وأنا لا أعلمُ كيف تستطيع أفكاري تغليفَ نفسها بهذا القدرِ من الهدوء:
«سأبقى هنا.. أنت تعلمُ أنني لا أقوى على الغربة».
رد على جملتي والغضب يكاد يعصف به: «كم أنت ساذجة أيتها المرأة! لا أفهم ما يبقيك في عمّان!».
لم أحاول شرحَ مسببات قراري، فهو لن يقتنعَ بها حتى وإن حاولت..
كنتُ أرضخ لأوامرهِ في معظم الأحيان، فلم يتوقع مني اختياراً غير مرافقته..
هو لم يكن يخيّرني.. لقد كان يأمرني..
كانت نظراتُ الاستغرابِ متجليةً على وجههِ الصخري... الاستغرابُ يصبح قبيحاً عندما يمتزجُ بالغضبِ، أما أنا... فصمتي غرقَ في المزيد من الصمت... والمزيد من الإصرار....
ركبنا السيارة صامتين، نفتعلُ الهدوء..
شعري يتوِّج رأسي مرتفعاً كأنني الملكة.. وبضع خصلات قد وقعت على جبيني متمردة على عرشها، كأنها تفضح زيف هذا العرش المصنوع من عجين، جسدي يرتجف تحت الثوب الوردي المغطى بشال خفيف، فلم أكن أتوقع برد هذا المساء الذي امتزج بخوفي، فازداد ارتجافي...
لم خفت؟ لا أعلم! ولكنني شعرتُ أن زوجي لن يتردد في فرضِ رأيه عليّ. كنت أعرفُ أنني عاجزةّ عن مواجهته!
طوال الطريق لم أكفّ عن التهام الشوارع التهاماً، كأنني قد اغتربت حقاً عن هذه المدينة بمجرد طرح فكرةِ الاغتراب..
كم أحبّ عمّان!
كم أحبّ هذه المدينة العتيقة!
أحبّ أرصفتها الضيقةَ التي لا تكاد تتسعُ لمرور الشخص.. الحفرَ والمطبات المنتشرة في شوارعها كأنها تجاعيدُ عجوزٍ أتعبتها قصصُ الناسِ الذين مشوا فوقها.. نثروا دموعهم عليها.. ورحلوا..
عمّان.. هذه المدينةُ المنتظمة بعشوائيتها.. الجميلة بتلقائيتها..
عمّان.. هذه الطفلةُ التي تستيقظُ وهي تلعبُ (الحجلة) كل صباح..
عمّان.. هذه الصبيةُ التي تفردُ شعرها الأحمرَ القاني كل مساء وتبعثرهُ مع خيوطِ شمسِ المغيب..
عمّان.. هذه الأمُ التي توزع قلبها على أبنائها كل مساءٍ بالتساوي..
عمّان.. هذه العجوزُ المفعمةُ بالحياةِ والأملِ.. كأنما لا يزيدها الشيب في رأسها إلا شباباً..
كيف أفارقها؟.. هذه المدينة.. هذه الجميلة؟ كنت غير قادرة على تحمل الغربة، ولكنني في الوقت نفسه كنت متخوفة من تركِ زوجي يسافرُ وحده!
إذا كانت بيننا هذه المسافات كلها ونحن نتشاركُ السقف نفسَه، فما الذي سيحدث لنا إذا فرقت بيننا البلاد؟
لكن تعلقي بمدينتي تغلبَ على أسئلتي كلها.. فأنا ما كنت قادرةً على العيشِ خارجها، هي الشيء الوحيدُ المألوفُ في حياتي... وهذه الألفة تمنحني شعوراً بالأمان والانتماء الحميم، أنا بلا عمّان، كالطائر بلا سماء، لا أستطيع الطيران.
كم من المرات دعتني الغربة ورفضت دعوتها بإصرار.
هذا المرة صممت على موقفي أيضاً، وأغلقتُ البابَ في وجه الغربة وفي وجه أي حوار..
***
كانت الساعةُ قد شارفت على الثانية بعد منتصف الليل، الصمت.. ما زال ثالثنا، لم يجد زوجي وسيلة مؤثرة إلا وحاول استخدامها لإقناعي، هو الذي لم يبذل يوماً أي عناء ليشرحِ لي تصرفاته!
عندما لم يستطع إثنائي عن رأيي فرضَ نفسه على أنوثتي في محاولة فاشلة لإثبات رجولته.
