Page 1
تقديم
وسط الغليان الذي يهز معظم مناطق العالم..... ووسط الانفجارات التي تتصاعد وتتمادى في معظم البلدان العربية.... يتوجب على الفئة الواعية والمثقفة.، أن تعي بالفعل والواقع وتبحث وتتمحص فيما يجري جراء ذلك؟..... أسبابه؟ ارتداداته؟....وإلى أين المصير؟.....
إن المشهد المعقد للأحداث المتتالية في أكثر من ساحة يجعل كل ذي عقل وحجة أن يتوقف بكثير من الخوف والخشية عند عوامل هذا الغليان ودوافع هذه الانفجارات.....
وكم توقفت عند العناوين الرئيسية لما يقدمه الصديق العزيز السيد يوسف مرتضى في كتابه هذا.، حيث أدركت أنها تلامس جذور المشاكل التي نعاني منها....
وفي مؤملي مهما تقادم أو تباعد عهدا.ً، أننا نعاني من أزمة انتماء.... أدت بنا إلى فراغ في المفاهيم والمعرفة.... ولم نعد ندرك حقيقة ما يواجهنا من سوء مصير أو ضياع حال......
ولا يجوز أن نتجاوز الوقائع ونوغل في ضباب التعليل والتفسير....
الحكاية في كل وقائعها.، أن الذين يتحدثون عن قيم معينة هم أنفسهم أول من غي.ّبها وداسها بأقدام مصالحه وذاتيته....
يتحدثون عن الحرية.، والكلمة جميلة جدا.ً، ولكن أين هي هذه الحرية في الممارسة والتطبيق لدى شعوب هؤلاء الحكام..
ويتبللون عرقا.ً وهم ينادون بالديموقراطية.... وأيضا.ً غريب أمر هذه المفارقات؟.....أين هي الديموقراطية على مستوى مؤسسات بلدانهم؟..... وكم نحن بحاجة إلى تفكير صادق ومتزن يعيدنا إلى ذاتية الانتماء ليس فقط القومي بل والوطني أيضا.ً.
ومن ضمن نتائج ما يجري.، يحزننا الواقع.، وبالذات الواقع العربي.... يبادرون ولكن ليرقصوا على إيقاع أجنبي وبالذات أميركي....
إنهم.، أي العرب.، مفككون بقرار خارجي ومتفاهمون بإشارة خارجية.، ولكنهم على كل حال يعيشون واقع الاضطراب وحالة العجز والوهن..
وكم تضحكنا حالهم عندما يقدمون أنفسهم قمة في الإصلاح وهم قمم في الطغيان.... وكم يطيب لهم أن يرددوا على المسامع شعارهم المحبب لديهم.: تفانينا حتى فنينا؟....
وعندما يتلاقون وبعد العناق الحار.، تبدأ المعاني والقيم تخجل من وطأة أقوالهم ومن أثقال العبارات التي يفتقدها الضمير البشري في العالم أجمع....
على هضاب من غبار يقفون وفي ظنهم أنهم يرتفعون إلى الأعالي ولكن؟....
لا بد من معرفة أين نحن....
وإلى أين نحن سائرون؟.....
توقفت مليا.ً عند الموضوعات التي يثيرها السيد يوسف مرتضى ووجدت أنه يعالج وحسنا.ً فعل الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية لما يحرك ساحات الاعتصام.... والحرية....
إننا أحوج ما نكون إلى المصارحة والمصالحة.... مصارحة بعضنا البعض ومصالحة أنفسنا مع أنفسنا...
هنا يبدأ واجب المثقف العربي.... الذي يحجم عن خوض معترك سياسة لا بد له من العمل لتصويبها....
وهنا يبدأ واجب الذي لديه نسبة معينة من المعرفة والوعي أن يقدم ولا يحجم....
وإني بالذات انطلاقا.ً من قناعاتي.، أرى نفسي سعيدا.ً وأنا أقرأ يوسف مرتضى لعله ينال ثقة الآخرين.....
محسن دلـ.ّول
وسط الغليان الذي يهز معظم مناطق العالم..... ووسط الانفجارات التي تتصاعد وتتمادى في معظم البلدان العربية.... يتوجب على الفئة الواعية والمثقفة.، أن تعي بالفعل والواقع وتبحث وتتمحص فيما يجري جراء ذلك؟..... أسبابه؟ ارتداداته؟....وإلى أين المصير؟.....
إن المشهد المعقد للأحداث المتتالية في أكثر من ساحة يجعل كل ذي عقل وحجة أن يتوقف بكثير من الخوف والخشية عند عوامل هذا الغليان ودوافع هذه الانفجارات.....
وكم توقفت عند العناوين الرئيسية لما يقدمه الصديق العزيز السيد يوسف مرتضى في كتابه هذا.، حيث أدركت أنها تلامس جذور المشاكل التي نعاني منها....
وفي مؤملي مهما تقادم أو تباعد عهدا.ً، أننا نعاني من أزمة انتماء.... أدت بنا إلى فراغ في المفاهيم والمعرفة.... ولم نعد ندرك حقيقة ما يواجهنا من سوء مصير أو ضياع حال......
ولا يجوز أن نتجاوز الوقائع ونوغل في ضباب التعليل والتفسير....
الحكاية في كل وقائعها.، أن الذين يتحدثون عن قيم معينة هم أنفسهم أول من غي.ّبها وداسها بأقدام مصالحه وذاتيته....
يتحدثون عن الحرية.، والكلمة جميلة جدا.ً، ولكن أين هي هذه الحرية في الممارسة والتطبيق لدى شعوب هؤلاء الحكام..
ويتبللون عرقا.ً وهم ينادون بالديموقراطية.... وأيضا.ً غريب أمر هذه المفارقات؟.....أين هي الديموقراطية على مستوى مؤسسات بلدانهم؟..... وكم نحن بحاجة إلى تفكير صادق ومتزن يعيدنا إلى ذاتية الانتماء ليس فقط القومي بل والوطني أيضا.ً.
ومن ضمن نتائج ما يجري.، يحزننا الواقع.، وبالذات الواقع العربي.... يبادرون ولكن ليرقصوا على إيقاع أجنبي وبالذات أميركي....
إنهم.، أي العرب.، مفككون بقرار خارجي ومتفاهمون بإشارة خارجية.، ولكنهم على كل حال يعيشون واقع الاضطراب وحالة العجز والوهن..
وكم تضحكنا حالهم عندما يقدمون أنفسهم قمة في الإصلاح وهم قمم في الطغيان.... وكم يطيب لهم أن يرددوا على المسامع شعارهم المحبب لديهم.: تفانينا حتى فنينا؟....
وعندما يتلاقون وبعد العناق الحار.، تبدأ المعاني والقيم تخجل من وطأة أقوالهم ومن أثقال العبارات التي يفتقدها الضمير البشري في العالم أجمع....
على هضاب من غبار يقفون وفي ظنهم أنهم يرتفعون إلى الأعالي ولكن؟....
لا بد من معرفة أين نحن....
وإلى أين نحن سائرون؟.....
توقفت مليا.ً عند الموضوعات التي يثيرها السيد يوسف مرتضى ووجدت أنه يعالج وحسنا.ً فعل الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية لما يحرك ساحات الاعتصام.... والحرية....
إننا أحوج ما نكون إلى المصارحة والمصالحة.... مصارحة بعضنا البعض ومصالحة أنفسنا مع أنفسنا...
هنا يبدأ واجب المثقف العربي.... الذي يحجم عن خوض معترك سياسة لا بد له من العمل لتصويبها....
وهنا يبدأ واجب الذي لديه نسبة معينة من المعرفة والوعي أن يقدم ولا يحجم....
وإني بالذات انطلاقا.ً من قناعاتي.، أرى نفسي سعيدا.ً وأنا أقرأ يوسف مرتضى لعله ينال ثقة الآخرين.....
محسن دلـ.ّول
Page 2
تقديم
مهمة التقديم لأي كتاب هي مهمة صعبة إذا كان الغرض منها الغوص في متن الكتاب وفي أفكار ومواقف واجتهادات صاحبه.. وهي أيضا.ً مهمة صعبة إذا هي اقتصرت على التعريف بالكتاب في شكل عام والتعريف بمؤلفه.. هي إذن مهمة صعبة في كل الشروط.. لذلك اخترت لكتبي مدخلا.ً كتبته بقلمي وبلغتي لأعر.ّف القارئ على الهدف الذي أبتغيته من إصدار كل كتاب.. وهي كتب تنوعت مواضيعها وأغراضها ووظائفها.. مقدمة واحدة ووحيدة اخترت عامدا.ً متعمدا.ً أن يكتبها لكتابي الذي كرسته للمقاومة وصدر في عام .1985.، رفيقي وصديقي القائد الأساسي لجبهة المقاومة ومطلق فكرتها الشهيد جورج حاوي.. ثم أنني حاولت أن أتجنّب قدر الإمكان كتابة المقدمات لكتب أصدقائي مع بعض الاستثناءات.. ولكل قاعدة استثناء.. وقد حرصت في هذه المقدمات ألا أغوص في متن تلك الكتب.، وألّا أدخل في السجال مع أصحابها في آرائهم وفي مواقفهم.، إلّا حين كانت تقتضي الضرورة ذلك باسم الصداقة التي تربطني بالمؤلف.. وأعترف لصديقي العزيز يوسف مرتضى أنني لم أقرأ كتابه من الدفة إلى الدفة كما تقرأ الكتب.. ولم أدخل عميقا.ً في أفكاره وفي تحليلاته للأحداث التاريخية القديم منها والحديث في عالمنا العربي وفي العالم.. ما فعلته هو أنني تصفحت الكتاب من أوله إلى آخره.، صفحة إثر صفحة وفصلا.ً بعد فصل.. وتكونت لدي.ّ من خلال هذا النوع من القراءة السريعة فكرة عامة عن الكتاب.، فكرة تسمح لي بالقول بأن الكتاب يستحق الاهتمام من قبل القراء وتستحق أفكار واجتهادات مؤلفه أن تناقش.، في الاتفاق وفي الاختلاف.. كما تكونت لدي.ّ بعض الملاحظات العامة..
إلّا أنني أود.، قبل أن أدخل في تقديم ملاحظاتي.، أن أتحدث قليلا.ً عن مؤلف الكتاب.، ليس فقط باسم المهمة التي يتطلبها التقديم للكتاب.، بل أساسا.ً باسم معرفتي بيوسف مرتضى منذ عدة عقود.، معرفتي الشخصية والنضالية والفكرية والسياسية.. فمن حقه علي.ّ أن أقول عنه ما أنا مقتنع به عن معرفة عميقة وتاريخية به وبسيرته النضالية والفكرية.، ليس لأنه بحاجة إلى تعريف.، فهو معروف.. بل لأنني أريد أن أقول عنه للقارئ ما قدمته لي صداقة ورفقة نضال طويلة داخل أطر الحزب الشيوعي اللبناني الذي أعطاه كل منا على امتداد حياته القسم الأعظم من حياته..
جاء يوسف مرتضى إلى الحياة من قرية بقاعية كان لي فيها من عائلته بالذات عدد من تلامذتي عندما كنت أمارس التدريس في مطلع شبابي .(.1950-.1952.) في مدرسة شمسطار الرسمية لطلاب السنة الأولى تكميلي.. لا أعرف كيف صار يوسف رجلا.ً. ولا أعرف المراحل التي تدرج فيها ليصبح في مطلع شبابه عضوا.ً في الحزب الشيوعي اللبناني الذي كنت لعدة عقود عضوا.ً في صفوفه ثم عضوا.ً في قيادته.، ثم عضوا.ً (وهذا شرف أعتز به.) في مجموعة الشباب الذين خاضوا معركة التجديد في الحزب في منتصف ستينيات القرن الماضي..
عندما تعرفت إلى يوسف كان قد صار كادرا.ً نشيطا.ً في الحزب في الضاحية الجنوبية.، ومناضلا.ً شجاعا.ً في صفوف المقاتلين الشيوعيين على الجبهات كلها.، بما فيها جبهة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي.. ثم صار.، خلال ثمانينيات القرن.، مسؤولا.ً عن منظمة الحزب في الاتحاد السوفياتي.. وقادته المسؤوليات التي ألقيت عليه والمهمات التي كلف بها لكي يصبح عضوا.ً في قيادة الحزب..
فاجأني في العقد الأخير من تسعينيات القرن الماضي وفي مطلع العقد الأول من القرن الحالي باقتحامه ميدان الكتابة في السياسة اليومية وفيما نطلق عليه اسم وصفة الفكر السياسي.. وكانت مجلة الشاهد الميدان الرحب لممارسة تلك الكتابة.. لم يفاجئني وحسب.. بل هو أدهشني في جرأته في اقتحام مواضيع عربية وعالمية صعبة وشائكة وبالغة التعقيد.. والمفاجأة والدهشة لا تعنيان بالضرورة أنني كنت متفقا.ً معه في جميع آرائه وفي جميع أفكاره.. فالاتفاق ليس شرطا.ً للاعجاب بالكاتب.. فلكل كاتب الحق في التعبير عن أفكاره كما يشاء.. والاختلاف حق.. والإقرار بحق الاختلاف هو الحق الأكبر من بين حقوق الإنسان لا سيما في ميدان التفكير والاجتهاد.. استقل يوسف مرتضى عن انتمائه الحزبي.. لكنه ظل يساريا.ً، ماركسي المرجعية على طريقته.، اشتراكي الخيار والهوى من دون تراجع أو تردد.. واختياره هذا هو حق له.، بمعزل عن الاتفاق معه والاختلاف وبمعزل عن الأسباب التي قادته إلى اختيار استقلاليته.، واختيار شكل وصيغة هذه الاستقلالية.، وتحديد نوع علاقاته باسم تلك الاستقلالية وباسم اجتهاداته الفكرية والسياسية فيها..
ظلت صداقتنا هي ذاتها من دون اهتزاز.، برغم الأعاصير التي شهدتها تحولات كل منا في أفكاره وفي مواقفه وفي علاقاته.، وبرغم الأعاصير التي هبت على اليسار في بلدنا وفي العالم.، وبرغم الأعاصير التي ما تزال تهز الوطن اللبناني في كل جوانب حياته وحياة شعبه المرتهن مصيرهما للطبقة السياسية بتياراته المختلفة المتناقضة المتصارعة فيما بينها على كل شيء.، بما في ذلك على الوطن ذاته وعلى حاضره ومستقبله..
هذا يوسف مرتضى.، وهذه هي معرفتي به.. أما الكتاب فله شأن آخر.. إنه كتاب مهم.. والأفكار والاجتهادات فيه كثيرة.. وكثير منها يستحق النقاش.. ورغم أن قراءتي للكتاب كانت سريعة وعامة كما أشرت إلى ذلك.، فقد تكونت لدي.ّ بعض الملاحظات.. وأسارع إلى القول ليوسف بأن أهم هذه الملاحظات التي أسوقها إليه بحذر تتعلق.، كما بدا لي.، فيما يشبه التناقض بين اجتهاداته التي ألتقي معه في العديد منها.، وبين ما جاء في النص.. فهو ينقد الفكر القومي بحق.، لكنه يكرر في النص بعض المقولات القديمة لهذا الفكر.. وهو ينقد الفكر الاشتراكي القديم بحق.، لكنه يكرر في النص بعض المقولات القديمة لهذا الفكر.. أبدي ملاحظاتي بحذر راجيا.ً ألا أكون قد تعسفت في القول..
غير أن أجمل ما في الكتاب.، فيما أمكنني استخلاصه في تلك القراءة.، هو تأكيد يوسف على مجموعة من الأفكار المحورية التي تشير إلى عمق في التفكير وإلى مواكبة متوازنة للمتغيرات التي يشهدها العصر.. أول هذه الأفكار تأكيده على أن دولة الحق والقانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية هي الدولة التي ما زالت تفتقدها بلداننا.. ويعب.ّر يوسف عن هذا التناقض بين الحاجة وبين واقع الحال في عنوان أحد فصول الكتاب.: «الدولة العربية جنين لقرن والولادة متعثرة».. الفكرة الثانية هي أن الديموقراطية في الدولة وفي مؤسساتها وفي المجتمع وفي مؤسساته هي الأساس الضروري لتقدم بلداننا.. الفكرة الثالثة هي أن المسؤول الأول عن هزائمنا هو نحن.، أنظمة وقوى معارضة.، من دون التقليل من دور الخارج.، مع الإشارة إلى أن هذا الخارج هو الذي كان وما يزال يستدرج من قبل الداخل ليمارس دوره السلبي في بلداننا.. الفكرة الرابعة هي أن العولمة الرأسمالية التي تعيش مأزقها لا بديل منها إلّا عولمة إنسانية تتمثل بحضارة عالمية جديدة إنسانية الطابع متعددة الثقافات..
تلك هي بعض ملاحظاتي العابرة.، وتلك هي بعض الاستنتاجات التي قادتني إليها هذه القراءة..
يبقى أن أشير في ختام هذا التقديم إلى أن يوسف مرتضى يملك عدة مميزات تؤهله لأن يقدم للقراء ما يمكن ويجب أن يكون من قبل المثقف النقدي أداة وعنوان معرفة تقدم إلى أجيالنا الشابة في هذه الحقبة المهمة من تاريخ بلداننا التي تشكل الثورات فيها الأساس الموضوعي لبناء مستقبل جديد خال من الاستبداد والعسف والتخلف.، مستقبل يحقق لشعوبنا ولبلداننا التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية التي طال انتظارها..
