Page 1
المقدمة
يشهد العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي يقظة للشعبوية.
كالمارد خرج هذا المصطلح من القمقم، وكأنه يؤشر لظهور مرحلة جديدة في الحياة السياسية، أو لنقل لحدوث تغيير في المشهد السياسي داخل المجتمعات إن لم نقل قاطبة ففي معظمها، بحيث باتت الحركات الشعبوية واسعة الانتشار وتغطي مساحة كبيرة من الخريطة السياسية العالمية.
وتتفق مجمل النخب الثقافية على اختلاف مشاربها وإلى أيّ بقعة من بقاع الأرض انتمت، على اعتبار هذه الظاهرة آفة تصيب المجتمعات وخطراً يتهدد استقرارها مهما كان شكل الحكم فيها.
والظاهرة الشعبوية ليست وليدة ثمانينيات القرن العشرين، بل إنَّ العالم قد عرفها من قبل؛ ففي فرنسا مثلاً، وإبان الجمهورية الثالثة، كان الجنرال جورج بولانجيه نموذجاً فاقعاً للقائد الشعبوي، وفيما بعد عرفتها إيطاليا من خلال موسوليني ونظامه الفاشي، كما عرفتها ألمانيا مع هتلر ونظامه النازي، كذلك عرفها الاتحاد السوفياتي مع حكم ستالين، وتجلت بأبهى صورها في حقبة ماوتسي تونغ وحركته الثقافية في الصين، كما أنها تمددت فوق مجمل أراضي أميركا اللاتينية من كوبا في ظل حكم كاسترو، إلى الأرجنتين إبان حكم خوان بيرون، وصولاً إلى فنزويلا في عهدة هوغو تشافيز اليوم. كذلك كان للعالم العربي حصته فيها. فلطالما وصفت الناصرية بالشعبوية كما تتجلى تلك الظاهرة بأصفى حالاتها في جماهيرية معمر القذافي الليبية، وهي تتخذ من مجتمعات القارة السوداء مرتعاً لها بحيث يتميز القسم الأكبر من أشكال الحكم فيها، وكذلك معظم قيادييها، بالشعبوية.
ويرى بعض المفكرين أنَّ أوروبا عرفت الشعبوية في تلك الحقبة التي تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلا أنَّها، وبعد أن حطَّت الحرب أوزارها لم تضعف الشعبوية فحسب، بل انكفأت لتصبح جزءاً من ماضي تلك البقعة من العالم، في حين أنه بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت صعوداً لنجمها في مجمل دول العالم الثالث.
بمعنى أنه، ومنذ الحرب العالمية الثانية، انكفأت الشعبوية في أوروبا، وانتعشت في دول العالم الثالث.
هذا في الماضي، أما اليوم فإن عدداً كبيراً من المفكرين يعتبرون أنّ الشعبوية عادت إلى واجهة العمل السياسي في الغرب، وهم يحذرون من خطرها على الديمقراطية هناك، في حين توجد شريحة أخرى من المفكرين الغربيين الذين لا يوافقون على ما يسمى بعودة الشعبوية إلى الساحة السياسية في المجتمعات الحديثة، ويتطلعون إلى الحركات التي يصفونها بالشعبوية كحركات نشأت عن أزمة في الديمقراطية التمثيلية، وهي تهدف إلى انتزاع المزيد من المطالب التي يشعر المواطنون أنهم بحاجة إلى تحقيقها. كما وأنّ هناك تياراً آخر يرى أنّ الغرب يعاني اليوم بالفعل من عودة للشعبوية إلا أنَّها عودة غير مقلقة، ولا تنذر بأي مؤشرات خطرة، ولا تستدعي كل هذه المخاوف، لا على الديمقراطية ولا على الحياة السياسية.
إذن هناك جدل في الغرب حول عودة الشعبوية كظاهرة في الحياة السياسية.
لماذا هذا الجدل في الغرب؟ وهل أنّ الحركات التي تصنف هناك على أنها حركات شعبوية هي فعلاً كذلك، بحيث أنّ هناك خلافاً حتى بالنسبة إلى هذا التصنيف. وماذا عن هذه الظاهرة في مجتمعات العالم الثالث، فهل هي فعلاً منتعشة، وتحتل المشهد السياسي داخل تلك المجتمعات؟
هذا إضافة إلى أنّ الشعبوية لم تنل، حتى اللحظة، تعريفها المحدد في البحث التاريخي. فقد بقي تعريفها عاماً، ولم ينفد إلى كنهها الخاص. إنَّ هذا النقص يحفّز على بذل جهد إبداعي للمؤرخين لإدراك سبل غير نمطية تساعد على لحظ تعريف محدد للشعبوية، تعريف إيجابي، وليس سلبياً يشوبه الخلط بينها وبين تعريفات ظواهر أخرى.
يقود هذا التفكير لطرح منهجية التأمل التاريخي، لتوّسل إيجاد التعريف الإيجابي والواضح لهذا المصطلح أو المفهوم. فالمنهجية البحثية التاريخية التقليدية هي مسار من الربط والمقاربة وإيجاد صلات العِبَر التاريخية بين الأحداث، مع أنّ ما نسميه اصطلاحاً، بالمنهجية التأملية التاريخية، يعني الانقياد المتأني وراء الحدس التاريخي. ووفقاً لهذه المنهجية الأخيرة، يصبح للظاهرة التاريخية جانبان اثنان، جانب علمي في النظر إليه، وجانب تأملي في قياس خاصياته.
لكن مجرد أنّ البحث التاريخي اكتفى بوضع تعريف سلبي من ناحية، وملتبس من ناحية ثانية للشعبوية، فهذا يعني أنّ المنهج التاريخي العلمي المجرد، قاصر، وحده، عن النفاذ إلى ماهية أو خاصية الشعبوية، ولذا بقي تعريفها عاماً وضبابياً.
يشهد العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي يقظة للشعبوية.
كالمارد خرج هذا المصطلح من القمقم، وكأنه يؤشر لظهور مرحلة جديدة في الحياة السياسية، أو لنقل لحدوث تغيير في المشهد السياسي داخل المجتمعات إن لم نقل قاطبة ففي معظمها، بحيث باتت الحركات الشعبوية واسعة الانتشار وتغطي مساحة كبيرة من الخريطة السياسية العالمية.
وتتفق مجمل النخب الثقافية على اختلاف مشاربها وإلى أيّ بقعة من بقاع الأرض انتمت، على اعتبار هذه الظاهرة آفة تصيب المجتمعات وخطراً يتهدد استقرارها مهما كان شكل الحكم فيها.
والظاهرة الشعبوية ليست وليدة ثمانينيات القرن العشرين، بل إنَّ العالم قد عرفها من قبل؛ ففي فرنسا مثلاً، وإبان الجمهورية الثالثة، كان الجنرال جورج بولانجيه نموذجاً فاقعاً للقائد الشعبوي، وفيما بعد عرفتها إيطاليا من خلال موسوليني ونظامه الفاشي، كما عرفتها ألمانيا مع هتلر ونظامه النازي، كذلك عرفها الاتحاد السوفياتي مع حكم ستالين، وتجلت بأبهى صورها في حقبة ماوتسي تونغ وحركته الثقافية في الصين، كما أنها تمددت فوق مجمل أراضي أميركا اللاتينية من كوبا في ظل حكم كاسترو، إلى الأرجنتين إبان حكم خوان بيرون، وصولاً إلى فنزويلا في عهدة هوغو تشافيز اليوم. كذلك كان للعالم العربي حصته فيها. فلطالما وصفت الناصرية بالشعبوية كما تتجلى تلك الظاهرة بأصفى حالاتها في جماهيرية معمر القذافي الليبية، وهي تتخذ من مجتمعات القارة السوداء مرتعاً لها بحيث يتميز القسم الأكبر من أشكال الحكم فيها، وكذلك معظم قيادييها، بالشعبوية.
ويرى بعض المفكرين أنَّ أوروبا عرفت الشعبوية في تلك الحقبة التي تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلا أنَّها، وبعد أن حطَّت الحرب أوزارها لم تضعف الشعبوية فحسب، بل انكفأت لتصبح جزءاً من ماضي تلك البقعة من العالم، في حين أنه بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت صعوداً لنجمها في مجمل دول العالم الثالث.
بمعنى أنه، ومنذ الحرب العالمية الثانية، انكفأت الشعبوية في أوروبا، وانتعشت في دول العالم الثالث.
