eKtab
EN ع
ربيع المغفلين
Read free sample

ربيع المغفلين

by د. الطيب بيتي

Page 1

تساؤلات

لا مراء في أنه تم استنبات ما يُسمى بثورات الربيع العربي ، في خريف 2011؛ كمرحلة انتقالية أخيرة في المشروع الإمبراطوري الأخير ذي الصرح المتهاوي ، بهدف الاستدارة على الجغرافية العربية وتطويق شعوبها بغية حشرها تحت " السيادة Imperium " المطلقة للغرب عبر مرحلته "التطورية" التي انتقلت من أوروبا-في ما بين الحربين- إلى الولايات المتحدة الأمريكية للعمل على نقلها - بالكامل - إلى إسرائيل؛ في ما بعد الربيع العربي......... وتلك مهمة الربيع العربي.

وإن التسمية لم تسقط من النيازك العليا بين عشية وضحاها ، بل كانت تلوكها ألسنة خبراء (الجيو- سياسة) بعد حرب الخليج الثانية ، وسوَّدتها أقلام مهندسي (الجيو-استراتجيات) في مجلة السياسة الخارجية الأمريكية Forein Policy Magazine في عام 2005 ، وطُبخ المشروع - والناس نيام- في الأوكار المعتمة للمخابرات الأمريكية في العهد البوشي ، وتم تنفيذه في زمن "التغيير الأوبامي" ، ليكون الخبز اليومي "الإصلاحي" ، للرئيس الأمريكي "باراك أوباما" بقصد ترميم التصدعات الأمريكية الداخلية وتصديرها للخارج ، بغية ابتزاز حلفاء أمريكا في العالم - خاصة من الأوربيين والعرب- تمهيدًا لخلق حروب مُدمِّرة في منطقة الشرق الأوسط ، امتثالاً لزمرة الأسياد ، من "الحكومة الخفية" ، التي تساندها طغمة خُلص الأليغارشية، المسيطرة على مقادير البشرية، تسويغًا للتدخل السافر والعاجل في الجغرافية العربية ، من أجل تغيير أنظمتها "المارقة" واستبدال حكامها "المستبدين" ، واستكباش ساستها ونخبها العملاء المفسدين ، واستضباع سُكّانها المغفلين... فأطاحت الإمبراطورية بأولئك الذين اُمتُص رحيقُهم وأُنهيت مهماتهم ، وتم الحفاظ على المتبقين من سلاطين العربان ومشايخ الخلجان إلى حين ، إلى أن يتم عصرهم مثل البرتقالة ، ويتم استنفاذ مَعين قدراتهم وخدماتهم ، وتجفيف ينابيعهم ، بعد أن استبدَّ بهم النزق والملق ، في خدمة الإمبراطورية أجيالاً وأزمانًا ، وطال بهم الأمد ، فأقعدهم الهم المقيم من زحزحة سلاطنهم ، ثم سيُجزون جزاء سنمار ، ويكتفون بالظفر من الغنيمة بالإياب... بينما يتم التعجيل بـ"استئصال" المتمردين العصاة منهم عن الترويض ، وإن عصيان الإمبراطورية جريرة لا تُغتفر في العرف الإمبراطوري للذين لا يعلمون!.

ولا جديد تحت الشمس... فالربيع العربي ما هو إلا حلقة من المسلسلات الأمريكية الفجة ، امتدادًا لسيناريو العصر 11 سبتمبر عام 2001م الهوليودي المونتاج والإخراج ، ذلك "اليوم الرباني" المشهود ، الذي تنزلت فيه "الآيات" (الشيطانية-التلمودية) على أنبياء الإمبراطورية ، فأضحت المعاش اليومي لجورش بوش الابن طيلة ثماني سنوات ، استلهم من مقاصدها ، وحي الحروب المدمرة لبلدان العرب والمسلمين ، واستوحى من ذكرها وتراتيلها استصدار تراخيص الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، وإكراه "المجتمع الدولي" لقبول الحملات العسكرية على العالم (العربي- الإسلامي) : العراق، أفغانستان ، باكستان ، اليمن.

وليس للعرب في "ربيعهم" من نصيب - في هذا الباب- سوى "القردنة" والزعقات ، والضجيج والتهريج في السيرك العبثي العربي الجديد...

Page 2

وفي الربيع العربي ، أدخلت الإمبراطورية العالم في أشد الحروب فتكًا للعقل الإنساني المُسماة "الحروب الافتراضية" Cyber- Wars وهي أعتى أنواع التدليس على البشرية المستخدمة لأبشع ما تفتقت عنه الذهنية الغربية من وسائل التمويه على الحقائق بأكثر الوسائل "اللا عقلانية" في " عقلنة" الخداع المسماة بـ"الإعلام الافتراضي" Cyber-News ، وهي تلك الحروب الغربية - الأقل كُلفة- المدمرة لفصوص الأدمغة البشرية ، التي يحل فيها هتك سيادات الشعوب ، وخرق القوانين الدولية والأعراف الإنسانية ، وإباحة كل أنواع "المحرمات" التي بدأت التجارب فيها بأكذوبة العصر "11سبتمبر" التي اعتمدت على وسائل خداع البصر والحواس السينمائية ، فنجحت في تضبيع البشر ، فكان لا بد أن تستمر ، مادامت عقول العرب المستحمرة المتحجرة و"المكلخة" "تبلعها" كل مرة ، على هدي المقولة التاكتيكية الكروية التي تقول "لا تغيِّر الخطط الناجحة ضد الخصوم ، ولو تغيرت الملاعب واستبدل اللاعبون"

وكتب في الربيع العربي ، أعاريب وأعاجم ، خبطوا في ذكر مناقبه خبط الأنعام ، مدعين التفسير والتأويل وكشف المستور وطرح البديل ، وتبيان العلة من المعلول ... تناول العرب هستراته بأساليبهم المتميزة بالتسطيح والتهويل والأماديح ... وعالجه الغربيون بتعاليهم وتدليسهم المعهود الصريح ... وأخضعه الجميع للأساليب الإعلامية المتسارعة التجارية ، ومناهج علوم الأناسة الغربية المحنطة ، بممارسة النط ما بين الاقتطافيات المغرضة، والاختزاليات المبتورة ذات التهديفات اللولبية ... وبقيت ما بين هذه وتلك ، تساؤلات معلقة ، وألغاز بدون أجوبة!