كريم مروة
مهمة التقديم لأي كتاب هي مهمة صعبة إذا كان الغرض منها الغوص في متن الكتاب وفي أفكار ومواقف واجتهادات صاحبه.. وهي أيضا.ً مهمة صعبة إذا هي اقتصرت على التعريف بالكتاب في شكل عام والتعريف بمؤلفه.. هي إذن مهمة صعبة في كل الشروط.. لذلك اخترت لكتبي مدخلا.ً كتبته بقلمي وبلغتي لأعر.ّف القارئ على الهدف الذي أبتغيته من إصدار كل كتاب.. وهي كتب تنوعت مواضيعها وأغراضها ووظائفها.. مقدمة واحدة ووحيدة اخترت عامدا.ً متعمدا.ً أن يكتبها لكتابي الذي كرسته للمقاومة وصدر في عام .1985.، رفيقي وصديقي القائد الأساسي لجبهة المقاومة ومطلق فكرتها الشهيد جورج حاوي.. ثم أنني حاولت أن أتجنّب قدر الإمكان كتابة المقدمات لكتب أصدقائي مع بعض الاستثناءات.. ولكل قاعدة استثناء.. وقد حرصت في هذه المقدمات ألا أغوص في متن تلك الكتب.، وألّا أدخل في السجال مع أصحابها في آرائهم وفي مواقفهم.، إلّا حين كانت تقتضي الضرورة ذلك باسم الصداقة التي تربطني بالمؤلف.. وأعترف لصديقي العزيز يوسف مرتضى أنني لم أقرأ كتابه من الدفة إلى الدفة كما تقرأ الكتب.. ولم أدخل عميقا.ً في أفكاره وفي تحليلاته للأحداث التاريخية القديم منها والحديث في عالمنا العربي وفي العالم.. ما فعلته هو أنني تصفحت الكتاب من أوله إلى آخره.، صفحة إثر صفحة وفصلا.ً بعد فصل.. وتكونت لدي.ّ من خلال هذا النوع من القراءة السريعة فكرة عامة عن الكتاب.، فكرة تسمح لي بالقول بأن الكتاب يستحق الاهتمام من قبل القراء وتستحق أفكار واجتهادات مؤلفه أن تناقش.، في الاتفاق وفي الاختلاف.. كما تكونت لدي.ّ بعض الملاحظات العامة..
إلّا أنني أود.، قبل أن أدخل في تقديم ملاحظاتي.، أن أتحدث قليلا.ً عن مؤلف الكتاب.، ليس فقط باسم المهمة التي يتطلبها التقديم للكتاب.، بل أساسا.ً باسم معرفتي بيوسف مرتضى منذ عدة عقود.، معرفتي الشخصية والنضالية والفكرية والسياسية.. فمن حقه علي.ّ أن أقول عنه ما أنا مقتنع به عن معرفة عميقة وتاريخية به وبسيرته النضالية والفكرية.، ليس لأنه بحاجة إلى تعريف.، فهو معروف.. بل لأنني أريد أن أقول عنه للقارئ ما قدمته لي صداقة ورفقة نضال طويلة داخل أطر الحزب الشيوعي اللبناني الذي أعطاه كل منا على امتداد حياته القسم الأعظم من حياته..
جاء يوسف مرتضى إلى الحياة من قرية بقاعية كان لي فيها من عائلته بالذات عدد من تلامذتي عندما كنت أمارس التدريس في مطلع شبابي .(.1950-.1952.) في مدرسة شمسطار الرسمية لطلاب السنة الأولى تكميلي.. لا أعرف كيف صار يوسف رجلا.ً. ولا أعرف المراحل التي تدرج فيها ليصبح في مطلع شبابه عضوا.ً في الحزب الشيوعي اللبناني الذي كنت لعدة عقود عضوا.ً في صفوفه ثم عضوا.ً في قيادته.، ثم عضوا.ً (وهذا شرف أعتز به.) في مجموعة الشباب الذين خاضوا معركة التجديد في الحزب في منتصف ستينيات القرن الماضي..
عندما تعرفت إلى يوسف كان قد صار كادرا.ً نشيطا.ً في الحزب في الضاحية الجنوبية.، ومناضلا.ً شجاعا.ً في صفوف المقاتلين الشيوعيين على الجبهات كلها.، بما فيها جبهة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي.. ثم صار.، خلال ثمانينيات القرن.، مسؤولا.ً عن منظمة الحزب في الاتحاد السوفياتي.. وقادته المسؤوليات التي ألقيت عليه والمهمات التي كلف بها لكي يصبح عضوا.ً في قيادة الحزب..
فاجأني في العقد الأخير من تسعينيات القرن الماضي وفي مطلع العقد الأول من القرن الحالي باقتحامه ميدان الكتابة في السياسة اليومية وفيما نطلق عليه اسم وصفة الفكر السياسي.. وكانت مجلة الشاهد الميدان الرحب لممارسة تلك الكتابة.. لم يفاجئني وحسب.. بل هو أدهشني في جرأته في اقتحام مواضيع عربية وعالمية صعبة وشائكة وبالغة التعقيد.. والمفاجأة والدهشة لا تعنيان بالضرورة أنني كنت متفقا.ً معه في جميع آرائه وفي جميع أفكاره.. فالاتفاق ليس شرطا.ً للاعجاب بالكاتب.. فلكل كاتب الحق في التعبير عن أفكاره كما يشاء.. والاختلاف حق.. والإقرار بحق الاختلاف هو الحق الأكبر من بين حقوق الإنسان لا سيما في ميدان التفكير والاجتهاد.. استقل يوسف مرتضى عن انتمائه الحزبي.. لكنه ظل يساريا.ً، ماركسي المرجعية على طريقته.، اشتراكي الخيار والهوى من دون تراجع أو تردد.. واختياره هذا هو حق له.، بمعزل عن الاتفاق معه والاختلاف وبمعزل عن الأسباب التي قادته إلى اختيار استقلاليته.، واختيار شكل وصيغة هذه الاستقلالية.، وتحديد نوع علاقاته باسم تلك الاستقلالية وباسم اجتهاداته الفكرية والسياسية فيها..
ظلت صداقتنا هي ذاتها من دون اهتزاز.، برغم الأعاصير التي شهدتها تحولات كل منا في أفكاره وفي مواقفه وفي علاقاته.، وبرغم الأعاصير التي هبت على اليسار في بلدنا وفي العالم.، وبرغم الأعاصير التي ما تزال تهز الوطن اللبناني في كل جوانب حياته وحياة شعبه المرتهن مصيرهما للطبقة السياسية بتياراته المختلفة المتناقضة المتصارعة فيما بينها على كل شيء.، بما في ذلك على الوطن ذاته وعلى حاضره ومستقبله..
هذا يوسف مرتضى.، وهذه هي معرفتي به.. أما الكتاب فله شأن آخر.. إنه كتاب مهم.. والأفكار والاجتهادات فيه كثيرة.. وكثير منها يستحق النقاش.. ورغم أن قراءتي للكتاب كانت سريعة وعامة كما أشرت إلى ذلك.، فقد تكونت لدي.ّ بعض الملاحظات.. وأسارع إلى القول ليوسف بأن أهم هذه الملاحظات التي أسوقها إليه بحذر تتعلق.، كما بدا لي.، فيما يشبه التناقض بين اجتهاداته التي ألتقي معه في العديد منها.، وبين ما جاء في النص.. فهو ينقد الفكر القومي بحق.، لكنه يكرر في النص بعض المقولات القديمة لهذا الفكر.. وهو ينقد الفكر الاشتراكي القديم بحق.، لكنه يكرر في النص بعض المقولات القديمة لهذا الفكر.. أبدي ملاحظاتي بحذر راجيا.ً ألا أكون قد تعسفت في القول..
غير أن أجمل ما في الكتاب.، فيما أمكنني استخلاصه في تلك القراءة.، هو تأكيد يوسف على مجموعة من الأفكار المحورية التي تشير إلى عمق في التفكير وإلى مواكبة متوازنة للمتغيرات التي يشهدها العصر.. أول هذه الأفكار تأكيده على أن دولة الحق والقانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية هي الدولة التي ما زالت تفتقدها بلداننا.. ويعب.ّر يوسف عن هذا التناقض بين الحاجة وبين واقع الحال في عنوان أحد فصول الكتاب.: «الدولة العربية جنين لقرن والولادة متعثرة».. الفكرة الثانية هي أن الديموقراطية في الدولة وفي مؤسساتها وفي المجتمع وفي مؤسساته هي الأساس الضروري لتقدم بلداننا.. الفكرة الثالثة هي أن المسؤول الأول عن هزائمنا هو نحن.، أنظمة وقوى معارضة.، من دون التقليل من دور الخارج.، مع الإشارة إلى أن هذا الخارج هو الذي كان وما يزال يستدرج من قبل الداخل ليمارس دوره السلبي في بلداننا.. الفكرة الرابعة هي أن العولمة الرأسمالية التي تعيش مأزقها لا بديل منها إلّا عولمة إنسانية تتمثل بحضارة عالمية جديدة إنسانية الطابع متعددة الثقافات..
تلك هي بعض ملاحظاتي العابرة.، وتلك هي بعض الاستنتاجات التي قادتني إليها هذه القراءة..
يبقى أن أشير في ختام هذا التقديم إلى أن يوسف مرتضى يملك عدة مميزات تؤهله لأن يقدم للقراء ما يمكن ويجب أن يكون من قبل المثقف النقدي أداة وعنوان معرفة تقدم إلى أجيالنا الشابة في هذه الحقبة المهمة من تاريخ بلداننا التي تشكل الثورات فيها الأساس الموضوعي لبناء مستقبل جديد خال من الاستبداد والعسف والتخلف.، مستقبل يحقق لشعوبنا ولبلداننا التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية التي طال انتظارها..
كريم مروة
Page 3
مقدمة
حف.ّزني الانفجار الكبير الذي تولد في الشارع العربي منذ مطلع العام .2011.، من تونس إلى مصر وليبيا والبحرين وسوريا..... على لملمة أوراقي التي كنت قد نشرتها موضوعات ومقالات في مجلة الشاهد الفكرية.- السياسية والثقافية الاجتماعية المنوعة.، خلال العقد الأول من الألف الثالث..
ونظرا.ً لأهمية تلك الموضوعات كمعب.ّر وشاهد على الإرهاصات التي حبل فيها الشارع العربي في تلك المرحلة.، أعدت توليفها في صيغة كتاب أقدمه للقارئ العربي كمساهمة في إعادة تسليط الضؤ على الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تول.ّد من رحمها الربيع العربي الذي ما زلنا نعيش فصوله الأولى والذي قد يمتد لسنوات عديدة قبل أن يبلغ أهدافه في بناء الدولة الوطنية الديموقراطية المدنية.، دولة المؤسسات.، دولة الحق والقانون..
فمن خلال عملي كسكرتير للتحرير وكاتب في مجلة الشاهد من العام .1998 إلى العام .2007 أتيحت لي فرصة كتابة مقالات سياسية شهرية ضمنتها رؤيتي وموقفي من أهم الأحداث الدولية والإقليمية والعربية واللبنانية التي حصلت خلال تلك الفترة..
وتجدر الإشارة في هذا المجال.، التأكيد على أن حرية الكتابة في المجلة كانت مطلقة.، ولا يحد منها إلّا ما كان يمكن أن يمنع دخولها إلى بعض الأقطار العربية بسبب الرقابة المشددة المفروضة على الصحافة والإعلام..
لقد كتبت عشرات المقالات ذات الطابع التحليلي للأحداث بأبعادها وتأثيراتها الآنية والمستقبلية.، كما أجريت عددا.ً من الحوارات والتحقيقات الفكرية والسياسية لم يكن الهدف منها الإضاءة على الصورة اللحظية للأحداث بقدر ما كانت تهدف إلى النظر في أبعادها المستقبلية.، وفي رسم الصورة المتوقعة والمطلوبة للمشهدين الأممي والعربي..
إن الخلفية التي حكمت معالجتي لأي موضوع تطرقت إليه انطلقت من قناعات هي ثوابت بالنسبة لمعتقداتي القيمية والسياسية والتي يمكن تلخيصها بالتالي.:
في العلاقات الدولية:
إدانة النيوليبرالية وعسكرة العولمة.، ونظام القطب الواحد.. الانتصار للعولمة المؤنسنة.، والنظام الدولي المتعدد الأقطاب.، المنضبط في إطار قواعد اللعبة الديموقراطية الضامنة لحقوق الإنسان..
في القضية القومية العربية:
إدانة السياسة العدوانية الإمبريالية .– الصهيونية ضد العرب.، والانتصار لقضية الشعب العربي الفلسطيني.- وقضية التحرير من الاحتلال الصهيوني.، وتحرير الثروات والأسواق العربية من الاستعمار الجديد..
وفي هذا المجال وإن أقريت بوجود مؤامرة أميركية.–غربية .– صهيونية على الأمة العربية.، تستهدف وحدتها وأسواقها وثرواتها.، إلّا أنني في المقابل اعتبرت وأعتبر أن ما أصاب ويصيب الأمة العربية متفرقة ومجتمعة من هزائم وانتكاسات.، إنما يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى عنه ليس القوى المتآمرة بل الأنظمة العربية وسياساتها المتخلفة والضيقة الأفق حيال قضية الحرية والديموقراطية والتنمية في الوطن العربي..
تلك الأنظمة الفاسدة التي هيأت الأرضية الخصبة في مجتمعاتنا العربية لتفشي وباء المؤامرة فيها.. ويعود الخلل الجوهري في تلك السياسات للأنظمة العربية القائمة منذ مرحلة الاستقلال الوطني من الاستعمار القديم حسب اتفاقية .(سايكس.- بيكو.)، إلى قضية بنيوية جوهرية في طبيعتها بالذات.: هي أنها قد بنت سلطة ولم تبن دولة..
من هنا رأيت أن قضية تحرير فلسطين وتحرير الأراضي العربية المحتلة من العدو الصهيوني.، وقضية التنمية والتقدم في مجتمعاتنا العربية مرتبطة إرتباطا.ً موضوعيا.ً بمدى التقدم باتجاه بناء دولة الشعب على أنقاض دولة السلطة.، الأمر الذي لا يمكن حصوله إلّا بإطلاق العنان للحرية والديموقراطية في المجتمع العربي للسير في عملية بناء الدولة المدنية.، دولة القانون والمؤسسات.، دولة الحق.، على أنقاض دولة العائلة أو دولة الإمارة.، التي باتت قياداتها مرتهنة في وجودها في السلطة لرضى الدول والقوى التي نتهمها بحياكة المؤامرات ضدنا..
لقد شرحت في مقالاتي المنشورة في مجلة الشاهد في سنوات العقد الأول للقرن الواحد والعشرين والتي يؤلف قسم منها هذا الكتاب.، طبيعة المؤامرة الأميركية.- الصهيونية.، وأبعادها على العالم.، وعلى الشرق الأوسط.، وعلى الأمة العربية بالذات.، وذلك بالتحليل المسند بالوثائق والأرقام.. وخلصت بضؤ ذلك إلى الاستنتاج بأن إحباط تلك المؤامرة لا يمكن أن يحصل إلّا عبر كسر القيود المكبلة لحرية المواطن العربي.، واعتماد الخيار الديموقراطي كخيار وحيد في عملية بناء السلطة والدولة المدنية.، الأمر الذي يحص.ّن في حال حصوله المجتمع العربي.، ويرفع من مستوى مناعته ويجعله كتلة واحدة متماسكة في التصدي لأي مؤامرة.، وكما يجعله متمتعا.ً بالقابلية الموضوعية لاستيعاب نتائج الثورة العلمية والتكنولوجية المحف.ّزة على التطور والتقدم..
إن الانتفاضات الشعبية العربية التي أسقطت سلطات ديكتاتورية مستبدة معمرة وفاسدة.، وإن لم ترق بعد إلى مستوى إسقاط الأنظمة وإجراء عملية التغيير المنشود نحو الدولة المدنية التعددية الديموقراطية.، وبالرغم كذلك من ركوب التيارات الدينية والسلفية موجتها الأولى.، فهي حركة تاريخية.، وهي بداية تحول نوعي ينقل المجتمع العربي من مجتمع أهلي.- قبلي.، إلى مجتمع مدني.، ولن ينجو من مدها أي نظام عربي لم يقرر طوعا.ً إطلاق الحريات الديموقراطية.، والسير بخيار بناء الدولة الديموقراطية التعددية..
إن البديل الثوري للواقع القائم.، سيولد حتما.ً من رحم الصراع الدائر بين الماضي والحاضر والذي قد يمر بعثرات وانتكاسات إلّا أن انتصاره حتمي في نهاية المطاف..
لقد تعلمنا من تجارب التاريخ أن مسار الثورات الشعبية مسار لولبي وليس مستقيما.ً. وإنني على ثقة بأن إرادة التغيير التي تمكنت من إسقاط أعتى الدكتاتوريات التي تجاوز عمرها العقود الأربعة.، لن تستكين ولن تعجز.، عن إسقاط بدائل هجينة من نفس النوع ستكون عاجزة حتما.ً بطبيعتها الشمولية .(التيارات السلفية.) عن تقديم الحلول اللازمة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعج بها بنية كل المجتمعات العربية وأقطارها..
يوسف مرتضى
حف.ّزني الانفجار الكبير الذي تولد في الشارع العربي منذ مطلع العام .2011.، من تونس إلى مصر وليبيا والبحرين وسوريا..... على لملمة أوراقي التي كنت قد نشرتها موضوعات ومقالات في مجلة الشاهد الفكرية.- السياسية والثقافية الاجتماعية المنوعة.، خلال العقد الأول من الألف الثالث..
