تقديمُ المترجم
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طِيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 14/24]
صدق الله العظيم
الحمدُ لله الذي فجَّر ينابيعَ الحكمةِ من قلوب الصّادقين فجرَت، وفتحَ لها أسماعَ المحبِّين والرَّاغبين فسَرَتْ، ونوَّر بها بصائرَ المتوجِّهين والطَّالبين فأبصرت.
أحمدُه حمْدَ معترِفٍ بمِنَّته في حَمْدِه، وأشكرُه شكْرَ عارفٍ بإحسانه ورِفْدِهِ، وأستغفرُه من كلِّ ذنبٍ في هَزْلِ العَمَلِ وجِدِّه، وأستعينُه استعانةَ مَنْ عَلِم أنَّ كلَّ شيءٍ مِنْ عنده.
وأصلِّي على سيِّدِنا محمّد نبيِّه الكريم وعبْده، وعلى آله وأصحابه وذرِّيته وكافَّة أهل ودِّه؛ صلاةً أُؤدِّي بها ما وجبَ من تعظيم قَدْره ومَجْده؛ وأُسلِّم عليه وعليهم تسليمًا كثيرًا. والحمْدُ لله المنعِم بذلك كلّه، أمّا بعد:
فإنّ السَّعْي إلى إِنْماء غَرْسٍ أصيلٍ وجذّاب في حقْل الأدب والتعبير الجميل بالكلمة، من أكثر شواغل الفقير، كاتبِ هذا التقديم ومترجم الرّباعيات التي بين أيدينا، في السّنوات الأخيرة. إذْ كان الهاجسُ ضاغطًا باتجاه تعبير أدبي جميل يمتح مِنْ معين النفوسِ التي أشرقت بنور ربّها واهتدت بهُداه وعرفت أنّ العبوديّة الحقّة ليست إلا تذكّرًا دائمًا للمبدِعِ العظيم، نورِ السّماوات والأرض، وليّ الذين آمنوا ومُخرجهم من الظلمات إلى النّور. والنفوسُ التي هذا شأنُها تُبدع دائمًا من وَحْي المعرفة الرُّوحية التي تأنس فيها النفسُ بالحقيقة المطلقة، وتركنُ إلى ضيائها وإشراقها، وتسير في هُداها، فلا يأتي منها إلاّ المفيد النافعُ الآخِذُ بيد الإنسان نحو ملكوت ينتصر فيه الرّوحُ على الطّين، ويتحرّر فيه الإنسانُ من قيود الضعف والهوان وكلّ عوامل الإخلاد إلى الأرض.
والمرجعُ في جزءٍ من هذا الهاجس الضّاغط إلى حِسّ المسؤولية الذي ينتابُ الإنسانَ حين يشعر بأنّه مسؤولٌ أمامَ مَنْ لا تخفى عليه خافية عن كلّ ما يصنعُ ويدَع. وليس هذا فحسبُ، بل يغدو الهاجسُ أكثر تأثيرًا حين يضع المرءُ في باله أنّ ما يقدّمُه من آثار هو محَلُّ تأمّل كثيرين، يقرؤون ما كتَب، ويستظهرون ما أثبتَ وتبنّى من فِكَر، وقد يبنون بعضًا من قواعد سلوكهم وفاقًا لهذا الذي قرؤوه واستظهروه؛ فإذا المسؤولية مضاعفةٌ والحسابُ عسير.
ومن هذه الوجهة كان ثمّة تركيز على ضرْب من أدَب الكلمة يزيد أدَبَ النفس ويضاعفُ أُنْسَ الإنسان بالحقيقة، وينمّي قربه من مولاه الذي تولاّه ويتولاّه في مراحل كينونته جميعًا. أليس الإنسانُ من العالَمين، والله سبحانه ربُّ العالمين، ثمّ أليس الإنسان من النّاس، والله سبحانه ربُّ النّاس؟! ثمّ ألا يعني هذا أنّ المربوبَ مطالبٌ دائمًا برعاية مُراد ربّه، حتّى قال الشّبليّ في حدّ التصوف: «هو ضبْطُ حواسِّك ومراعاةُ أنفاسِك».
