eKtab
EN ع
رفرفات العنقاء
Read free sample

رفرفات العنقاء

by د. الهام نايف ابوغزالة

Page 1
مقدمة
 
 
 
يا بنتي، ليس هناك من زوج في العالم
 
أهم من دراستك الجامعية· احصلي على شهادتك الجامعية، ثم افعلي ما تريدين
 
(الوالد/ نايف طاهر أبوغزالة)
Page 2
إلى القاهرة للتحضير للبكالوريوس
 
- أولوياتي في المرحلة الثانوية:
 
لا الزوج، ولا التعليم، كانا ضمن أولوياتي في المرحلة الثانوية في المدرسة، والتي تقرر نتيجة امتحانات نهاية السنة الأخيرة فيها القبول في الجامعة أو عدمه، ونوع التخصص فيها· كان همي الأكبر، في مرحلة المراهقة تلك، هو كسر القيود الاجتماعية المفروضة عليّ منذ خروجنا من (يافا)، وممارسة الحرية التي ارتأيت أنني حرمت منها منذ ذلك الوقت، وبخاصة لأن تلك القيود تفاقمت منذ انتقالنا إلى (نابلس)، وذلك بسبب اتساع هجمات (اليهود ـ الصهاينة) على قرانا ومدننا الغربية، وما تلا ذلك من بدء وصول المهجّرين من الساحل الفلسطيني إلى المدينة، وما نتج عنه من بدء ممارسة الأهل الضغط علينا لتقييد حريتنا في الحركة، خوفاً علينا من هؤلاء القادمين الجدد إلى المدينة، وما يمكن أن يحملوه معهم من قلق الاختلاف، وحمّى التخوف منه·
 
ولم تأت نتيجتي في الامتحان النهائي (المترك الأردني) إلا دالة على همومي في مرحلة المراهقة تلك· جاءت، تلك النتيجة، في غير المستوى المطلوب للتخصص في العلم الذي كنت أحلم به منذ وصولنا إلى المدينة، وهو الهندسة المعمارية· فقد كانت هندسة بيوت البلدة القديمة في نابلس تسحرني· كنت أقف طويلاً عند كل بيت مأخوذة بهذا المعمار، أطيل النظر في طرق بنائه، وأحاول تفكيكه وإعادة تركيبه، في محاولة مني لتصور كيف قام مهندسوه بتصميمه، وعماله بتركيبه، خصوصاً تلك المتعلقة بأشكال النوافذ، وزوايا الجدران، وأشكال الأقواس المتعددة فيها، وتلك الرابطة بين البنايات· كما كانت الحجارة المشكلة لتلك الأبنية أيضاً تسحرني· وكنت أتساءل أي عمال مهرة قاموا بتشكيل تلك الحجارة المختلفة الصنع في نقوشها، وفي أشكالها الهندسية، وقاموا ببناء تلك الصروح بأقواسها وأشكالها المختلفة، من خلال حجارتها تلك، وفي تلك التشكلات· وكنت أحزن لأنه لا اسم المهندس المعماري، ولا أسماء العمال الذين قاموا ببنائها، محفورة موثقة على بوابات تلك البيوت/القصور، وذلك من أجل أن أقابلهم، وأنهل من علمهم، وأرجع إليهم في أسئلتي المحيّرة حول طرقهم في إحداث جماليات تلك الأبنية·
Page 3
وعندما تم اقتراح إعادة امتحان (المترك) للحصول على المعدل المطلوب، رفضت ذلك رفضاً مطلقاً· إذ، من كان يريد إعادة سنة دراسية كاملة، وتأخير الالتحاق بالجامعة؟ بما يعنيه ذلك أيضاً من تأخير الخروج من المدينة (نابلس) إلى آفاق العالم؟ والأهم، تأخير الخوض في كل ما يمكن أن يمنحك إياه السفر والجامعة من إمكانيات في الانعتاق والحرية والثقافة والتطور؟ وكنت أحلم بها جميعها· قرار ندمت عليه طويلا بعد ذلك، إذ إنني ما زلت أقف أمام البنايات، سواء في (نابلس) أو في (رام الله) أو (القدس)، أو في أي من القرى الفلسطينية الجميلة، أتفحص أشكال البناء فيها بكثير من الحب والإعجاب، أشاهد هندستها وتشكلات الحجر المكوّن لبنائها، وأنواعه، وطرق استخدامه ليحدث أنواع الجمال المتعددة التي نراها في جدران البيوت الخارجية في نابلس القديمة، وفي باقي مدن وقرى فلسطين·
 