ونظرا.ً لأهمية تلك الموضوعات كمعب.ّر وشاهد على الإرهاصات التي حبل فيها الشارع العربي في تلك المرحلة.، أعدت توليفها في صيغة كتاب أقدمه للقارئ العربي كمساهمة في إعادة تسليط الضؤ على الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تول.ّد من رحمها الربيع العربي الذي ما زلنا نعيش فصوله الأولى والذي قد يمتد لسنوات عديدة قبل أن يبلغ أهدافه في بناء الدولة الوطنية الديموقراطية المدنية.، دولة المؤسسات.، دولة الحق والقانون..
فمن خلال عملي كسكرتير للتحرير وكاتب في مجلة الشاهد من العام .1998 إلى العام .2007 أتيحت لي فرصة كتابة مقالات سياسية شهرية ضمنتها رؤيتي وموقفي من أهم الأحداث الدولية والإقليمية والعربية واللبنانية التي حصلت خلال تلك الفترة..
وتجدر الإشارة في هذا المجال.، التأكيد على أن حرية الكتابة في المجلة كانت مطلقة.، ولا يحد منها إلّا ما كان يمكن أن يمنع دخولها إلى بعض الأقطار العربية بسبب الرقابة المشددة المفروضة على الصحافة والإعلام..
لقد كتبت عشرات المقالات ذات الطابع التحليلي للأحداث بأبعادها وتأثيراتها الآنية والمستقبلية.، كما أجريت عددا.ً من الحوارات والتحقيقات الفكرية والسياسية لم يكن الهدف منها الإضاءة على الصورة اللحظية للأحداث بقدر ما كانت تهدف إلى النظر في أبعادها المستقبلية.، وفي رسم الصورة المتوقعة والمطلوبة للمشهدين الأممي والعربي..
إن الخلفية التي حكمت معالجتي لأي موضوع تطرقت إليه انطلقت من قناعات هي ثوابت بالنسبة لمعتقداتي القيمية والسياسية والتي يمكن تلخيصها بالتالي.:
في العلاقات الدولية:
إدانة النيوليبرالية وعسكرة العولمة.، ونظام القطب الواحد.. الانتصار للعولمة المؤنسنة.، والنظام الدولي المتعدد الأقطاب.، المنضبط في إطار قواعد اللعبة الديموقراطية الضامنة لحقوق الإنسان..
في القضية القومية العربية:
إدانة السياسة العدوانية الإمبريالية .– الصهيونية ضد العرب.، والانتصار لقضية الشعب العربي الفلسطيني.- وقضية التحرير من الاحتلال الصهيوني.، وتحرير الثروات والأسواق العربية من الاستعمار الجديد..
وفي هذا المجال وإن أقريت بوجود مؤامرة أميركية.–غربية .– صهيونية على الأمة العربية.، تستهدف وحدتها وأسواقها وثرواتها.، إلّا أنني في المقابل اعتبرت وأعتبر أن ما أصاب ويصيب الأمة العربية متفرقة ومجتمعة من هزائم وانتكاسات.، إنما يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى عنه ليس القوى المتآمرة بل الأنظمة العربية وسياساتها المتخلفة والضيقة الأفق حيال قضية الحرية والديموقراطية والتنمية في الوطن العربي..
تلك الأنظمة الفاسدة التي هيأت الأرضية الخصبة في مجتمعاتنا العربية لتفشي وباء المؤامرة فيها.. ويعود الخلل الجوهري في تلك السياسات للأنظمة العربية القائمة منذ مرحلة الاستقلال الوطني من الاستعمار القديم حسب اتفاقية .(سايكس.- بيكو.)، إلى قضية بنيوية جوهرية في طبيعتها بالذات.: هي أنها قد بنت سلطة ولم تبن دولة..
من هنا رأيت أن قضية تحرير فلسطين وتحرير الأراضي العربية المحتلة من العدو الصهيوني.، وقضية التنمية والتقدم في مجتمعاتنا العربية مرتبطة إرتباطا.ً موضوعيا.ً بمدى التقدم باتجاه بناء دولة الشعب على أنقاض دولة السلطة.، الأمر الذي لا يمكن حصوله إلّا بإطلاق العنان للحرية والديموقراطية في المجتمع العربي للسير في عملية بناء الدولة المدنية.، دولة القانون والمؤسسات.، دولة الحق.، على أنقاض دولة العائلة أو دولة الإمارة.، التي باتت قياداتها مرتهنة في وجودها في السلطة لرضى الدول والقوى التي نتهمها بحياكة المؤامرات ضدنا..
لقد شرحت في مقالاتي المنشورة في مجلة الشاهد في سنوات العقد الأول للقرن الواحد والعشرين والتي يؤلف قسم منها هذا الكتاب.، طبيعة المؤامرة الأميركية.- الصهيونية.، وأبعادها على العالم.، وعلى الشرق الأوسط.، وعلى الأمة العربية بالذات.، وذلك بالتحليل المسند بالوثائق والأرقام.. وخلصت بضؤ ذلك إلى الاستنتاج بأن إحباط تلك المؤامرة لا يمكن أن يحصل إلّا عبر كسر القيود المكبلة لحرية المواطن العربي.، واعتماد الخيار الديموقراطي كخيار وحيد في عملية بناء السلطة والدولة المدنية.، الأمر الذي يحص.ّن في حال حصوله المجتمع العربي.، ويرفع من مستوى مناعته ويجعله كتلة واحدة متماسكة في التصدي لأي مؤامرة.، وكما يجعله متمتعا.ً بالقابلية الموضوعية لاستيعاب نتائج الثورة العلمية والتكنولوجية المحف.ّزة على التطور والتقدم..
إن الانتفاضات الشعبية العربية التي أسقطت سلطات ديكتاتورية مستبدة معمرة وفاسدة.، وإن لم ترق بعد إلى مستوى إسقاط الأنظمة وإجراء عملية التغيير المنشود نحو الدولة المدنية التعددية الديموقراطية.، وبالرغم كذلك من ركوب التيارات الدينية والسلفية موجتها الأولى.، فهي حركة تاريخية.، وهي بداية تحول نوعي ينقل المجتمع العربي من مجتمع أهلي.- قبلي.، إلى مجتمع مدني.، ولن ينجو من مدها أي نظام عربي لم يقرر طوعا.ً إطلاق الحريات الديموقراطية.، والسير بخيار بناء الدولة الديموقراطية التعددية..
إن البديل الثوري للواقع القائم.، سيولد حتما.ً من رحم الصراع الدائر بين الماضي والحاضر والذي قد يمر بعثرات وانتكاسات إلّا أن انتصاره حتمي في نهاية المطاف..
لقد تعلمنا من تجارب التاريخ أن مسار الثورات الشعبية مسار لولبي وليس مستقيما.ً. وإنني على ثقة بأن إرادة التغيير التي تمكنت من إسقاط أعتى الدكتاتوريات التي تجاوز عمرها العقود الأربعة.، لن تستكين ولن تعجز.، عن إسقاط بدائل هجينة من نفس النوع ستكون عاجزة حتما.ً بطبيعتها الشمولية .(التيارات السلفية.) عن تقديم الحلول اللازمة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعج بها بنية كل المجتمعات العربية وأقطارها..
يوسف مرتضى
Page 4
السيطرة على الشرق الأوسط
سيطرة على قلب العالم
.«دولة اليهود.» هي البداية
وجهان متعارضان وملتصقان قي رأس واحد؟!
هناك عند الطرف الشمالي من «السوق الرومانية» في فلسطين يقع معبد جانوس، وكان للرمز الوثني الذي يأويه هذا المعبد وجهان، أحدهما «يواجه الشرق» والآخر «يواجه الغرب».
طبقاً لكلام دزموند ستيورت في كتابه عن تاريخ الشرق الأوسط، فإن هذا المعبد كان يغلق أبوابه في وجه المتعبدين أيام السلم... ولذلك فإنه لم يغلق خلال سبعة قرون قبل ولادة المسيح سوى أربع مرات.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي العام 1948، فتحت البوابة على مصراعيها في ما عرف بتقسيم فلسطين، وما دعاه الغرب بـ: «دولة إسرائيل».
ولكن روح هذه الدولة كانت في غير هذا المكان، وهي لم تستقر فيه إلّا لأسباب مشبوهة.
عقلان منفعلان سيلتقيان مع الكتب لبضع ساعات.، دون أن يرى أحدهما وجه الآخر؟.!
و.ُلد .«ثيودور هرتزل.» لأبوين يهوديين في الثاني من شهر أيار العام .1860.. وكانت بودابست الواقعة على نهر الدانوب هي العاصمة التي سيعيش فيها طفولته وشبابه.، متلاطما.ً بين .«بحرين غير متكافئين.»: التقاليد الدينية اليهودية المغلقة.، والثقافة الألمانية الآخذة بالانتشار الفلسفي.، بصفته الأكثر إبداعا.ً وإنتاجا.ً للمذاهب العقلية والمادية والجدلية..
ولما كانت فيينا هي العاصمة المركزية للاستقطاب الجرماني.، وبما ينطوي عليه من تفاعل ثقافي.، فإن ثيودور الطالب وجد فيها ضالته المنشودة.. وهكذا انتقل إليها هو وأسرته في العام .1878.، ولكنه بدلا.ً من دراسته للأدب والمسرح الألمانيين.، اختار الاختصاص في ما له معنى .«المهنة.»، كلية الحقوق..
في هنغاريا .1867.، كان اليهود الذين يشكلون خمس سكان العاصمة.، وبموجب تعديل دستوري فرضه الرأي العام.، يتمتعون بحريات عامة حقيقية.، ولكن في عاصمة آل هامسبورغ.، فإن المائتي ألف يهودي المستحوذين على الثروات والقطاعات الاقتصادية الحساسة.، أثاروا نفور النمساويين.، وجعلوا السكان يرتابون بنواياهم ونفوذهم.... وبالفعل فإن .«أكبر عدو لليهود في العصور الحديثة إنما كان نمساويا.ً». ففي ما عدا .«لون الجلد.» والقدرة على التخاطب بلغة واحدة.، فإن كل ما يتبقى عند الجاليتين يفترق افتراقا.ً تاما.ً: كاثوليك ويهود... انفتاح وانغلاق... انتشار وغيتو... إنتاج وربا... وكلها كانت بادية للعيان لا في بلد فرانز جوزيف وحسب وإنما في أوروبا كلها.، ولكن المسألة وبمفارقة تاريخية ستشغل عقل .«ثيودور هرتزل.» وعقل أدولف هتلر في آن معا.ً.
بالنسبة للأول صدمه أن يرى في فيينا هذا العداء لليهود.، فما كان منه إلّا أن لجأ للكتب في محاولة لمعرفة الأسباب..
وأما بالنسبة للثاني.، الذي انتقل من بلدة لننر النمساوية بعد وفاة أمه إلى العاصمة.، فإنه أيضا.ً لجأ إلى الكتب ليعرف أصل ملامح .«هؤلاء الناس.» بعد أن صدمته رؤيتهم وهم يلبسون القفطان....» أيعقل أن يكون هؤلاء من الألمان؟.»... هكذا .«بدأ يتأملهم خلسة.» ويسأل..
عقلان يمثلان إذن.، دافعين مختلفين.، إزاء مشهد واحد.:
أسباب العداء للسامية ـ كما بدا هرتزل باحثا.ً ـ وأسباب تمايز .«اليهودي الفاسد عن الألماني النقي.»، كما بدا هتلر متسائلا.ً.
وكانت النتيجة التي توصل إليها «اليهودي النمساوي.» هي أن اللاسامية العنصرية أخطر من «التعصب الديني.»، في حين أن الثاني توصل إلى قناعة مفادها .«أن اليهودي مهما كانت عقائده لا سبيل إلى معالجة فساده.».
وقد كان من تداعيات هذا الصراع بين الفكرتين المتناقضتين ولادة نتيجة ثالثة.، كانت فلسطين العربية ضحيتها..
كان العداء لليهود قد و.ُجد في الأساس منذ أن بدأت الكنائس المسيحية تعمل على استقلالها من الأصل اليهودي.، بيد أن أوروبا كانت قد تأثرت بظهور أحد رسل المسيح الذي .«شكل تحوله من اليهودية إلى المسيحية.» أحد أكثر حوادث التحول إثارة في التاريخ.: إن .«شاوول اليهودي.» الذي اضطهد الكنيسة سيحمل اسم بولس ليصبح من أكثر المدافعين عنها..
لقد غضب بولس على اليهود لأنهم .«هم من قتل السيد المسيح.» بل .«والأنبياء أيضا.ً». ولأنهم .«يضطهدوننا بما لا يرضي الله.» فإنهم قد .«أصبحوا أعداء للجنس البشري.».
وفي العام .1581 سيحيي البابا غريغوري الثالث عشر الخطيئة التي ارتكبها اليهود برفضهم المسيح.، و«دورهم اللئيم.» في عملية .«تعذيبه وصلبه.».
وأما في فرنسا فإن عاصمتها باريس كانت قد أصبحت .«مسرحا.ً جديدا.ً للحركة اللاسامية.»، وفي العام .1885 سيقوم إدوارد درمونت بنشر كتاب عن «فرنسا اليهودية.» والذي سيأتي تعبيرا.ً عن كل الذين امتعضوا من موقف الثورة الفرنسية إزاء اليهود.: إن يهود فرنسا ـ يقول درمونت في كتابه ـ .«استغلوا توسع النظام الاقتصادي لمصلحتهم الخاصة.» وكان هدفهم من ذلك هو .«السيطرة على العالم» إنهم «كممثلين للرأسمالية الدولية قد خلقوا في كل مكان صناعات كبيرة حطمت الطبقة الوسطى.، وها هم قد.: «جمعوا الثروات في أيدي حفنة من اليهود ومنهم روتشيلد.». ولأن هذا هو دأبهم فقد أوصى بـ «مصادرة أموالهم لتوسيع وسائل الإنتاج حيث .(يستفيد.) الفقراء المست.َغ.َلون.».
لقد ن.ُسبت أفكار درمونت إلى نزعته اليمينية.، ولكن كارل ماركس اليساري وجد في نظره إلى التاريخ:» بأن كل طاغية يدعمه يهودي، وكل بابا يدعمه يسوعي. والواقع أن رغبات الظالمين لا تتحقق، وأن الحرب لا تكون ممكنة، ما لم يكن هناك جيش من اليسوعيين يكبت الفكر، وقليل من اليهود ينهب الجيوب».
وفي أسباتيا كانت مذابح محاكم التفتيش قد طالت بسيوفها ومشانقها اليهود والعرب على حد سواء.. وأما في بريطانيا فإن الطبقة العليا الإنكليزية كانت مصابة بالخوف من الأجانب وكرههم ومن ضمنهم اليهود.. وفي روسيا.، كان العداء للسامية يتصاعد عقب المذابح سنة .1881.. فقط في الديار الإسلامية عرف اليهود حياة مستقرة وبلا اضطهاد.، ذلك أن الدين الإسلامي تعامل مع اليهود بصفتهم من أهل الكتاب..
يقول دزموند ستيورت.: إن اليهود الذين سكنوا فلسطين كانوا من السفارديم الذين طردهم الملوك الكاثوليك من إسبانيا.، أما البقية من اليهود الذين لجأوا إلى الأقطار العربية.، وإن كان بعضهم قد أخذ الجنسية العثمانية.، إلّا أن الأكثرية المطلقة عاشت حياتها الطبيعية مع السكان العرب الأصليين.: تكلموا لغة العرب.، وأكلوا من أطعمتهم.، ولبسوا من ثيابهم.، غنوا واستمتعوا بالموسيقى العربية.، ما عدا تلك الفئة التي يعود نسلها إلى «الأشكيناز.» التي جاءت من أواسط أوروبا في القرن التاسع عشر... كل واحد من هؤلاء لبس قفطانا.ً ووضع على رأسه قلنسوة.، وأرسل شعره ضفائر طويلة.، وكانوا مع ذلك مقبولين من العرب.، حيث لم يدهشهم أيضا.ً أن تحلق اليهودية المتزوجة شعر رأسها وأن تستعمل شعرا.ً مستعارا.ً ولا أن يلبس اليهودي ضفائر الصلاة ولا أن يتلقى تعليمه في مدرسة يهودية.. وتتواتر الروايات.:
سيطرة على قلب العالم
.«دولة اليهود.» هي البداية
وجهان متعارضان وملتصقان قي رأس واحد؟!
هناك عند الطرف الشمالي من «السوق الرومانية» في فلسطين يقع معبد جانوس، وكان للرمز الوثني الذي يأويه هذا المعبد وجهان، أحدهما «يواجه الشرق» والآخر «يواجه الغرب».
طبقاً لكلام دزموند ستيورت في كتابه عن تاريخ الشرق الأوسط، فإن هذا المعبد كان يغلق أبوابه في وجه المتعبدين أيام السلم... ولذلك فإنه لم يغلق خلال سبعة قرون قبل ولادة المسيح سوى أربع مرات.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي العام 1948، فتحت البوابة على مصراعيها في ما عرف بتقسيم فلسطين، وما دعاه الغرب بـ: «دولة إسرائيل».
ولكن روح هذه الدولة كانت في غير هذا المكان، وهي لم تستقر فيه إلّا لأسباب مشبوهة.
عقلان منفعلان سيلتقيان مع الكتب لبضع ساعات.، دون أن يرى أحدهما وجه الآخر؟.!
و.ُلد .«ثيودور هرتزل.» لأبوين يهوديين في الثاني من شهر أيار العام .1860.. وكانت بودابست الواقعة على نهر الدانوب هي العاصمة التي سيعيش فيها طفولته وشبابه.، متلاطما.ً بين .«بحرين غير متكافئين.»: التقاليد الدينية اليهودية المغلقة.، والثقافة الألمانية الآخذة بالانتشار الفلسفي.، بصفته الأكثر إبداعا.ً وإنتاجا.ً للمذاهب العقلية والمادية والجدلية..