هذا في الماضي، أما اليوم فإن عدداً كبيراً من المفكرين يعتبرون أنّ الشعبوية عادت إلى واجهة العمل السياسي في الغرب، وهم يحذرون من خطرها على الديمقراطية هناك، في حين توجد شريحة أخرى من المفكرين الغربيين الذين لا يوافقون على ما يسمى بعودة الشعبوية إلى الساحة السياسية في المجتمعات الحديثة، ويتطلعون إلى الحركات التي يصفونها بالشعبوية كحركات نشأت عن أزمة في الديمقراطية التمثيلية، وهي تهدف إلى انتزاع المزيد من المطالب التي يشعر المواطنون أنهم بحاجة إلى تحقيقها. كما وأنّ هناك تياراً آخر يرى أنّ الغرب يعاني اليوم بالفعل من عودة للشعبوية إلا أنَّها عودة غير مقلقة، ولا تنذر بأي مؤشرات خطرة، ولا تستدعي كل هذه المخاوف، لا على الديمقراطية ولا على الحياة السياسية.
إذن هناك جدل في الغرب حول عودة الشعبوية كظاهرة في الحياة السياسية.
لماذا هذا الجدل في الغرب؟ وهل أنّ الحركات التي تصنف هناك على أنها حركات شعبوية هي فعلاً كذلك، بحيث أنّ هناك خلافاً حتى بالنسبة إلى هذا التصنيف. وماذا عن هذه الظاهرة في مجتمعات العالم الثالث، فهل هي فعلاً منتعشة، وتحتل المشهد السياسي داخل تلك المجتمعات؟
هذا إضافة إلى أنّ الشعبوية لم تنل، حتى اللحظة، تعريفها المحدد في البحث التاريخي. فقد بقي تعريفها عاماً، ولم ينفد إلى كنهها الخاص. إنَّ هذا النقص يحفّز على بذل جهد إبداعي للمؤرخين لإدراك سبل غير نمطية تساعد على لحظ تعريف محدد للشعبوية، تعريف إيجابي، وليس سلبياً يشوبه الخلط بينها وبين تعريفات ظواهر أخرى.
يقود هذا التفكير لطرح منهجية التأمل التاريخي، لتوّسل إيجاد التعريف الإيجابي والواضح لهذا المصطلح أو المفهوم. فالمنهجية البحثية التاريخية التقليدية هي مسار من الربط والمقاربة وإيجاد صلات العِبَر التاريخية بين الأحداث، مع أنّ ما نسميه اصطلاحاً، بالمنهجية التأملية التاريخية، يعني الانقياد المتأني وراء الحدس التاريخي. ووفقاً لهذه المنهجية الأخيرة، يصبح للظاهرة التاريخية جانبان اثنان، جانب علمي في النظر إليه، وجانب تأملي في قياس خاصياته.
لكن مجرد أنّ البحث التاريخي اكتفى بوضع تعريف سلبي من ناحية، وملتبس من ناحية ثانية للشعبوية، فهذا يعني أنّ المنهج التاريخي العلمي المجرد، قاصر، وحده، عن النفاذ إلى ماهية أو خاصية الشعبوية، ولذا بقي تعريفها عاماً وضبابياً.
Page 2
وبخلاصة أكيدة يمكن القول إنه طالما أنّ الشعبوية، هي ظاهرة مركّبة يتداخل فيها الإنساني بالسياسي والثقافي بالوجداني، وتداهمها ملامح ديكتاتورية وفاشية، فهذا يعني أنها ليست ظاهرة داخل التاريخ فقط، بل هي حياة داخل التاريخ، وعليه فلا يزال في لدنها متسعات للتأمل الفكري بها، وليس مجرد البحث المنهجي فيها وعنها فقط.
أولى خلاصات اتّباع منهج "التأمل التاريخي" بواقعة أنّ الشعبوية تكرر نماذجها اليوم في العالم الثالث، وأيضاً في الغرب، بعد أن ساد يقين بعد الحرب الكونية الثانية أنّ نجمها قد أفل هناك؛ فهذا يقود للاعتقاد أنه لو كان البحث التاريخي توصل إلى صياغة تعريف محدد للشعبوية، لكان بالإمكان التوقع بكثير من الثقة، أن نماذجها لن تتكرر في عصرنا الجديد. لنلاحظ أنّ الفاشية هجرها حتى القادة الشموليون من أبناء القرنين العشرين والحادي والعشرين. وسبب ذلك، أنّ البحث التاريخي، حدد بوضوح قاطع ولا يقبل اللبس، مفهوماً دقيقاً للفاشية، بحيث لم يعد بإمكان أي زعيم معاصر التستر على فاشيته واستغلال وجود فراغات في تحديد مفهوم الفاشية، ليعمد إلى تأويله، خدمة لممارسة فاشية مقنّعة.
والخلاصة الأساسية، الممكن استنتاجها هنا، هي أنّ قصور البحث التاريخي عن صياغة تحديدات تعريفية حاسمة للظواهر الشمولية، لا يؤدي إلى خطأ منهجي فقط، بل إلى اعتلال الفعل التاريخي الجاري والمستقبلي، وإلى تكرار الأخطاء التاريخية. بكلام آخر، إنّ البحث التاريخي، هو أكثر من عملية قراءة للواقع الإنساني وجعله متصلاً ومحل مراجعة إنسانية وحضارية. إنّ البحث التاريخي، له، أيضاً، وظيفة قمع تكرار الأخطاء، وإنتاج "حصانة حضارية مستديمة" تضمن أنّ التاريخ يتقدم إلى الأمام، وأن فعله حضاري، وليس ماضوياً مستنسخاً، أو نمطياً جامداً.
وضمن هذا السياق المفهومي لموقع "البحث التاريخي" في تصويب "فعل التاريخ"، يظهر أنّ البحث التاريخي، في جزء هام من مساره، يبدو أشبه بعملية بناء متصلة لهياكل الذاكرة الإنسانية الحضارية التي تصوّب التاريخ، وتحقن ذاكرة البشرية بالقيم التي تقاوم عودة مجتمعاتها إلى نماذج سياسية واجتماعية وثقافية، مسؤولة عن تخلف العقل وتعطيله.
والملاحظة الأهم في هذا المجال، هي أنه حينما ينتج البحث التاريخي تعريفات حاسمة للظواهر السياسية، فإن ذلك يتبعه إنتاج للقيم الإنسانية والإصلاحية التاريخية التي تمنع تكرّر الظواهر التاريخية المريضة.. والعلاقة بين البحث التاريخي وإنتاج القيم التاريخية، هي عملية متصلة تقوم على معادلة تحاكي المعادلة الاقتصادية حول أنّ لكل إنتاج جدواه الإيجابية، وكذلك هو الحال بالنسبة لارتباط البحث التاريخي بجدواه الإنسانية الحضارية. ومن دون الاتصال بين هاتين المعادلتين يصبح التأريخ رواية للتاريخ، وليس فعلاً اصلاحياً في التاريخ، كما يجب أن يكون أصل غايته.
وما تقدم يحتّم أن يكون البحث في التاريخ حاسماً في مجال تحديد تعريفات ظواهره، لأن إبقاءها ناقصة التحديد وملتبسة ومحل خلط بينها وبين ظواهر أخرى، هو ليس مجرد فعل تأريخي منهجي خاطئ، بل هو فعل تاريخي يحمي الأخطاء الماضية، ويجعلها قادرة على البقاء والظهور مجدداً، ويجعل عملية نجاح "ظواهر الأمس البائد" باختراق "العصر المتنور الجديد"، ممكنة.
على هذا، فإنّ المسؤولية عن تجدد بروزملامح للشعبوية في زمننا الراهن، تعود، في جزء كبير منها، إلى أنّ البحث التاريخي لهذه الظاهرة، ترك وجهها التعريفي ملتبساً، وعرضة للخلط بينه وبين ظواهر وأيديولوجيا أخرى شمولية. وبغياب التعريف الواضح للشعبوية، غاب أيضاً إنتاج المفهوم التاريخي الإنساني الذي يؤبد إدانتها، ومن هنا نجد أن نماذجها تتكرر من دون وجل من قبل قادتها الحديثين من أن يصيبهم اللوم التاريخي الإنساني في حال بدت عليهم أعراض هذه الظاهرة المرضية المتخلفة في سلوكهم السياسي والاجتماعي والثقافي. وهذه بحق قضية هامة، والمأساة فيها أنها غير مطروقة في النظرة الحديثة للعلاقة بين "البحث التاريخي والجدوى الإنسانية الحضارية منه".
كما وأنّ الدراسات الباحثة عن تعريف للشعبوية تظهر أنها وصلت لتقديم تحديد سلبي لماهيتها، بدليل أن هذه التعريفات:
أولاً- لم تزلِ الالتباس بينها وبين ظواهر أخرى تشبهها.
ثانياً- أبقت تعريفها قاصراً عن تحديد كنهها الخاص، واكتفت بتحديد ظواهرها العامة. فالشعبوية بهذه المواصفات العامة تبدو وكأنها شيئ من الشمولية وليست حالة خاصة بداخلها.
ومن خلال دراسة نماذج الشعبوية، يمكن إضافة محددات لم يلحظها كل البحث التاريخي الماضي، في مجال تعريفه السلبي للشعبوية.