ويقف رجل الشارع المحقَر الحيران؛ يضرب الكف بالكف، ويحملق في الفراغ... يَتساءل مع نفسه، ويُسائل متخصصي الاصطخابات العربية - الثقافوية، السياسوية،والإعلاموية - المرافقة للزيف الإعلامي العالمي الرسمي المسير الأجير، فلا يجد الإجابة، فيستصرخ جهينة لعلها تنبؤه بالخبر اليقين :

• بماذا سنصف شُعوبًا مستحمرة ، أطلق أرباب الغرب على هيجاناتها اسم "الربيع العربي" التي تعني بلغة البحث الأنثروبولوجي: "الانبعاث العربي" أو "النهضة العربية الجديدة" أو "الصحوة الإسلامية" أو "مشروع التغيير" عبر "ثورات" ليست بالاصطلاح خليقة؟

وماذا بوسعنا أن نسمي فورانات العرب- في " زمنهم الربيعي" -التي اختلقها الغرب من ألفها إلى يائها بوسائله المخابراتية المرعبة، وبتقنياته اللوجيستية المهولة ، وبخبرات متخصصيه المذهلة ، لتسفر" ثورات" العرب عن هول المخزون الكمي المهول من المرتعبين الأُميين ، والانتفاعيين العضوانيين ، والمستنضلين الوصوليين ، و"التدينيين" السلفويين (التيميين- الوهابيين) التكفيريين والطائفيين ، ومن النُخب المتعهرة المنتمية لكل التوجهات الفكرية والإعلامية والسياسية؛ في العالمين العربي والغربي من خَدَم وكلاب حراسة "الحكومة العالمية الجديدة" التلمودية المنبت ، التي تلاقت فيها المصالح الماسونية الكونية المجرمة ، مع مرامي لصوصيات الأوليغارشية المالية ؟

وما جدوى عبثية اصطخابات المعوقين العرب في زمن "الأنا الأمريكية" بشمولية فظاعاتها التي تهدِّد البشرية بالزوال في كل لحظة ، وفي أزمنة "الأنا التلمودية - الدجالية" بمشاريعها المقبلة لا محالة ، في "ما بعد الأمركة" الأكيدة؟

وما علاقة الربيعيين بردة فعل الغرب - تجاه الربيع العربي وشعوبه- المرافقة لصراع الغرب المحموم مع نفسه ومع البشرية لضمان إنجاز مخططاته الأخيرة الحبلى بكل خفايا الاستسرارات المتوارية وراء نظام "عولمة" القيم الغربية الهجومية الاستئصالية كتصور غربي أصيل ( يوناني - روماني- يهودي) تم تجديده منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ، وإحياؤه عن طريق الوليد الشرعي "أمريكا" سليلة "الأم الأسطورية الخالدة" أوروبا العجوز؛ عبقرية البشرية الاولى ، التي دعمت مشروعها الإمبراطوري عمليًا بعد الحرب العالمية الثانية برشاوى الهبات المالية لأوروبا ، وقروض البنك الدولي بعد "أمركتها" ، بشراء ذمم المثقفين والنخب السياسية والفكرية ، واختلاق الحرب الباردة مع المعسكرين الشيوعي والاشتراكي وكل دول عدم الانحياز ، عبر إنشاء الحلف الأطلسي والمنظمات الدولية وفروعها ، بغية فرض "السيادة" الكونية و"قولبة" كل الحضارات والثقافات والديانات، وإعادة رسم الخرائط عن طريق استكباش ساسة العالم ونخبه ومثقفيه وحكوماته ، لاقتياد البشرية نحو الانخراط في المشروع (اليهودي- الأممي) الجديد ، تحت ترشيد" البرج البابلي" المُسمى" بـ"هيئة الأمم المتحدة" التي من أهم مهامها ؛ استنعاج البشر لإيصالهم إلى حظيرة إمبراطورية "شعب الله المختار" المُسماة "حكومة العالم الجديدة"... فجاء الربيع العربي ليكون "المرحلة الانتقالية" المفصلية الأخيرة ، لوضع آخر الرتوش (البيكاسوية- السوريالية) للمشهد العربي الجديد الذي سينضوي تحت "الحكومة العالمية الجديدة" ؟

Page 3

فكيف إذن سنقيِم "ثورات عربية" ملغومة ، تزعمتها نخب سياسية وفكرية مشبوهة ، وقادتها شبيبة موتورة ، لا تفرِّق في مجالات الإصلاحات الاجتماعية الجذرية ما بين اللوغوس Logos بمعنى الاستبصار ، والعقل والإشراق والعرفان والحكمة ، أوالباطوس Pathos بمعنى السفاهة والصفاقة والبلاهة والعبث والحماقة ؟

وكيف سنحكم على حكومات عربية ملغوزة فاقت سابقاتها في ضخ الشعارات الكاذبة ، والتمادي في الإخصاء العقلي والروحي والأخلاقي، والمغالاة في الخنوع والاسترزاق للخليجي، والاستنقاع في أوحال الغربي ، تبشِّر العرب بمصير موحش ، مع مزيد من الفوضى الشمولية ، والفتن التوطاليتارية الكاسحة ، والصراعات المذهبية والأيديولوجية والعرقية الدموية ، ليتم - بموجبها- تفكيك العرب فتاتًا ، فيصبحوا لقمة سائغة تلوكها أضراس الكواسر الغربية المتربصة الجائعة ؟

وكيف يتحدث المستحمرون العرب عن مناقب قردانيات الربيع العربي ، والغرب يتحدث في زمنهم العربي عن "حكومة العالم الجديدة" التي ستكون عاصمتها "أورشاليم" للالتفاف على الجغرافية العربية وساكنتها بكامل أعراقها ومذاهبها ودياناتها وأيديولوجياتها بغية استعبادها؟

وكيف يتغافل مهابيل النخب العربية ومثقفيها وإعلامييها ، عن قدرات الغرب الهائلة على ردود الأفعال الفورية ، وملكيته للمؤهلات (التخطيطية والعقلية) والإمكانيات الجبارة (اللوجيستية والبشرية والمادية) ، للالتفاف على الأحداث العربية والدولية التي تستجيب لبرامجه ، فيعتقد العرب ، مثل الحشاشين ، بأن الربيعيين هم اللاعبون الأوحدون على الرقعة العربية ، والمقررون لمصائرهم ، وكأن الغرب الذي نصب بالأمس القريب كل حكوماتهم البالزاكية ، وقسَّم حدود جغرافيتهم ، ورسم حدود خرائطهم ، ووضع دساتيرهم ، وقنن تشريعاتهم ، معزول في كوكب آخر عما يجري في الساحة العربية ؟

وكيف سنفسِّر تلك الظاهرة العربية الجديدة - في الزمن العربي الجديد- التي تفردت بها الشعوب العربية من دون سائر الشعوب ، بقبول التطبيع الذهني والنفسي والوجداني مع مرأى عتاة الصليبيين الجدد ، يصولون ويجولون في العواصم العربية ، و"الإقرار" لهم بواجبهم"الإنساني" في "تحمل عبء" إنارة ظلمات مصائرهم وانتقاء حكامهم وتغيير أنظمتهم ، وإعادة رسم خرائط بلدانهم ؟

وكيف سنفسِّر - في الربيع العربي - تزايد ظاهرة "السلفويين" والتكفيريين والجهادين والقاعديين والمستنضلين الجدد؛ حُكَّامًا وشعوبًا ، وأحزابًا إسلاموية مشارقية ومغاربية وتركية، ومنظمات مسلمي أوروبا - الذين انحشروا ، مثل يوم الحشر- تحت إمرة الصليبيين، متأولين آيات الجهاد بالتأويل التلمودي - كما أمرهم بذلك نبيهم الجديد بيرنار هنري ليفي- فتصبح بلاد العرب والمسلمين هي قبلة الجهاد بفتاوى فحول علامات الأمة الذين حرَّموا الجهاد ضد الكيان الصهيوني وضد صليبيي الأطلسي من حثالة الغرب ورعاع رعاة البقر ؟