تناولني.. جسداً بارداً.. كما يتناولُ طبق مقبلات، أدارَ ظهره ونام..
تركني.. مبعثرة الشعر.. متكسرة الدمعات.. أحاول لملمة شيءٍ من النوم.. لعل النومَ يعيد لي أنوثتي وكرامتي.. لعل النوم يعيدني ملكةً متوجةً.. ولو في الأحلام..
***
بعد أيام.. كان قد استكملَ إجراءات انتقاله إلى روما ورحل، رحل هكذا.. ببساطة.. بل دون وداع أيضاً، خرجَ من المنزل صباحاً كما يخرج إلى عمله.. دون أن يبذل جهداً لإيقاظي أو توديعي ولو بكلمة، وبقيت وحدي.. مع الخادمة المسنة.. وقطتي البيضاء.
لست وحيدة تماماً... فهناك الكثيرُ من الجدران بقيت معي في المنزل.. صماء.. خاليةً من الحياة، ومن اللون.. ولكنها على الأقل واقفة.. مثلي هي واقفة، حتى الآن على الأقل.
خرجت ذلك المساء مشياً على الأقدام إلى الدكانِ القريب لشراءِ بعض الزيتون واللبنة الجرشية، عند مروري أمامَ حديقةِ جارتي فادية، لاحظتُ خيال فتحي يجلس في الظلام، وتهادت إلى سمعي بضعُ كلمات من حواره مع زوجته..
سمعته يقول: «تركها وسافر.. أظن أنه (طفش) منها.. هي امرأةّ غريبة الأطوار، لا تستبعدي أن تكونَ مجنونة!».
صمت الحوار بينهما عندما قفزت وردة أمامي قرب باب الحديقة وهي تقول: «مسا الخير خالتو».
أجبتها بحبّ، وطبعتُ قبلة على خدها الورديّ النضر المفعم بالطفولة، وأخرجتُ لها من حقيبتي بعض السكاكر، فانطلقت عائدةً إلى الحديقة وهي تكاد تطيرُ من الفرح.
لم أكن أحتفظ بالسكاكر في حقيبتي إلا من أجل وردة.. فقد كانت الفرحةُ التي تلمع في عينيها كلما التقيت بها تعني لي الكثير.
كنت أحبّ وردة، بل وأشفقُ عليها من حزمِ أبيها ومن سذاجةِ أمها التي تقضي جلَّ وقتها على الشباك.
احتفيتُ ذلك المساء بوحدتي..
ولم لا؟! قد تكون الوحدة سبباً جيداً للاحتفال!
شاركني «عمر الشريف» ليلتي بفيلم من الزمن الماضي الجميل.. ذلك الزمن الذي تتلون فيه الأفلام بدرجات الأبيض والرمادي والأسود، استيقظتُ في الصباحِ التالي مع قرار استعادةِ عملي القديم الذي أحبّه..
كان قراراً من النوع الجريء.. لأن معاذ طلبَ مني تركَ عملي على خلفيةِ موقفٍ محرجٍ مع أحد العملاء، حيث تجاوزَ إعجابه بي الحدودَ المهنية..
كان طلبُ معاذ أمراً أكثر من كونه طلباً، إذ إنّ من عادته إلباس الأوامرِ لباس الطلبات.
ولم تشفع لي براعتي في وظيفتي كمحامية، فتركت العملَ تحت ضغط زوجي وافتعالهِ الدائمِ للمشكلات..
لم أكن امرأةً منصاعة خنوعة قبل زواجي.. ولكنني مع معاذ بدأتُ أفقد شغفي بالأشياء رغماً عني.. فوجدت نفسي ألبّي طلباته المتزايدةَ يوماً بعدَ يوم.
لا يبدو معاذ رجلاً سيئاً في نظر من حولي، بل إن كثيرات من صديقاتي يحسدنني عليه!
فهو يملك قدراً جيداً من الوسامة، كما أنه يتمتع بقدر عال جداً من العزّ والجاه..
لكن خطيئته الكبرى والتي يعجز الناس عن إدراكها كانت تكمن في قدرته السحرية على إحباط عزيمتي، هذا الرجل قادرٌ على إفقاد كل ما أحبّه النبض، فباتت الأشياءُ من حولي ميتةً... باهتةً... شاحبةً.