فالأدبُ المرادُ وفقًا لهذا التوجّه هو نتاجُ عبقرياتِ مَنْ ضبطوا حواسَّهم وراعوا أنفاسَهم، فلَمْ يكونوا إلاّ لله. وحين نضع هذا في الحساب، لانجد في أنفسنا حرَجًا مِنَ الدّعوة إلى مائدة هذا الأدَب، والنّداء له؛ لأنّه في النهاية نداءٌ للإيمان؛ فهل يجوز أن يحتشم ويخجل مَنْ ينادي للإيمان عبْرَ الكلمة المستضيئة بنور الله المستهدية بهداه؟!.
وليس في مقدور أحدٍ إنكارُ أنّ مسيرة البشرية تشهد دائمًا تغيّرًا في قبول الحقّ والازورار عنه، ويتولّى المبدِعون في مجال الكلمة الجميلة جزءًا كبيرًا من انصراف الأجيال عن الحيّ القيوم، من لا تأخذه سِنة ولانوم، ومَنْ له ما في السّماوات والأرض. وحالُ الأديب الصّادّ عن دين الله كحال مَنْ وُضِع بين يديه أدواتُ البناء والتمكين فأخذ يهدم ويخلخل. وهي حالٌ غريبة حقًّا، غريبٌ ما فيها. ولعلّ العلاّمة محمد إقبال، شاعر الباكستان وشاعر الإسلام الكبير، عنى ذلك حين قال في «الشكوى»:
ما بالُ أغصانِ الصّنوبرِ قدْ نأتْ
عنها قماريها بكلّ مكانِ
وتعرّتِ الأشجارُ مِنْ حُلَلِ الرّبى
وطيورُها فرّتْ إلى الوديانِ
ياربّ، إلاَّ بُلبلاً لم ينتظرْ
وَحْيَ الرّبيعِ ولا صَبا نيسانِ
ألحانهُ بحرٌ جرى متلاطمًا
فكأنّه الحاكي عن الطّوفانِ
يا ليتَ قومي يعلمون شكايةً
هي في ضميري صَرْخةُ الوجدانِ
إنّ الجواهِرَ حيّرتْ مرآةَ هـ
ـذا القلْبِ، فهو على شفَا البركانِ
أسمعهمُو ياربّ ما ألهمتني
وأعِدْ إليهم يقظةَ الإيمانِ
أنا أعجميُّ الدّنِّ لكنْ خمرتي
صُنعُ الحجاز وكرمِها الفَيْنانِ
إن كان لي نغَمُ الهنودِ ولحنُهم
لكنّ هذا الصّوتَ مِنْ عدنانِ
إنّنا على يقين تام أنّ بين ما يُنسب إلى الأدَب ضربًا في مقدوره أن يبهج الإنسان ويحرّره من نوازع الإخلادِ إلى الأرض والرّضا بيسيرٍ من فُتات مائدة هذه الدّنيا. والمتوافرُ منه في تاريخ الثقافة الإنسانية ليس بالقليل، لكنّ احتراف الشرّ والدعوة إليه وتجميل صورته البغيضة ممّا شاع ووجَد أنصارًا ودُعاةً ورُعاةً منذ أن فقدت الأمّةُ زمام المبادرة والإقدام وصارت تَبَعًا مقلّدًا، تنطبق عليه أحكام القطيع المعروفة.
إنّ الأمّة لتبخع نفسها بخنجرها حين يتهيّأ من بنيها المتميّزين مَن لا يرقُبون فيها إلاَّ ولا ذمةً، فتراهم يُمطرون أجيالها بكلّ نشاز وماحِق لِقِيَم الحركة المبدِعة الخلاقة المضاعِفة لإنسانية الإنسان وأُنسه بقُربه من ربّه سبحانه. وإنّ ما ينبغي أن يُختار ويُقدَّم لناشئة الأمّة من أمثلة الكلمة الطبية هو ما أبدعه الإنسانُ في لحظات سموّه وإشراقه، وليس في لحظات إسفافه وانحطاطه واستبداد هواه به.