وماذا سيقول - فيه - المؤرخون والمحللون والأكاديميون والفقهاء والعلماء والكتبة والمثقفون ، عن المِحن العربية الكبرى السالفة والحالية والقادمة في الأرض والأوطان والضمائر والرجال ؟ وعن الخيانات السياسية التي تخنق الأنفاس ، وتقتل الأرواح ، وتزوِّر التاريخ والدين ، وتستبيح الأعراض ، وتبيع الأوطان؟

وماذا سيُقال عن لغزية مفبركي عصابات القتلة "المتأسلمين" الجدد من الفئات (السلفوية - التكفيرية) من مدعي الانتماء إلى أهل السُّنة والجماعة ، التي آلت على نفسها منذ ظهور " شيخ إسلامهم" ابن تيمية" على تحصين دين الأمة من الزيغ والانحرافات والبِدع ، فتستنفر على حين غرة - في الربيع العربي - هذه "النُخب الإسلاموية" رائدة "شعب الله المختار" من فئات "السلفوية" الأطهار" لـ"الجهاد المقدس" ضد الفرق والمذاهب الإسلامية وأتباعهم "الأشرار" ولإبادة إخوتهم في العرق والملة والدين والأرض والتاريخ والمصالح الكبري المشتركة ، منضوين تحت ألوية الكُفر البوَّاح ، كخدم تحت راية الصليبيين الجدد ، لتمكينهم من إعادة أمجاد الغرب الكولونيالية القديمة في أرض الشام والمغرب العربي ، والبلدان الإفريقية الممتدة عبر الساحل الإفريقي من مالي إلى نيجيريا ؟

وماذا سيقول "ثورانيو الربيع" لأجيالهم اللاحقة عن تواطؤ الحكام العرب القدامى والجدد ، مع كل أبالسة الارض المطرودين من رحمة الله الذين يدنسون أرض الأمة ويهينون كرامتها ويضبعون أبناءها ويستحيون نساءها ويلوثون تاريخها ومقدساتها وأديانها وأنبياءها ؟

وماذا سيُقال عن طوفان الكذب والضجيج والتنغيص والنفاق والنعيق والإحباط المتواصل، والكرامة المستباحة للهوام والخفافيش والكلاب العربية ، والنسور والصقور وأكلة لحوم البشرالهامويين الغربيين التي تنغص حياة الشعوب العربية في الماضي وتحاصر العرب اليوم في كل الأركان وفي كل مكان؟

ماذا سيُقال عن شعوب عربية معوقة ، تستحم في مستنقعات الجهل والجشع والتفاهة والغلاظة ، والتظاهر والغرور والثرثرة والبلادة وعشق "الجلدة" (الكُرة) ، وإدمان الحشيش وعبادة "باخوس" و"التموسق" بالمغنى الهابط المقزز الرخيص؟

وماذا سيُقال عن مثقفين مزيفين ، ومبدعين فارغين مثل البالوعات، ونخب وساسة وفقهاء ومفتين وعلاَمات خبثاء الطوية قميؤو السحنات ، متورمو الأمخاخ مثل الدنافيل ، ومنتفخي الريش مثل الطواويس؟ وبورجوازيات عربية مريضة متصاعدة ، تعاني من آفة الشعور بالعظمة الزائفة والاستعلاء الأجوف على العباد ، تواصل جنايتها على الملأ يين المعوزين المقهورين والمحتاجين؟ وشبيبة عولمية "إنسانوية" محبطة عاهوية ، تنط مثل الشياه العاثرة لا هي من هؤلاء ولا من أولئك ، تتحرش بالنبالة ، وتتعيش بالحطة والسفالة ، وتدعي التنور والتمرد ، وتسعى إلى النجومية بالعبث بالثورة والنضال ، متباهية بالاستهبال والمغامرة والمقامرة ؟

Page 4

وما مصائر كيانات (سايسكوبية) ظل موجدوها الأنغلوساكسون الأوائل - بريطانيا - والجُدد - الولايات المتحدة - يدافعون عنها بالمخلب والظفر والناب ، إلى أن تعالت في البنيان ، وأذلت الرقاب، تتآمر على الشرف والعرض والعروبة والإسلام ، بالغدر بالأمة والطعن في ظهرها من الخلف بالخناجر المسمومة ، وبسكاكين أيديولوجية "الصفوة التيمية" الفتاكة، والتمظهر بالقشرة الإسلاموية والتفاخر بالجلافة البدوية ، والصلافة القبلية ، والألباب جاهلية ، بالتنافس "الحضاري" ما بين شيوخ النفط ، وأمراء القصف والرفث والتباري بالدفاع عن بيضة الدين وحوض العروبة ، بالانتشار في الآفاق بالمسخ والفسق ، وصرف أموال المسلمين في بهيمية الغلمة والشبق في عواصم الاسترقاق الجنسي - وتلك عولمة المنافقين والأحزاب والأعراب- ، مستثمرين أموال شعوبهم في مصارف آل الخزر وآل العم سام وبني شارلمان وآل الجرمان ، لكي لا تصل اليها أيادي ذوي الحاجة والمسغبة من معوزي المسلمين ، الذين يفترض أنهم خير أمة أخرجت للناس ، ولكنهم يشكلون السواد الأعظم من المستضعفين في الأرض ومستحمري البشر؟

فكيف سيخفف الربيع العربي من وطأة هذه التعاسات ، ما دامت السعادة أبعد من الآمال والأحلام؟... فهل ستحتاج الشعوب العربية إلى ألف ثورة وثورة ، في سبيل إنقاذ الكرامة والمبادئ والعفة والرجولة والبطولة ، والكبرياء والطهر والبراءة ، في نفوسنا ونفوس أبنائنا ؟

لقد مضى حينٌ من الدهر على العرب ولم يعودوا شيئًا يُذكر ، فتكاثرت على راهنهم الوجودي والحضاري - بالتقادم - تمزقات وخيبات وانكسارات ملأت حياتهم بأحزان لا تُطفأ ، فحاولوا رسم آفاقهم ببناء نهضة على الرمل بخطابات جوفاء عشرية تدعوا كلها إلى المحو والشطب والتنقيح والإعادة ، بعضها صادق؛ وغالبيتها ما دون ذلك؛ ومعظمها يتخذ أشكال المحاسبة العنيفة أو نهج سبيل التحجر والأهواء، فتتم عندها مواجهة التحديات بالرغبات والشهوات... والشعوب الحقة لا تبني مستقبلها على الوعود والتمنيات.