ولما كانت فيينا هي العاصمة المركزية للاستقطاب الجرماني.، وبما ينطوي عليه من تفاعل ثقافي.، فإن ثيودور الطالب وجد فيها ضالته المنشودة.. وهكذا انتقل إليها هو وأسرته في العام .1878.، ولكنه بدلا.ً من دراسته للأدب والمسرح الألمانيين.، اختار الاختصاص في ما له معنى .«المهنة.»، كلية الحقوق..
في هنغاريا .1867.، كان اليهود الذين يشكلون خمس سكان العاصمة.، وبموجب تعديل دستوري فرضه الرأي العام.، يتمتعون بحريات عامة حقيقية.، ولكن في عاصمة آل هامسبورغ.، فإن المائتي ألف يهودي المستحوذين على الثروات والقطاعات الاقتصادية الحساسة.، أثاروا نفور النمساويين.، وجعلوا السكان يرتابون بنواياهم ونفوذهم.... وبالفعل فإن .«أكبر عدو لليهود في العصور الحديثة إنما كان نمساويا.ً». ففي ما عدا .«لون الجلد.» والقدرة على التخاطب بلغة واحدة.، فإن كل ما يتبقى عند الجاليتين يفترق افتراقا.ً تاما.ً: كاثوليك ويهود... انفتاح وانغلاق... انتشار وغيتو... إنتاج وربا... وكلها كانت بادية للعيان لا في بلد فرانز جوزيف وحسب وإنما في أوروبا كلها.، ولكن المسألة وبمفارقة تاريخية ستشغل عقل .«ثيودور هرتزل.» وعقل أدولف هتلر في آن معا.ً.
بالنسبة للأول صدمه أن يرى في فيينا هذا العداء لليهود.، فما كان منه إلّا أن لجأ للكتب في محاولة لمعرفة الأسباب..
وأما بالنسبة للثاني.، الذي انتقل من بلدة لننر النمساوية بعد وفاة أمه إلى العاصمة.، فإنه أيضا.ً لجأ إلى الكتب ليعرف أصل ملامح .«هؤلاء الناس.» بعد أن صدمته رؤيتهم وهم يلبسون القفطان....» أيعقل أن يكون هؤلاء من الألمان؟.»... هكذا .«بدأ يتأملهم خلسة.» ويسأل..
عقلان يمثلان إذن.، دافعين مختلفين.، إزاء مشهد واحد.:
أسباب العداء للسامية ـ كما بدا هرتزل باحثا.ً ـ وأسباب تمايز .«اليهودي الفاسد عن الألماني النقي.»، كما بدا هتلر متسائلا.ً.
وكانت النتيجة التي توصل إليها «اليهودي النمساوي.» هي أن اللاسامية العنصرية أخطر من «التعصب الديني.»، في حين أن الثاني توصل إلى قناعة مفادها .«أن اليهودي مهما كانت عقائده لا سبيل إلى معالجة فساده.».
وقد كان من تداعيات هذا الصراع بين الفكرتين المتناقضتين ولادة نتيجة ثالثة.، كانت فلسطين العربية ضحيتها..
كان العداء لليهود قد و.ُجد في الأساس منذ أن بدأت الكنائس المسيحية تعمل على استقلالها من الأصل اليهودي.، بيد أن أوروبا كانت قد تأثرت بظهور أحد رسل المسيح الذي .«شكل تحوله من اليهودية إلى المسيحية.» أحد أكثر حوادث التحول إثارة في التاريخ.: إن .«شاوول اليهودي.» الذي اضطهد الكنيسة سيحمل اسم بولس ليصبح من أكثر المدافعين عنها..
لقد غضب بولس على اليهود لأنهم .«هم من قتل السيد المسيح.» بل .«والأنبياء أيضا.ً». ولأنهم .«يضطهدوننا بما لا يرضي الله.» فإنهم قد .«أصبحوا أعداء للجنس البشري.».
وفي العام .1581 سيحيي البابا غريغوري الثالث عشر الخطيئة التي ارتكبها اليهود برفضهم المسيح.، و«دورهم اللئيم.» في عملية .«تعذيبه وصلبه.».
وأما في فرنسا فإن عاصمتها باريس كانت قد أصبحت .«مسرحا.ً جديدا.ً للحركة اللاسامية.»، وفي العام .1885 سيقوم إدوارد درمونت بنشر كتاب عن «فرنسا اليهودية.» والذي سيأتي تعبيرا.ً عن كل الذين امتعضوا من موقف الثورة الفرنسية إزاء اليهود.: إن يهود فرنسا ـ يقول درمونت في كتابه ـ .«استغلوا توسع النظام الاقتصادي لمصلحتهم الخاصة.» وكان هدفهم من ذلك هو .«السيطرة على العالم» إنهم «كممثلين للرأسمالية الدولية قد خلقوا في كل مكان صناعات كبيرة حطمت الطبقة الوسطى.، وها هم قد.: «جمعوا الثروات في أيدي حفنة من اليهود ومنهم روتشيلد.». ولأن هذا هو دأبهم فقد أوصى بـ «مصادرة أموالهم لتوسيع وسائل الإنتاج حيث .(يستفيد.) الفقراء المست.َغ.َلون.».
لقد ن.ُسبت أفكار درمونت إلى نزعته اليمينية.، ولكن كارل ماركس اليساري وجد في نظره إلى التاريخ:» بأن كل طاغية يدعمه يهودي، وكل بابا يدعمه يسوعي. والواقع أن رغبات الظالمين لا تتحقق، وأن الحرب لا تكون ممكنة، ما لم يكن هناك جيش من اليسوعيين يكبت الفكر، وقليل من اليهود ينهب الجيوب».
وفي أسباتيا كانت مذابح محاكم التفتيش قد طالت بسيوفها ومشانقها اليهود والعرب على حد سواء.. وأما في بريطانيا فإن الطبقة العليا الإنكليزية كانت مصابة بالخوف من الأجانب وكرههم ومن ضمنهم اليهود.. وفي روسيا.، كان العداء للسامية يتصاعد عقب المذابح سنة .1881.. فقط في الديار الإسلامية عرف اليهود حياة مستقرة وبلا اضطهاد.، ذلك أن الدين الإسلامي تعامل مع اليهود بصفتهم من أهل الكتاب..
يقول دزموند ستيورت.: إن اليهود الذين سكنوا فلسطين كانوا من السفارديم الذين طردهم الملوك الكاثوليك من إسبانيا.، أما البقية من اليهود الذين لجأوا إلى الأقطار العربية.، وإن كان بعضهم قد أخذ الجنسية العثمانية.، إلّا أن الأكثرية المطلقة عاشت حياتها الطبيعية مع السكان العرب الأصليين.: تكلموا لغة العرب.، وأكلوا من أطعمتهم.، ولبسوا من ثيابهم.، غنوا واستمتعوا بالموسيقى العربية.، ما عدا تلك الفئة التي يعود نسلها إلى «الأشكيناز.» التي جاءت من أواسط أوروبا في القرن التاسع عشر... كل واحد من هؤلاء لبس قفطانا.ً ووضع على رأسه قلنسوة.، وأرسل شعره ضفائر طويلة.، وكانوا مع ذلك مقبولين من العرب.، حيث لم يدهشهم أيضا.ً أن تحلق اليهودية المتزوجة شعر رأسها وأن تستعمل شعرا.ً مستعارا.ً ولا أن يلبس اليهودي ضفائر الصلاة ولا أن يتلقى تعليمه في مدرسة يهودية.. وتتواتر الروايات.:
Page 5
يحدثنا المؤرخ ابن أياس عن أن الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي.(.996-.1020 م.) أنه أذن لليهود الذين دخلوا الإسلام دون قناعة بالعودة إلى دينهم.، وأنه .– حسب كاتب سيرة ابن ميمون.- ارت.ّد منهم في يوم واحد نحو سبعة الاف يهودي..
ويضيف الدكتور محسن علي شومان.، بأن الجماعات اليهودية التي عاشت في مصر احتفظت بملامح جغرافيتها السكانية نفسها.، وأن مصر المملوكية .(.1250-.1517.) لم تغلق أبوابها أمام أفواج اليهود المهاجرين.، ولا سيما بعد أن اشتد تيار الهجرة إثر طرد مسلمي ويهود الأندلس .1492.، بل واتاحت لهم الفرصة للالتحاق بوظائف البلاط المملوكي..
في العهد العثماني استمر وضع اليهود في مصر.، وعلى وجه التحديد في مدينة الأسكندرية.، على حاله من الاستقرار والأمان..
إن أحوال يهود مصر.- كما يكتب الرحالة اليهودي صامويل جيمسل.- كانت مزدهرة.، وحسب الرحالة الألماني كارستن نيبور عند مطلع ستينيات القرن الثامن عشر كانت طيبة جدا.ً. وطيلة القرن التاسع عشر.، كانت ما زالت تغور مصر .«موطئ قدم للوافدين اليهود عن طريق البحر... وإلى وقت ليس ببعيد من القرن العشرين.، كانت القاهرة.- ما بعد الاسكندرية .– تعج باليهود الوافدين إلى مصر لينضموا إلى اليهود المحليين.، وغالبا.ً ما كان يسمع عن هذه التشكيلة بأسماء ألقابها التي تدل على بلدانهم الأصلية.: المغربي.... الشامي.... الرومي..... الفرنجي.... الأشكنازي.... إلخ.».
على تخوم مصر لم يكن اليهود أقل وجودا.ً وأمنا.ً: ليبيا.، وتواجدهم في طرابلس الغرب.، مصراته.، وغريان.، وبرقة... تونس.، وتواجدهم في جربة وقابس.... الجزائر.، وتواجدهم في وهران وقسطنطينة وتلمسان وتوجرت..... المغرب وتواجدهم في فاس وأمزير..
وكذلك كان الأمر في بلاد الشام.، التي يتعين نطاقها الجغرافي بفلسطين ولبنان وسوريا..
وعن العلاقة بين العثمانيين واليهود أ.ُسقط وصف.: التعايش الوردي.... وما كانوا أقل من هذا في اليمن السعيد..
وإنهم كانوا في كل الأقطار العربية يزاولون مهنهم الحرة.، وكانت مهنة الصيرفة والتجارة بالذهب هي الطاغية على ما عداها من المهن الأخرى.... ومعتقداتهم وشعائرهم الدينية حيث لم يغب الكنيست في أي من هذه الأقطار التي عاشوا فيها..
لم يجداليهود حاضنة لهم كما احتضنتهم هذه الأمة العربية ومعها العالم الإسلامي..
فقط في أوروبا.، وفي الجزء الشرقي منها.، كانت حياتهم .«منفرة.» لمجتمعاتها.، وكانوا هم في الأساس قد ساهموا على هذا المستوى أو ذاك بخلق هذا النفور.، لا من حيث العزلة التي عاشوا فيها في الغيتوات.، وإنما أكثر فأكثر من حيث منظومة التربص بمال أوروبا وبحركتها الدينية والسياسية والصناعية.... كان هذا هو دأبهم في الجغرافيا العالمية التي أطروا فيها تكلتهم.، وهو في حالته الأولية الكئيبة..
وفي كل الأحوال.، فإن تنامي العداء ضدهم.، إنما يرجع لأسباب تفاقمت في أوروبا وكانت أكثر حدية في شرقها ما عدا شرق العرب والإسلام.. وبمفارقة تاريخية قاسية.، فإن هذا العداء سيجري توظيفه ليكون على حساب العرب والمسلمين.!
إن الحركة الصهيونية التي ستجند مؤيدين لها من بين خمسة ملايين يهودي تابعين للقيصر الروسي.، ستعترف الآن بالرجل الذي سيقودها والذي سيجعل العداء ضد اليهود جزءا.ً من مشروعه السياسي.: كما في .«لعبة الجودو».، حيث يستغل فيها اللاعب .«قوى خصمه.» ضده.، استغل ثيودور هرتزل .«اللاسامية.» استغلالا.ً خبيثا.ً، بل وجعل منها .«حشوة تفجير.» أبقت محرك الصهيونية شغالا.ً، إلى وقتنا هذا.... وإلى ما بعد هذا الوقت.، لأن المشروع لن يغطي فلسطين المركزية وإنما سيمتد إلى ما هو أوسع من ذلك.: إلى منطقة تقع في قلب العالم.، انطلاقا.ً من أرض فلسطين التي تقع في قلب المنطقة ذاتها..
والواقع أن هذا الصهيوني المؤسس لم يكن ليتصور في أشد أحلامه نضوجا.ً، أن لعبة .«اللاسامية.» ستكتسب .«قوة نووية.» من فرط تفشي إشعاعها السام في مناطق صنع القرار السياسي العالمي.، وأدواتها في المال والاتصال والسلاح..
مثلما أدعت السلطنة العثمانية بأنها هي مركز «الخلافة الإسلامية.»، أدعت كذلك الإمبراطورية النمساوية.-المجرية بأنها هي «مركز الكاثوليك.» في العالم كله..
ومثلما كانت سلطنة آل عثمان تضم في فضاءاتها شعوبا.ً وإثنيات وقوميات وأعراقا.ً مختلفة .(أرمن .+ يونان .+ بلغار .+ رومان .+...) ضمت إمبراطورية آل هامسبورغ.، شعوبا.ً تنتمي هي الأخرى إلى أنساب وأصول وهويات مختلفة .(الشعوب السلافية.، والتشكية.، والكرواتية....).
ومثلما واجهت البلاد المحاذية لمياه البوسفور والدردنيل موجات انتفاضية.، وثورات معادية من .«النصف الأوروبي.» ومن .«النصف الآسيوي.» التي تقع بينهما.، واجهت البلاد المحاذية لنهر الدانوب حركات التحرر إياها.. وهكذا في ما عدا «الفارق الديني.» فإن كل ما تبقى كان يتماثل تماثلا.ً تاما.ً.
وعلى أن هذا الفارق الديني لم يكن لينحصر في الهوية.، وإنما هو يزداد اتساعا.ً وعمقا.ً إزاء الموقف من اليهود.، فهما هنا على ثقافتين متنافرتين.، تجدان أساسهما في المعتقد.، وتستندان «فقهيا.ً» إلى رؤى متناقضة كليا.ً. بل ومرتبطة بالأجواء السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة..
كان موقف تركيا من الأقليات موقفا.ً بعيدا.ً عن التمييز العرقي.، أي طبيعيا.ً ومتسامحا.ً حتى تثور عليها.. وعلى العكس تماما.ً، لم تكن النمسا لتتسامح مع الأقليات اللاكاثوليكية واللاجرمانية.، وكان يزداد كرهها لليهود لأسباب لها صلة بممارسات اليهود أنفسهم .(كما هو دأبهم في أنحاء العالم دون استثناء.): إن .«ثورة المائتي ألف يهودي في النمسا.»، تكونت في صورة ضخمة على حساب مئات الألوف من فقراء الإمبراطورية.، لقد شعر هؤلاء بأنفسهم مندمجين في حركة للاستقطاب الاقتصادي.- الصناعي جرهم جرا.ً لخدمة .«ربا.» سياسي ومالي.، ناشئ عن كتلة لأقلية متماسكة ضد السكان الأصليين.، كتلة لا تندمج إلّا بما هو استثمار.، ولا تعود مردوديته إلّا إلى صناديقها هي.، تبتز.، وتفرض نوعا.ً من تفكير غير أخلاقي.، وغير وطني.، وغير متسامح..
على خلفية ما للمال والقروض وإحكام السيطرة على المصارف العالمية وتجارة الذهب.، والصناعات النوعية الكبرى من تأثير.، بدأ ثيودور هرتزل يضع مخططاته في .«مسودة.» للاختبار والتحرك..
ولكن .«المسودة.» كيما تصبح مؤهلة للإرتفاع إلى مستوى استراتيجي وجد أن كتابا.ً عن .«دولة اليهود.» من شأنه أن يوفر الشروط الأيديولوجية والدينية والسياسية التي يقتضيها الاختبار الميداني من جهة.، والتحرك نحو هدف محدد من جهة ثانية..
وهكذا نشر كتابه عن هذه الدولة.، الذي يظهر .«التآمر التاريخي.» في إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين.. وعلى الفور ستوضع الدولة المزعومة موضع التنفيذ انطلاقا.ً من هرتزل والحركة الصهيونية التي أنشأها هو.، في حركة ميدانية على الأرض ضمت ثلاثة محاور.: بريطانيا .– تركيا .– ألمانيا.، وهي في مؤتمرات راحت تلاحق بعضها بعضا.ً.
ويضيف الدكتور محسن علي شومان.، بأن الجماعات اليهودية التي عاشت في مصر احتفظت بملامح جغرافيتها السكانية نفسها.، وأن مصر المملوكية .(.1250-.1517.) لم تغلق أبوابها أمام أفواج اليهود المهاجرين.، ولا سيما بعد أن اشتد تيار الهجرة إثر طرد مسلمي ويهود الأندلس .1492.، بل واتاحت لهم الفرصة للالتحاق بوظائف البلاط المملوكي..
في العهد العثماني استمر وضع اليهود في مصر.، وعلى وجه التحديد في مدينة الأسكندرية.، على حاله من الاستقرار والأمان..
إن أحوال يهود مصر.- كما يكتب الرحالة اليهودي صامويل جيمسل.- كانت مزدهرة.، وحسب الرحالة الألماني كارستن نيبور عند مطلع ستينيات القرن الثامن عشر كانت طيبة جدا.ً. وطيلة القرن التاسع عشر.، كانت ما زالت تغور مصر .«موطئ قدم للوافدين اليهود عن طريق البحر... وإلى وقت ليس ببعيد من القرن العشرين.، كانت القاهرة.- ما بعد الاسكندرية .– تعج باليهود الوافدين إلى مصر لينضموا إلى اليهود المحليين.، وغالبا.ً ما كان يسمع عن هذه التشكيلة بأسماء ألقابها التي تدل على بلدانهم الأصلية.: المغربي.... الشامي.... الرومي..... الفرنجي.... الأشكنازي.... إلخ.».