إنَّ المحدد الرئيس الأول للشعبوية، هي أنها أعلى مراحل الشمولية، ولأنها كذلك، فهي تثير لدى الباحث التاريخي عنها سمة "الاستذكارية التاريخية"؛ بمعنى أنَّ مقاربتها تستدرج الذاكرة التاريخية، لاستحضار معظم الظواهر الاجتماعية والسياسية المسؤولة عن اغتيال يقظة العقل وظهور القيادات الشمولية والمجتمعات المغلقة.
إن السمتين الآنفتين (أعلى مراحل الشمولية والاستذكارية التاريخية) هما تعريفان سلبيان تضيفهما هذه المقدمة، إلى الجهد البحثي عن الشعبوية، وأهميتهما أنهما ينطبقان على ظاهرة الشعبوية من دون غيرها من الظواهر الشبيهة بها، وعليه فهما سمتان تقتربان من أن تكونا سمات تعريف إيجابي للشعبوية.
واستدراكاً لجهد البحث عن سمات تعريف حصرية بالشعبوية، تحاول هذه المقدمة، إيراد مواصفات لها تشترك فيها مع حالات شمولية تشبهها، كمدخل لاستبيان مواصفات تنفرد بها هذه الظاهرة.
أولى خلاصات اتّباع منهج "التأمل التاريخي" بواقعة أنّ الشعبوية تكرر نماذجها اليوم في العالم الثالث، وأيضاً في الغرب، بعد أن ساد يقين بعد الحرب الكونية الثانية أنّ نجمها قد أفل هناك؛ فهذا يقود للاعتقاد أنه لو كان البحث التاريخي توصل إلى صياغة تعريف محدد للشعبوية، لكان بالإمكان التوقع بكثير من الثقة، أن نماذجها لن تتكرر في عصرنا الجديد. لنلاحظ أنّ الفاشية هجرها حتى القادة الشموليون من أبناء القرنين العشرين والحادي والعشرين. وسبب ذلك، أنّ البحث التاريخي، حدد بوضوح قاطع ولا يقبل اللبس، مفهوماً دقيقاً للفاشية، بحيث لم يعد بإمكان أي زعيم معاصر التستر على فاشيته واستغلال وجود فراغات في تحديد مفهوم الفاشية، ليعمد إلى تأويله، خدمة لممارسة فاشية مقنّعة.
والخلاصة الأساسية، الممكن استنتاجها هنا، هي أنّ قصور البحث التاريخي عن صياغة تحديدات تعريفية حاسمة للظواهر الشمولية، لا يؤدي إلى خطأ منهجي فقط، بل إلى اعتلال الفعل التاريخي الجاري والمستقبلي، وإلى تكرار الأخطاء التاريخية. بكلام آخر، إنّ البحث التاريخي، هو أكثر من عملية قراءة للواقع الإنساني وجعله متصلاً ومحل مراجعة إنسانية وحضارية. إنّ البحث التاريخي، له، أيضاً، وظيفة قمع تكرار الأخطاء، وإنتاج "حصانة حضارية مستديمة" تضمن أنّ التاريخ يتقدم إلى الأمام، وأن فعله حضاري، وليس ماضوياً مستنسخاً، أو نمطياً جامداً.
وضمن هذا السياق المفهومي لموقع "البحث التاريخي" في تصويب "فعل التاريخ"، يظهر أنّ البحث التاريخي، في جزء هام من مساره، يبدو أشبه بعملية بناء متصلة لهياكل الذاكرة الإنسانية الحضارية التي تصوّب التاريخ، وتحقن ذاكرة البشرية بالقيم التي تقاوم عودة مجتمعاتها إلى نماذج سياسية واجتماعية وثقافية، مسؤولة عن تخلف العقل وتعطيله.
والملاحظة الأهم في هذا المجال، هي أنه حينما ينتج البحث التاريخي تعريفات حاسمة للظواهر السياسية، فإن ذلك يتبعه إنتاج للقيم الإنسانية والإصلاحية التاريخية التي تمنع تكرّر الظواهر التاريخية المريضة.. والعلاقة بين البحث التاريخي وإنتاج القيم التاريخية، هي عملية متصلة تقوم على معادلة تحاكي المعادلة الاقتصادية حول أنّ لكل إنتاج جدواه الإيجابية، وكذلك هو الحال بالنسبة لارتباط البحث التاريخي بجدواه الإنسانية الحضارية. ومن دون الاتصال بين هاتين المعادلتين يصبح التأريخ رواية للتاريخ، وليس فعلاً اصلاحياً في التاريخ، كما يجب أن يكون أصل غايته.
وما تقدم يحتّم أن يكون البحث في التاريخ حاسماً في مجال تحديد تعريفات ظواهره، لأن إبقاءها ناقصة التحديد وملتبسة ومحل خلط بينها وبين ظواهر أخرى، هو ليس مجرد فعل تأريخي منهجي خاطئ، بل هو فعل تاريخي يحمي الأخطاء الماضية، ويجعلها قادرة على البقاء والظهور مجدداً، ويجعل عملية نجاح "ظواهر الأمس البائد" باختراق "العصر المتنور الجديد"، ممكنة.
على هذا، فإنّ المسؤولية عن تجدد بروزملامح للشعبوية في زمننا الراهن، تعود، في جزء كبير منها، إلى أنّ البحث التاريخي لهذه الظاهرة، ترك وجهها التعريفي ملتبساً، وعرضة للخلط بينه وبين ظواهر وأيديولوجيا أخرى شمولية. وبغياب التعريف الواضح للشعبوية، غاب أيضاً إنتاج المفهوم التاريخي الإنساني الذي يؤبد إدانتها، ومن هنا نجد أن نماذجها تتكرر من دون وجل من قبل قادتها الحديثين من أن يصيبهم اللوم التاريخي الإنساني في حال بدت عليهم أعراض هذه الظاهرة المرضية المتخلفة في سلوكهم السياسي والاجتماعي والثقافي. وهذه بحق قضية هامة، والمأساة فيها أنها غير مطروقة في النظرة الحديثة للعلاقة بين "البحث التاريخي والجدوى الإنسانية الحضارية منه".
كما وأنّ الدراسات الباحثة عن تعريف للشعبوية تظهر أنها وصلت لتقديم تحديد سلبي لماهيتها، بدليل أن هذه التعريفات:
أولاً- لم تزلِ الالتباس بينها وبين ظواهر أخرى تشبهها.
ثانياً- أبقت تعريفها قاصراً عن تحديد كنهها الخاص، واكتفت بتحديد ظواهرها العامة. فالشعبوية بهذه المواصفات العامة تبدو وكأنها شيئ من الشمولية وليست حالة خاصة بداخلها.
ومن خلال دراسة نماذج الشعبوية، يمكن إضافة محددات لم يلحظها كل البحث التاريخي الماضي، في مجال تعريفه السلبي للشعبوية.
إنَّ المحدد الرئيس الأول للشعبوية، هي أنها أعلى مراحل الشمولية، ولأنها كذلك، فهي تثير لدى الباحث التاريخي عنها سمة "الاستذكارية التاريخية"؛ بمعنى أنَّ مقاربتها تستدرج الذاكرة التاريخية، لاستحضار معظم الظواهر الاجتماعية والسياسية المسؤولة عن اغتيال يقظة العقل وظهور القيادات الشمولية والمجتمعات المغلقة.
إن السمتين الآنفتين (أعلى مراحل الشمولية والاستذكارية التاريخية) هما تعريفان سلبيان تضيفهما هذه المقدمة، إلى الجهد البحثي عن الشعبوية، وأهميتهما أنهما ينطبقان على ظاهرة الشعبوية من دون غيرها من الظواهر الشبيهة بها، وعليه فهما سمتان تقتربان من أن تكونا سمات تعريف إيجابي للشعبوية.
واستدراكاً لجهد البحث عن سمات تعريف حصرية بالشعبوية، تحاول هذه المقدمة، إيراد مواصفات لها تشترك فيها مع حالات شمولية تشبهها، كمدخل لاستبيان مواصفات تنفرد بها هذه الظاهرة.
Page 3
مواصفات للشعبوية تشترك فيهامع ظواهر شمولية أخرى
أ - الشعبوية تسود حيث المجتمع يتحول إلى نظرية "رجل الزحام" حيث الملايين تتشابه، داخل مفهوم واحد للثقافة والسياسة والاجتماع، ولا يعود الإبداع علامة فارقة، بل هو تكرار ممل لما يتفوه به الزعيم القائد، وأي خروج عن هذا المضمون، هو خروج عن الإجماع الذي له سمة القدسية التي يحميها الغوغاء، وهؤلاء هم النواة الصلبة في القاعدة الاجتماعية الشعبوية.