- لا دراسة للفتاة في بلد غربي:
 
ولم يوافق الوالد على البعثة الدراسية إلى إحدى الدول الاشتراكية (بلغاريا)، التي عرضها عليّ أصدقائي الناشطون في المدينة· وكان السبب الذي أقنعني الوالد به هو قوله:
 
- ثقافة تلك البلاد تختلف كلياً عن ثقافتنا· أخاف عليك يا بنتي من صدمة هذا الاختلاف، وأنت في هذا العمر·
 
واقترح عليّ، عوضاً عن ذلك، الذهاب إلى القاهرة للدراسة، رغم ما كان يعنيه ذلك من زيادة العبء المادي عليه· فقد كان ما زال مسؤولا عن دراسة أبنائه الذكور الثلاثة (حسام، وحازم، وبسام) في ذلك البلد· وبالنسبة لي، فقد فرحت بقراره ذاك، فمن لا يريد الذهاب إلى القاهرة أم الدنيا، وبلد الأهرامات والرئيس المناضل (جمال عبد الناصر)؟
Page 4
 وبخاصة لأن هذا القائد قد شكّل خيالنا في تصديه للاستعمار، وبالذات في طرده للاستعمار البريطاني، وتأميمه لقناة السويس، وتصديه للحرب التي شنتها عليه حكومات الغرب من أجل ذلك (عام 1956)· كما ارتحت لقرار الوالد ذاك لتوافقه مع إحساسي الداخلي بالقلق والخوف، وأنا ابنة نابلس المغلقة على إناثها آنذاك، من الذهاب إلى إحدى دول أوروبا، والشرقية منها بالذات· وكان سبب ذلك الإحساس قلة المعلومات الحقيقية عن تلك الدول في ذلك الوقت، وامتلاء المكتبات العامة بالكتب الصفراء المناهضة لها، والتي، كالعادة، كانت تصدرها هذه السفارة الغربية أو تلك في البلدان العربية، إن لم تصدرها السفارة الأمريكية مباشرة· فقد كانت تجارب تلك الدول في التحولات الاشتراكية التي كانت تمر بها، بما تعنيه من كونها نقيضاً للرأسمالية التي يتبناها الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، السبب الأكبر لذاك العداء·
 
وكان عليّ، لهذا الهدف، أن أقضي سنة دراسية كاملة في التحضير للقبول في الجامعات المصرية، وذلك بدراسة مقررات التوجيهي المصري، والجلوس لامتحانه· وكانت مصر، بقيادة (جمال عبدالناصر) آنذاك، قد فتحت أبواب الالتحاق بجامعاتها للفلسطينيين· ولهذا الهدف وافقت على إنشاء صفوف لدراسة التوجيهي المصري في الضفة الغربية، وذلك لتحضير الطلاب المهتمين بالدراسة في جامعاتها· وجرى افتتاح صفوف لهذا الهدف في معظم المدن الرئيسة، يقوم على التدريس فيها أساتذة مصريون، في حال عدم وجود كفاءات فلسطينية· ففي القدس كانت (الكلية الإبراهيمية) ومديرها الأستاذ (نهاد أبوغربية) أول من أنشأ تلك الصفوف· وفي نابلس كان الأستاذ (قدري طوقان)، مدير (كلية النجاح الوطنية)، هو أول من فعل ذلك· والتحقتُ بتلك الصفوف، في (كلية النجاح) في نابلس·
 
وربما بسبب من أن الشعبة التي التحقت بها كانت للفرع العلمي الذي يفضله الذكور في تخصصاتهم، كنت الأنثى الوحيدة في صف يتكون من أربعين طالباً، وأساتذة كلهم ذكور· ولم يكن هذا مريحاً لي· ففي درس الأحياء، على سبيل المثال، كان الأستاذ يضع الملقط في شرج السمكة، ويتفنن في تحريكه وأرجحته أثناء الشرح في إيماءات كنت أراها جنسية· ولم أكن أرتاح لما يقوم به ذلك الأستاذ من حركات، وكنت أحس بالخجل منها· ولكن الدراسة في تلك الكلية كانت الخيار الوحيد المتوافر·
 