ثم.. وبعد أن خبط العرب منذ عهود بكل المخابط في شتى المسالك، وضاقت بهم السبل والدروب ، وغُلِقَت أمامهم الأبواب ، وسُدت من خلفهم كل المنافذ منذ عقود ، ويزداد الزمن العربي في كل لحظة تعاسة... فماذا لو استشاروا العرافين والملهمين والمنجمين والعارفين بالله ، والحكماء والمستبصرين في الزمن العربي الضنين فقد يجدون عندهم الجواب اليقين، وسيقولون لهم أجمعين: لا بد أن تصل الشعوب العربية إلى قاع الهاوية وقرار المحنة ، قبل أن تمتد إليها يد المنقذ من النوازل المتتالية ، وهول الواقعة الآتية لا محالة ، لكي تصل إلى الخلاص ، لتتفادى سوء الخاتمة.

ويعودون فيسألون هؤلاء الملهمين: ألم تصل الشعوب العربية بعد إلى قاع الهاوية وقرار المحنة؟ مع كل ما قاسته في الماضي البعيد والقريب ، وتعاني منه البشرية اليوم بسبب تزايد مخاوف الرعب والقلق والاضطراب ، وانتصار الوحشية والهمجية والقرصنة واللصوصية الغربية - تحت قيادة هذه الحضارة الغربية المقيتة - ؟؟

وربما سينتفض أحد العارفين بالله المستبصرين من أهل الحال والمقام والجمال والجلال فيصيح: من يدري؟.. فلرب ضارة نافعة! ولعل المحنة أن تشتد عما هي عليه فتنبلج!... "فاشتدي أزمة انفرجي"...!

ولربما ستنجو الشعوب العربية حتمًا ، ما بقيت لديها القدرة على الغضب المقدس على نفسها بمحاسبتها وتزكيتها ، والتمرد على الأعداء بمواجهتهم بنخوة السيادة ، وحضارة الندية ، بالتراحم فيما بينهم ، والتشدد مع الأعداء والأغيار ، والتحلي بالعفو والإيثار ، والتخلي عن الأثرة مع المقربين ، لتتجلى لهم الحقيقة.

ولعل العزاء والأمل في جواب هذا العارف بالله - إن كان يرى بنور الله- أو عند غيره من الملهمين والصادقين والشرفاء الأصيلين - إن صدقوا-!.

Page 5

الفصل الأول : جـدوى الـربيـع الـعـربـي

( من الممكن خداع شريحة من الشعب في كل حين...

أو خداع كل الشعب في فترة وجيزة...

غير أنه يستحيل خداع الشعب كله في كل حين )

إبراهام لنكولن

إذا كان الهدف من الربيع العربي هو "التغيير" بالمعنى "الإمبراطوري" عبر الحروب الناعمة والثورات الملونة ، والمؤامرات المسطرة!... فقد نجحت الإمبراطورية في ذلك...

فقد حدثت - عمليًا - تغييرات في الخيام العربية ، وترقيعات في أسمال مشايخها ، وتعديلات في ديكور قشور أنظمتها ، بعد أن تمَّ ترحيل الدُمى السابقة التي تم استنفاذها بعد "عصرها" ، وغدت الشعوب العربية أكثر استحمارًا، بينما ازداد الغرب علوًا واستكبارًا.

وإذا كان الهدف من الربيع العربي هو اختلاق "هبَّات" انفعالية ، و"ثورات" مرسومة ، ترمي إلى اقتياد القطيع العربي المستنعج المسعور إلى حيث لا يدري ، ليوصله محركو "البوصلات" العالمية الخفية: (التلمودية - الماسونية) إلى محطة اللا عودة... فقد نجح الغرب في ذلك.

وإذا كان الهدف من الربيع العربي هو العودة الأكيدة للصليبيات القديمة والكولونياليات الكلاسيكية ، عبر أنبياء ومبشرين جدد ، بأقنعة وخطابات ورسالات جديدة... فقد نجح الغرب في ذلك !...

وإذا كان الهدف من الربيع العربي هو تفعيل أخطر براديغمات أواخر التسعينات لفهم عالم ما بعد الحرب الباردة ، خاصة تلكم التوليفات المتلازمة والمتكاملة: الفوضى العالمية الجديدة ، وصراع الحضارات ، وبراديغم الفتن؛ التي تهدف كلها إلى تهيئة الأجواء الملائمة لإشعال حرب عالمية مدمرة على الجغرافية العربية ، عبر إثارة ميكروبيات البغضاء والفتن في داخل المجتمعات العربية والإنسانية ، وتهييج مشاعر البشرية ضد بعضها ، بالإصرار على الإساءة المتعمدة والمتكررة للأنبياء؛ وخاصة نبي الإسلام والنصرانية تحت دعاوى حريات التعبير - التي لن يمكنها؛ للغرابة- أن تطال اليهودية أو التلمودية أو الماسونية أو القبالة ، لا بالإشارة والتصريح أو حتى بالتلميح، لكي يضرب المسيحيون والمسلمون والسنيون والشيعيون بعضهم رقاب بعض ، ليكونوا فُرجة القرن والعصر ، وآيات بينات لمعجزة سجع كهان التوراتية؟...فقد نجح الغرب في ذلك!.

وإذا كان الهدف من الربيع العربي هو تقعير المزيد من "الزلط" و"الكًلَخ" في ذهنيات الشعوب العربية المستحمرة بشعارات ضجيج السلفويات ، وبعنترات القوميات والعروبيات ، وبكرنفالات العلمانيات وتلونات اليساراويات ، ومبرقعات اللبرلات أو الليبرالياتوالحريات ، التي تهدف كلها إلى تعميق التطبيع مع الفراغ والفوضى وكل اللا قصديات واللا غايات ، بمعادلة العصر الغريبة الشاذة التي لن يتمكن عباقرة العرب - من ذات اليمين ومن ذات الشمال؛ القدامى منهم والجدد- من فك رموزها وهي: (إسلام قرضاوي "معتدل" متلون قطري + إسلام عرعوري تيمي متطرف وهابي سعودي + إسلام براغماتي قزحي تركي + رؤى (علمانوية- يساروية مقنعة) + ليبراليات عولمية = النيو إسلام والنيو عروبة.. والنيو لبيرالية والنيو علمانية... وهي معادلة لوغارتمية غنوصية معقدة ، تترجم بكل وضوح عبثية المشهد العربي في ما بعد الربيع العربي...وهي معادلة غريبة "استسرارية" ésoterique لم يجد لها بعد واضعو المصطلحات الغربيون تعريفًا معجميًا ، والتي تعني باللغة الواضحة التي قد يفهمها إنسان الفطرة وذو العقل الصافي "عرب ومسلمو" ما بعد الربيع العربي ، التي تعني بكل بساطة في القاموس (الغربي) وفي الذهنية الغربية "العقلانية - الحداثية": (عبيدشعب الله المختار).. - والباقي كله شنشنة مهتاجين ، وعنعنة مهدارين -... لتتحول الرقعة العربية إلى ما يشبه حوض أسماك ضخم عكر ، تتناوش فيه أقوام الجغرافية العربية وعرقياتها وطوائفها الدينية ومدارسها الفقهية ، مثل الأسماك المتنافرة الأحجام والأنواع والطباع ، يلتهم بعضها البعض... فقد نجح الغرب في ذلك!.