وفي ضياء من هذا الفهم هيّأ الله سبحانه أن نُمضي الكثير من الوقت ونبذل الكثير من الجهد في ترجمة آثار واحدٍ من خير مَنْ عرفتهم البَرِيّةُ المهتمةُ بالكلمة الطيّبة؛ وذلكم هو شاعر الصّوفيّة الأكبر مولانا جلال الدّين الرّوميّ، المتوفّى في مدينة قُونِيَة التركيّة سنة 672هـ. كما ترجمنا عددًا من المصنّفات التي تُلقي الضّوء على آثاره وإبداعاته العرفانيّة والأدبية لنفرٍ من كبار المستشرقين. وها نحن اليومَ نقدّم للقارئ الكريم أثرًا آخر من آثار الشاعر الكبير الشعرية ذات الأهمية الفائقة، وهو:
رُباعيّاتُ مولانا جلال الدّين الرّوميّ
ولأنّنا قد أطلنا في مقدّمات مترجماتنا السابقة[1] الحديثَ عن اسمه ولقبه وأسرته ونسَبه وحياته ورحلته وآثاره الشعريّة والنثرية، آثرْنا إغفالَ الحديث عنها في هذا التقديم تجنّبًا لتكرار لا نرى له ضرورةً. وسنقصر الحديث هنا على ثلاث قضايا رئيسة، نحسب أنه لا غنى عن وقوف القارئ عليها قبل الولوج إلى عالَم الرّباعيّات، وهذه القضايا هي:
1- الرّباعيّ في الشعر الفارسيّ.
2- رباعيّات مولانا جلال الدّين الرّوميّ.
3- ترجمتنا هذا الأثر.
1- الرّباعيّ في الشّعر الفارسيّ
الرّباعيّ أكثرُ ضروب الشعر الفارسي أصالةً، وأكثرُ تجليّات الرّوح الإيراني والثقافة الإيرانية إشراقًا، وينطوي على الفِكَر الإيرانية الصّرفة ببيان بسيط وجذّاب، بعيد عن كلّ ضروب التكلّف والتصنّع، وأوجُ ذلك الرّباعيّات المنسوبة إلى الخيّام.
والرُّباعيّ، لغةً، منسوبٌ إلى «رُباع» بمعنى أربعة؛ لأنّ كلّ شيء له أربعةُ أجزاء يسمّى «رُباعًا». وفي الاصطلاح: «الرباعيّ» شعرٌ ذو أربعة أجزاء أو مصاريع، ويسمّى في المصادر القديمة أحيانًا «دوبيتي» أي: بيتين.
ويقوم نظامُ القافية في الرّباعيّ على أساس تصريع البيت الأوّل واتّباع المصراع الأخير قافيةَ البيت الأوّل. واتّباعُ هذا النظام للقافية في المصراع الثالث أمرٌ اختياريّ. ويمكن القولُ مثلاً إنّه إذا كان رويّ القافية في المصراع الأوّل أَلِفًا فإنّه يكون في المصراع الثاني والرّابع ألفًا أيضًا. أمّا في المصراع الثالث فرويُّ القافية اختياريّ؛ أي يمكن أن يكون ألفًا أو باءً أو... أي إنّ نظام التقفية في الرّباعيّ يأخذ الصّورة الآتية:
1) ______ ألف 2)_________ ألف
3) ______ ألف/باء ... 4) __________ ألف
وحين يكون المصراعُ الثالث في الرّباعيّ موافقًا لبقيّة المصاريع في حرف الرّويّ يسمّى ذلك الرّباعيّ «مُصَرَّعًا»، أمّا حين يكون مخالفًا فيسمّى الرّباعيّ «خَصِيّا». وقد سُمّي الرّباعيّ بسبب شكله الظاهريّ ذي المصاريع الأربعة في بعض المصنّفات القديمة «جهار خانه»، أيْ: مربّع الشكل، أو «جهار دانه»، أي: أربعة أرباع. ويسمّى حينًا نظرًا إلى مضمونه «ترانه» بمعنى: لحن، نغمة، غناء، أنشودة. وفضلاً عن الشكل الخاصّ نسبيًّا يتمتع الرّباعيّ بوزن عروضي خاصّ. وقد لاحظ الأقدمون ذلك منذ القديم. وينسب شمسُ قيس الرّازيّ في كتاب (المعجم في معايير أشعار العجم) حكاية ظهور وزن الرّباعيّ، أو ترانه، إلى الشاعر الإيراني الرّودكيّ. إذ صادف الرّودكيّ في يوم من الأيام أثناء طوافه في مدينة غَزْنة طفلاً كان يستعمل في كلامه، وهو يلعب بالجوز، سَجْعًا متوازنًا ومتوازيًا، وفي أثناء اللّعب صدرت عنه جملة يقول فيها:
غلتان غلتان همى رود تا بن كَو
ومعناها:
تظلّ تمضي متدحرجةً متدحرجةً إلى الحفرة
وقد أعجب الرّودكيّ بقول الصّبيّ، وعلى أساس تتبع ذلك ومقارنته بالأوزان العروضيّة استخرج وزنَه من تفريعات وزن بحر الهزَج، وبمقتضى هذه الحكاية يمكن إدراكُ أنّ الرّباعيّ شعرٌ استُمدّ وزنُه العروضيّ من أغاني الناس وأناشيدهم. ويبحث جيلبرلازار الفرنسيّ عن نشأة وزن الرّباعيّ في الألحان الإيرانيّة. ولأنّ الرّباعيّ كان يغنّى بمصاحبة الآلات الموسيقية قد يذكّر بالتقاليد الشعرية الإيرانية في مرحلة ما قبل الإسلام. ولأنّ لِبَحْر الهزَج حضورًا واضحًا في الفهلويّات والأشعار العاميّة للنّاس، يمكن اعتدادُ هذا الرأي مقبولاً.
ويأتي وزنُ الرّباعي وفقًا لآخر التحقيقات العلميّة من وزنه الأصليّ، أي:
مفعولُ مفاعيلُ مفاعيلُ فَعْلُ
الذي يسمّى في الاصطلاح: «الهزَج المشخّص الأخرَب المكفوف المجبوب». ثمّ على أساس التغييرات التي تحصل في أركانه العروضية وبناء حروفه يتوسّع حتى يبلغ اثني عشر وزنًا.
ويذهب بعضُهم إلى أنّ الرّباعيّ ذو منشأ تركيّ، وأنّه وجد طريقَه من آسية الوسطى إلى إيران. لكنّ هذا الاحتمال لم يجد تأييدًا له في أيّ مصدر موثوق في الأدوار السابقة. ولم يُشَرْ إليه إلاّ في أشعار منوجهري الدّامغانيّ، شاعر القرن الخامس الهجريّ، على نحو مُبْهم. ويظهر أن هذا الاحتمال قد نشأ من أنّ نوعًا من الشعر شبيهًا بالرّباعيّ، يسمّى اصطلاحًا «هايكو»، كان له رواجٌ في الصّين وتركستان .
وفي الأدب الفارسي يأخذ الرّباعيّ من وجهة المحتوى ثلاثة أنواع، سنشير إلى اثنين منها هما:
1- الرّباعيّ العِشْقيّ، أو الرّباعيّات القديمة.
2- الرباعيّ الصّوفيّ، الذي تنتمي إليه رباعيّات مولانا جلال الدّين الروميّ، التي نقدّم لها الآن.
أمّا الرباعيّ العِشقيّ فقد وُجِد في أشعار شعراء الدّور الأوّل والثاني في أقاليم الشرق وخراسان وأذربيجان؛ مثل رودكي، وفرّخي ومنوجهري، ومعزّيّ و...
وأمّا الرباعيّ الصوفيّ فكانت نقطة البَدْء فيه رباعيّات فَضْل الله أبي سعيد بن أبي الخير (357-440هـ)، وقد بلغ أوجَه بفريد الدّين العطّار (ت 627هـ تقريبًا) ومولانا جلال الدّين الرّوميّ (ت 672هـ).
على أنّ أهميّة الرّباعيّات الصوفية تحتاج إلى التأمّل؛ ذلك لأنّ الصوفيّة لم يتعاملوا البتّة مع أي نوع أدبيّ رسميّ
وذي صلة بالبلاط (القصيدة)، وتعلّقوا بالرّباعيّ؛ لأنّ جمهورهم هو الناس العاديّون، وكان الصّوفيّةُ في أوّل الأمر ينظمون بهذه الطريقة ويُنشِدون رباعياتهم في المجالس.