Page 5
ولا أذكر الآن ماذا كانت نتيجتي في امتحان التوجيهي· ولكن من الواضح أنها لم تكن عالية، بدليل أنه تم قبولي في كلية التجارة في (جامعة القاهرة)، وليس في كلية الهندسة، كما كنت أرجو· ومع أن التجارة كانت آخر اهتماماتي للدراسة والتخصص الأكاديمي، إلا أنني بدأت التحضير للذهاب إلى القاهرة·
 
- تجربة سابقة لي في (القاهرة):
 
 ولم تكن المرة الأولى التي أذهب فيها إلى (القاهرة)، إذ تم إرسالي إليها مباشرة بعد إنهائي الدراسة الثانوية، وحصولي على المترك الأردني عام (1957)، وذلك من أجل إجراء عملية جراحية لذراعي المخلوع عن كتفي منذ الطفولة، حسب رغبة الوالدة التي توفيت وهي توصي بإجراء عملية لذراعك، كما حاول جميع أفراد العائلة إقناعي، لدى محاولتي رفض إجراء تلك العملية· إلا أن القاهره تبقى دائما حلماً جميلا لكل من أراد الانفتاح على العالم·
 
ولم يكن الذهاب إلى المطار (مطار قلندية) شمال القدس، ولا الانتظار مع الأهل والآخرين هناك، وصعودي إلى الطائرة، والتحليق في الفضاء، هو فقط ما ملأني بالانتعاش وحس المغامرة، ولكن الإحساس بهبوط الطائرة لحظة وصولها أرض المطار، مع ما يصاحب ذلك من تشوش في الأذنين وحركة الأمعاء، وخروجنا إلى صالة كبيرة، مع أعداد الناس المتواجدين من كل بقاع الأرض، كل تلك الأمور كانت تملأني بالدهشة والفرح· ورآني شقيقي (حسام)، الذي كان في استقبالي، أمشي راقصة في ممرات المطار وأنا أصيح فرحاً:
 
- أنا في (مصر)· أنا خارج نابلس· أنا في مصر أم الدنيا
 
ولم يعرف شقيقي (حسام) كيف يوقف رعونتي الفاضحة للتقاليد النابلسية وأنا في ذلك المكان العامّ، خارج مدينتي (نابلس)·
Page 6
ولم يتوقف الأمر عند ذلك· فبعد وصولنا من المطار إلى بيت شقيقي في (مصر الجديدة) بدقائق قليلة، حملت حقيبة يدي واتجهت إلى باب البيت· وعندما لحق بي شقيقي حسام قائلاً:
 
- إلى أين أنت ذاهبة يا إلهام؟
 
- أريد رؤية القاهرة· قلت بعنجهية الأطفال، عديمي التجربة·
 
ضحك شقيقي، وقال:
 
- القاهرة مدينة كبيرة يا إلهام· سوف تضيعين إن أنت ذهبت وحدك·
 
وكان ظني أن القاهرة بمساحة مدينة نابلس، أستطيع أن أتجوّل فيها وحدي وأعود وحدي إلى بيت شقيقي· طبعاً، اكتشفت خطئي لاحقا عندما عشت في المدينة وتعرّفت إليها أكثر·
 
وكان شقيقي حسام قد رتب لي موعداً مع أساتذته في كلية الطب كي يجروا لي العملية· ولم تمض أيام على وصولي إلى القاهرة، إلا وكنت قد أدخلت إلى المستشفى (مستشفى هيليوبوليس) في مصر الجديدة، حيث أجروا لي العملية· وأكثر ما أذكر من تلك التجربة هو أناقة المستشفى ونظافته، وشدة لطف الأطباء المصريين، وروح الدعابة العالية لديهم· فقد كانوا يدخلون إلى غرفتي كل صباح يشيعون الفرح فيها، سواء بلطفهم وتعليقاتهم، أو بنكاتهم· ولكنني أيضاً أذكر خصلات شَعري التي كانت تتساقط على المخدة طيلة الوقت، بحيث تبدو وكأنها مخدة ثانية فوق المخدة الأصلية بسبب من البنج الذي تم حقنك به قبل العملية كما قيل لي· وأعتقد أنني خسرت كثافة شعري العالية منذ ذلك الوقت، وفي تلك العملية·
 