على تخوم مصر لم يكن اليهود أقل وجودا.ً وأمنا.ً: ليبيا.، وتواجدهم في طرابلس الغرب.، مصراته.، وغريان.، وبرقة... تونس.، وتواجدهم في جربة وقابس.... الجزائر.، وتواجدهم في وهران وقسطنطينة وتلمسان وتوجرت..... المغرب وتواجدهم في فاس وأمزير..
وكذلك كان الأمر في بلاد الشام.، التي يتعين نطاقها الجغرافي بفلسطين ولبنان وسوريا..
وعن العلاقة بين العثمانيين واليهود أ.ُسقط وصف.: التعايش الوردي.... وما كانوا أقل من هذا في اليمن السعيد..
وإنهم كانوا في كل الأقطار العربية يزاولون مهنهم الحرة.، وكانت مهنة الصيرفة والتجارة بالذهب هي الطاغية على ما عداها من المهن الأخرى.... ومعتقداتهم وشعائرهم الدينية حيث لم يغب الكنيست في أي من هذه الأقطار التي عاشوا فيها..
لم يجداليهود حاضنة لهم كما احتضنتهم هذه الأمة العربية ومعها العالم الإسلامي..
فقط في أوروبا.، وفي الجزء الشرقي منها.، كانت حياتهم .«منفرة.» لمجتمعاتها.، وكانوا هم في الأساس قد ساهموا على هذا المستوى أو ذاك بخلق هذا النفور.، لا من حيث العزلة التي عاشوا فيها في الغيتوات.، وإنما أكثر فأكثر من حيث منظومة التربص بمال أوروبا وبحركتها الدينية والسياسية والصناعية.... كان هذا هو دأبهم في الجغرافيا العالمية التي أطروا فيها تكلتهم.، وهو في حالته الأولية الكئيبة..
وفي كل الأحوال.، فإن تنامي العداء ضدهم.، إنما يرجع لأسباب تفاقمت في أوروبا وكانت أكثر حدية في شرقها ما عدا شرق العرب والإسلام.. وبمفارقة تاريخية قاسية.، فإن هذا العداء سيجري توظيفه ليكون على حساب العرب والمسلمين.!
إن الحركة الصهيونية التي ستجند مؤيدين لها من بين خمسة ملايين يهودي تابعين للقيصر الروسي.، ستعترف الآن بالرجل الذي سيقودها والذي سيجعل العداء ضد اليهود جزءا.ً من مشروعه السياسي.: كما في .«لعبة الجودو».، حيث يستغل فيها اللاعب .«قوى خصمه.» ضده.، استغل ثيودور هرتزل .«اللاسامية.» استغلالا.ً خبيثا.ً، بل وجعل منها .«حشوة تفجير.» أبقت محرك الصهيونية شغالا.ً، إلى وقتنا هذا.... وإلى ما بعد هذا الوقت.، لأن المشروع لن يغطي فلسطين المركزية وإنما سيمتد إلى ما هو أوسع من ذلك.: إلى منطقة تقع في قلب العالم.، انطلاقا.ً من أرض فلسطين التي تقع في قلب المنطقة ذاتها..
والواقع أن هذا الصهيوني المؤسس لم يكن ليتصور في أشد أحلامه نضوجا.ً، أن لعبة .«اللاسامية.» ستكتسب .«قوة نووية.» من فرط تفشي إشعاعها السام في مناطق صنع القرار السياسي العالمي.، وأدواتها في المال والاتصال والسلاح..
مثلما أدعت السلطنة العثمانية بأنها هي مركز «الخلافة الإسلامية.»، أدعت كذلك الإمبراطورية النمساوية.-المجرية بأنها هي «مركز الكاثوليك.» في العالم كله..
ومثلما كانت سلطنة آل عثمان تضم في فضاءاتها شعوبا.ً وإثنيات وقوميات وأعراقا.ً مختلفة .(أرمن .+ يونان .+ بلغار .+ رومان .+...) ضمت إمبراطورية آل هامسبورغ.، شعوبا.ً تنتمي هي الأخرى إلى أنساب وأصول وهويات مختلفة .(الشعوب السلافية.، والتشكية.، والكرواتية....).
ومثلما واجهت البلاد المحاذية لمياه البوسفور والدردنيل موجات انتفاضية.، وثورات معادية من .«النصف الأوروبي.» ومن .«النصف الآسيوي.» التي تقع بينهما.، واجهت البلاد المحاذية لنهر الدانوب حركات التحرر إياها.. وهكذا في ما عدا «الفارق الديني.» فإن كل ما تبقى كان يتماثل تماثلا.ً تاما.ً.
وعلى أن هذا الفارق الديني لم يكن لينحصر في الهوية.، وإنما هو يزداد اتساعا.ً وعمقا.ً إزاء الموقف من اليهود.، فهما هنا على ثقافتين متنافرتين.، تجدان أساسهما في المعتقد.، وتستندان «فقهيا.ً» إلى رؤى متناقضة كليا.ً. بل ومرتبطة بالأجواء السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة..
كان موقف تركيا من الأقليات موقفا.ً بعيدا.ً عن التمييز العرقي.، أي طبيعيا.ً ومتسامحا.ً حتى تثور عليها.. وعلى العكس تماما.ً، لم تكن النمسا لتتسامح مع الأقليات اللاكاثوليكية واللاجرمانية.، وكان يزداد كرهها لليهود لأسباب لها صلة بممارسات اليهود أنفسهم .(كما هو دأبهم في أنحاء العالم دون استثناء.): إن .«ثورة المائتي ألف يهودي في النمسا.»، تكونت في صورة ضخمة على حساب مئات الألوف من فقراء الإمبراطورية.، لقد شعر هؤلاء بأنفسهم مندمجين في حركة للاستقطاب الاقتصادي.- الصناعي جرهم جرا.ً لخدمة .«ربا.» سياسي ومالي.، ناشئ عن كتلة لأقلية متماسكة ضد السكان الأصليين.، كتلة لا تندمج إلّا بما هو استثمار.، ولا تعود مردوديته إلّا إلى صناديقها هي.، تبتز.، وتفرض نوعا.ً من تفكير غير أخلاقي.، وغير وطني.، وغير متسامح..
على خلفية ما للمال والقروض وإحكام السيطرة على المصارف العالمية وتجارة الذهب.، والصناعات النوعية الكبرى من تأثير.، بدأ ثيودور هرتزل يضع مخططاته في .«مسودة.» للاختبار والتحرك..
ولكن .«المسودة.» كيما تصبح مؤهلة للإرتفاع إلى مستوى استراتيجي وجد أن كتابا.ً عن .«دولة اليهود.» من شأنه أن يوفر الشروط الأيديولوجية والدينية والسياسية التي يقتضيها الاختبار الميداني من جهة.، والتحرك نحو هدف محدد من جهة ثانية..
وهكذا نشر كتابه عن هذه الدولة.، الذي يظهر .«التآمر التاريخي.» في إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين.. وعلى الفور ستوضع الدولة المزعومة موضع التنفيذ انطلاقا.ً من هرتزل والحركة الصهيونية التي أنشأها هو.، في حركة ميدانية على الأرض ضمت ثلاثة محاور.: بريطانيا .– تركيا .– ألمانيا.، وهي في مؤتمرات راحت تلاحق بعضها بعضا.ً.
Page 6
وكلاهما هرتزل والصهيونية.، كانا في قلب التحولات التي بدأت تشهدها الساحة الأوروبية إزاء ما عرف بتركة .«الرجل المريض.» بدءا.ً من منتصف القرن التاسع عشر.، وكلاهما سيتبادلان الارتباط حول شكل الدولة ومكانها وحدودها.:
.- كانت فكرة هرتزل عن الدولة التي يتطلع إليها .«متشرذمة في نطاق جغرافي.» لا يتعدى فلسطين بصفتها عنده .«أرض إسرائيل الموعودة.». وإذا استحالت فلا بأس أن تكون قبرص أو العريش في سيناء أوأوغندا أو حتى الأرجنتين بديلا.ً عنها.، المهم عنده أن يجد اليهود لشتاتهم دولة تجمعهم.، وأن تكون في الوقت نفسه برعاية دولة عظمى.، كمرحلة أولى.، وبالقانون الدولي لمرحلة ثانية..
بينما كانت فكرة الصهيونية عن هذه الدولة متسعة.، بحيث تشمل أراضي الفرات والنيل.، ومن ثم تنطلق منها لتحقيق .«عالمية لليهود.» تمكنها من النفوذ والسيطرة.، وإدارة نظام عالمي يخدم ما كانت تنسبه إلى الرب فكرة .«شعب الله المختار.».
في الواقع لم يكن ثيودورهرتزل أقل إيمانا.ً بفكرة الصهيونية.، إلّا أنه من كثرة ما قوبل به من تهكم وسخرية جعلاه مترددا.ً ويائسا.ً من إمكانية تحقيق ذلك الحلم بعالمية اليهود.: أولا.ً، لأنها «شبه خيالية.».... وثانيا.ً، لأنها تأتي متأخرة عن .«عالميات.» كانت تتطلع إليها إمبراطوريات أوروبا كل من زاويتها.... وثالثا.ً .– وهنا مربط الفرس.- تستفز من كان ينظر إليها كراع لفكرة .«تأسيس وطن قومي لليهود.»، بل حتى إنها تتعارض مع هذا .«الراعي.» لكونه قد شرع في التفكير بإقامة إمبراطورية بريطانية تغطي بحجمها وقوتها ما يماثل نظاما.ً عالميا.ً للقرن العشرين..
إن .«بريطانيا الفيكتورية كانت في هذا السياق قد بدأت تجهز وتحضر لمثل هذه الإمبراطورية العالمية.: لم تكن سيطرتها على ربع مساحة الكون.، وإحكام قبضتها على الهند.، وتركيز وجودها في جنوب أفريقيا.، ثم إقدامها على احتلال معظم جزر العالم وممراته الاستراتيجية .(الأرجنتين.- قبرص.- جبل طارق.- قناة السويس....) وحروبها في الصين.، واحتلالها أخيرا.ً لمصر والسودان.، وتركيزها على فلسطين واستبعادها من التداول في المسألة الشرقية وتمسكها باستراتيجية فرض سيادتها على البحار من عدن عند مداخل البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية.، إلى رأس الرجاء الصالح.... كلها كانت ترسم الخطوط التي سعت بريطانيا لتكوين خريطة عالمية.، تضع في احتيازها قواعد لعالمية نظامها التي تسعى إليها..
وكانت أعظم القواعد بالنسبة لبريطانيا هي القاعدة التي تجمع الشرق الأدنى مع دول وادي النيل.، وشبه الجزيرة العربية.، وآسيا الوسطى.، أي القاعدة التي ستطلق عليها اسم.: الشرق الأوسط..
ولذا فإن ثيودورهرتزل.، وخلافا.ً للحركة الصهيونية.، سعى .«لاقتطاع بقعة.» من هذه المساحة الشاسعة تكون دولة لليهود.، ولكنها في الوقت نفسه تكون في خدمة متبادلة بين .«المركز اليهودي.» وبين الإمبراطوريات الأخرى.، ما عدا روسيا وفرنسا.!
أما ما هو أكثر من ذلك.، كان عليه أن ينتظر قيام الدولة اليهودية.، إذ بعدها سيتضح المسار الذي بإمكان الحركة الصهيونية أن تتحرك في مداه..
على قاعدة هذا التأسيس سيبدأ مؤسس الحركة الصهيونية رحلاته ولقاءاته و.... تقديم إغراءاته الصهيونية .: المال.، والإعلام.، والخدمات السياسية.- ولاحقا.ً الخدمات العسكرية..
كانت خطوته الأولى عبارة عن رسائل بدأ بتوجيهها إلى عائلة روتشيلد.، ولكي يقنعهم بأهمية ما يفكر به.، فإنه لجأ إلى الضرب على الوتر الحساس.: «أبدا.ً... لن تكون ثرواتكم في مأمن ما لم تقم دولة لليهود.».
وفي رسالة أخرى تعكس بعمق ما يضمر المشروع الصهيوني.، لجأ إلى .«القياس العلمي.»: «إنكم تعلمون بأن البخار لا يولد من غير غلي الماء في غلاية.، واستنادا.ً لهذا فإن الصهيونية والإمكانات التي يمكن أن توفرها إزاء كبح اللاسامية.، هو نوع من الغليان الذي نبحث عنه.، وإذا ما استغلينا قوته.، فمن شأنه أن يوفر طاقة تدير محركا.ً كبيرا.ً. ونحن لا نريد من هذا المحرك إلّا أن ينقل الركاب والبضائع إلى مرفأ نريد أن تكون مراسينا راسخة في حوضه.».
وفي رسالة ثالثة احتفظ بها .(كشف عنها لاحقا.ً)، كتب ما يعكس حلمه حول .«تأسيس جمهورية يهودية ارستقراطية كالبندقية.».
ولكن عندما طرح عليه السؤال المتعلق بالسكان الأصليين.، كان جوابه بأن.، «لدينا خطة محكمة ومنهجية لطرد السكان إلى ما وراء الحدود.».
ويومها كان عدد الفلسطينيين لا يقل عن .650 ألف نسمة.، في حين لم يكن عدد اليهود ليتجاوز بضعة آلاف..
كانت الحصيلة الأولى من رسائله هي .: الإهمال..
فلا روتشيلد اهتم بها.، ولا الألمان الذين لن يجدوا فائدة في.، «رجل لم يعرض المال.، وليس لديه عسكر.!».
وأما البقية التي نمي إليها خبر الرسائل.، فتعاملت مع أفكاره بكثير من التردد والخوف.، ولم يصدقوا أن رجلا.ً يمكن أن يكون عاقلا.ً وهو يفكر بانتزاع وطن من أصحابه ليملأه بمستوطنين.، أتى بهم من هنا وهناك وهنالك..
ولكن هرتزل كان قد أصبح مثل .«هاملت.» في حالات الانجذاب متعصبا.ً... مشككا.ً، ويخاف من الساخرين.: «إن أصعب معاركي كانت وستكون مع السخرية.، لأنها بطابعها اليهودي تبدو كاستجابة واهية من سجين ليحاول عبثا.ً أن يظهر نفسه بأنه يملك الحرية.»... بهذا راح يدافع عن نفسه.، وبهذا أيضا.ً بدأ يهدد كل من يسخر منه بـ«شن حملة صحفية عليه.».
لقد وجد هرتزل في صديقه الهنغاري .«ماكس نوردو.» آذانا.ً صاغية.. وكانت مفارقة أن يصبح هذا الصديق المعادي لأفكار اليهود من مريديه.:
كانت فكرة نوردو عن الدين اليهودي مليئة بالاستهزاء.، فهو في كتابه عن «كذب حضارتنا التقليدي يصف العهد القديم كأثر أدبي.، بأنه .«جاء متأخرا.ً عن الفيدا.»، وأن كل شيء كتب في أدبياته لا يساوي شيئا.ً مما كتب في الألفي سنة الماضية.، وبأن مبادئه الأخلاقية مغلقة كما يظهر من الانتقام الخبيث المنسوب إلى الله..
.- كانت فكرة هرتزل عن الدولة التي يتطلع إليها .«متشرذمة في نطاق جغرافي.» لا يتعدى فلسطين بصفتها عنده .«أرض إسرائيل الموعودة.». وإذا استحالت فلا بأس أن تكون قبرص أو العريش في سيناء أوأوغندا أو حتى الأرجنتين بديلا.ً عنها.، المهم عنده أن يجد اليهود لشتاتهم دولة تجمعهم.، وأن تكون في الوقت نفسه برعاية دولة عظمى.، كمرحلة أولى.، وبالقانون الدولي لمرحلة ثانية..
بينما كانت فكرة الصهيونية عن هذه الدولة متسعة.، بحيث تشمل أراضي الفرات والنيل.، ومن ثم تنطلق منها لتحقيق .«عالمية لليهود.» تمكنها من النفوذ والسيطرة.، وإدارة نظام عالمي يخدم ما كانت تنسبه إلى الرب فكرة .«شعب الله المختار.».
في الواقع لم يكن ثيودورهرتزل أقل إيمانا.ً بفكرة الصهيونية.، إلّا أنه من كثرة ما قوبل به من تهكم وسخرية جعلاه مترددا.ً ويائسا.ً من إمكانية تحقيق ذلك الحلم بعالمية اليهود.: أولا.ً، لأنها «شبه خيالية.».... وثانيا.ً، لأنها تأتي متأخرة عن .«عالميات.» كانت تتطلع إليها إمبراطوريات أوروبا كل من زاويتها.... وثالثا.ً .– وهنا مربط الفرس.- تستفز من كان ينظر إليها كراع لفكرة .«تأسيس وطن قومي لليهود.»، بل حتى إنها تتعارض مع هذا .«الراعي.» لكونه قد شرع في التفكير بإقامة إمبراطورية بريطانية تغطي بحجمها وقوتها ما يماثل نظاما.ً عالميا.ً للقرن العشرين..