ب- الشعبوية طريق باتجاهين: قائد أوحد ملهم، ومجتمع منغلق يتبعه.
ج - الشعبوية هي مظهر عن الانقياد الأعمى الثقافي والسياسي والاجتماعي، للفكرة الدعائية التي تصبح هي القائد.. ويصبح القائد هي.
ضمن هذه المواصفات الآنفة، تبدو الشعبوية لصيقة التشابه بحالات الفاشية والديكتاتوريات الحزبية. فكيف نخلص إذن لتحديد كنهها الخاص الذي يميزها عن ظواهر شمولية أخرى؟
ثمة ظلال من الفوارق، ولكنها حاسمة في تحديدها: القائد في الظاهرة الشعبوية، ليس دكتاتورياً فقط، بمعنى أنه يرمز إلى خوف الشعب منه، بل هو يرتقي إلى مرحلة قيادة الوجدان التاريخي لشعبه. إنّ ترهيبه يطال وجدان الشعب وليس خوفه المادي فقط. وعادة ما يكون هذا الوجدان المستثمرمن القيادة الشعبوية، هو ديني أو قومي، أو كلاهما في آن معاً. ودائماً - وهنا خصوصيتها المميزة- ما تطرح الشعبوية قضية على صلة بالماضي، انطلاقاً من أنَّ أبرز سماتها، تكمن في أنها تبحث عن قيادة ذات ثلاثة أقانيم: مقدسة، وجدانية وشاملة. والمقدس يوجد غالباً في الماضي. ستالين لم يكن قائداً شعبوياً، بل ديكتاتورياً عقائدياً بفكرة جديدة (الماركسية). تشاوشيسكو كذلك الأمر. والصفة نفسها تنطبق على صدام حسين الديكتاتور بفكرة حديثة (القومية العربية). أما هتلر، فكان فاشياً وديكتاتورياً في آن معاً. فهو جمع بين ذاكرة عنصرية قديمة (العرق الأزرق)، وهو مفهوم ماضوي، وبين القوة الطموحة، وهي مفهوم متجدد على أساس رؤية جديدة للطموحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وما يميز الشعبوية، عن الفاشية والديكتاتورية، هو أنها لا تطرح شعاراً جديداً، بل تكتفي بالشعار القديم. وأي جديد تطرحه هو تجديد للقديم. ظاهرة الأمس، هي الأكثر حضوراً في الشعبوية واكتفاءً بذاته، بعكس الفاشية (التي تخلط بين شعار الأمس واليوم) والديكتاتورية (التي تلغي كل شيء حتى الأمس لمصلحة الفكرة الجديدة الاحادية).
.. غالباً ما يكون القائد الديكتاتوري هو القائد الجديد..
وغالباً ما يكون القائد الفاشي هو قائد الأمة الافضل..
وغالباً ما يكون القائد الشعبوي، هو القائد الآتي من الماضي.. من المقدس في الوجدان وحتى في الميثولوجيا..
صحيح أنّ الشعبوية، تتجمع ضمن ممارساتها ملامح من الفاشية، ومن الديكتاتورية، ولكنها تذهب أبعد منهما في تحقيق وحدانية انقياد المجتمع لقائده، عبر جرّه إلى الانقياد الاعمى عن طريق جعل الوجدان الماضوي، هو الحاضر وكل المستقبل. بكلام قليل: الشعبوية، هي قيادة تكررالتاريخ، وقاعدتها الاجتماعية هي مجتمع يستنسخ جيناته التاريخية والاجتماعية القديمة. الشعبوية هي الأمس الذي تتمّ استعادة عيشه بكل معانيه، وتنتظر أيضاً الماضي. ما تقدم يشكل نقاط تمايزها الأساسية وعلاماتها الفارقة، مقارنة بغيرها من الظواهر الشمولية المشابهة لها، وهو يشكل خطوة على طريق الخروج من الاكتفاء بالمفهوم السلبي للشعبوية، باتجاه أن نتلمّس تعريفاً إيجابياً محدداً لها، ولجوهرها. وبكلام أخير: الشعبوية هي أعلى مراحل الشمولية، على وزن ما يقوله لينين عن أنَّ الإمبريالية هي أعلى مراحل الراسمالية.
كذلك يحضر في هذا المجال سؤال آخر منهجي إشكالي حول مفهوم الشعبوية، ويتعلق بأسباب هذا الخلط وهذا اللبس في تعريف هذه الظاهرة، وهذا التداخل غير الواضح بينها وبين ظواهر أخرى شمولية مشابهة لها؟؟
والإجابة عن هذا السؤال قد تجد تعبيراً لها من خلال إدراج الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: أغلب الظن أنّ الأسباب التي أعاقت تحديد مفهوم واضح للشعبوية، وقادت إلى هذا الخلط بينها وبين حالات أخرى تشبهها، تعود إلى كون الشعبوية، تمارس حقبتها السياسية والثقافية والاجتماعية، بصخب إلغائي. وهذه سمة (الإلغائية)، تعلق بكل الحالات السياسية الشمولية، ولذا برز الخلط الشديد.
أ - الشعبوية تسود حيث المجتمع يتحول إلى نظرية "رجل الزحام" حيث الملايين تتشابه، داخل مفهوم واحد للثقافة والسياسة والاجتماع، ولا يعود الإبداع علامة فارقة، بل هو تكرار ممل لما يتفوه به الزعيم القائد، وأي خروج عن هذا المضمون، هو خروج عن الإجماع الذي له سمة القدسية التي يحميها الغوغاء، وهؤلاء هم النواة الصلبة في القاعدة الاجتماعية الشعبوية.
ب- الشعبوية طريق باتجاهين: قائد أوحد ملهم، ومجتمع منغلق يتبعه.
ج - الشعبوية هي مظهر عن الانقياد الأعمى الثقافي والسياسي والاجتماعي، للفكرة الدعائية التي تصبح هي القائد.. ويصبح القائد هي.
ضمن هذه المواصفات الآنفة، تبدو الشعبوية لصيقة التشابه بحالات الفاشية والديكتاتوريات الحزبية. فكيف نخلص إذن لتحديد كنهها الخاص الذي يميزها عن ظواهر شمولية أخرى؟
ثمة ظلال من الفوارق، ولكنها حاسمة في تحديدها: القائد في الظاهرة الشعبوية، ليس دكتاتورياً فقط، بمعنى أنه يرمز إلى خوف الشعب منه، بل هو يرتقي إلى مرحلة قيادة الوجدان التاريخي لشعبه. إنّ ترهيبه يطال وجدان الشعب وليس خوفه المادي فقط. وعادة ما يكون هذا الوجدان المستثمرمن القيادة الشعبوية، هو ديني أو قومي، أو كلاهما في آن معاً. ودائماً - وهنا خصوصيتها المميزة- ما تطرح الشعبوية قضية على صلة بالماضي، انطلاقاً من أنَّ أبرز سماتها، تكمن في أنها تبحث عن قيادة ذات ثلاثة أقانيم: مقدسة، وجدانية وشاملة. والمقدس يوجد غالباً في الماضي. ستالين لم يكن قائداً شعبوياً، بل ديكتاتورياً عقائدياً بفكرة جديدة (الماركسية). تشاوشيسكو كذلك الأمر. والصفة نفسها تنطبق على صدام حسين الديكتاتور بفكرة حديثة (القومية العربية). أما هتلر، فكان فاشياً وديكتاتورياً في آن معاً. فهو جمع بين ذاكرة عنصرية قديمة (العرق الأزرق)، وهو مفهوم ماضوي، وبين القوة الطموحة، وهي مفهوم متجدد على أساس رؤية جديدة للطموحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وما يميز الشعبوية، عن الفاشية والديكتاتورية، هو أنها لا تطرح شعاراً جديداً، بل تكتفي بالشعار القديم. وأي جديد تطرحه هو تجديد للقديم. ظاهرة الأمس، هي الأكثر حضوراً في الشعبوية واكتفاءً بذاته، بعكس الفاشية (التي تخلط بين شعار الأمس واليوم) والديكتاتورية (التي تلغي كل شيء حتى الأمس لمصلحة الفكرة الجديدة الاحادية).
.. غالباً ما يكون القائد الديكتاتوري هو القائد الجديد..
وغالباً ما يكون القائد الفاشي هو قائد الأمة الافضل..
وغالباً ما يكون القائد الشعبوي، هو القائد الآتي من الماضي.. من المقدس في الوجدان وحتى في الميثولوجيا..