وإذ كان الأطباء قد وضعوا مادة الجبص حول جذعي الأعلى وكتفي اليمنى وذراعي اليمنى بعد العملية، وذلك لمنع انزلاق ذراعي مرة أخرى من مكانها، أصبحت مثار معاكسات المصريين لي، ونكاتهم تجاهي، سواء وأنا في الشارع، أو أنى ذهبت· ففي روح الدعابة العالية المشهور بها المصريون، كانوا، كلما كنت أمشي في الشارع، يأتي أحدهم وينزلق داخل ذراعي المرفوعة بحيث يبدو وكأنني أحتضنه بها، ويقول بمسرحة كاملة:
Page 7
- صورة مع الأمورة يا عالم·
 
ثم ينزلق عائداً من حيث أتى، وهو يغمزني بعينه وكأنه يقول:
 
- هل ترين؟ لقد تفوقت عليك، تفوقت على حيائك·
 
أما أثناء ركوبي الباصات، وكانت مكتظة بالناس معظم الوقت، فكان الركاب يتبارون في أي منهم يترك مكانه لي، أو يضع توقيعه على الجبص، مع بعض الكلمات المبهجة من تمنيات بالشفاء العاجل ل الأمورة الغندورة إلى أغاني شعبية فرحة تسر القلب·
 
- في بيت خالتي سميرة:
 
كانت فترة إقامتي تلك في القاهرة بداية جيدة لفتاة تخرج من وطنها لأول مرة·
 
فبعد خروجي من المستشفى، أقمت مع خالتي (سميرة) وأمها، جدّتي، في شارع قصر النيل، وسط الحي التجاري المزدهر في القاهرة، وليس مع شقيقي حسام كما كان متوقعاً مني· فقد كان ما زال يدرس الطب، وكان شديد الانشغال بدراسته الأكاديمية، ويغيب عن البيت معظم ساعات النهار، وبعضاً من ساعات الليل، مما اعتبر واقعاً غير ملائم لسكني معه، أنا ابنة السابعة عشرة آنذاك، والخارجة من مدينتها ومن بين أهلها لأول مرة، والقادمة لأول مرة كذلك إلى القاهرة، المدينة الواسعة، المتعددة الجنسيات والثقافات·
 
كانت الأشهر التي أقمت فيها مع خالتي سميرة ووالدتها شديدة الثراء· فسميرة مبعدة بقرار من إدارة جامعتها (الجامعة الأمريكية في بيروت) حيث كانت تتابع دراستها، وذلك بسبب كونها عضواً قيادياً في حركة الاحتجاجات ضد (حلف بغداد) في ذلك الوقت· وجرى لجوؤها إلى جمهورية مصرالعربية على هذا الأساس، وكانت مصر، آنذاك، ملجأ للمناضلين السياسيين اللاجئين من الدول العربية· فشعوب تلك الدول كانت تفور بالحركات المناهضة للاستعمار، خصوصاً بعد العام (1948) وضياع الجزء الأكبر من (فلسطين)· وفي القاهرة تم تعيين خالتي (سميرة) للعمل في (المجلس الأعلى للآداب والفنون) بقرار من رئيس الدولة، الرئيس (جمال عبد الناصر)، بناء على طلبها هي في أن تأخذ راتباً بناء على عملها، وليس فقط لكونها لاجئة سياسية، كما كان حال آخرين من دول عربية مختلفة·
Page 8
في بيت الخالة، تعرضت لأولى موجات الثقافة التي عشتها تباعاً أثناء دراستي في القاهرة· فقد كانت القاهرة، وبالتالي بيت الخالة سميرة، يعج بأفواج من القيادات السياسية والثقافية العربية· وكان معظم هؤلاء إما مبعدين من بلدانهم، أو هاربين من قبل أنظمة تلك البلدان، التابعة للاستعمار في حينه· ومثلهم مثل سميرة، كانوا لاجئين سياسيين في المدينة· وكان (عبد الناصر) يمنح حق اللجوء لكل مناضل ملاحق من قبل النظام في وطنه· وكان بيت الخالة سميرة يعج بهم، خصوصاً بعد ساعات الغروب، وهو التوقيت المفضل في الثقافة المصرية للبدء بالنشاط الاجتماعي اليومي·
 