ومن الصّوفيّة الآخرين الذين نظموا الرّباعيّ في الأدَب الفارسيّ: أبو العبّاس القصّاب الآمليّ في القرن الرّابع، وأبو الحسَن الخَرَقاني وخواجه عبد الله الأنصاري ومحمّد الغزّاليّ في القرن الخامس؛ وأحمد الغزّاليّ وعين القُضاة وأحمد جام وأبو الفضل الميبدي ورُوزبهان البَقْلي الشيرازيّ ومجد الدّين البغداديّ، في القرن السّادس؛ ونجم الدّين كُبْرى وأوحد الدّين الكرمانيّ ونجم الدّين الرّازيّ وسيف الدّين الباخرزي، في القرن السّابع.
وقد بَزَّ أبو سعيد بن أبي الخير الجميعَ في هذا الميدان؛ لأنّه بإنشاء الرّباعيّات العِرْفانية أدخل العِرفانَ في الشعر الفارسيّ حتى قبل السّنائي.
ويحدّد شمسُ قيس الرّازيّ في كتابه (المعجم في معايير أشعار العجم) الشروط الفنية التي يضعُها الأقدمون للرّباعيّ، فيقول:
«والرباعيّ بحُكم أنّ بناءه على بيتين لا أكثر، ينبغي أن يكون تركيبُ أجزائه صحيحًا، وقوافيه متمكّنةً، وألفاظُه عذبةً، ومعانيه لطيفة، وأن يخلو من الحشْو والتجنيسات المتكرّرة وصور التقديم والتأخير القبيحة. وإن يصحبْ ذلك شيء من الصناعات المستحسنة والزّينات البديعية المطبوعة، كالطّباق اللطيف والتشبيه المستقيم والاستعارة الحسنة والتقابل الموزون والإيهام الحلو، يأتي أحسن وأجمل..»[2].
2- رُباعيّات مولانا جلال الدين الرّوميّ
جاء مجموعُ رُباعيّات مولانا الرّوميّ في آخر ديوانه الكبير أو «كليّات ديوان شمس تبريزي». وتبلغ عِدّتُها في نشرة العَلاّمة المرحوم بديع الزمان فروزانفر ألفًا وتسْعَ مئةٍ وثلاثًا وثمانين رباعيّة. ورُباعيّاتُ مولانا من أوّلها إلى آخرها تتحدّث عن رِحْلة الإنسان إلى الحقّ سبحانه وما يتقدّم ذلك ويكتنفه ويعقبه. وطيفُ الموضوعات والفِكَر التي تعالجها هذه الرّباعيّاتُ واسِعٌ جدًّا، يشمل آفاق التجربة الرّوحيّة الواسعة لمبدِع مُسْلم قليل النظير في تاريخ الثقافة الإنسانية بَلْهَ الإسلاميّة. ويعزّ علينا، وعلى أيّ باحث، ضبْطُ التجلّيات الدّلالية الكثيرة المتباينة لهذه الرّباعيّات. والملمح العامُّ البارزُ في هذه الرّباعيات من جهة الموضوع هو حال العاشق مع المعشوق وما يكتنف الصّلة بينهما مِنْ وصال وهجر، وقبول وصدّ، وغمّ واشتياق. وعلى الجملة كلّ ما يكتنف سَيْر السالك في طريق الحقّ سبحانه.
والرّسالةُ التي تحملها الرّباعياتُ جميعًا هي عَطْفُ العِنان إلى فضْل الدَّيّان سبحانه على الخلق، وجمال التسليم لمبدِع كلّ جمال، وروعةُ التوجّه إلى الواحِد الأحد، الحبيب الحقيقي الأوحد، سبحانه.
وتضفي العبقرية الشعرية عند الشاعر الصّوفيّ الكبير على كلّ ما يعبِّر عنه من مواجيد وأحوال أبعادًا غريبة
وقشيبة، وألوانًا بديعة زاهية، وإشراقًا يملأ آفاق نفس المتلقّي الذي تتجلّى له قدرةُ الصّانع في المصنوع وحكمةُ الذي ما خلق شيئًا باطلاً، سبحانه.