وإذا كان من أهداف الربيع العربي ، هو تشظيظ المنطقة العربية إلى شظايا "بيافرية" متناحرة ، يستبسل فيها أمراء جهاديون في كل بقعة ، ويفتي فيه فقهاء سفهاء في كل حي وزنقة... فقد نجح الغرب في ذلك!.

Page 6

وإذا كان من أهداف الربيع العربي ، هو المسارعة إلى تفعيل مشاريع إشعال حروب إقليمية مفاجئة غير منتظرة أو مسبوقة ، تمهيدًا لنشوب حرب عالمية ثالثة ، بقصد السيطرة الكاملة على منافذ الطاقة الممتدة من العراق إلى أفغانستان بعد احتلال سوريا وتفكيك لبنان وضرب إيران ، لتطويق روسيا ومحاصرة الصين ، عبر تهيئة الأجواء الإقليمية والدولية ، باستفزاز "دول الشر المارقة" الخفية في كل مكان ، وبعد ضمان التزام الدولتين النوويتين الآسيوتين: دولة باكستان السُّنية ودولة الهند البوذية ، بالمحافظة على التحالف القديم الذي شكَّلته الولايات المتحدة في عهدي "هاري ترومان" و"داويت ايزنهاور" المسمى بـ"الطوق الشمالي" أو "مشروع فوستر دالاس" الذي طوَّق الاتحاد السوفياتي أو إمبراطورية الشر - في الخمسينات- حيث يتم اليوم تحيين ذات المشروع في الربيع العربي لإسقاط الأنظمة المارقة - إسلامية مؤمنة أو علمانية ملحدة - وإثارة الشعوب العربية للانشغال بتحقيق "الخلافة السُّنية" الإسلامية المقبلة التي تعمل علب التينك - تانك على فرز العاصمة الأنسب لها : مكة أو أنقرة أو القاهرة ، لكي يستظل سكان الجغرافية العربية لما بعد الربيع آمنين تحت ظل حكم الإمبراطورية "العولمية - التلمودية" القادمة المسماة بـ"حكومة العالم الجديدة؟... فقد نجح الغرب في ذلك.

وإذا كان الهدف من الربيع العربي هو المصادقة على نبوءة "صامويل هينتغتون" بحدوث "الحروب الحضارية" الكونية التي لن يكون أصلها المنافسات اللصوصية بين الأمبرياليات الأوروبية (الحربان العالميتان) بل تلك الحروب الممهد لها في ما بعد الربيع العربي عبر اصطدام "المركز" : أي الغرب الاستعماري السابق مع "المحيط": أي الدول المستعمَرة السابقة ، لتكون حربًا ذات مسحة دينية ما بين حضارة "يهودية - ماسيحانية" تدور في فلكها وتحت إمرتها حكومات إسلاموية "سنية - سلفوية - إخوانية" تابعة لـ"المركز" ضد التواطؤ (الشيعي - الأرثوذوكسي - الكونفوشيوسي) يمهد الغرب لها بتأجيج الصراعات الطائفية والدفع بها إلى اللاعودة... فقد نجح الغرب في ذلك.

وإذا كان من أهداف (الشراكات - الأورومتوسطية) هو الاستمرار في جعل بعض البلدان العربية أوكارًا للدعارة الدولية ، وقبلة للشبقيين الأوروبيين ، وكعبة للمهزوزين من طريات وطريي الغرب الموتورين ، وأن يصبح فحول ذكور العرب - شيبا وشبابا - في دولهم مجرد قوادين وديوتيين ، وتتحول حرائر نساء العرب - في الزمن العربي - إلى جحافل مومسات منتشرات في الشوارع والمقاهي والمراقص والنوادي الليلية الحمراء في داخل الأوطان ، وفي الخارج متسكعات على الأرصفة المشبوهة في المدن العالمية الكبرى ، كمحترفات قصف وخنا في مواخيرها ومقاصفها ، من الخزيرات إلى تل أبيب...فقد نجح الغرب في ذلك!.

وفي الختام... فإذا كان الهدف من الربيع العربي هو قلب الحقائق المنطقية ، والالتفاف على المعايير الأخلاقية والإنسانية والدينية ، والاستدارة على الجغرافية العربية للقضاء - المعنوي - على شعوبها... فقد نجح العرب في ذلك!

وبالنتيجة :

فلم يسبق للغرب أن أعلن عن مشروعه للهيمنة الكُّلية على العالم بكل وضوح سوى في زمن الربيع العربي... فما السر وراء ذلك؟

وللإجابة على هذا التساؤل الملح والمشروع - في زمن الربيع العربي - فلا بد من تسليط الأضواء على "الزمن العربي" الجديد - بالمنظور الأنثروبولوجي -، لكي لا تتحول عبثيات الربيع العربي إلى أسطورة سرمدية ، أو تصبح هذاءاته مُسَّلمات وقوانين ربانية لكل الشعوب العربية ، وذلك بالعمل على رده إلى ما يساوي ، بالتفكير العقلاني والتحليل الموضوعي.

ومن هذا المنظور ، فإن الكتاب - الذي هو في واقع الأمر جذاذات لمقالات كتبتها حول هذاءات الربيع العربي منذ بدايته - ينحو نحو ما يلي:

• فحص الربيع العربي بالمكبرات المجهرية ، بترصد مصدره وحصر هناته ، وتتبع سقطاته ، وقراءة مراميه ، بعيون متسائلة مستفزة ، وشفاه رطبة بذكر الحقيقة ، ليستشف المستحمَرون من العرب ما صنعوا في ربيعهم ، وما سيصنع بهم الغرب في خريفهم ، وإلى أين هم ذاهبون بقيادة حكوماتهم الربيعية المستنعجة المنتقاة الجديدة ، التي سيتم استبدالها تباعًا مثل شفرات الحلاقة أو مثل ممثلي كومبارس الأفلام السمجة.

محاولة - قدر المستطاع - التجرد من كل المعتقدات الجازمة التي تغرف من تليد الأمجاد العربية التاريخية الكاذبة وخيباتها المتكررة أو تلك الرؤى اللا مشروطة المنبهرة بالتفوقية الغربية وعصمتها الأزلية ، التي سحرت مستحمري العالم الثالث في الماضي - اعتبارًا أو استشكالاً - بعد أن سحقت الهراسة الغربية الفظيعة كل ما هو جميل في الأنفس البشرية والآفاق الأرضية.

• الكفر بكل الهرطقات: الإسلاموية والقومجية والعروبية واللادينية والليبرالية واليساروية ذات الرنات العاطفانية " sentimentaliste والتنظيرات الانفعالية والرومانسيات الأسيرة.

Page 7

رفض كل الثرثرات النخبوية المؤدلجة المروجة لغض الأبصار - في الربيع العربي - عما يُخطط لاكتساح الجغرافية العربية ، وما يُطبخ لشعوبها من مؤامرات شيطانية ، في مطابخ الغرف المغلقة المحلية والإقليمية والدولية ، يحيك نسيج أشراكها العنكبوتية دهاة أبالسة الغرب ، من أجل ابتزاز مغانم ومناعم الخيرات العربية ، بالعمل - ليل نهار - على مواصلة تدجين النُخب العربية ، واستعباد ساساتها ، واستحمار ساكنتها ، واحتقار أهلها بمنظور "لعبة الأمم" القذرة الجديدة على رقعة الشطرنج العربية!.