هكذا تركتُ عملي في مكتبِ المحاماة أكثر من مرة خلال هذه السنوات لأسباب سخيفة، لا تعدو أكثر من أن تكون أحداثاً يومية.. ولكنه كان يحولها بدراميته إلى كوارث ليقنعني بصوابِ رأيه.. ما أفقدني القدرة على مجابهته أكثرَ من مرة وجعلني أترك عملي بشكل متكرر.
والآن.. سأنتهزُ فرصةَ غيابه لأستعيد عملي، سأنتهز فرصةَ تسكّعه على أرصفة روما..
أتعتقدون أنني أبالغ عندما أقول إنه يتسكع؟ لا أبالغُ البتة! التسكع واحد، سواء أكان على الأرصفة أم في الفنادق... وارتداؤه ملابس تبلغ قيمتها أكثر من ألف دولار لا يجعلهُ أفضلَ من غيره من المتسكعين!
***
كان أبو زيد، صاحب مكتب المحاماة الذي يقع في «الشميساني»، صديقاً قديماً لأبي، وكنت ألمس في تعامله معي شيئاً من حنان أبي الذي رحل،لم يسبق أن أقفلَ هذا الرجل الطيب الباب في وجهي، على الرغم من تركي المتكرر للعمل في مكتبه..
كانت ابنته يارا صديقتي في المدرسة، وفُجعنا جميعنا بفقدها في حادث سيارة عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها.. أذكر ذلك اليوم الرمادي الكئيب كأنه البارحة، فالحزن يتجمد أحياناً داخلَ إطار الزمن، يربض فوق صدورنا ولا يتزحزح عنا، لا يفارقنا، أو ربما كنا نحن من نأبى مفارقته..
قد يكون الانسانُ وفياً للحزن أكثر مما يتوقع!
بكت أمها كثيراً.. بكى أبوها أكثر.. ولم يفهم زيد الذي كان في الثامنة من عمره ما حصل لأخته، فكان يبكي معنا ويسألنا من بين دموعه: «ما الذي حدث؟ أين يارا؟».
شاركَ أهلي أهلَ يارا في حدادهم، أذكر أن أمي لم تخلع السواد حتى خلعته أم يارا قبلها، مرت السنوات.. وأبدلنا ملابسنا السوداء.. ولكن هيهات أن ننسى يارا أو ألا نبكيها.
عندما نلت شهادتي الجامعية طرقت باب عمي أبو زيد وابتدأ عملي ونجاحي..
كنت أتخيلُ أحياناً أن يارا قد أنهت دراستها معي، وأنها تشاركني مكتبي. وحين أتأمل صورتها التي تحتل مكاناً بارزاً في مكتب أبيها كنت أتخيل ضحكتها تصدح بقوة، كم كبرنا وكم تغيرنا، وأنت يا يارا ما زلت على حالك، بشعركِ المجعدِ الطويلِ المتمردِ وعيونك المشاغبة النابضة بالحياة.. وخمس عشرة سنة تشرق من جبينك كشمسِ الصباح.
أنت ما زلت تبتسمين في الصورة.. فارقت هذه الدنيا قبل أن تعرفي شيئاً غير الابتسام.. بقيت طفلة.. لم تدس قدماك سوى عتبة المراهقة البريئة.. ولم يبقَ في ذاكرتك سوى ألعاب الطفولة، وبعض خربشات عن قصص حبّك الأول على المقاعد المدرسية.
شعرتُ وقتها أنك قليلة الحظ لأنك فارقت هذه الدنيا قبل الآوان... ولكنني الآن، وبعد هذه السنين كلها، أدركت أنك محظوظة، محظوظةٌ أنت يا حبيبتي لأن الحياةَ لم تلوثكِ... تركتكِ ترحلين بسلام... كالملائكة عندما تفارق الأرض لتقيم في مكان أكثر نقاء...
كنتُ كلما رغبتُ في العودة إلى ذلك الزمن أتجه بأنظاري إلى صورتك المنصوبة على المكتب لأستعير من وجهك ابتسامةً نقيةً كنقاءِ روحك، بل إنني أحياناً لم أكن بحاجةٍ إلى النظرِ إلى المكتب، يكفي أن أغمضَ عينيّ لأتذكر خطوطَ الابتسامة الملائكية، ومقابل كل ابتسامة، أذرف عليك دمعة، كم أشتاقُ إليك يا صديقتي!