وبرغم أنّ الطبيعة الفنية للرّباعية تستلزم أن يكون الموضوعُ في كلّ رباعيّة مستقِلًّا مُنْبتًّا عمّا سبقه وعمّا لحقه يأنس المتأمّل أنّ الموجة الشعوريّة في بحر إبداع الشاعر المسلم جلال الدّين الرّومي كانت تمتدّ طويلاً لتشمل عددًا من الرّباعيّات، حرص الشاعرُ على أن يجمعها في أحيان كثيرة رباطٌ من الشكل شبيهٌ بالفاصلة القرآنية. وهذا الرّباطُ الموحّدُ بين عدد من الرّباعيّات كثيرًا ما يكون عبارةً خاصةً تأتي في مطلع عدد من الرّباعيّات المتوالية أو في أواخرها أو في أوساطها.
ويلاحظ المتأمّل أنّ فكرة الزّمان تشكّل إطارًا للدّلالة في معظم الرّباعيات المقدّمة. ومرجعُ ذلك فيما يبدو، كونُ الزّمان إطارًا لأحوال النفس؛ ومن هنا يكثر ذِكر اللّيل والنهار، والسَّحَر والصّباح، والشتاء والرّبيع، والشمس والقمر، والنوم واليقظة..
وكذلك فإنّ جمالَ المعشوق استحضر لتصويره وتقديمه أبرزَ ما قدّمتْه المعرفة العقلية والنقلية من ضروب الجمال وعناصره الممثِّلة؛ فإذا الأزهارُ والرّياحين والأشذاء والرّوائح، والجواهر والأحجار الكريمة، والأجناس البشرية، والحيوانات [هذه جميعًا] مادّةٌ شكّل منها الشاعرُ الكبير معانيه وأخيلتَه وصُوَره، في عرضٍ أبرزُ مميزاته جمْعُ الجزئيات الصّغيرة والدّقائق لتشكّل معنى مؤثّرًا وصورةً جذّابةً وتعبيرًا بسيطًا مبهجًا للحسّ والرّوح. المعنى في رباعيّات مولانا شبيه بالمنمنمات الفارسيّة التي تستخدم الأصباغ والأشكال والفراغ في تشكيل لوحة عجيبة قادرة على الإبهاج والإدهاش والإثارة.
والرّوحُ الذي تعبّر عنه رُباعيّات مولانا هو روحُ العارف الشاعر الذي فَقِه الإسلام العظيم في أبعاده وتجلّياته الصّوفية، وأدرك وحدة الصّانع في المصنوع، وتبدّى له الجمالُ الذي ما بعده جمالٌ، فسجّل ما ارتسم في مرآته الصّافية من ذلك بهذا الشكل التعبيريّ الذي عُدّ من خصائص الشخصية الإيرانية في تجلّيها الأدبيّ.
أمّا الأفقُ القيميّ الذي ترتفع إليه الرّباعيّات المقدّمة هنا، فليس من شأني أن أحدّده وأقرّره، وأترك للقارئ الكريم الذي أثق بحصافته وبصيرته النقدية مهمّة الحُكم في هذه القضية.
3- ترجمتُنا هذا الأثر
أجدني مضطرًّا إلى أن أخبر القارئ الكريم بأنّني قد بذلتُ جهدًا يعلمُ الحقّ وحده سبحانه مبلغَه، لإخراج هذه الترجمة العربية لرباعيّات مولانا جلال الدّين إلى العربيّة، وإخالها الأولى لهذا الأثر. وقد هيّأ المولى سبحانه أن يكون إلى جانبي أثناء الترجمة أستاذ إيرانيّ بارع هو الأخ الفاضل السيّد مرتضى قشمي الذي يحمل الماجستير في الأدب الفارسي، وهو من ذوي اللّسانَيْنِ الفارسيّ والعربيّ، وقد أبدى تمكّنًا واضحًا في فهم المعاني الدقيقة للرباعيات، وقد بذل معي جهدًا كبيرًا، فأسأل الله سبحانه أن يجزل ثوابه.
وكانت الطريقةُ في الترجمة أن أقرأ أنا المادّة الفارسيّة ثم أترجم المراد منها إلى العربيّة، وهو يتابع ما أقول ويصحّح
لي إن آنس أنّني لم أقدّم المراد الدقيق، وبعد ذلك أكتب ما انتهينا إليه من معنى بالعربية بجوار أصله الفارسيّ على الكتاب نفسه. ثمّ بعد الانتهاء التّام من ترجمة الرّباعيّات كاملةً نسختُ الترجمة النهائية ثانيةً؛ ليشكّل ذلك الصّورة العربيّة لرُباعيات مولانا، كما هي مقدَّمةٌ هنا. وتجدر الإشارةُ إلى أنّ عددًا من رباعيّات مولانا جاء بالعربيّة في الأصل، لكنّ مستوى الأداء فيها لا ينبئ عن تمكّن بالعربيّة، ولستُ أدري مردّ ذلك على وجه الدّقة.