إن .«بريطانيا الفيكتورية كانت في هذا السياق قد بدأت تجهز وتحضر لمثل هذه الإمبراطورية العالمية.: لم تكن سيطرتها على ربع مساحة الكون.، وإحكام قبضتها على الهند.، وتركيز وجودها في جنوب أفريقيا.، ثم إقدامها على احتلال معظم جزر العالم وممراته الاستراتيجية .(الأرجنتين.- قبرص.- جبل طارق.- قناة السويس....) وحروبها في الصين.، واحتلالها أخيرا.ً لمصر والسودان.، وتركيزها على فلسطين واستبعادها من التداول في المسألة الشرقية وتمسكها باستراتيجية فرض سيادتها على البحار من عدن عند مداخل البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية.، إلى رأس الرجاء الصالح.... كلها كانت ترسم الخطوط التي سعت بريطانيا لتكوين خريطة عالمية.، تضع في احتيازها قواعد لعالمية نظامها التي تسعى إليها..
وكانت أعظم القواعد بالنسبة لبريطانيا هي القاعدة التي تجمع الشرق الأدنى مع دول وادي النيل.، وشبه الجزيرة العربية.، وآسيا الوسطى.، أي القاعدة التي ستطلق عليها اسم.: الشرق الأوسط..
ولذا فإن ثيودورهرتزل.، وخلافا.ً للحركة الصهيونية.، سعى .«لاقتطاع بقعة.» من هذه المساحة الشاسعة تكون دولة لليهود.، ولكنها في الوقت نفسه تكون في خدمة متبادلة بين .«المركز اليهودي.» وبين الإمبراطوريات الأخرى.، ما عدا روسيا وفرنسا.!
أما ما هو أكثر من ذلك.، كان عليه أن ينتظر قيام الدولة اليهودية.، إذ بعدها سيتضح المسار الذي بإمكان الحركة الصهيونية أن تتحرك في مداه..
على قاعدة هذا التأسيس سيبدأ مؤسس الحركة الصهيونية رحلاته ولقاءاته و.... تقديم إغراءاته الصهيونية .: المال.، والإعلام.، والخدمات السياسية.- ولاحقا.ً الخدمات العسكرية..
كانت خطوته الأولى عبارة عن رسائل بدأ بتوجيهها إلى عائلة روتشيلد.، ولكي يقنعهم بأهمية ما يفكر به.، فإنه لجأ إلى الضرب على الوتر الحساس.: «أبدا.ً... لن تكون ثرواتكم في مأمن ما لم تقم دولة لليهود.».
وفي رسالة أخرى تعكس بعمق ما يضمر المشروع الصهيوني.، لجأ إلى .«القياس العلمي.»: «إنكم تعلمون بأن البخار لا يولد من غير غلي الماء في غلاية.، واستنادا.ً لهذا فإن الصهيونية والإمكانات التي يمكن أن توفرها إزاء كبح اللاسامية.، هو نوع من الغليان الذي نبحث عنه.، وإذا ما استغلينا قوته.، فمن شأنه أن يوفر طاقة تدير محركا.ً كبيرا.ً. ونحن لا نريد من هذا المحرك إلّا أن ينقل الركاب والبضائع إلى مرفأ نريد أن تكون مراسينا راسخة في حوضه.».
وفي رسالة ثالثة احتفظ بها .(كشف عنها لاحقا.ً)، كتب ما يعكس حلمه حول .«تأسيس جمهورية يهودية ارستقراطية كالبندقية.».
ولكن عندما طرح عليه السؤال المتعلق بالسكان الأصليين.، كان جوابه بأن.، «لدينا خطة محكمة ومنهجية لطرد السكان إلى ما وراء الحدود.».
ويومها كان عدد الفلسطينيين لا يقل عن .650 ألف نسمة.، في حين لم يكن عدد اليهود ليتجاوز بضعة آلاف..
كانت الحصيلة الأولى من رسائله هي .: الإهمال..
فلا روتشيلد اهتم بها.، ولا الألمان الذين لن يجدوا فائدة في.، «رجل لم يعرض المال.، وليس لديه عسكر.!».
وأما البقية التي نمي إليها خبر الرسائل.، فتعاملت مع أفكاره بكثير من التردد والخوف.، ولم يصدقوا أن رجلا.ً يمكن أن يكون عاقلا.ً وهو يفكر بانتزاع وطن من أصحابه ليملأه بمستوطنين.، أتى بهم من هنا وهناك وهنالك..
ولكن هرتزل كان قد أصبح مثل .«هاملت.» في حالات الانجذاب متعصبا.ً... مشككا.ً، ويخاف من الساخرين.: «إن أصعب معاركي كانت وستكون مع السخرية.، لأنها بطابعها اليهودي تبدو كاستجابة واهية من سجين ليحاول عبثا.ً أن يظهر نفسه بأنه يملك الحرية.»... بهذا راح يدافع عن نفسه.، وبهذا أيضا.ً بدأ يهدد كل من يسخر منه بـ«شن حملة صحفية عليه.».
لقد وجد هرتزل في صديقه الهنغاري .«ماكس نوردو.» آذانا.ً صاغية.. وكانت مفارقة أن يصبح هذا الصديق المعادي لأفكار اليهود من مريديه.:
كانت فكرة نوردو عن الدين اليهودي مليئة بالاستهزاء.، فهو في كتابه عن «كذب حضارتنا التقليدي يصف العهد القديم كأثر أدبي.، بأنه .«جاء متأخرا.ً عن الفيدا.»، وأن كل شيء كتب في أدبياته لا يساوي شيئا.ً مما كتب في الألفي سنة الماضية.، وبأن مبادئه الأخلاقية مغلقة كما يظهر من الانتقام الخبيث المنسوب إلى الله..
Page 7
إلّا أن الحقد كان أقوى من القناعات.، والكفر أقدر على فعالية المذهب العقلي الذي ينتمي إليه.: لقد قبل فكرة اغتصاب فلسطين... وتبنى مفهوما.ً للقومية اليهودية لا أساس علميا.ً له..
ولم يقف أمره عند هذا الحد..
قام ماكس بتحرير رسائل إلى أصدقاء له في بريطانيا.، كان الغرض منها .«دعم ثيودورهرتزل وتبني أفكاره.»... «وسيجد هرتزل من يتبنى هذه الأفكار فعلا.ً».
وكان أول من تبناها في صورة جدية اتسمت بطابع الانتماء لها.، هو صامويل مونتاج.: ولكن لا من أجل فلسطين قديمة.، وإنما من أجل فلسطين أوسع.».
وعلى هذا الأساس بدأ يسعى لأن .«تتبناها دولة عظمى.».
ولكن في هذه الأثناء.، وبعد عمله مع صامويل مونتاج.، بدأ هرتزل نفسه يرسم خطا.ً تحت أسئلته القديمة التي سبق وأن طرحها على نفسه.: من ستكون هذه الدولة الراعية.، تركيا نفسها؟.... أم بريطانيا؟.... أم ألمانيا.، وبالتالي أين هو مكان الدولة اليهودية إذا لم تكن فلسطين القديمة.... وإلى أي حد يمكن العمل على فلسطين أوسع.... وأوسع إلى أين؟
ووجد أخيرا.ً أن الحل يكمن في التحرك على كل هذه المسارات.: ذهب إلى تركيا ليعرض على سلطانها عبد الحميد الإغراءات في ثلاثة مجالات.: تغطية ديون السلطنة البالغة نحو« .106 ملايين جنيه.»...
ووضع الصحافة الصهيونية في خدمة .«تنظيف سمعة تركيا في مجال مذبحة الأرمن.»... ومساعدته ضد العرب إذا ما فكروا بالانفصال عن السلطنة أو ثاروا عليه..
ولكن السلطان عبد الحميد سيرد الصهيوني على أعقابه..... كان جوابه عن هذه الإغراءات.: «لن نتخلى عن فلسطين.، ولن نقبل بتقسيمها.، بل ولن نسمح أبدا.ً بتشريحنا أحياء.».
ثم ذهب برحلة على الباخرة من الاسكندرية إلى يافا لمقابلة قيصر ألمانيا.، الذي كان بزيارة إلى فلسطين .«لأخذ المكافأة في أن يكون له حق نفوذ سياسي.- اقتصادي في الشرق الأوسط مقابل ما قدمه من مساعدات لتركيا في متاعبها مع اليونان وفي مسألة كريت على وجه التحديد..
وفي .«ميكفا إسرائيل.» وهي أول مدرسة زراعية أنشئت بأموال روتشيلد.، سيلتقي القيصر مع هذا .«الرجل الضال.»، وذلك في حركة انحنى فيها القيصر وهو يمتطي حصانه على أذن هذا الرجل ليوحي إليه بأن اللقاء الفعلي لن يكون هنا.، وإنما في مكان آخر من أرض فلسطين..
وهناك في خيمة القيصر.، حيث التقى الفلسطينيين ليعلن نفسه نصيرا.ً لدينهم.، تم اللقاء بينهما..
ولكن القيصر الألماني كانت لديه خطة خاصة ببلاده.، وهي .«أن يجعل السلطنة العثمانية لألمانيا.، ما يعادل الهند لبريطانيا.»، وبما أن ألمانيا قد ازداد عدد سكانها إلى ثمانية عشر مليونا.ً، وآلاتها الصناعية تحتاج إلى مواد خام.، وبعد أن حازت على امتيازات واسعة لمد خطوط .«سكك حديد.، فإنه رأى من الخطأ أن يكون .«متنمرا.ً» على السلطان.، في الوقت الذي يمكن فيه للصداقة من أن تجلب مكاسب لا حدود لها..
ولذا.، ما إن عاد القيصر إلى بلاده.، حتى أمر جماعته بإصدار بيان عن تلك الزيارة.، يتضمن استقباله لوفد يهودي في فلسطين.، ولرده على هذا الوفد بأن ألمانيا لن تقدم على موقف أو حركة لا يلائمان مصالح السلطنة التركية.، وإنه سيبقى حريصا.ً على ألا تدار العلاقة السياسية بين الإمبراطوريتين بغير .«روح الاحترام التام لسيادة السلطان.».
وفي نابولي التي وصل إليها منظ.ّر الدولة اليهودية.، هذا البيان.، الذي خيب آمال إغراءاته التي نوه عنها.، وهي.: «أن نواة من اليهود الذين يتكلمون الألمانية ستقوي نفوذ ألمانيا في الشرق الأوسط.»، وستكون أيضا.ً «حاجزا.ً في وجه الجموع الآسيوية التي يكره القيصر خطرها الأصغر.!!!»
لم يفعل المال فعله الصهيوني مع السلطان..ولن يفعل نواة اليهود.، ومعها إثارة الكره العرقي.، فعلهما مع قيصر..
ولهذا لم يبق أمام هذا .«الفساد الأخلاقي للصهيوني المؤسس.» إلّا أن يبحث عن إمبراطورية أكثر تصهينا.ً وأقل ترددا.ً. وكانت الإمبراطورية البريطانية حينئذ هي أكثر من يستفيد من جنازة تركيا.. وإلى هذا المستفيد أولى .«تاجر البندقية.» وجهه..
وعلى عكس ما كانت تتوقع أوروبا الأباطرة.، فإن موت السلطنة العثمانية كان بطيئا.ً.
وفي هذه الأثناء بدأ نفوذ ألمانيا يزداد قوة وامتيازا.ً، وهذا ما سوف يثير مخاوف إنكلترا وفرنسا وروسيا.، ومن هنا وعلى عقد كامل من الزمن.(.1900.- .1910.) سيعقد سفراء هذه .«الدول العظمى.» مؤتمرا.ً بعد مؤتمر.، وكان البند شبه الوحيد على جدول أعمالهم هو .: البحث عن حل سريع لوقف النزاعات الناشئة عن تضارب المصالح بين الدول..
ولم يقف أمره عند هذا الحد..
قام ماكس بتحرير رسائل إلى أصدقاء له في بريطانيا.، كان الغرض منها .«دعم ثيودورهرتزل وتبني أفكاره.»... «وسيجد هرتزل من يتبنى هذه الأفكار فعلا.ً».
وكان أول من تبناها في صورة جدية اتسمت بطابع الانتماء لها.، هو صامويل مونتاج.: ولكن لا من أجل فلسطين قديمة.، وإنما من أجل فلسطين أوسع.».
وعلى هذا الأساس بدأ يسعى لأن .«تتبناها دولة عظمى.».
ولكن في هذه الأثناء.، وبعد عمله مع صامويل مونتاج.، بدأ هرتزل نفسه يرسم خطا.ً تحت أسئلته القديمة التي سبق وأن طرحها على نفسه.: من ستكون هذه الدولة الراعية.، تركيا نفسها؟.... أم بريطانيا؟.... أم ألمانيا.، وبالتالي أين هو مكان الدولة اليهودية إذا لم تكن فلسطين القديمة.... وإلى أي حد يمكن العمل على فلسطين أوسع.... وأوسع إلى أين؟
ووجد أخيرا.ً أن الحل يكمن في التحرك على كل هذه المسارات.: ذهب إلى تركيا ليعرض على سلطانها عبد الحميد الإغراءات في ثلاثة مجالات.: تغطية ديون السلطنة البالغة نحو« .106 ملايين جنيه.»...
ووضع الصحافة الصهيونية في خدمة .«تنظيف سمعة تركيا في مجال مذبحة الأرمن.»... ومساعدته ضد العرب إذا ما فكروا بالانفصال عن السلطنة أو ثاروا عليه..
ولكن السلطان عبد الحميد سيرد الصهيوني على أعقابه..... كان جوابه عن هذه الإغراءات.: «لن نتخلى عن فلسطين.، ولن نقبل بتقسيمها.، بل ولن نسمح أبدا.ً بتشريحنا أحياء.».
ثم ذهب برحلة على الباخرة من الاسكندرية إلى يافا لمقابلة قيصر ألمانيا.، الذي كان بزيارة إلى فلسطين .«لأخذ المكافأة في أن يكون له حق نفوذ سياسي.- اقتصادي في الشرق الأوسط مقابل ما قدمه من مساعدات لتركيا في متاعبها مع اليونان وفي مسألة كريت على وجه التحديد..
وفي .«ميكفا إسرائيل.» وهي أول مدرسة زراعية أنشئت بأموال روتشيلد.، سيلتقي القيصر مع هذا .«الرجل الضال.»، وذلك في حركة انحنى فيها القيصر وهو يمتطي حصانه على أذن هذا الرجل ليوحي إليه بأن اللقاء الفعلي لن يكون هنا.، وإنما في مكان آخر من أرض فلسطين..
وهناك في خيمة القيصر.، حيث التقى الفلسطينيين ليعلن نفسه نصيرا.ً لدينهم.، تم اللقاء بينهما..
ولكن القيصر الألماني كانت لديه خطة خاصة ببلاده.، وهي .«أن يجعل السلطنة العثمانية لألمانيا.، ما يعادل الهند لبريطانيا.»، وبما أن ألمانيا قد ازداد عدد سكانها إلى ثمانية عشر مليونا.ً، وآلاتها الصناعية تحتاج إلى مواد خام.، وبعد أن حازت على امتيازات واسعة لمد خطوط .«سكك حديد.، فإنه رأى من الخطأ أن يكون .«متنمرا.ً» على السلطان.، في الوقت الذي يمكن فيه للصداقة من أن تجلب مكاسب لا حدود لها..
ولذا.، ما إن عاد القيصر إلى بلاده.، حتى أمر جماعته بإصدار بيان عن تلك الزيارة.، يتضمن استقباله لوفد يهودي في فلسطين.، ولرده على هذا الوفد بأن ألمانيا لن تقدم على موقف أو حركة لا يلائمان مصالح السلطنة التركية.، وإنه سيبقى حريصا.ً على ألا تدار العلاقة السياسية بين الإمبراطوريتين بغير .«روح الاحترام التام لسيادة السلطان.».
وفي نابولي التي وصل إليها منظ.ّر الدولة اليهودية.، هذا البيان.، الذي خيب آمال إغراءاته التي نوه عنها.، وهي.: «أن نواة من اليهود الذين يتكلمون الألمانية ستقوي نفوذ ألمانيا في الشرق الأوسط.»، وستكون أيضا.ً «حاجزا.ً في وجه الجموع الآسيوية التي يكره القيصر خطرها الأصغر.!!!»
لم يفعل المال فعله الصهيوني مع السلطان..ولن يفعل نواة اليهود.، ومعها إثارة الكره العرقي.، فعلهما مع قيصر..
ولهذا لم يبق أمام هذا .«الفساد الأخلاقي للصهيوني المؤسس.» إلّا أن يبحث عن إمبراطورية أكثر تصهينا.ً وأقل ترددا.ً. وكانت الإمبراطورية البريطانية حينئذ هي أكثر من يستفيد من جنازة تركيا.. وإلى هذا المستفيد أولى .«تاجر البندقية.» وجهه..
وعلى عكس ما كانت تتوقع أوروبا الأباطرة.، فإن موت السلطنة العثمانية كان بطيئا.ً.
وفي هذه الأثناء بدأ نفوذ ألمانيا يزداد قوة وامتيازا.ً، وهذا ما سوف يثير مخاوف إنكلترا وفرنسا وروسيا.، ومن هنا وعلى عقد كامل من الزمن.(.1900.- .1910.) سيعقد سفراء هذه .«الدول العظمى.» مؤتمرا.ً بعد مؤتمر.، وكان البند شبه الوحيد على جدول أعمالهم هو .: البحث عن حل سريع لوقف النزاعات الناشئة عن تضارب المصالح بين الدول..
Page 8
من أجل هذا الحل كان تجاوب الدول المعنية هذه مع إبرام عهود واتفاقيات في ما بينها سريعا.ً وفوريا.ً: كل دولة من هذه الدول استشعرت بالخطر الألماني.، الصناعي والعسكري.، الذي بدأ يهددها.. ومع إضافة خطر استحواذ .«الرجل المريض.» في مشفى القيصر غليوم الثاني.، فإن القلق تحول إلى كابوس..