إن كان خيالي لا يرحمني من ذكراك، فأنا لا أستطيع استيعابَ ألم أبيك!
أبو زيد بقامته الطويلة يتعالى عن إبداء الحزن.. يكللُ الشيب رأسه كالثلج على قمة الجبل.. يخفي دموعه على فراق ابنته.. يخفي حزنه على فراق زوجته التي توفيت منذ أقل من سنة.. يخفي حسرته على فراق ابنه زيد الذي ذهب إلى بلاد الغربة ونسي رائحة الأهل والوطن.
لم يتبقَّ لهذا الرجل عالي الهامة والشموخ سوى عمله يواسيه خلال النهار.. وبعض الأصدقاء يواسيه بعد العمل في لعبة الورق أو لعبة طاولة الزهر، وارتشافِ الشاي الأسود الثقيل.. وعندما يعودُ إلى فراغِ منزله فأنا متأكدة أنْ لا شيء يواسيه.. سوى بعض الصورِ والذكريات.
عندما توفي أبي، ارتبطتُ أكثر بعمي أبو زيد، فهو مرآة أبي.. تشاركا طفولتهما في أحضان القرية الجبلية نفسها في عجلون.. كم أشعر بالسعادة عندما ترنّ لهجة أبو زيد في أذني مذكرة إياي بلهجة أبي.. وكم أفرح عندما أسمعه يردد كلمات أبي نفسها.
أما أمي فقد لحقت بأبي بعد أشهرٍ قليلةٍ من رحيله، كان الزوجُ في عرفها هو الحياة، ولم تكن لها حياةٌ بعد رحيلِ أبي، كانا مربوطين بشريان واحد.. لا يمكن لأحدهما أن يستمرَ بالحياة دون الآخر.. لذا لم يفاجئني موتها بهذه السرعة بعد فراقها لأبي، بل ربما كنت تفاجأتُ لو أنها استمرت في هذه الحياة!
لم يكن لي إخوة أو أخوات، بكيت أبي.. وبكيت أمي.. وبقيت وحدي.. لا أحد لي سوى عمي أبو زيد.. ومعاذ.. وعملي!
الآن وقد ذهبَ معاذ فلا بدّ أنْ أستعيد عملي، كنت أعرفُ أني ما إن أطرق باب المكتب حتى أستعيد وظيفتي، لا لمحاباةِ أبو زيد لي.. ولا لصداقته القديمة مع أبي، ولكنني كنتُ فعلاً أجيد عملي..
كنت محاميةً أنجح في كسبِ القضايا كلها، إلا قضيتي..
كنت أتحدى القضايا كلها، ولكنني لم أجرؤ يوماً على مواجهة نفسي..
لا أعلم لم تنتابني الشجاعة عند الدفاعِ عن الناس، ويتلبسني الجبن فجأة إن حاولتُ الدفاعَ عن نفسي!
ما قضيتي؟ قضيتي أختصرها بجملة واحدة، إنها فقدان الدهشة في حياتي..
سمعت مرة مثلاً ألمانيا يقول إن السمكَ الميتَ وحدهُ هو الذي يسبحُ مع التيار! وأنا لا قضية لي سوى مسايرتي للتيار الذي يجرفني إلى حيث لا أعلم.. فأنا لا أختلفُ عن السمكة الميتة في شيء! أما الدهشة... فقد نسيتها منذ زمن بعيد..
لا تستهينوا بأهميةِ الدهشة!
نحتاج جميعنا إلى الاندهاشِ بين الحين والآخر كما نحتاج إلى الخبزِ والماءِ، فالدهشة في عيني الطفل عندما يرى الثلج لأولِ مرة هي التي تدفعه إلى اكتشافِ شعور البرد.. توقظُ فيه القشعريرة... وتشعلُ تلك المعركة الأزلية بين الدفء والبرد.. بين الخير والشر.
والدهشة في عينيه عندما يلمس التراب لأول مرة هي التي تدفعه إلى اكتشافِ شعور الجاذبية الأرضية..
هي التي تربطه بترابِ وطنه وتعلمه الوطنية..
رائحةُ الترابِ تتغلغلُ إلى مسامات جلده لتمنحه، هو المخلوق الترابي الصلصالي، بصمة وطن... وتمنحه لقب مواطن..
لولا دهشة اكتشاف التراب ربما لم نكن لنكتشف الوطن!