كما تعرفت إلى معظم الشخصيات الثقافية والسياسية في القاهرة آنئذ· وكانوا إما مصريين، أو من بلدان عربية أخرى، - أذكر من بينهم: الإعلامي المصري (أحمد سعيد) -· كنت استمع إليهم في نقاشاتهم السياسية المحتدمة بين من هم أعضاء في حزب البعث العربي الاشتراكي، أو من هم من حركة القوميين العرب، أو من (الناصريين)، أو من ذوي التوجهات السياسية الأخرى· وكما أذكر لم يكن من بينهم شيوعيون· فقد قام (عبد الناصر) بسجن الشيوعيين عندما تخوف من خططهم بالاستيلاء على السلطة في مصر، كما قيل آنذاك، وذلك رغم علاقته الجيدة مع (السوفييت)، ودعمهم له· كما كان الشعر يصدح في البيت عندما يتواجد في الجلسة شعراء، وكانوا كثراً· أذكر منهم قراءات خالتي سميرة وكمال ناصر، وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي الشعرية· وكنت أعجب بخالتي سميرة كيف كانت تقف نداً في مجالستها لهؤلاء الرجال، تبدي رأيها أمامهم، وتحاجّهم في آرائهم·
 
كما تعرفت إلى الجانب الحيوي من شخصية جدتي· فقد كانت، هذه الجدة، - وهي شبه أمية قراءة وكتابة بسبب زواجها في سن مبكرة من جدّي، العلاّمة كما قيل لي (محمد زكي أبوغزالة) -، تجلس مع هؤلاء الضيوف الرجال، السياسيين المثقفين، وتكون شريكاً حيوياً في النقاشات الدائرة بينهم، سواء أكان النقاش يتناول السياسة، أو الأدب، أو الثقافة· كما كانت، هذه الجدة، مولعة بالنشاطات الثقافية الفنية التي كانت تجري في المدينة· فكنا، وبمبادرة منها، نحضر معظم المسرحيات والقراءات الشعرية والباليه والسيمفونيات، سواء في دار الأوبرا أو في أحد المسارح المتعددة، وغير ذلك من نشاطات امتلأت بها القاهرة في تلك الفترة، وما زلنا نضحك كلما تذكرنا ما قامت به في يوم، وقد كنا جالسين في المسرح نشاهد إحدى المسرحيات، ويجلس في المقعد الخلفي للمقصورة شقيقي حسام، وأنا، عندما التفتت إليه وقالت:
Page 9
- أين حجزت لنا لسهرة الغد يا حسام؟
 
واللافت أنها توفيت في القدس وهي تستعد للذهاب إلى السينما، النشاط الفني الوحيد المتاح في المدينة آنذاك، وتحث ابنتها نديرة وزوجها الأستاذ نهاد أبوغربية للإسراع، بعد أن انتهوا من تناول وجبة العشاء التي بادرت هي بتحضيرها لهم، وكانت حينئذ تقيم معهم في بيتهم· كانت وفاتها عام (1964)· وكانت مؤلمة لنا جميعاً· وأذكر أنني تمنيت حينئذ لو أن الله استبدلني بها، وذلك لقدرتها الفائقة على الاستمتاع بما تمنحه لها الحياة·
 