صحيح أنّ الشعبوية، تتجمع ضمن ممارساتها ملامح من الفاشية، ومن الديكتاتورية، ولكنها تذهب أبعد منهما في تحقيق وحدانية انقياد المجتمع لقائده، عبر جرّه إلى الانقياد الاعمى عن طريق جعل الوجدان الماضوي، هو الحاضر وكل المستقبل. بكلام قليل: الشعبوية، هي قيادة تكررالتاريخ، وقاعدتها الاجتماعية هي مجتمع يستنسخ جيناته التاريخية والاجتماعية القديمة. الشعبوية هي الأمس الذي تتمّ استعادة عيشه بكل معانيه، وتنتظر أيضاً الماضي. ما تقدم يشكل نقاط تمايزها الأساسية وعلاماتها الفارقة، مقارنة بغيرها من الظواهر الشمولية المشابهة لها، وهو يشكل خطوة على طريق الخروج من الاكتفاء بالمفهوم السلبي للشعبوية، باتجاه أن نتلمّس تعريفاً إيجابياً محدداً لها، ولجوهرها. وبكلام أخير: الشعبوية هي أعلى مراحل الشمولية، على وزن ما يقوله لينين عن أنَّ الإمبريالية هي أعلى مراحل الراسمالية.
كذلك يحضر في هذا المجال سؤال آخر منهجي إشكالي حول مفهوم الشعبوية، ويتعلق بأسباب هذا الخلط وهذا اللبس في تعريف هذه الظاهرة، وهذا التداخل غير الواضح بينها وبين ظواهر أخرى شمولية مشابهة لها؟؟
والإجابة عن هذا السؤال قد تجد تعبيراً لها من خلال إدراج الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: أغلب الظن أنّ الأسباب التي أعاقت تحديد مفهوم واضح للشعبوية، وقادت إلى هذا الخلط بينها وبين حالات أخرى تشبهها، تعود إلى كون الشعبوية، تمارس حقبتها السياسية والثقافية والاجتماعية، بصخب إلغائي. وهذه سمة (الإلغائية)، تعلق بكل الحالات السياسية الشمولية، ولذا برز الخلط الشديد.
Page 4
الملاحظة الثانية: وهي تتسم بمغامرة مندفعة في رحاب ما أسميناه آنفاً، بالتأمل التاريخي لهذه الظاهرة، ومفادها أنّ ثمة نزعة إنسانية، غاب عن المؤرخين لحظ اعتبارها، قد تكون مسؤولة عن تشويش مسار التأريخ لظاهرة الشعبوية. وقوام هذه النزعة أنه حينما تنقاد مراحل من التاريخ بظواهر شمولية عاصفة، فإن مؤرخيها، يصبحون ضحايا الكتابة عنها، كما كان مواطنو تلك الحقب الشعبوية أو الشمولية ضحايا أيضاً.
وهذا نوع من الإحساس بسمة الضحية ناتج عن الانحياز الإنساني الحضاري للمؤرخ ضد فظاعة الخطأ الذي مورس بحق مسار تطور الإنسانية. لنلاحظ أنّ مراجعة التاريخ ليست عملاً مجرداً، بل هي تأصيل للأحاسيس الإنسانية بمفعول رجعي. وهذا ينطبق على كل أنواع المراجعات الفنية للأحداث والمواقف (سينما- كتابة). حتى ستالين مفرط الشمولية، يحكى أنه حينما شاهد فيلماً يراجع بطولاته، دمعت عيناه، وتعرض لأن تنال تأثيرات "الانحياز الإنساني الحضاري"، من حديديته. الفن، بمفهوم الصورة السينمائية أو النص الكتابي التأريخي، هو فعل يخالطه الانفعال الحضاري الإنساني، وذلك بالاتجاهين، أي بالنسبة لمتلقيه أو لملقنه. والمؤرخ، بوصفه محكمة إبداعية للتاريخ، لا يستثنيه هذا النوع من التأثيرات عليه، حتى لو كانت العلمية مقصده في المنهج والتحليل والخلاصات.
ما قد نخلص إليه في هذا المجال، ولو بصفة أولية، هو أن الشعبوية، لفرط بشاعة فعلتها ضد تطور المجتمع، تستدرج المؤرخ الراصد لها، إلى حالة نافرة من الانحياز الحضاري الإنساني ضدها، ويصبح ميالاً لتأكيد استهجانه لها، عبر لصق كل ما توافر من مشابهات تعريفية مكروهة بها.
إنّ الأعراض الآنفة تظهر أنّ المؤرخين معرضون لأن يخالط مشاعرهم، بدرجة عالية، انفعال "التأصيل الحضاري الإنساني" لدى مقاربتهم ظاهرة الشعبوية، وذلك على نحو يعزز زعمنا بأنها "أعلى حالات الشمولية"، وليست مجرد ظاهرة منها. ويؤكد زعمنا، أيضاً، عن أنَّ الحديث عنها يستدرج عملية "استذكار" كل الآفات المشابهة لها، خصوصاً وأنّ هذه السمة الاستذكارية لا نجدها حاضرة بهذه القوة خلال الحديث عن ظواهر أخرى تاريخية مكروهة ومسؤولة عن تخلف العقل الإنساني السياسي والاجتماعي والثقافي، الخ.
ومن ثم هناك سؤال عن طبيعة هذه الظاهرة، مكوناتها ومعناها. أي، ماذا يعني مصطلح الشعبوية بدقة. بحيث إن الكتابة الباحثة عن ظاهرة الشعبوية، لا يزال في لدنها متسعات للتأمل الفكري بها وليس البحث المنهجي فقط. كما وأن الوجه التعريفي لمصطلح الشعبوية لا يزال ملتبساً بمعنى: هل هي أيديولوجيا شاملة، أم غوغائية شعبية يمتطي ظروفها رجل عيَّن نفسه قائداً ملهماً، وجمع بين قبضتيه مفاتيح استثارة جينات الغرائز في مجتمعه، على حساب يقظة العقل ولمصلحة تعطيله، أم هي مجرد خطاب، يصادر اللحظة، ويشد بمفرداته الغيبية أو العصبوية، ناصيتها إلى ماضٍ سحيق يجدد، على صورته، العلاقة بين القائد والجماهير، فتتبدد المواطنية بمعناها الحديث، ويصبح الحاكم نصف إله، أو شخصاً يشبهه على الأرض.
قصارى القول إن ثمة مساحة لا تزال خاوية في مجال إنتاج تعريف محدد للشعبوية. فالذين قاربوا قضية الشعبوية وما الذي تمثله- أهي القائد، أم خطابه، أم ايديولوجيا غوغائية، أم جميعهم-، لم يلبّوا مطلب إكمال سيرتها التعريفية العلمية، ولم يضعوا التعريف الخاص بها الذي يصمت بازائه الالتباس، ويبدد الخلط بين حالتها وحالات أخرى تشبهها أو مصطلحات تلازمها لإيضاحها، كالديمقراطية المباشرة أو الديماغوجية أو الفاشية أو الدينية الخ... . والأهم من ذلك، لم ينتج حتى الآن المفهوم التاريخي الإنساني الذي يدينها، ومن هنا نجد أنّ نماذجها تتكرر من قبل الكثير من القادة الحديثين دون خوف من أن يصيبهم اللوم التاريخي الإنساني في حال بدت عليهم أعراض هذه الظاهرة المرضية المتخلفة في سلوكهم السياسي والاجتماعي والثقافي. وهذه بحق قضية هامة، والمأساة فيها أنه لم يتم التطرق إليها من قبل البحث التاريخي، ولا تزال خارج وعيه الحديث، بحيث إن عملية التعرية لمفهوم ما يجعل عملية تكراره دونها عقبات كثيرة؛ فعلى سبيل المثال لا يمكن للفاشية كتجربة أن تتكرر في أوروبا، ويصعب على أي نموذج حاكم أو قائد أن يكرر السلوك الفاشي، لأنّ هذا المفهوم لم يعد ممقوتاً تاريخياً وسياسياً فقط، بل أيضاً إنسانياً. وكذا الحال بالنسبة لظواهر أخرى شبيهة. فوضوح التعريفات بشأنها جعلها عارية من شبهات التستر والتمويه، وبالتالي يمنع تكرارها. أما الشعبوية فلا تزال، بفعل أنّ تعريفها ناقص وغير محدد، قادرة على التستر وتأويل ملامحها، بدعوى المقدس تارة والانتماء الأعمى تارة أخرى.
ويقود هذا النوع من التأمل التاريخي الإنساني بخصوص الشعبوية كظاهرة ناقصة التعريف الصريح، إلى ملاحظات أخرى تنتمي إلى هذا النوع من البحث الإنساني التأملي في دراسة ظواهر التاريخ السياسي (اذا جاز استخدام هذا التعبير الاصطلاحي في علم السياسة):
الملاحظة الأولى: إنّ المساحة الواسعة من التاريخ، التي ملأت حالات شعبوية حيوياتها، تبرهن على أنها ليست حالة ملحقة بأخرى شبيهة لها وأوسع منها تعبيراً عن ذاتها بالمفهوم التعريفي. وهذا ما يقود إلى جدية التأمل الفكري في اعتبار أنّالشعبوية، قضية منفصلة، بل مستقلة، في مفهومها، حتى لو تعثرت حتى الآن قدرةالجهد البحثي علىإيجاد تحديد علمي لمفهومها كامل المحددات، ولا يقبل اللبس أو التأويل.