كم أحتاجُ إلى الدهشة التي تحفزني على اكتشافِ الجديد في حياتي، فما عاد شيء قادراً على إثارة دهشتي.. وهذا أكثر ما يؤلمني..
أعتقد أحياناً أن تذكري لذلك الحبيب البعيد ما هو الا جرعةٌ من الدهشة أواسي بها نفسي.
كان ينجحُ دائماً في اشعالِ النارِ في حطبِ حياتي الجافة.. كان دوماً يفاجئني، يثير في داخلي مشاعر لم أكن أعلم بوجودها، يلمس بأصابعه شرياناً جديداً في جسدي، فتتدفق الحياة في عروقي المتخشبة..
هو وحده مَن يضيء الجنبات المعتمة في أضلعي، كأنما احتكر النور بين أصابعه، فكان حبّي له أعظم وأجمل اكتشاف وقع عليه قلبي.
أذيب هذا القلب المليء بحبّه في فنجاني كل صباح.. أرتشف قلبي.. وأبلع ذكرياتي.. فأفرح كالطفلة التي تلمس الثلج والتراب لأول مرة..
أفرح لأن التراب جاءني على شكل رجل... أو ربما لأن رجلاً جاءني على شكل ثلج ونار!
أفرح لأنني عدت أخيراً إلى الوطن.. مع أنني أعلم أن مكاني في الغربة بعيداً عنه... وأنني لن أفرح سوى للحظات زهيدة ثمينة أقتات على بقاياها لسنين قاحلة تنتظرني..
من هو ذلك البعيد؟ هو رجل لا اسم له ولا عنوان، هو رجل عبر حياتي قبل سنين.. ورحل..
دامت قصتنا سنتين بالضبط، ولكنني فيهما اختصرت سنين حياتي كلها، كأن يد القدر اعتصرت العمر وسكبته في تلك الأيام القليلة..
لماذا رحل؟! أنا لا أدري!
كل ما أعلمه أنه بقي ندبة في قلبي.. وشماً في أضلعي.. يرفض الزوال..
كل ما أعلمه أن عينيه البُنّيتين سكنتا فيّ.. أدهشتاني.. أذابتاني كما تذوب قطعة السكر في فنجان من الشاي الساخن.
قبل سبع سنين، عندما اقتحمت عيناه البُنّيتان حياتي لم أكن ناضجة بما يكفي لأعلم أن القلوبَ هديةٌ لا تردّ ولا تستبدل....
لمسنا السماء معاً.. غفونا على الغيوم..
لملمنا نجوم الليل.. خبأناها في جيوبنا.. ونثرناها في السموات السبع..
ثم بدأ هو في الانسحابِ من حياتي تدريجياً، آخذاً معه أشعة الشمس.. وبدأ قلبي ينطفئ رويداً رويداً..
همدت حياتي كنجمة احترقت ولم تخلف وراءها سوى ثقبٍ في الفراغ..
عندما أيقنت أنه راحلٌ لا محالة، لسببٍ لا أعلمه، لسببٍ لا أريد أن أعلمه، قررت أن أحاولَ استئناف حياتي.. وتزوجت معاذ.
كم كنت غبيةً عندما هربت من الرمضاءِ إلى النار...
كم كنت ساذجةً حين اعتقدت أن مجرد وجود رجل آخر في حياتي سينسيني خيبتي الكبرى..
كنت أسمعُ أحاديث النساء التي تقول إنّ الحبّ يأتي بعد الزواج، ومع العشرة، وإن العلاقة الزوجية بها من الحميمية ما يكفي لمداواة قلبي الجريح.
بعد زواجي ادركتُ في أي مشكلة أوقعت نفسي.
فأنا كنت أغيظ حبيبي غير الموجود بزوجي الموجود.. وأغيظ زوجي الشرعي بحبيبي المزعوم..
فلا أنا أغظت حبيبي ولا جرحت زوجي، لم أكن أغيظُ في الحقيقة سوى نفسي..
أتخذت الزواج، هذا الرباط الأبديّ المقدس، وسيلةً للهروب من وجع لحظة مؤقتة..
الآن أدركت كم كنت مخطئة....
دهشة
استعدتُ عملي بدوام ثابت، بقضايا مدهشة، بمزاجٍ متقلب، بسعادةٍ غامرة، وبكثيرٍ من إستعادة الثقة.