وإنّني إذ أقدّم للقارئ الكريم هذه الترجمة العربيّة الأولى لرُباعيّات مولانا جلال الدّين الرّوميّ، أحتسبُ ما قدّمتُ من جهد ووقت عند الله سبحانه، وأسأله سؤال من لاحول له ولا قوّة أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يبارك لي فيه في هذه الدّنيا وفي تلك الأخرى التي ألقى فيها وجهه وحيدًا كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح، وأن يجعله مادّةً لإفادة القرّاء عِلمًا ونورًا وهدايةً وسرورًا؛ فإنّه، سبحانه، نِعْمَ المولى ونِعْمَ النّصير.
حلب المحروسة في السّابع والعشرين من جمادى الأولى 1424هـ
السّابع والعشرين من تموز 2003م
عيسى علي العاكوب
بسم الله الرحمن الرحيم
(1)
أيّها الليلُ، أنتَ في سُرور دائمٍ، فجئنا مسرورًا، جئنا مسرورًا،
أعطاك الله عمرًا إلى يومِ القيامة،
في ذاكرتي نارٌ من جمال الحبيب،
فيا أيّتُها الغُصّةُ، إن كانتْ عندك الجرأةُ فتعالَيْ
(2)
ألا أيُّها المسافِرُ، إلى أين تعْزِمُ؟ إلى أين؟
أينما ذهبْتَ جَلَسْتَ في قلْبنا،
ما أكثرَ اغتمامَك من الفراق كاغتمام السّمَك من فراق البحر،
ولذلك تنثرُ شفتُكَ الجافّةُ دُررَ البحر
(3)
أُلقي بنفسي باحتيالٍ ههنا ثمِلاً
لكي أرى ذلك المعشوقَ والمحبوبَ الموجودَ هناك،
فإمّا أنْ توصلَني قدَمي إلى مقصودي ومرادي،
وإمّا أنْ أسلّمَ رأسِي، كما سلّمتُ قلبي
(4)
جعلَ الله صوتَك موافقًا لقلوبنا
جعل الله صوتَك مسرورًا ومنشِدًا في الليلِ والنهار
ولو ضعُفَ صوتُك لأصابنا السَّقَمُ،
جعلَ الله صوتك حُلْوًا كالنّاي الماضِغِ للسّكّر
(5)
جعَلَ الله العاشقَ ثمِلاً ومُفتضَحًا طوالَ العَامِ،
جعله الله مجنونًا ومضطربًا ووالِها
في الصَّحْوِ نتجرّعُ غصّةَ كلِّ شيء،
وعندما ثمِلْنا، فليكنْ ما يكون
(6)
إنْ مضى العمرُ أعطى الحقُّ عُمرًا آخَر،
وإنْ ذهَبَ عمُرُ الفَناء فهناكَ عمُرُ البقاء،
العشقُ ماءُ الحياة، فادخُلْ في هذا الماء،
فكلُّ قطرةٍ منه بحْرُ حياةٍ مستقِلّ
(7)
واحسرتاهُ، فقد انقضى الوقتُ ونحنُ عشّاقٌ والهِونَ،
في بحرٍ ساحلُه غيرُ واضح،
سفينةٌ ولَيلٌ وغمامٌ، ونحنُ نجري
في بحْرِ الحقّ، بفَضْل الحقّ وتوفيقِهِ
(8)
رأيتُ في المنامِ ساقيًا فتّانًا
ممسِكًا بيدِه كأسَ الصّهباء،
قلتُ لخيالِهِ: «أنتَ غلامُه؟
أنتَ أهلٌ لأن تكون سيّدَنا»
(9)
نارُ العِشْقِ هذه تُنضِجُنا
كلَّ ليلةٍ تجذبنا إلى الخرابات،
تُجِلِسنا معَ أهلِ الخراباتِ
لكي لا يعرفنا إلاَّ أهلُ الخرابات
(10)
يا نسيمَ السَّحَر، أخبرْنا