الملاحظة الثانية: وهي تخدم تعريفاً سلبياً للشعبوية، ومفادها أنَّ التمعن، يؤكد أن المؤرخين صاغوا تعريفات واضحة لها، ولكنها ليست كاملة المحددات. إنّ الوهن التأريخي لهذه الظاهرة، ينحصر في كونه لم يبعد حالة الاشتباه بينها وبين ظواهر أخرى مشابهة لها. وأبعد من ذلك، لم يقدم إيضاحاً علمياً مطلوباً حول: هل الشعبوية هي جزء من ظواهر مشابهة لها، بمعنى أن هذه الأخيرة هي أوسع منها في التعبير عن ذاتها، وبالتالي، فالشعبوية، هي موجة غوغائية في بحرها، ليس إلا.
وهذا نوع من الإحساس بسمة الضحية ناتج عن الانحياز الإنساني الحضاري للمؤرخ ضد فظاعة الخطأ الذي مورس بحق مسار تطور الإنسانية. لنلاحظ أنّ مراجعة التاريخ ليست عملاً مجرداً، بل هي تأصيل للأحاسيس الإنسانية بمفعول رجعي. وهذا ينطبق على كل أنواع المراجعات الفنية للأحداث والمواقف (سينما- كتابة). حتى ستالين مفرط الشمولية، يحكى أنه حينما شاهد فيلماً يراجع بطولاته، دمعت عيناه، وتعرض لأن تنال تأثيرات "الانحياز الإنساني الحضاري"، من حديديته. الفن، بمفهوم الصورة السينمائية أو النص الكتابي التأريخي، هو فعل يخالطه الانفعال الحضاري الإنساني، وذلك بالاتجاهين، أي بالنسبة لمتلقيه أو لملقنه. والمؤرخ، بوصفه محكمة إبداعية للتاريخ، لا يستثنيه هذا النوع من التأثيرات عليه، حتى لو كانت العلمية مقصده في المنهج والتحليل والخلاصات.
ما قد نخلص إليه في هذا المجال، ولو بصفة أولية، هو أن الشعبوية، لفرط بشاعة فعلتها ضد تطور المجتمع، تستدرج المؤرخ الراصد لها، إلى حالة نافرة من الانحياز الحضاري الإنساني ضدها، ويصبح ميالاً لتأكيد استهجانه لها، عبر لصق كل ما توافر من مشابهات تعريفية مكروهة بها.
إنّ الأعراض الآنفة تظهر أنّ المؤرخين معرضون لأن يخالط مشاعرهم، بدرجة عالية، انفعال "التأصيل الحضاري الإنساني" لدى مقاربتهم ظاهرة الشعبوية، وذلك على نحو يعزز زعمنا بأنها "أعلى حالات الشمولية"، وليست مجرد ظاهرة منها. ويؤكد زعمنا، أيضاً، عن أنَّ الحديث عنها يستدرج عملية "استذكار" كل الآفات المشابهة لها، خصوصاً وأنّ هذه السمة الاستذكارية لا نجدها حاضرة بهذه القوة خلال الحديث عن ظواهر أخرى تاريخية مكروهة ومسؤولة عن تخلف العقل الإنساني السياسي والاجتماعي والثقافي، الخ.
ومن ثم هناك سؤال عن طبيعة هذه الظاهرة، مكوناتها ومعناها. أي، ماذا يعني مصطلح الشعبوية بدقة. بحيث إن الكتابة الباحثة عن ظاهرة الشعبوية، لا يزال في لدنها متسعات للتأمل الفكري بها وليس البحث المنهجي فقط. كما وأن الوجه التعريفي لمصطلح الشعبوية لا يزال ملتبساً بمعنى: هل هي أيديولوجيا شاملة، أم غوغائية شعبية يمتطي ظروفها رجل عيَّن نفسه قائداً ملهماً، وجمع بين قبضتيه مفاتيح استثارة جينات الغرائز في مجتمعه، على حساب يقظة العقل ولمصلحة تعطيله، أم هي مجرد خطاب، يصادر اللحظة، ويشد بمفرداته الغيبية أو العصبوية، ناصيتها إلى ماضٍ سحيق يجدد، على صورته، العلاقة بين القائد والجماهير، فتتبدد المواطنية بمعناها الحديث، ويصبح الحاكم نصف إله، أو شخصاً يشبهه على الأرض.
قصارى القول إن ثمة مساحة لا تزال خاوية في مجال إنتاج تعريف محدد للشعبوية. فالذين قاربوا قضية الشعبوية وما الذي تمثله- أهي القائد، أم خطابه، أم ايديولوجيا غوغائية، أم جميعهم-، لم يلبّوا مطلب إكمال سيرتها التعريفية العلمية، ولم يضعوا التعريف الخاص بها الذي يصمت بازائه الالتباس، ويبدد الخلط بين حالتها وحالات أخرى تشبهها أو مصطلحات تلازمها لإيضاحها، كالديمقراطية المباشرة أو الديماغوجية أو الفاشية أو الدينية الخ... . والأهم من ذلك، لم ينتج حتى الآن المفهوم التاريخي الإنساني الذي يدينها، ومن هنا نجد أنّ نماذجها تتكرر من قبل الكثير من القادة الحديثين دون خوف من أن يصيبهم اللوم التاريخي الإنساني في حال بدت عليهم أعراض هذه الظاهرة المرضية المتخلفة في سلوكهم السياسي والاجتماعي والثقافي. وهذه بحق قضية هامة، والمأساة فيها أنه لم يتم التطرق إليها من قبل البحث التاريخي، ولا تزال خارج وعيه الحديث، بحيث إن عملية التعرية لمفهوم ما يجعل عملية تكراره دونها عقبات كثيرة؛ فعلى سبيل المثال لا يمكن للفاشية كتجربة أن تتكرر في أوروبا، ويصعب على أي نموذج حاكم أو قائد أن يكرر السلوك الفاشي، لأنّ هذا المفهوم لم يعد ممقوتاً تاريخياً وسياسياً فقط، بل أيضاً إنسانياً. وكذا الحال بالنسبة لظواهر أخرى شبيهة. فوضوح التعريفات بشأنها جعلها عارية من شبهات التستر والتمويه، وبالتالي يمنع تكرارها. أما الشعبوية فلا تزال، بفعل أنّ تعريفها ناقص وغير محدد، قادرة على التستر وتأويل ملامحها، بدعوى المقدس تارة والانتماء الأعمى تارة أخرى.
ويقود هذا النوع من التأمل التاريخي الإنساني بخصوص الشعبوية كظاهرة ناقصة التعريف الصريح، إلى ملاحظات أخرى تنتمي إلى هذا النوع من البحث الإنساني التأملي في دراسة ظواهر التاريخ السياسي (اذا جاز استخدام هذا التعبير الاصطلاحي في علم السياسة):
الملاحظة الأولى: إنّ المساحة الواسعة من التاريخ، التي ملأت حالات شعبوية حيوياتها، تبرهن على أنها ليست حالة ملحقة بأخرى شبيهة لها وأوسع منها تعبيراً عن ذاتها بالمفهوم التعريفي. وهذا ما يقود إلى جدية التأمل الفكري في اعتبار أنّالشعبوية، قضية منفصلة، بل مستقلة، في مفهومها، حتى لو تعثرت حتى الآن قدرةالجهد البحثي علىإيجاد تحديد علمي لمفهومها كامل المحددات، ولا يقبل اللبس أو التأويل.
الملاحظة الثانية: وهي تخدم تعريفاً سلبياً للشعبوية، ومفادها أنَّ التمعن، يؤكد أن المؤرخين صاغوا تعريفات واضحة لها، ولكنها ليست كاملة المحددات. إنّ الوهن التأريخي لهذه الظاهرة، ينحصر في كونه لم يبعد حالة الاشتباه بينها وبين ظواهر أخرى مشابهة لها. وأبعد من ذلك، لم يقدم إيضاحاً علمياً مطلوباً حول: هل الشعبوية هي جزء من ظواهر مشابهة لها، بمعنى أن هذه الأخيرة هي أوسع منها في التعبير عن ذاتها، وبالتالي، فالشعبوية، هي موجة غوغائية في بحرها، ليس إلا.
Page 5
ثمة خطورة تحليلية، تنتج عن الخلط بين الظواهر، تماماً كما التشخيص الطبي الذي لا يستقيم معه العلاج في حال كان مشوشاً وغير حاسم في تحديد " كنه العلة" وليس مواصفاتها العامة فقط وحتى بعضها الخاصة.