لقد بقي بسمارك لسنوات طويلة .«متبنيا.ً سياسة التدخل في المسألة الشرقية.»، ولكن القيصر غليوم تبنى سياسة نقيضة حيث اختار .«الزحف شرقا.ً» بأدوات المساعدات العسكرية والاقتصادية والثقافية.، وحتى النفسية.، بدلا.ً عن خيار التقاسم أو .«الزحف فاتحا.ً».
كتب ستون.-وتسون يقول.: «لقد ظهر أثر النفوذ الألماني في استانبول من خلال إعادة تنظيم الجيش التركي على أيدي ضباط ألمان.، وفي نفاذ ألمانيا تجاريا.ً إلى آسيا الصغرى.».
ويضيف وايد دافيد.:«إن الدولة الوحيدة التي سعى السلطان عبد الحميد إلى مصادقتها بإخلاص ومثابرة كانت ألمانيا.».. أما سبب هذا السعي الحثيث.- كما سيكتب السلطان نفسه.- يعود إلى.، «أن ألمانيا كانت أقل الدول انتفاعا.ً من انحلال السلطنة العثمانية وتجزئة ممتلكاتها.»، ثم إن وجود مصالح اقتصادية لها في بر الأناضول والعراق يعطيها الدافع والذريعة للتدخل.، إذا ما تعرضت هذه .«المصالح المركزة تركيزا.ً استراتيجيا.ً» للخطر والتهديد.. ولكن كان لهذا المنطق تداعيات أخرى..
لن يكون في وسع المرء أن يتغاضى عما كان ينطوي عليه .«الزحف الألماني شرقا.ً» من معنى استعماري.، فإذا كان القيصر الألماني غليوم الثاني قد عرف كيف يستحوذ على عاطفة السلطان عبد الحميد خان الثاني.، الغارق في عزلته ووحشته وحالات انجذاباته النفسية إزاء ما يحيط به من دسائس ومخاطر.، فإن ذلك لا يعني أن العرب شعبا.ً وأرضا.ً كانوا ملكا.ً له.... ولم يكن القيصر ليجعل ذلك ولا السلطان..
لقد كانت سياسة ألمانيا في هذا الإطار تتماهى عن قصد أو غير قصد مع سياسة نابليون بونابرت عندما قاد حملته إلى مصر.: لقد أعادت ألمانيا اللغة التي خاطب بها نابليون المسلمين.، ضربت مثله على وتر حساس وهي تخاطبهم من دمشق هذه المرة وليس من القاهرة.، كما بدا بونابرت فاعلا.ً : «ليطمئن صاحب الجلالة السلطان عبد الحميد.، وليطمئن معه الثلاثماية مليون من المسلمين القاطنين في أقطار الدنيا.... إلى أنهم سيجدون في إمبراطورية ألمانيا الصديق الدائم لهم.»... كانت هذه بالفعل سياسة ذكية.، بل و«سياسية إسلامية.».
في كتابه عما أسماه .«ذكريات من حياتي.»، كتب الماريشال هندنبرغ يقول.: «إن ألمانيا كانت تبغي خلق وحدة سياسية ودينية في العالم الإسلامي.، وكانت محاولتها هذه مبنية على أسس نفسية.، لقد جاء غليوم الثاني بنفسه ليخاطب الناس وجها.ً لوجه.».... وهذا أيضا.ً ما كان نابليون قد قام به..
وإذا ما كان الإمبراطور الفرنسي قد سعى لمد خط على .«سكة قناة السويس المائية.»، فإن القيصر الألماني غليوم قد سعى لمد خط سكة قناة برية بين تركيا وبلاد الرافدين..
إن .«اللعبة الكبرى.» كانت ما زالت هي إياها.، تدور من فصلها الأول وحتى فصلها الأخير في مسرح الصراع على الشرق الأوسط.. وما كان هذا الصراع.، وهو الآن في ذروته ليغيب عن .«ضباع الوحوش الضواري المتربصة به.».
وفي السياق هذا.، كان ثيودور هرتزل يتحسس بطريقه نحو .«ما يمكن أن يصبح جيفة.»، أو .«فائض غذاء جغرافي.»، غالبا.ً ما تتركه الوحوش الضواري خلفها..
وهكذا.، في « آخر صيف من القرن التاسع عشر أسر.ّ الصهيوني في هامبورغ لصديقه غوستاف كوهن بأن.، «أنفه يشم رائحة ما في قبرص.»، وبأنه قد أعد خطة لتهيئة ظروف .«الوليمة.»، ولكن الأمر يقتضي بعض الانتظار.، ذلك أن .«الأسد البريطاني.» لم يكن قد أنهى «وجبته.».
وبالفعل.، ما إن التقى هرتزل.، جوزيف تشمبرلن وكان وزيرا.ً لشؤون المستعمرات .1902 حتى أثار معه ما يمكن .«أن يتغذى عليه اليهود مما يفيض عن الممتلكات الإمبريالية لبريطانيا العظمى.»...
وكانت جملته الأخيرة هذه قد جاءت في أعقاب اجتماعه مع السلطان الذي بدأ يروي حكايته لوزير المستعمرات.: «كما تعلم يا معالي الوزير فإن المفاوضات مع الأتراك تشبه إلى حد كبير شراء سجادة.(!) فإذا أردت الفوز بها عليك أولا.ً أن تشرب ستة فناجين قهوة.، وثانيا.ً أن تدخن مائة سيجارة.، وثالثا.ً أن تروي قصصا.ً عائلية.... وأخيرا.ً أن تورد من وقت إلى آخر بعض الكلمات الفضولية عن السجادة.»... ولهذا فإن تشمبرلن لم يلتفت إلى مقولة الفائض.، وإنما ركز اهتمامه على السجادة التي ترغب في الحصول عليها؟.... وكان جواب ثيودورهرتزل.: «قبرص والعريش وشبه جزيرة سيناء.». وبعبارة أخرى عرض على الوزير أن .«يشتري.» من إنكلترا حزام فلسطين برا.ً وبحرا.ً، لا فلسطين نفسها.، لأن أصول التفاوض على صفقة تستلزم .– كما قال هو .– تمرير كلمات قليلة عن السجادة المحاك نسيجها من دم صانعيها العرب الأصليين.، والتي لم تكن معروضة من قبلهم للبيع أبدا.ً.
هنا ألمح تشمبرلن أن صفقة كهذه .«ستحدث صرخة عامة.»: إسلام قبرص وما يعنيه هذا بالنسبة لتركيا... اليونانيون القبارصة وما يعنيه بالنسبة لليونان.، وبهويتهم المذهبية ما سوف يعنيه بالنسبة لروسيا.، وأما العريش وشبه جزيرة سيناء.، فإن .«الأمر هو من اختصاص وزارة الخارجية.»... فقط لعدم إحباط الصهيوني أبقى الوزير الباب مفتوحا.ً في اتجاه الجزيرة التي ولدت فيها افروديت.: هل لديك ما تفعله إزاء هذه الجزيرة؟
على الفور كان جواب التاجر لسمساره بأكثر مما تظن.، لقد هيأت بعثة كي ترسل سرا.ً إلى قبرص.، ومهمتها تأمين الأجواء الملائمة لهجرة اليهود إليها.، كما وأن هناك مشروعا.ً لتأسيس شركة يهودية شرقية برأس مال لن يقل عن خمسة ملايين جنيه للإستيطان في العريش وسيناء.،... و«إذا رأى القبارصة ذلك سيسعون إلى تحويل بعض هذا الذهب إلى جزيرتهم .«وهنا.» سيترك المسلحون الجزيرة.، وأما اليونان فسيسر.ّهم أن يبيعوا أرضهم بسعر عال.ٍ ويرحلوا إلى أثينا وتكريت.».
واكتفى جوزيف تشمبرلن بابتسامة ساخرة.، أرادها تعبيرا.ً ملطفا.ً يحل محل العبارة التي أوشكت أن تصل إلى مستوى اليقين.: بأن اليهودي مهما بلغ شأنه لا يستطيع أن يتخلى عن الفساد المعشش في أعماقه..
لقد بقي بسمارك لسنوات طويلة .«متبنيا.ً سياسة التدخل في المسألة الشرقية.»، ولكن القيصر غليوم تبنى سياسة نقيضة حيث اختار .«الزحف شرقا.ً» بأدوات المساعدات العسكرية والاقتصادية والثقافية.، وحتى النفسية.، بدلا.ً عن خيار التقاسم أو .«الزحف فاتحا.ً».
كتب ستون.-وتسون يقول.: «لقد ظهر أثر النفوذ الألماني في استانبول من خلال إعادة تنظيم الجيش التركي على أيدي ضباط ألمان.، وفي نفاذ ألمانيا تجاريا.ً إلى آسيا الصغرى.».
ويضيف وايد دافيد.:«إن الدولة الوحيدة التي سعى السلطان عبد الحميد إلى مصادقتها بإخلاص ومثابرة كانت ألمانيا.».. أما سبب هذا السعي الحثيث.- كما سيكتب السلطان نفسه.- يعود إلى.، «أن ألمانيا كانت أقل الدول انتفاعا.ً من انحلال السلطنة العثمانية وتجزئة ممتلكاتها.»، ثم إن وجود مصالح اقتصادية لها في بر الأناضول والعراق يعطيها الدافع والذريعة للتدخل.، إذا ما تعرضت هذه .«المصالح المركزة تركيزا.ً استراتيجيا.ً» للخطر والتهديد.. ولكن كان لهذا المنطق تداعيات أخرى..
لن يكون في وسع المرء أن يتغاضى عما كان ينطوي عليه .«الزحف الألماني شرقا.ً» من معنى استعماري.، فإذا كان القيصر الألماني غليوم الثاني قد عرف كيف يستحوذ على عاطفة السلطان عبد الحميد خان الثاني.، الغارق في عزلته ووحشته وحالات انجذاباته النفسية إزاء ما يحيط به من دسائس ومخاطر.، فإن ذلك لا يعني أن العرب شعبا.ً وأرضا.ً كانوا ملكا.ً له.... ولم يكن القيصر ليجعل ذلك ولا السلطان..
لقد كانت سياسة ألمانيا في هذا الإطار تتماهى عن قصد أو غير قصد مع سياسة نابليون بونابرت عندما قاد حملته إلى مصر.: لقد أعادت ألمانيا اللغة التي خاطب بها نابليون المسلمين.، ضربت مثله على وتر حساس وهي تخاطبهم من دمشق هذه المرة وليس من القاهرة.، كما بدا بونابرت فاعلا.ً : «ليطمئن صاحب الجلالة السلطان عبد الحميد.، وليطمئن معه الثلاثماية مليون من المسلمين القاطنين في أقطار الدنيا.... إلى أنهم سيجدون في إمبراطورية ألمانيا الصديق الدائم لهم.»... كانت هذه بالفعل سياسة ذكية.، بل و«سياسية إسلامية.».
في كتابه عما أسماه .«ذكريات من حياتي.»، كتب الماريشال هندنبرغ يقول.: «إن ألمانيا كانت تبغي خلق وحدة سياسية ودينية في العالم الإسلامي.، وكانت محاولتها هذه مبنية على أسس نفسية.، لقد جاء غليوم الثاني بنفسه ليخاطب الناس وجها.ً لوجه.».... وهذا أيضا.ً ما كان نابليون قد قام به..
وإذا ما كان الإمبراطور الفرنسي قد سعى لمد خط على .«سكة قناة السويس المائية.»، فإن القيصر الألماني غليوم قد سعى لمد خط سكة قناة برية بين تركيا وبلاد الرافدين..
إن .«اللعبة الكبرى.» كانت ما زالت هي إياها.، تدور من فصلها الأول وحتى فصلها الأخير في مسرح الصراع على الشرق الأوسط.. وما كان هذا الصراع.، وهو الآن في ذروته ليغيب عن .«ضباع الوحوش الضواري المتربصة به.».
وفي السياق هذا.، كان ثيودور هرتزل يتحسس بطريقه نحو .«ما يمكن أن يصبح جيفة.»، أو .«فائض غذاء جغرافي.»، غالبا.ً ما تتركه الوحوش الضواري خلفها..
وهكذا.، في « آخر صيف من القرن التاسع عشر أسر.ّ الصهيوني في هامبورغ لصديقه غوستاف كوهن بأن.، «أنفه يشم رائحة ما في قبرص.»، وبأنه قد أعد خطة لتهيئة ظروف .«الوليمة.»، ولكن الأمر يقتضي بعض الانتظار.، ذلك أن .«الأسد البريطاني.» لم يكن قد أنهى «وجبته.».
وبالفعل.، ما إن التقى هرتزل.، جوزيف تشمبرلن وكان وزيرا.ً لشؤون المستعمرات .1902 حتى أثار معه ما يمكن .«أن يتغذى عليه اليهود مما يفيض عن الممتلكات الإمبريالية لبريطانيا العظمى.»...
وكانت جملته الأخيرة هذه قد جاءت في أعقاب اجتماعه مع السلطان الذي بدأ يروي حكايته لوزير المستعمرات.: «كما تعلم يا معالي الوزير فإن المفاوضات مع الأتراك تشبه إلى حد كبير شراء سجادة.(!) فإذا أردت الفوز بها عليك أولا.ً أن تشرب ستة فناجين قهوة.، وثانيا.ً أن تدخن مائة سيجارة.، وثالثا.ً أن تروي قصصا.ً عائلية.... وأخيرا.ً أن تورد من وقت إلى آخر بعض الكلمات الفضولية عن السجادة.»... ولهذا فإن تشمبرلن لم يلتفت إلى مقولة الفائض.، وإنما ركز اهتمامه على السجادة التي ترغب في الحصول عليها؟.... وكان جواب ثيودورهرتزل.: «قبرص والعريش وشبه جزيرة سيناء.». وبعبارة أخرى عرض على الوزير أن .«يشتري.» من إنكلترا حزام فلسطين برا.ً وبحرا.ً، لا فلسطين نفسها.، لأن أصول التفاوض على صفقة تستلزم .– كما قال هو .– تمرير كلمات قليلة عن السجادة المحاك نسيجها من دم صانعيها العرب الأصليين.، والتي لم تكن معروضة من قبلهم للبيع أبدا.ً.
هنا ألمح تشمبرلن أن صفقة كهذه .«ستحدث صرخة عامة.»: إسلام قبرص وما يعنيه هذا بالنسبة لتركيا... اليونانيون القبارصة وما يعنيه بالنسبة لليونان.، وبهويتهم المذهبية ما سوف يعنيه بالنسبة لروسيا.، وأما العريش وشبه جزيرة سيناء.، فإن .«الأمر هو من اختصاص وزارة الخارجية.»... فقط لعدم إحباط الصهيوني أبقى الوزير الباب مفتوحا.ً في اتجاه الجزيرة التي ولدت فيها افروديت.: هل لديك ما تفعله إزاء هذه الجزيرة؟
على الفور كان جواب التاجر لسمساره بأكثر مما تظن.، لقد هيأت بعثة كي ترسل سرا.ً إلى قبرص.، ومهمتها تأمين الأجواء الملائمة لهجرة اليهود إليها.، كما وأن هناك مشروعا.ً لتأسيس شركة يهودية شرقية برأس مال لن يقل عن خمسة ملايين جنيه للإستيطان في العريش وسيناء.،... و«إذا رأى القبارصة ذلك سيسعون إلى تحويل بعض هذا الذهب إلى جزيرتهم .«وهنا.» سيترك المسلحون الجزيرة.، وأما اليونان فسيسر.ّهم أن يبيعوا أرضهم بسعر عال.ٍ ويرحلوا إلى أثينا وتكريت.».
واكتفى جوزيف تشمبرلن بابتسامة ساخرة.، أرادها تعبيرا.ً ملطفا.ً يحل محل العبارة التي أوشكت أن تصل إلى مستوى اليقين.: بأن اليهودي مهما بلغ شأنه لا يستطيع أن يتخلى عن الفساد المعشش في أعماقه..
Page 9
ولكنه وهو المتعاطف مع المسألة اليهودية.، عاد ليطمئن زائره.: لتكن سيناء مستعمرة يهودية بشرط واحد هو أن يقبل بها لورد كرومر.!... فإذا بفساد السمسار لم يكن أقل من فساد تاجره.!!!
والحال.، لم ينتظر هرتزل دقيقة واحدة لينهض سريعا.ً إلى أول مكتب للسفريات البحرية.... وها هو في طريقه بالباخرة إلى الاسكندرية..
وبانتقاله إلى القاهرة.، واجه خيبة أمل لا تقل عن تلك التي أصابته في لقائه مع قيصر ألمانيا..
وبهذه الخيبة توجه عائدا.ً إلى البلد الذي انطلق منه.: فيينا..
ولكن لم يمض رحلته إليها في فراغ.، وإنما راح يكتب عن سيناء أمرا.ً سهل المنال وأنه من فرط ثقته بنجاح مشروعه فيها .«لم يشتر قبرا.ً للأسرة في مقبرة دوبلنجر حيث دفن والده.». وكان يأمل أن يعيش ما بقي من عمره في هذه المستعمرة اليهودية ويدفن هو وأسرته فيها.. أما الآن فإنه قد اعتبر .«الأمر منتهيا.ً»، وسيذهب إلى محكمة المقاطعة ليحصل على القبر رقم .28..
ليس إلّا بعض الوقت وسوف يعود إلى لندن..
وفي .«عاصمة الضباب سيزف تشمبرلن هذا الخبر السعيد إلى العائد لتوه من أتعس لقاء قابله في حياته.: لقد ازدراه كرومر.، حتى أنه رفض أن يشير بكتابه عن مصر بأنه .«التقى رجلا.ً مثل هذا الرجل.».
لقد وجدنا لك أخيرا.ً بلدا.ً يا دكتور هرتزل.... إنه أوغندا.!