زوجي لم يزرني سوى مرة واحدة بعد رحيله بسبعة شهور.. ولم يثر اهتمامه هذه المرة استعادتي عملي.. يبدو أنه كان مشغولاً جداً ليفكر بي أو بما أفعله..
أقام أياماً نثر خلالها الدموع على صفحة حياتي.. كعادته..
قتل بضع فراشات كانت تحوّم حول روحي.. كدأبه.. ورحل..
وعدت أنا إلى المكتبِ وإلى قاعاتِ المحاكم، محاولةً إنقاذ ما تبقى من دهشتي.. ومن شمسي..
إلى أن كان يوم،
كنت خارجة من وزارة العدل، أسرّع الخُطَا لملاقاة صديقتي سماء، حيث اتفقنا أن نخرج معاً للتسوق استعداداً لعرسها..
لا أدري لم شعرتُ بروحي ترتجف فجأة كعصفور مبلل.. كغيمة اخترقها البرق فجأة... كفراشة تقترب من جمرة الرماد الأخيرة..
انتفض كياني كلّه قبل أن أراه..
يا لعينيه المغرورتين! إنهما تأبيان الإطلالَ على شرفة حياتي قبل أن ينفرش لهما البساط الأحمر!
كانت ارتعاشة قلبي غير المبررة إيذاناً بقدومه..
كنت أعلم أنّ عينيه ستطلان عليّ.. كنت أحفظ مقدمات ظهورهما عن ظهرِ قلب.
كان يمشي بخُطا بطيئة.. كأنما يمهّدُ لامتصاص صدمتي.. كأنه يشفقُ عليّ من الاغماء إن رأيتهُ فجأة بعد هذا الوقت كله..
أتراه رآني قبل أن أراه، أم وحّدتنا لحظةُ اللقاء؟ لا أعلم!
ستُّ سنينٍ تقريباً كانت مدة اغترابي عن عينيه.. عينيه اللتين ظلّتا وطني طوال هذه المدة، بعد هذه الغربة كلها.. ها أنا ألقاه! لم يتغير فيه شيء، ما زال على حاله، وسيماً، طويلاً، آسراً، ساحراً.
بضع خصلاتٍ من شعره أصابها البياض، كم أحببت هذا البياض المختلط بشموخِ الليلِ في شعره.. كأنما يؤذن بفجر جديد، بنهار وليد، بأمل مشرق.
تصافحنا بلهفة ممزوجة بالرهبة.. إن للشوق رهبة لا تضاهيها رهبة أخرى في العالم، فهو عند المفاجآت المباغتة تتعثر خطواته، كطفل يتعلم المشي بين ذراعي الحياة..
جزء مني يريد الارتماء بين ذراعيه.. جزء مني يريد تقبيل عينيه.. وشفتيه..
جزء مني ينسى أنه تركني ورحل.. دون مقدمات.. دون أسباب.
أما الجزء الآخر فهو يدعي الوقار والاتزان واللامبالاة..
فرضت عليّ ضرورات النفاقِ الاجتماعي إدعاء اللامبالاة.
كان يعلمُ أنني تزوجت، ولم أكن أعلم عنه سوى أنه سافرَ لبلادِ النفط، بحثاً عن حياةٍ أفضل..
هل وجدها يا ترى، تلك الحياة الأفضل؟ أتراه تزوج؟ أله أطفال؟ انتفضَ قلبي على وقع كلمة (أطفال)..
أخفيت أسئلتي الكثيرة.. أخفيت ارتعاشات قلبي.. وتبادلنا بضع عبارات رسمية اعتيادية..
تساءلت بيني وبين نفسي عن قلبه في هذه اللحظات.... أتراه دقّ؟ أتراه انتفض؟
كنت ناجحةً في إبداء وقاري.. أو هكذا خيل لي.. إلى أن قال: «خذي رقم هاتفي.. كي نبقى على اتصال.. كي أستطيع الاطمئنان عليك بين الفينة والأخرى».
على وقع هذه الجملة تلاشى كلياً عن ملامحي قناع الجدية والوقار..
يا الله! يريد الاتصال بي؟ يريد الاطمئنان علي؟ حفظتُ الرقمَ في ذاكرة هاتفي بأصابع مرتعشة..
هو لا يعلم أنه زلزلَ كياني كله بهذه الجملة.. أو ربما يعلم؟
افترقنا..