الملاحظة الثالثة: أغلب الظن أنَّ من بين ما أعاق تحديد مفهوم واضح للشعبوية، وقاد إلى هذا الخلط بينها وبين حالات أخرى تشبهها، هو أنّ الشعبوية، تمارس حقبتها السياسية والثقافية والاجتماعية، كما ذكرنا بصخب إلغائي، لطالما تعلق بكلالحالات السياسية الشمولية، ولذا برز الخلط الشديد.
ثم يحضر في هذا المجال، سؤال آخر عما إذا كانت الشعبوية هي حالة فرد مسيطر يسقط كل تفاصيل تسلطه على مجتمعه، أم أنها حالة اجتماعية ترفع هذا الشخص المتسلط إلى مرتبة الإله؟؟
الإجابة عن هذا السؤال، لا يمكن إدراكها إلا من خلال منهج الثقافة في دراسة السياسة. فالمثاقفة السياسية، لم تكن في يوم من الأيام، طريقاً باتجاه واحد. فكل ثقافة تحتاج إلى متلق عند طرف الانفعال الثاني، وملقن عند طرفه الأول. ومدى الانفعال المتولد بين طرفيه، هو الذي يقرر نجاعة الفكرة السياسية المعروضة كنموذج للحكم سواء أكان هذا النموذج ديموقراطياً أو شمولياً، بدائياً أو حديثاً.
هذا النوع من التأمل الفكري تحفزه للظهور داخل أروقة الذهن البحثي عملية البحث عن موقع الشعبوية في تاريخ الإنسان السياسي والثقافي.
إنّ هذه الملاحظات تريد القول إن التأمل التاريخي البحثي من جهة والانحياز الإنساني العلمي من جهة ثانية، هما سمة واحدةتغزو الباحث في موضوع الشعبوية. فككل الآفات المرضية في الطب وفي الاجتماع، فان عنف المرض يستدرج منسوباً أعلى من الحماس الإنساني والرغبة العلمية لإيجاد العلاج، سيما حينما يسود الشعور بأنّ الآفة تهدد المجتمعات الحديثة بالعودة ولو بجينات جديدة تنتمي إلى هذا العصر، أو لأنها باتت داءً مستفحلاً في مجتمعات العالم الثالث، وتهدد بمزيد من المآزق التي يواجهها، وتقف عقبة باتجاه أي خطىً تغييرية أو حداثية.
الفصل الأول
واقع الشعبوية في المجتمعات الغربيةومجتمعات العالم الثالث
عرفت المجتمعات الحديثة الظاهرة الشعبوية كما ذكرنا، قبل الحرب العالمية الثانية، أما وبعد أن حطت تلك الحرب أوزارها تراجعت تلك الظاهرة، لا بل انكفأت واصبحت حسب مجمل المفكرين هناك جزءاً من تاريخ تلك البقعة من العالم. اما عن أسباب انكفائها، فيعزونه لعدم توافر مناخ عام في تلك المجتمعات لاحتضان مثل هذه الظاهرة مجدداً؛ فالدولة الديمقراطية حسب رأيهم وضعت حداً لها. في حين أنه في مجتمعات العالم الثالث، كان الوضع مختلفاً تماماً، فالمناخ العام هو ذلك المناخ الذي لا تبصر النور فيه أي حركة سياسية إذا لم تتكىء في صعودها على الشعبوية، حتى الحركات التي امتطت الفكر الأيديولوجي اضطرت إلى تحريف هذا الفكر وإلباسه العباءة الشعبوية للوصول إلى تحقيق أهدافها.
إذن، انكفاء الشعبوية في أوروبا يعود حسب مجمل المفكرين لديمقراطية تلك المجتمعات؛ فالحرية السياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقانون، وسيادة القانون في أيّ مجتمع من المجتمعات يقف سداً منيعاً في وجه الشعبوية التي يعتبرها بعضهم حركات ضد القانون وبوجه القانون وخارجة عن القانون، كما أنّ هناك سداً آخر أكثر مناعة يتمثل "بالعقل"؛ إنّ حضور العقلانية وفاعلية الفكر النقدي وديناميته، تقطع الطريق أمام هذه الظواهر، وتمنعها من الوصول إلى حيث تريد، خصوصاً أنّ التاريخ أثبت أنَّ كل الحركات الشعبوية كانت مصائرها كارثية.
الملاحظة الثالثة: أغلب الظن أنَّ من بين ما أعاق تحديد مفهوم واضح للشعبوية، وقاد إلى هذا الخلط بينها وبين حالات أخرى تشبهها، هو أنّ الشعبوية، تمارس حقبتها السياسية والثقافية والاجتماعية، كما ذكرنا بصخب إلغائي، لطالما تعلق بكلالحالات السياسية الشمولية، ولذا برز الخلط الشديد.
ثم يحضر في هذا المجال، سؤال آخر عما إذا كانت الشعبوية هي حالة فرد مسيطر يسقط كل تفاصيل تسلطه على مجتمعه، أم أنها حالة اجتماعية ترفع هذا الشخص المتسلط إلى مرتبة الإله؟؟
الإجابة عن هذا السؤال، لا يمكن إدراكها إلا من خلال منهج الثقافة في دراسة السياسة. فالمثاقفة السياسية، لم تكن في يوم من الأيام، طريقاً باتجاه واحد. فكل ثقافة تحتاج إلى متلق عند طرف الانفعال الثاني، وملقن عند طرفه الأول. ومدى الانفعال المتولد بين طرفيه، هو الذي يقرر نجاعة الفكرة السياسية المعروضة كنموذج للحكم سواء أكان هذا النموذج ديموقراطياً أو شمولياً، بدائياً أو حديثاً.
هذا النوع من التأمل الفكري تحفزه للظهور داخل أروقة الذهن البحثي عملية البحث عن موقع الشعبوية في تاريخ الإنسان السياسي والثقافي.
إنّ هذه الملاحظات تريد القول إن التأمل التاريخي البحثي من جهة والانحياز الإنساني العلمي من جهة ثانية، هما سمة واحدةتغزو الباحث في موضوع الشعبوية. فككل الآفات المرضية في الطب وفي الاجتماع، فان عنف المرض يستدرج منسوباً أعلى من الحماس الإنساني والرغبة العلمية لإيجاد العلاج، سيما حينما يسود الشعور بأنّ الآفة تهدد المجتمعات الحديثة بالعودة ولو بجينات جديدة تنتمي إلى هذا العصر، أو لأنها باتت داءً مستفحلاً في مجتمعات العالم الثالث، وتهدد بمزيد من المآزق التي يواجهها، وتقف عقبة باتجاه أي خطىً تغييرية أو حداثية.
الفصل الأول
واقع الشعبوية في المجتمعات الغربيةومجتمعات العالم الثالث
عرفت المجتمعات الحديثة الظاهرة الشعبوية كما ذكرنا، قبل الحرب العالمية الثانية، أما وبعد أن حطت تلك الحرب أوزارها تراجعت تلك الظاهرة، لا بل انكفأت واصبحت حسب مجمل المفكرين هناك جزءاً من تاريخ تلك البقعة من العالم. اما عن أسباب انكفائها، فيعزونه لعدم توافر مناخ عام في تلك المجتمعات لاحتضان مثل هذه الظاهرة مجدداً؛ فالدولة الديمقراطية حسب رأيهم وضعت حداً لها. في حين أنه في مجتمعات العالم الثالث، كان الوضع مختلفاً تماماً، فالمناخ العام هو ذلك المناخ الذي لا تبصر النور فيه أي حركة سياسية إذا لم تتكىء في صعودها على الشعبوية، حتى الحركات التي امتطت الفكر الأيديولوجي اضطرت إلى تحريف هذا الفكر وإلباسه العباءة الشعبوية للوصول إلى تحقيق أهدافها.
إذن، انكفاء الشعبوية في أوروبا يعود حسب مجمل المفكرين لديمقراطية تلك المجتمعات؛ فالحرية السياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقانون، وسيادة القانون في أيّ مجتمع من المجتمعات يقف سداً منيعاً في وجه الشعبوية التي يعتبرها بعضهم حركات ضد القانون وبوجه القانون وخارجة عن القانون، كما أنّ هناك سداً آخر أكثر مناعة يتمثل "بالعقل"؛ إنّ حضور العقلانية وفاعلية الفكر النقدي وديناميته، تقطع الطريق أمام هذه الظواهر، وتمنعها من الوصول إلى حيث تريد، خصوصاً أنّ التاريخ أثبت أنَّ كل الحركات الشعبوية كانت مصائرها كارثية.