• تسفيه كل المضاربات الكلامية الرخيصة الهوجاء لمطارحات استمرار رفض نظرية المؤامرة ، وكأن العرب منذ منقبات الكولونيالات يمتلكون أبجديات مصائرهم ، ومفاتيح مغاليق مستقبلهم بمعزل عن "المؤامرة" ، عفوًا؛ عن - التخطيط الغربي لمقادريهم - ، أو الإصرار على تسويغ ترويج عفوية "ثورات العرب" - علمًا بأنه لا يوجد في قاموس التاريخ شيء اسمه ثورات عفوية ، حيث يبدو أن المستحمَرين الربيعيين ، لا يفرقون ما بين "عصيان" أو "تمرد" أو " انتفاضة" أو" هبَّة" التي يُطلق عليها في اللغة الفرنسية كلمة "Révolte" وما بين كلمة ثورة Révolution. - تترجمها تلك العبارة الشهيرة لملك فرنسا لويس الخامس عشر- الذي أطاحت به الثورة الفرنسية- عندما سأل مستشاره "الدوق دولار وشفوكو" في 15 جويي من عام 178 وهو يطل من شرفة قصره على المتظاهرين المطالبين برأسه قائلا: "هل هو عصيان؟ فأجابه "دولار وشفوكو" : ( كلا يا جلالة الملك ، إنها ثورة)

ومن هذه الزاوية ، وبعد التقصي والتدقيق، فإن الزمن العربي الجديد الملغوز - منذ ظهوره في يوم "الياسمينة" المشبوه ، إلى حين وصول تجار السياسة العدميين الجدد - ليس له من الإسلام وسمٌ مهما تكاثر فيه الإسلاميون... ولا من العروبة رسمٌ؛ سوى النزعة الأعرابية المخصية الجديدة... ولا من القومية فصلٌ ، مادامت اللفظة انتحال لصفة غربية لم يعرف لها من تاريخ العرب منطلق ولا مصدر... ولا أثرٌ فيه للكرامة والنبالة، ما دامت الخسة والنذالة هي الشهامة... أو يُتنسم فيه قبسٌ من العزة والسيادة ، ما دامت النخوة هي القزامة؛ سوى الدفع بالعرب إلى المزيد من المسخ والخلط والخبط ، والتمسح بغلاظ مشايخ النفط ، والركوع لداصة أقوام حثالات سراديم مجاهيل التاريخ من بني صهيون ، والائتمار بنصابي الكون من سفلة (الفرانكو - أنغلوساكسون) وطغام حثالة رعاة البقر ، والارتضاخ لرعاع مجرمي صليبيي الناتو ، ليكرهوا العرب للارتداد إلى جاهليتهم الأولى ، والعودة بهم إلى منقبات نعراتهم القلبية المثلى ، والإقرار بالعيش في عوالم العجماويات البهيمية ، والجهالات العمياء ، والضلالات البئيسة ، والغوغائيات البخيسة ، وفي أحسن الحالات ، يتم الزج بنخبهم في عبثيات العته الفكري ، وتمريغهم في أوحال الزولوجيات المتطورة ، وأفانين الإيروتيكيات الوردية، وإلهائهم بثغثغات "الخرمزات" أو "الخرمجات" الطفولية، وشطحات القص والتشكيل والتحبير، وما لف لفها من الغلاظات الفكرية والإبداعية التي يسميها مثقفوهم فلسفات وتأملات ، وتشنيفات وإمتاعات وفنون وثقافة وتمدين وتقدم وحضارة.

Page 8

بانوراما الربيع العربي

لقد تمخض "ربيع العرب" فولد لهم في عزهم "التطوري" بالمعنى (القردي - الدارويني) من صعاليك الوجود الممسوخة أطنانًا ، وضخ لهم من الهذاءات شلالات ، وأفرغ من الكتابات التزلفية أسفارًا ، ومن التحليلات التسطيحية - عربيًا ودوليًا - مجلدات ، وأفرز من الدمى السياسية القميئة أصنافًا ، فأسفر عن حكومات متسولة أوتي بشخوصها عبر الاختبارات الهوليودية الانتقائية المعروفة بـ"الكاستينغ" casting ، استهلَّ هؤلاء الحكام الجدد أنشطتهم السياسية - كما أُمروا - بممارسة مختلف أشكال العهر السياسي ألوانًا بدءًا بتكبيش شعوب عربية يصنفها الغرب بمنظور كل مدارس إثنولوجياته ومختلف توجهات إنثروبولوجياته واستشراقاته ، بأنها بهائم سائبة - كما وصف نابليون المصريين عند حملته على مصر ، أو كما نعت الماريشال ليوطي المغاربة كمقيم عام إبان ما يسمى بالحماية الفرنسية - بقردة السيرك المتنكرة !.

فكان الثورانيون العرب الجدد فُرجة القرن على المسرح الدولي مثل البهاليل ، تحركهم طغمة مشبوهة من أوغاد البرية ، ومن السفلة الأدنياء من غلمان المخابرات الغربية ، لا يُعرف لهم لون سياسي معين أو هويات وطنية واضحة ، أو شعار حزبي جلي ، فتحولت بهرجات سيرك الربيع العربي في نهاية بهرجتها ، إلى حكومات أركيسترالية إسلاموية بلزاكية: (قرضاوية - أردوغانية) بصلصلات: (سلفوية - تيمية - وهابية) ، وبالتمظهرات المسرحية البالزاكية ، روجت لهؤلاء قنوات (أعرابية - متصهينة) ، بالتمويل القاروني ، تحت دعاوى "تنوير" العقول العربية الوضيئة ، و"تثوير" الشعوب البلغمية الكهوفية نحو الانعتاق والحرية ، وتحت شعار "تغيير" أوضاع أقوام الجغرافية العربية التي هي أقرب إلى العجماوية منها إلى الإنسانية ، تدنت مستوياتها فتجردت عن أبعادها الوجودية والفكرية والحضارية والإنسية ، حتى أصبحت أكثر دونية من سمج أعراق أدغال إفريقيا ، وأمشاج مجاهيل الإيكواطور والسافانا وبيافرا ، فلم تعد هذه الشعوب العربية بموجب تنفسها في مناخات مخلفات الارتكاسات والخيبات التاريخية المتواصلة ، قادرة على أن تنظر حتى إلى مواطئ أقدامها على أراضي جغرافية بلدانها ، فما بالك بالتأثير في أوطانها وفي محيطها الإقليمي أو الرقعة الدولية ، أو استيعاب التركيبات المعقدة للعبة الأمم ، أو خوض غمار المعتركات الحضارية الضارية الحالية أو التحديات المستقبلية ، سوى ملأ الدنيا جعجعة ، وستظل تلك أحوالهم - ما لم يغيروا ما بأنفسهم - إلى أن تميد بهم الأرض أو أن تخسف بهم - من جديد - صواعق الضربات الغربية المفاجئة - كما هي العادة في كل مرحلة انتقالية غربية - فتحيق بهم طامة النهاية الكبرى وهم ينظرون !.