مضت تلك السنة في جو ثقافي داخل البيت، وجو مرح ودعابة في الشارع، عدا التعرف إلى الكثير مما تنتجه القاهرة من ثقافة· وفي نهاية السنة، تمت إزالة الجبص عن ذراعي وصدري، ليكتشف الأطباء أن العملية لم تنجح، وأن عظم جسدي قد امتصَّ العظمة التي وضعوها لي كرابط في مفصل الذراع الأعلى· وأصر الأطباء، ووافقهم الأهل، على ضرورة إجراء عملية أخرى ورابط آخر للكتف ـ الذراع· ورغم احتجاجي الشديد، إلا أنني، وتحت ضغط كبير من الأهل، متذرعين، ثانية، برغبة الوالدة قبل وفاتها، أجريت العملية مرة أخرى، وعدت إلى نابلس، حيث جلست، في تلك السنة، للتوجيهي المصري في كلية النجاح الوطنية في المدينة، كما ذكرت سابقاً·
 
- في بيت الراهبات:
 
بعد حصولي على التوجيهي المصري، عدت إلى القاهرة للدراسة الجامعية·
 
كانت فترة دراستي الجامعية الأولى في القاهرة إحدى المراحل الشديدة الثراء والحيوية في حياتي· فعندما عدت مرة أخرى إلى المدينة العاصمة، لم أقم في بيت خالتي، فقد كان أن تم قبولي في (جامعة القاهرة)· وإذ أصبحت طالبة جامعية، أقمت في منزل للطالبات الجامعيات تديره راهبات يوغوسلافيات، يدعى (بيت الراهبات) في حي جاردن سيتي الأرستقراطي· كان البيت قريباً من نهر النيل، وكان أنيقاً وهادئاً· وفي ذلك البيت، كانت تقيم فتيات من شتى أنحاء العالم العربي، أتين للتحصيل الأكاديمي· وكانت الطالبات 
Page 10
الفلسطينيات منهن مميزات· كن يسحرنني بنشاطهن وشخصياتهن القوية· أذكر منهن: ليلى حنبلي، وسهام شفيق أبوغزالة، ونائلة عادل زعيتر، ونوال شكري المصري، وجهاد النابلسي، وعايدة نجار، وسامية بركات، ونجوى البيطار، ووجيهة الشهابي، ورباب سليمان النابلسي، ورباب وصفي أبوغزالة،········· وكن يأتين من شتى مدن فلسطين· وقد كن، هؤلاء الطالبات، من أوائل من درس في الجامعات المصرية من فلسطين، كما أكملت معظمهن دراستهن العليا لاحقا، وحصل بعضهن على درجة الدكتوراة، وتبوأن مراكز عالية في الأردن أو فلسطين، أو عملن في جامعاتها لدى إنشاء تلك الجامعات لاحقاً·
 
كان بيت الراهبات يعج بالحيوية عندما تكون جميع الطالبات فيه، أي بعد غروب الشمس، حيث كانت أبوابه تقفل في الساعة السابعة أو الثامنة مساء، حسب كون الفصل صيفاً أم شتاء· وكان وقت تواجدنا معاً في البيت هو وقت النقاش وتحليل ما مررنا، ومرت البلد، والمنطقة به، من أحداث· كما كان وقتنا للعب والدردشة· وقد تعلّمت في ذاك المكان،  مصطلح (النضال النقابي) وإجراءاته· فقد كنا نرى أن الطعام الذي تقدمه لنا الراهبات غير كاف لتغذيتنا، وكنا نقوم بالاحتجاج على ذلك، تارة بالامتناع عن تناوله، وذلك بوضعه بعيداً عنا، ونحن ندق على صحوننا الفارغة بالملاعق والسكاكين، وتارة أخرى بالخروج من صالة الطعام إلى صالة الجلوس، احتجاجاً على وضعنا الغذائي· ومما زاد الطين بلة ما قالته إحدى الطالبات في يوم من أنها تسللت إلى غرفة طعام الراهبات، ورأت أصناف اللحم والخضار والفاكهة والحلويات الموضوعة على طاولة طعامهن· فسال لعابنا وازداد إحساسنا بالغبن، وازدادت مطالبنا بمعاملة عادلة، وخاصة لأن ذلك المكان كان يعتبر من الأكثر تكلفة من بين بيوت الطالبات في القاهرة· ولم تكن الراهبات تستجيب لطلباتنا، بل كن يتجاهلنها· مع أن نوعية الطعام كانت تتحسن في اليوم التالي، إلا أنه كان يعود ليسوء في الأيام التالية·