لن يرفض الدكتور هذا البديل.، فبعد رحلة .1903 التي قام بها إلى روسيا لمقابلة وزير داخليتها نياشيسلفا بليهفا.، عاد وبرأسه صور من مذبحة .«كيشينيف.» التي تغاضت عن مرتكبيها الوزارة إياها..
وكان استنتاجه بأن هذه المذبحة تعكس تقاطعا.ً بينها وبين اليهود.(!!!)، فـ«الروس الحريصون على ولاء عام للقيصر المسيحي.» مقتنعون بأن .«اليهود غير قابلين للاستيعاب ولذا سيسر الفريقان.، بأن يرحل اليهود عن البلد الذي لا يريدهم.، إلى بلد يريدونه.».
وهكذا قبل بـ أوغندا وطنا.ً لليهود..
غير أن الحركة الصهيونية لم تؤيده بهذا .«القبول الذي ينم عن قصر نظر.».
لقد أصرت على أن يكون .«الوطن.» في بلد .«لا يسكنه الزنوج.» بل في بلد .«يسكنه العرب.»، إذ .«من هناك تبدأ السيطرة على الشرق الأوسط برمته.»... وستتداول الأيام حكاية هذه السيطرة مع القرن العشرين من أوله وحتى نهايته..
ويبدو فعلا.ً أن الشرق الأوسط الجديد المطروح في بداية هذا القرن الجاري.، إنما يمثل الترتيبات الأخيرة للسيطرة المزدوجة.: الأميركية.– الصهيونية.، وفي إطار نظام عالمي .«جديد.» بدأت تظهر فيه ملامح اليهودية العالمية.... ولكن؟
حتى سنة .1903.، كان وما زال مشروع .«تأسيس وطن قومي لليهود.» يتأرجح بين المطلوب والممكن..
وفي سنة .1904 سينفجر قلب ثيودور هرتزل في المضيق إياه.. ولكن موته .«كان أقوى تأثيرا.ً منه حيا.ً»: لقد ترك .«الرجل الجوال.» لكثيرين من اليهود حلما.ً بعرقية.، ليست أقل مرضا.ً من النازية.، في حين أنه لم يترك لغير اليهود سوى هذا الباب الذي عاد لينفتح على مصراعيه في معبد جانوس..
وكما يفعل الطرشان في لوحة غويا الإسباني.، فإن اليهود ما عادوا يصغون إلّا لقرع الطبول.، فحالة .«الغليان.» التي بدأها زعيمهم الصهيوني.، جعلتهم في صمم عن كل حل لدمجهم في البلدان التي يعيشون فيها.، بل إن الصهيونية.، وهي تصطنع الصمم ذاته.، عرفت كيف تستغل اللاسامية.، لجعل إيقاع النشيد اليهودي أكثر ارتفاعا.ً من أي إيقاع آخر.: وهذا ما سيقوم البعض الأوروبي في الوقت نفسه بضبطه في معزوفة وعد بلفور..
مات الدكتور.، وبقي الوباء الذي التهمه.:
قبل سنة من وفاته بدأت صحيفة .«زناميا.» الروسية.، وعلى مدى أيام متواصلة بنشر ما ع.ُرف بـ .«مسودة بروتوكولات حكماء صهيون.»، وهي كما سيقول .«نورمان كوهين.»، لا تعدو أن تكون أكثر من .«إجازة للقتل بالجملة.».... وهذا ما سيؤسس له وايزمن حيث سيضع الإجازة في النير .«الإسرائيلي.»، وبالتالي هذا ما سيتعهد تنفيذه بن غوريون.، حيث ستبدأ المذابح في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي..
البغض الأعمى
ذلك الكتاب .(بروتكول حكماء صهيون.) الذي أصبح من حيث الرواج في المرتبة الثانية بعد الكتاب المقدس.. وقد أعيد نشر هذا البروتوكول.، وعدل ووسع وعلق عليه وشرح وترجم إلى لغات عديدة.، فكان هبة قسطنطين القرن العشرين.، أي وثيقة زائفة لها أثر تاريخي استعملت.، كما أشار نورمان كوهن.، إجازة للقتل بالجملة.. سبقت هذا البروتوكول كتابات أدبية شبيهة به.. وكانت فكرته الأساسية «الاعتقاد أن اليهود.، كل اليهود في كل مكان.، يشكلون هيئة متآمرة لتدمير البشرية ثم السيطرة على بقاياها.». قد وضعها ثلاثة من كتاب القرن التاسع عشر.، يهوديان وألماني.، كتب الألماني هيرمان كودسي تحت إسم إنجليزي محترم مستعار هو .«سيرجون رد كليف.» رواية عنوانها .«بيارتز.» في سنة .1868 تكهن فيها بأن حكم اليهودية العالمية سيكون قد توطد في سنة .1968.. أما اليهوديان اللذان ساهما في هذه الأسطورة فقد كانا من المرتدين.، أحدهما محتال يدعى .«ميلنجر.» انتحل اسم .«عثمان بك.» وصور في كتابه .«الاحتلال اليهودي للعالم.» برلمانا.ً سريا.ً يهوديا.ً يجتمع في مكان ما في بولونيا للبحث في احتلال اليهود للعالم.، والآخر يهودي تحول إلى المذهب الأرثوذكسي.، اسمه جيكوب برافمان.، وعمل مع الشرطة القيصرية السرية.، صور منظمة .«كاحال.» اليهودية بأنها أداة لأخذ عمل غير اليهود واحتلال العالم ايضا.ً.
والحال.، لم ينتظر هرتزل دقيقة واحدة لينهض سريعا.ً إلى أول مكتب للسفريات البحرية.... وها هو في طريقه بالباخرة إلى الاسكندرية..
وبانتقاله إلى القاهرة.، واجه خيبة أمل لا تقل عن تلك التي أصابته في لقائه مع قيصر ألمانيا..
وبهذه الخيبة توجه عائدا.ً إلى البلد الذي انطلق منه.: فيينا..
ولكن لم يمض رحلته إليها في فراغ.، وإنما راح يكتب عن سيناء أمرا.ً سهل المنال وأنه من فرط ثقته بنجاح مشروعه فيها .«لم يشتر قبرا.ً للأسرة في مقبرة دوبلنجر حيث دفن والده.». وكان يأمل أن يعيش ما بقي من عمره في هذه المستعمرة اليهودية ويدفن هو وأسرته فيها.. أما الآن فإنه قد اعتبر .«الأمر منتهيا.ً»، وسيذهب إلى محكمة المقاطعة ليحصل على القبر رقم .28..
ليس إلّا بعض الوقت وسوف يعود إلى لندن..
وفي .«عاصمة الضباب سيزف تشمبرلن هذا الخبر السعيد إلى العائد لتوه من أتعس لقاء قابله في حياته.: لقد ازدراه كرومر.، حتى أنه رفض أن يشير بكتابه عن مصر بأنه .«التقى رجلا.ً مثل هذا الرجل.».
لقد وجدنا لك أخيرا.ً بلدا.ً يا دكتور هرتزل.... إنه أوغندا.!
لن يرفض الدكتور هذا البديل.، فبعد رحلة .1903 التي قام بها إلى روسيا لمقابلة وزير داخليتها نياشيسلفا بليهفا.، عاد وبرأسه صور من مذبحة .«كيشينيف.» التي تغاضت عن مرتكبيها الوزارة إياها..
وكان استنتاجه بأن هذه المذبحة تعكس تقاطعا.ً بينها وبين اليهود.(!!!)، فـ«الروس الحريصون على ولاء عام للقيصر المسيحي.» مقتنعون بأن .«اليهود غير قابلين للاستيعاب ولذا سيسر الفريقان.، بأن يرحل اليهود عن البلد الذي لا يريدهم.، إلى بلد يريدونه.».
وهكذا قبل بـ أوغندا وطنا.ً لليهود..
غير أن الحركة الصهيونية لم تؤيده بهذا .«القبول الذي ينم عن قصر نظر.».
لقد أصرت على أن يكون .«الوطن.» في بلد .«لا يسكنه الزنوج.» بل في بلد .«يسكنه العرب.»، إذ .«من هناك تبدأ السيطرة على الشرق الأوسط برمته.»... وستتداول الأيام حكاية هذه السيطرة مع القرن العشرين من أوله وحتى نهايته..
ويبدو فعلا.ً أن الشرق الأوسط الجديد المطروح في بداية هذا القرن الجاري.، إنما يمثل الترتيبات الأخيرة للسيطرة المزدوجة.: الأميركية.– الصهيونية.، وفي إطار نظام عالمي .«جديد.» بدأت تظهر فيه ملامح اليهودية العالمية.... ولكن؟
حتى سنة .1903.، كان وما زال مشروع .«تأسيس وطن قومي لليهود.» يتأرجح بين المطلوب والممكن..
وفي سنة .1904 سينفجر قلب ثيودور هرتزل في المضيق إياه.. ولكن موته .«كان أقوى تأثيرا.ً منه حيا.ً»: لقد ترك .«الرجل الجوال.» لكثيرين من اليهود حلما.ً بعرقية.، ليست أقل مرضا.ً من النازية.، في حين أنه لم يترك لغير اليهود سوى هذا الباب الذي عاد لينفتح على مصراعيه في معبد جانوس..
وكما يفعل الطرشان في لوحة غويا الإسباني.، فإن اليهود ما عادوا يصغون إلّا لقرع الطبول.، فحالة .«الغليان.» التي بدأها زعيمهم الصهيوني.، جعلتهم في صمم عن كل حل لدمجهم في البلدان التي يعيشون فيها.، بل إن الصهيونية.، وهي تصطنع الصمم ذاته.، عرفت كيف تستغل اللاسامية.، لجعل إيقاع النشيد اليهودي أكثر ارتفاعا.ً من أي إيقاع آخر.: وهذا ما سيقوم البعض الأوروبي في الوقت نفسه بضبطه في معزوفة وعد بلفور..
مات الدكتور.، وبقي الوباء الذي التهمه.:
قبل سنة من وفاته بدأت صحيفة .«زناميا.» الروسية.، وعلى مدى أيام متواصلة بنشر ما ع.ُرف بـ .«مسودة بروتوكولات حكماء صهيون.»، وهي كما سيقول .«نورمان كوهين.»، لا تعدو أن تكون أكثر من .«إجازة للقتل بالجملة.».... وهذا ما سيؤسس له وايزمن حيث سيضع الإجازة في النير .«الإسرائيلي.»، وبالتالي هذا ما سيتعهد تنفيذه بن غوريون.، حيث ستبدأ المذابح في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي..
البغض الأعمى
ذلك الكتاب .(بروتكول حكماء صهيون.) الذي أصبح من حيث الرواج في المرتبة الثانية بعد الكتاب المقدس.. وقد أعيد نشر هذا البروتوكول.، وعدل ووسع وعلق عليه وشرح وترجم إلى لغات عديدة.، فكان هبة قسطنطين القرن العشرين.، أي وثيقة زائفة لها أثر تاريخي استعملت.، كما أشار نورمان كوهن.، إجازة للقتل بالجملة.. سبقت هذا البروتوكول كتابات أدبية شبيهة به.. وكانت فكرته الأساسية «الاعتقاد أن اليهود.، كل اليهود في كل مكان.، يشكلون هيئة متآمرة لتدمير البشرية ثم السيطرة على بقاياها.». قد وضعها ثلاثة من كتاب القرن التاسع عشر.، يهوديان وألماني.، كتب الألماني هيرمان كودسي تحت إسم إنجليزي محترم مستعار هو .«سيرجون رد كليف.» رواية عنوانها .«بيارتز.» في سنة .1868 تكهن فيها بأن حكم اليهودية العالمية سيكون قد توطد في سنة .1968.. أما اليهوديان اللذان ساهما في هذه الأسطورة فقد كانا من المرتدين.، أحدهما محتال يدعى .«ميلنجر.» انتحل اسم .«عثمان بك.» وصور في كتابه .«الاحتلال اليهودي للعالم.» برلمانا.ً سريا.ً يهوديا.ً يجتمع في مكان ما في بولونيا للبحث في احتلال اليهود للعالم.، والآخر يهودي تحول إلى المذهب الأرثوذكسي.، اسمه جيكوب برافمان.، وعمل مع الشرطة القيصرية السرية.، صور منظمة .«كاحال.» اليهودية بأنها أداة لأخذ عمل غير اليهود واحتلال العالم ايضا.ً.
Page 10
اكتشف نورمان كوهن أن الوثيقة مستمدة من رواية هجائية ألفها في سنة .1864 ضد الإمبراطور نابليون الثالث.، رجل يدعى موريس جولي.، كان متحررا.ً وصاحب أسلوب رائع.. أراد أن يهاجم الإمبراطور الفرنسي بطريقة تخفى على المراقبة.، فتصور حوارا.ً في الجحيم بين مكيافيلي ومونتسيكو.، وكانت آراء مكيافيلي المجردة من المبادئ الخلقية تمثل آراء نابليون.. انتحل مؤلف .«بروتوكول حكماء إسرائيل.» فقرات من رواية جولي.، وفعل ذلك أحيانا.ً بسرعة دون أن يكلف نفسه إحداث التغييرات اللازمة للترابط المنطقي.. وبينما يسخر مكيافيلي جولي من الطغيان القائم في زمانه يتكلم حكيم صهيون الخيالي بلغة المستقبل.: بعد أن يفسدوا غير اليهود.، ويرأسوا كل أحزابهم.، ويفرقوهم على أنفسهم.، يتسلم اليهود حكم العالم وفق مخططاتهم..
الأرجح أن بيوتر أيفاتوفيتش راكوفسكي.، أحد رجال الشرطة القيصرية السرية المسؤول عن النشاطات في الخارج من .1884 إلى .1902.، كان أحد رعاة هذه الأسطورة.، فقد كان يخفي عبقرية في التآمر والخداع وراء قناع من طيب القلب.، ويخطط لعمليات تقسم أعداء روسيا القيصرية على أنفسهم.، كأن ينسف مطبعة اشتراكية ثم يورط حزبا.ً اشتراكيا.ً منافسا.ً في عملية النسف.. والمعروف أنه كانت له علاقة بالراهب سيرجي نيلوس الذي حرّر آخر طبعات البروتوكول أكثر انتشارا.ً.
لكن مؤلف البروتوكول لا يزال مجهولا.ً. قد يكون روسيا.ً عاش في باريس أو يهوديا.ً كعثمان بك وبرافمان أراد أن ينتقم من شعبه.، أو مضطهدا.ً مستغرقا.ً في أحلام اليقظة الخطرة.. ومهما كان هذا المؤلف فإنه لم يكن شخصا.ً أوتوماتيكيا.ً. إن ذلك الكتاب الذي أذكى نيران الكره اللاسلامي.، والذي بدا لأدولف هتلر.، كأنه إيحاء.، فلم يشك أبدا.ً في صحته.، يفهم من كل طبعاته أن له علاقة بحياة ثيودور هيرتزل..
قال نيلوس في مقدمة الطبعة التي حررها.، والتي تقبلها بجد لا أدولف هتلر وحده بل أيضا.ً محرر «لندن تايمز.»، وهنري فورد.، أن البروتوكول .«ليس سوى خطة استراتيجية لاحتلال العالم ووضعه في النير .«الإسرائيلي.»، خطة وضعها زعماء الشعب اليهودي خلال قرون طويلة من الشتات.، وقدمها أخيرا.ً إلى مجلس الحكماء ثيودور هيرتزل.، أمير المنفى.، حين دعا إلى عقد المؤتمر الصهيوني في أغسطس .1897.».
الشاهد، أيار 1998
كانون الثاني 2000
الأرجح أن بيوتر أيفاتوفيتش راكوفسكي.، أحد رجال الشرطة القيصرية السرية المسؤول عن النشاطات في الخارج من .1884 إلى .1902.، كان أحد رعاة هذه الأسطورة.، فقد كان يخفي عبقرية في التآمر والخداع وراء قناع من طيب القلب.، ويخطط لعمليات تقسم أعداء روسيا القيصرية على أنفسهم.، كأن ينسف مطبعة اشتراكية ثم يورط حزبا.ً اشتراكيا.ً منافسا.ً في عملية النسف.. والمعروف أنه كانت له علاقة بالراهب سيرجي نيلوس الذي حرّر آخر طبعات البروتوكول أكثر انتشارا.ً.
لكن مؤلف البروتوكول لا يزال مجهولا.ً. قد يكون روسيا.ً عاش في باريس أو يهوديا.ً كعثمان بك وبرافمان أراد أن ينتقم من شعبه.، أو مضطهدا.ً مستغرقا.ً في أحلام اليقظة الخطرة.. ومهما كان هذا المؤلف فإنه لم يكن شخصا.ً أوتوماتيكيا.ً. إن ذلك الكتاب الذي أذكى نيران الكره اللاسلامي.، والذي بدا لأدولف هتلر.، كأنه إيحاء.، فلم يشك أبدا.ً في صحته.، يفهم من كل طبعاته أن له علاقة بحياة ثيودور هيرتزل..
قال نيلوس في مقدمة الطبعة التي حررها.، والتي تقبلها بجد لا أدولف هتلر وحده بل أيضا.ً محرر «لندن تايمز.»، وهنري فورد.، أن البروتوكول .«ليس سوى خطة استراتيجية لاحتلال العالم ووضعه في النير .«الإسرائيلي.»، خطة وضعها زعماء الشعب اليهودي خلال قرون طويلة من الشتات.، وقدمها أخيرا.ً إلى مجلس الحكماء ثيودور هيرتزل.، أمير المنفى.، حين دعا إلى عقد المؤتمر الصهيوني في أغسطس .1897.».
الشاهد، أيار 1998
كانون الثاني 2000