Page 9

صهينة الإسلام ووأد العروبة

ففي حين يتحدث العرب عن اكتمال دورتهم الزمنية والتاريخية المتفردة ببزوغ نجم "ربيعهم العربي" والترويج له بالزعقات الربيعية التي تحمل عناوين: استنعاجُ الشعوب العربية واستكباش نخبها ، إخصاء ساستها ، وبيع الأعراض والأوطان في أسواق النخاسة الغربية!... فإن الغرب الذي ترَّقي إلى أعلى مراحله "التطورية - الحداثية" الهجومية المتقدمة ، ليستقر في "الأنا الأمريكية" - ذات الفظاعات بكل أشكالها ، والغرابات بكل ألوانها ، والأزمات المهولة المتجذرة في صلب قذارة المشروع الأمريكي نفسه على كل مستوياتها - هذا الغرب الذي يسعى في آخر مطاف انحداره ، من أجل إنقاذ سفينته الغارقة حثيثًا ، بمحاولة رمي آخر أوراقه الخاسرة على هدي ( عليَّ وعلى أعدائي أو الطوفان) يخاطب المستبغلين العرب ، ويتقيؤ عليهم ، ويتحداهم - في أوج ربيعهم - بكل لغات الأرض؛ بإصراره على التربع على مقام عرش "الربوبية الكونية" عبر مشروع تحقيق الإمبراطورية الجديدة التي تعني في القاموس السياسي الغربي الحديث ، - لما بعد نهاية الحرب الباردة - : تفعيل تلكم المعادلة التاريخية الأزلية المعنونة للخصوصية الغربية التالية: (أثينا الخالدة ، وأورشليم المقدسة ، وروما التليدة) التي كانت تعني منذ ما بعد الإتحاد السوفياتي : "النظام العالمي الجديد" وتعني اليوم في الربيع العربي: "حكومة العالم الجديدة ، وعاصمتها الكونية القدس"... بينما يتحدث المستحمرون العرب في ربيعهم العربي عن "كونية" ربيعهم ، و"عالمية ثوراتهم" وقدوم عهد "خلافتهم" والتنقيب عن خليفتهم الذي سيقود أمتهم!.

وطامة العرب الكبرى ، أنهم؛ منذ أسطورة نهضتهم في بدايات العشرينات ، وبهرجات ثوراتهم على العثمانيين وانقلاباتهم على بعضهم إلى نهاية الستينات ؛ ما برحوا مثل الممسوسين صرعى الأوهام والخطابات العكاظية ، ولبثوا سادرين في الإغماء الوجودي والغطيط في النوم الكهوفي ، والتسيب الديماغوجي والانتحار الحضاري ، وبقي ساستهم ونخبهم ومفكروهم ومثقفوهم؛ يتعاملون مع أحداث جغرافيتهم العربية بالذهنية التسيبية الجهولة ، ويُقيِّمونها بمعايير النظرة الحولاء التجزيئية المقلوبة ، أو بالعين العوراء التي تحجب بلدانهم ومشاريعهم عن الأحداث الدولية المستجدة والمتسارعة ، ويتفكرون في الحركات الغربية المحسوبة على رقعة الشطرنج الدولية بتفاكير الأمخاخ المعوقة ، ولم يعوا- بسبب استحمارهم - بأنه جيء بربيعهم بهدف استكمال تلك الحلقة المفقودة " الداوروينية" لدائرة مفهمة "السيادة" الغربية على العالم - بمعناها (اليهودي - الروماني) Imperium - التي تستهدف استكمال الهيمنة والألوهية على الجغرافيا العربية التي تزايدت أهميتها أكثر من أي وقت مضى ، بعد نهاية الحرب الباردة لدى الكواسر الغربية من الصليبيين الجدد ، بغرض ما يلي:

• "تلمدة' الإسلام" - من التلمود - بالتدريج لما بعد الربيع العربي، على هدي وصايا "بيرنار هنري ليفي" الذي صرَّح بأنه: ( على المسلمين الربيعيين أن يجتهدوا لاستحداث "تلمود إسلامي" ) ويحلم بأن يجدد يهودي إسرائيلي من "الحوزة العلمية" بتل أبيب - هكذا - بعد أن أرسى دعائم "الحكومات الربيعية"... وهو ما يشتغل عليه القطريون بتأسيس المعهد الجديد للدراسات الإسلامية الذي وكَّل إلى النجم "الإسلاموي - الماسوني" السويسري النشأة والجنسية "طارق رمضان" حفيد "الشيخ حسن البنا" والمستشار الخاص لـ"طوني بلير" بتكوين نخب (مسلمة - تلمودية) جديدة للتأسيس لما يُسمى بـ"الفاتيكان الإسلامي" وتدريس المذاهب "الإكليريجية" الإسلامية المستحدثة ، باختلاق تصور إسلامي جديد "فاتيكاني" على قواعد علوم "الناسوت واللاهوت" الكنسية ، بهدف خلق إسلام "بروتستانتي - إصلاحي" وقلب مراميه من الداخل، لدمج العرب في مشروع "الإمبراطورية اليهودية" الجديدة بعد تفكيك أوصال كل الدول المجاورة للكيان العبري: سوريا، الأردن ، مصر ، لبنان ، العراق ، أرض الحجاز ، السودان.... والقائمة تطول لتمتد من مسقط إلى نواكشوط.

• إخراج أقوام الجغرافية العربية بالكامل من المعادلة الدولية ، وتشطيبهم من رقعة شطرنج لعبة الأمم ، بعد استكمال تدجينهم ، واستكباش نخبهم ، وإخصاء ساساتهم.

• محوُ ما تبقى للعرب من قيم روحية وأخلاقية بكل الأساليب الجديدة الفعالة ، بالتلاعب بعقولهم عبر التنقل بهم بالتعاقب ما بين إسلام: الأسلفات التيمية التكفيرية والإسلام "المنفتح" المتصهين الجديد ولبرلات الغرابات ، وبغاء العلمانيات ، وزيف اليساراويات الجديدة لما بعد الستينات ، لحشر الشعوب العربية في عهر اقتصاديات السوق المتوحشة وأخلاقيتها المدمرة لتقاليد الشعوب وبناها التحتية ، بالعولمات النثنة - فكل الطرق تؤدي إلى مكة ؛ عفوًا ، إلى تل أبيب - التي تصب كلها في مصب واحد ووحيد هو: إنجاز "حكومة العالم الجديدة" (التلمودية - الماسونية) كأعلى المراحل الانتقالية الغربية النهائية... وذلك بتفعيل ما يلي:

- مسخ كل أشكال المقاومة الفلسطينية الداخلية بالاستعانة بالمستنضلين الفلسطينيين المزيفين من الداخل؛ سواء من بعض الفتحاويين المتأسرلين منهم؛ والمتأمركين.. أو بعض الحمساويين المتخلجين والمتأتركين.. أو من تلك الفئات "الغائبة - والمحششة" التي لا تزال تنتظر "الخلاص" منذ ستين عامًا، على أساس من سيحكم الكيان العبري: يهودي يساري "تروتيسكي ، أو "جنتلمان" متنور وسطي أو أرثذوكسي يميني متدين متطرف؟

Page 10

- محو كل بؤر المقاومات العربية "الفكرية" - سواء على مستوى الأشخاص أو الأحزاب أو الهيئات- المناهضة للمشروع (الإمبراطوري - التلمودي) الجديد على الجغرافية العربية ، مع التنقيب المستمر على نُخب جديدة مسترزقة أجيرة ، ودُمى حاكمة جاهزة بديلة بمسوح جديدة مبرقعة (والغرب يمتلك في خزائن ثلاجته المغلقة منهم الأطنان من اللحوم "المتأسلمة" و"المتأبرلة" العميلة) ، وسنشهد تغيير الدُمى على الجغرافية العربية على مدار الساعات بسرعة زمنية غير مسبوقة لكون الغرب "التلمودي - الماسوني) المرتعب في مرحلته الانتقالية الأخيرة لا يثق حتى في ظله ، ويصارع عقارب الساعة ضد الزمن قبل حلول النهاية؛ بمعناها التوارتي.

- تطويقُ القوة الإيرانية الصاعدة - بشيعيتها الحسينية ، لا بفارسيتها الشاهنشاهية - وهذا توصيف (أنثروبو- سياسي) ورؤية "بريجينسكي- كيسينغر"، ولاعلاقة له بالتشنجات الفقهية (السلفوية- التكفيرية) حيث من الطبيعي أن تسعى دولة كبيرة - في التاريخ والجغرافيا - إلى حماية أرضها وتحصين عقيدتها وتعزيز سيادتها وتثبيت موقعها الطبيعي (التاريخي - الجغرافي) على رقعة الشرق الأوسط التي ولدت فيه ، والتي يعتبرها الغرب العقبة الكؤود في وجه المشروع الإمبراطوري الجديد "كجزيرة كبرى" (أورو - آسيوية) حسب تعبير المرحوم "روجي غارودي".

• مواجهةُ الدب القيصري الروسي الجديد- العائد إلى المعترك الدولي؛ تلك العودة التي يسميها "كيسنغر" بـ"السًفيتَة" الجديدة sovietisation ، لوضع حد لهيمنة الأحادية القطبية للإمبراطورية الأمريكية المنهارة ، حيث لقحت روسيا الجديدة أنسجتها المتآكلة ، بالأيديولوجية الجديدة المطعمة بالدماء الحارة لأرثوذوكسيته التقليدية ، لا بشيوعتها (اللينينية - الستالينية) البائدة... الذي يعني في المفهوم (العقدي - الأيديولوجي) الكوني الجديد: عودة وحدة "الروح" المتجانسة التي تشكلت في الماضي السحيق في باحة بلاد الشام وباحة آسيا الوسطى ، وانتشرت عبر العالم (الروماني - الهيليني) كله - حسب تعبير "أرنولد طوينبي" ، وتبنته أوروبا "السلافية"، ليتشكل اليوم في شكل ساحة متسعة مغتنية برحانيات الماضي وصلابة الجغرافيا ، تتمحور حول المركز (الروحي - الأيديولوجي) الجديد: (الصين - روسيا - إيران - سوريا - جنوب لبنان - دول البرينكس المتزايدة) كمحور متنامي يقض مضاجع الإمبراطورية ويسفه أحلام مشروع "العولمة" الكاسحة الجديدة: (الولايات المتحدة - أوروبا الغربية - إسرائيل).

• الحد من أطماع التنين الكونفوشيوسي الصيني الطموح إلى السيطرة الاقتصادية العالمية لما بعد الولايات المتحدة الأمريكية الآفلة لا محالة ، حيث يبدو لأول مرة في مشهد الصراعات الدولية الجديدة ، ظهور ذلك المؤشر للتآلف الغير المسبوق (الثقافي - ديني) و(الجيو - سياسي) الذي يرتعب الغرب من ظهوره في مجالات صراعات شرق/غرب أو علاقات شمال /جنوب ، عبر التلاحم المتكامل الروحي الشرقي (إسلامي - مسيحي - كونفوشيوسي) الذي أرعب "صمويل هينتيغتون" في أطروحته لصراع الحضارات ، فسماه: (إسلام - أرثوذوكسية - كونفوشيوسية) المكونة للميراث الإنساني الأكثر قِدمًا وأصالة في حضارات العالم: (الدلتيان: العراق - مصر - بلاد الشام - جزيرة العرب - الصين) في مواجهة حضارة غربية متهاوية ، متعفنة بدون روح ، يتلاعب كهنة التلمود بمنظريها ومفكريها القدامى والجدد ، ويحقرون شعوبها ، ويعبثون بسياسييها ، ويتغوطون على مثقفيها ونخبها ، ويخططون مشاريعها الثقافية والأيديولوجية منذ القرن التاسع عشر - عمليًا - ، حيث وجَّه الغرب بوصلات كل نخب الشعوب المستضعفة والدونية ، منذ القرن التاسع عشر، باسم الأنوار والتنوير والتثوير ، وعمل الغرب منذ منقبات كولونياليته - باسم الحداثة والديموقراطية والرفاه والحضارة - على محو ماضي الشعوب وثقافاتها وتراثها ، ودفع بالنخب الثالثية الأجيرة إلى الترويج إلى نبذ المقدس بإشاعة المدنس لحشر البشر في "الفراغ" القاتل المؤدي إلى الأنفاق المغلقة "للامبدأ" و"اللاهدف" و"اللانهاية " ، لتدور البشرية حول ذيولها مثل الكلاب المسعورة في اللاتجاهات - من أجل الوصول في نهاية المسار التاريخي الغربي - الذي يعتبر الغرب الربيع العربي أهم محطاته، ليتم الإنجاز الفعلي الأخير لسجع كُهَّان "مزعمة شعب الله المختار"... والباقي ليس سوى مطارحات سمر وشطحات مجاذيب وخربشات شعارير.

ومن هذا المنظور ، فقد اختلطت المقاربات السياسية الدولية للجغرافيا العربية (الجيو - سياسية) و(الجيو - ستراتيجية) في زمن الربيع العربي ، بهذه العوامل:

الموقع ، وطأة التاريخ الثقيل المتشابك للجغرافية العربية ، دهائيات السياسة الغربية ، تموضعات الستراتيجيات الدولية ، جشع الاقتصاد الغربي ، لصوصية الشركات المتعددة الجنسيات العابرة للقارات ، صراع القيم الروحية الشرقية الأصيلة (الإسلامية - الأرثوذوكسية - الكونفوشسية) ، مع القيم الغربية ( الهيلينية - اليهودية - الرومانية - الماسيحانية) القديمة ، والقيم المادية المعاصرة المصادمة (الدخيلة - الاستئصالية) ..