أرأيتَ في الطّريق ذلك القلبَ المشتعِل؟
أرأيتَ قلبًا مليئًا بالنار مليئًا بالعشق،
فقدْ أحرق بناره ألفَ حجرٍ أصَمّ؟
(11)
أيّها السّيدُ، لا ترانا في المنام،
لن ترانا مرّةً أخرى حتى السّنة القادمة،
أيها اللّيلُ، كلّما نظرتَ إلينا
لا ترانا من دون ضياءِ القمر
(12)
يا مَنْ لم يشقّ قمرُ اللّيل غُبارَك،
هناك تُحفٌ مِنْ قمرِك لِسَاهريك،
برغم أنّ أطرافَ الشّفقِ حمراءُ الوجْهِ،
فإنّها تنهزمُ أمامَ وجهكِ الأصفر
(13)
ما رأينا في حياتنا روضَكَ،
ولَمْ نرَ عينَك النّرجِسيّةَ المليئةَ بالخُمار والمسبّبة للخُمار،
تواريتَ عن النّاس، مثل الوفاء،
وما رأينا وجهَك منذ أمدٍ بعيد
(14)
أيها الحبيبُ، نحنُ قُرناءُ لك في المحبّة،
وحيثما تضعُ قدمَك نكون أرضًا لك،
وكيف يجوزُ في مذهب العشق
أن نرى العالَمَ بك، ولا نراك؟!
(15)
اخترتُ نفسي مدّةً مقلِّدًا،
كنتُ أسمعُ اسمي ولا أرى نفسي،
كنتُ منشغِلاً بنفسي، ولم أكنْ مستحقًّا لنفسي،
وعندما خرجتُ من نفسي وجدتُ نفسي
(16)
قلتُ حينًا: «أنا أميرُ نفسي»
وصرَخْتُ حينًا:«أنا أسيرُ نفسي»،
وقد مضى ذلك، ومنذ الآن فصاعدًا لن أقْبلَ نفسي،
بدأتُ أتواضَعُ
(17)
وضعْتُ قلبي في طريق البَلاء،
وأطلقْتُ سراحَ القلب من أجلك خاصّةً،
جاءتني اليومَ رائحتُك مع الرّيح،
فأعطيتُ قلبي للرّيح بِشارةً
(18)
ذلك الذي منَع عنّي النّومَ،
يريد لمحرْابي أن يكون نَدِيًّا بالدّمعِ،
أمسَك بي وألقاني في الماء صامتًا،
ذلك الماءُ الذي يعطي حلاوةً لمائي
(19)
عندما تُحيط بي ذاتُ الحقّ كالبحر،
يغدو جمالُ الذرّاتِ مضيئًا لي،
أحترقُ كالشّمع في طريق العشق؛
لكي تغدو الأوقاتُ كلُّها وقتًا واحدًا لي
(20)
في البَدْء دلّلني بآلاف الأَلْطاف،
وفي الآخِر أذابني بآلافِ الغُصَص،
كان يلعبُ بي كخرزة محبّته،
وعندما صِرْتُ كلّه رماني
(21)
قِصّةُ إنسانٍ جعلتْني أصفّق،
جعلتْني مِنْ دون وقارٍ ومِنْ دون عقلٍ ومِنْ دون روح،
والحاصِلُ أنّ قلْبَه حوّلَ قلبي،
وكلُّ شكلٍ أرادَه صوّرني به
(22)
أقولُ: «مَنْ رافِعُ روحي؟»
إنّه ذلك الذي أعطاني روحًا في البدْءِ،
حينًا يُغلقُ عيني كالباز،
وحينًا يفتحُها للصّيْد، كالباز
(23)
لا نجيَّ لي إلا العشق،
لا في الأوّلِ ولا في الآخِر ولا في البدْء،
يناديني الرّوحُ من الدّاخل [قائلاً:]
أيّها الكسولُ في طريق العشق، افْدني
(24)
«لا حوْلَ ولاَ» تفيد في هذا الغمّ،
الغمُّ الذي يصل إلى روح بني آدم من الشيطان،
ذلك الذي يغتمّ من كلمة «لا حَوْلَ ولاَ»،
«لا حَوْلَ ولا» تزيد لحظة الاغتمام