Page 6
أما في مجتمعات العالم الثالث، فالوضع مختلف اختلافاً جذرياً. ففي تلك المجتمعات التي لم تطرق الحداثة بابها، ولا تزال تدور في رحاب التخلف والجهل وغياب الفكر العقلاني، مناخاتها العامة تهيء أرضية ثابتة وتربة خصبة لبروز الشعبوية فيها. وهذه الأخيرة لا تقتصر على المجال السياسي، بل تمتد لتشمل النسيج المجتمعي بأكمله. إنها ثقافة ونمط سلوك اجتماعي ولغة تخاطب، وأحياناً تجر جماهير تلك المجتمعات السياسيين إلى تبنيها. إنَّ غياب المناخات العقلانية عن تلك المجتمعات تتولّد عنه بالضرورة ثقافة شعبوية.
..ليس هناك فكر للعالم الثالث ولو حلمنا بذلك، فلهذا العالم قاسم مشترك (1) "وهو ما يعرف بحركات التحرر الوطني ومبرراتها، وتقنيات تأسيس الدولة والأسباب المبررة لها التي تقع في نطاق واحد هو نطاق النير الاستعماري مع نتائجه الاجتماعية، المادية والفكروية ذاتها، تخلُف، تقويض بنى المجتمع، خنق الثقافة الوطنية. إنّ المقصود إيجاد دولة على الرغم من الإمبريالية الجديدة... إنّ المرجع الالزامي لنشوء تلك الدول، كان مرجع الدول الصناعية المتطورة في نجاحها الليبرالي أو في نجاحها الاشتراكي السوفياتي... وإذا كان ثمة نقطة مشتركة بين دول العالم الثالث، فهي "الاشتراكية". وهي اشتراكية ليس من المؤكد أنّ الاستناد إلى الماركسية-اللينينية يرسم الخط الفاصل الأساسي لها. فهذه الأخيرة قد تشكل سنداً أيديولوجياً لما يعرف بحركات التحرر الوطني في تلك الدول، إلا أنَّه، ولكونها دولاً غير مصنّعة، كان يجب اللعب على المركب البروليتاري للماركسية، كي يتوافق مع وضع كل دولة".
وفي الإطار نفسه، يعتبر إريك فروم (2) "إن الاشتراكية والماركسية شكّلتا عوامل جذب لهذه الأقطار، ليس بسبب الإنجازات الاقتصادية فقط... بل بسبب العناصر الروحية لأفكار العدالة، المساواة، والعالمية التي هي متأصلة في جذر الاشتراكية الماركسية".
لقد قدمت دول العالم الثالث نماذج جديدة للاشتراكية؛ فقد ظهر ما يسمى بالاشتراكية الافريقية، الاشتراكية الكوبية، الاشتراكية الماوية والاشتراكية الناصرية، وكلها اشتراكيات منحرفة انحرافاً كبيراً عن الارثوذكسية الماركسية. ويعزو البعض انحرافها إلى الحاجة لمقولة الشعب، كذلك لغنى هذه الايديولوجيا بالشعارات التي تحاكي الطبقات العاملة، والتي يحل محلها في تلك الدول الطبقات الفقيرة والفلاحون والمهمشون والذين يشكلون القسم الأكبر من الشرائح المجتمعية هناك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لقدرة هذه الشعارات في عملية التعبئة الجماهيرية والحشد الجماهيري اللذين يحتاجهما قادة تلك الدول لإنجاز أهدافهم. وبالمقابل الجماهير نفسها، ونتيجة للمرجعية الثقافية التي تتحكم بها، تكون بحاجة إلى هذه الشعارات التعبوية الشعبوية. وهي لا تستجيب لها - أي الجماهير- فحسب، بل أحياناً وكما ذكرنا، تستجرّ السياسيين والقادة إليها. أضف أخيراً إلى ذلك كله، أنّ ما سهّل تبنّي الاشتراكية في هذه المجتمعات، عامل خارجي، لكنه مهم، ويتمثل في تدخل الاتحاد السوفياتي، آنذاك، من باب مد نفوذه فوق أكبر بقعة من خريطة العالم عن طريق دعم هذه الحركات وتمويلها ومدها بالسلاح، مما يسهل لها الطريق لتحقيق أهدافها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الحركات الثورية التي تبنت الاشتراكية، وتمكنت من الوصول إلى السلطة، من خلال التأييد الشعبي لها، تحولت فيما بعد من (3) "جمهوريات راديكالية - كما كانت تزعم - إلى ما يشبه الملكيات، من استئثار لقوى ونخب محددة للغاية بالسلطة ثم محاولة توريثها للأنجال والأقارب" حسب د.محمد يحيى. والملاحظة نفسها يبديها بيار تاغييف فيقول (4) "إنه وفي حال الشعبوية ينقلب التوجه إلى الشعب إلى ديكتاتورية تمارس على الشعب وضده".
كما ويعتبر بعضهم أنّ هذا التحول من الجمهوريات إلى الديكتاتوريات قد أدى إلى تراجع الشعبوية في سبعينيات القرن العشرين، خصوصاً في العالم العربي. ورأوا أنّ هذا التحول ترتب عليه نتائج، تبلورت في المرحلة الممتدة من أواخر الثمانينيات وبداية تسعينيات ذلك القرن، وحتى الآن، حيث شهدت هذه المجتمعات يقظة مدوية للشعبوية، تجسدت في الحركات الإسلامية المتطرفة، والتي تقف بمواجهة الحكومات، وتشكل تهديداً لها في اقترابها من ملامسة السلطة في أكثر من مكان.
إنّ ثمانينيات القرن الماضي، لم يسجل يقظة للشعبوية في العالم الثالث الذي يشكل العالم العربي جزءاً منه فقط، بل إنها مزدهرة أيضاً في مجتمعات أميركا اللاتينية. كذلك يرى بعضهم أنها أطلت إلى واجهة العمل السياسي في أوروبا، وكذلك في الولايات المتحدة الأميركية من خلال ما يعرف بحركات اليمين المتطرف، على الرغم من أنّ هذه الدول اعتبرت، دوماً، أنّ هذه الظاهرة باتت جزءاً من ماضيها، لكن يبدو اليوم أنها تعود لتقف أمامها مرتبكة، يساورها خوف كبير وقلق من مخاطرها.
..ليس هناك فكر للعالم الثالث ولو حلمنا بذلك، فلهذا العالم قاسم مشترك (1) "وهو ما يعرف بحركات التحرر الوطني ومبرراتها، وتقنيات تأسيس الدولة والأسباب المبررة لها التي تقع في نطاق واحد هو نطاق النير الاستعماري مع نتائجه الاجتماعية، المادية والفكروية ذاتها، تخلُف، تقويض بنى المجتمع، خنق الثقافة الوطنية. إنّ المقصود إيجاد دولة على الرغم من الإمبريالية الجديدة... إنّ المرجع الالزامي لنشوء تلك الدول، كان مرجع الدول الصناعية المتطورة في نجاحها الليبرالي أو في نجاحها الاشتراكي السوفياتي... وإذا كان ثمة نقطة مشتركة بين دول العالم الثالث، فهي "الاشتراكية". وهي اشتراكية ليس من المؤكد أنّ الاستناد إلى الماركسية-اللينينية يرسم الخط الفاصل الأساسي لها. فهذه الأخيرة قد تشكل سنداً أيديولوجياً لما يعرف بحركات التحرر الوطني في تلك الدول، إلا أنَّه، ولكونها دولاً غير مصنّعة، كان يجب اللعب على المركب البروليتاري للماركسية، كي يتوافق مع وضع كل دولة".
وفي الإطار نفسه، يعتبر إريك فروم (2) "إن الاشتراكية والماركسية شكّلتا عوامل جذب لهذه الأقطار، ليس بسبب الإنجازات الاقتصادية فقط... بل بسبب العناصر الروحية لأفكار العدالة، المساواة، والعالمية التي هي متأصلة في جذر الاشتراكية الماركسية".
لقد قدمت دول العالم الثالث نماذج جديدة للاشتراكية؛ فقد ظهر ما يسمى بالاشتراكية الافريقية، الاشتراكية الكوبية، الاشتراكية الماوية والاشتراكية الناصرية، وكلها اشتراكيات منحرفة انحرافاً كبيراً عن الارثوذكسية الماركسية. ويعزو البعض انحرافها إلى الحاجة لمقولة الشعب، كذلك لغنى هذه الايديولوجيا بالشعارات التي تحاكي الطبقات العاملة، والتي يحل محلها في تلك الدول الطبقات الفقيرة والفلاحون والمهمشون والذين يشكلون القسم الأكبر من الشرائح المجتمعية هناك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لقدرة هذه الشعارات في عملية التعبئة الجماهيرية والحشد الجماهيري اللذين يحتاجهما قادة تلك الدول لإنجاز أهدافهم. وبالمقابل الجماهير نفسها، ونتيجة للمرجعية الثقافية التي تتحكم بها، تكون بحاجة إلى هذه الشعارات التعبوية الشعبوية. وهي لا تستجيب لها - أي الجماهير- فحسب، بل أحياناً وكما ذكرنا، تستجرّ السياسيين والقادة إليها. أضف أخيراً إلى ذلك كله، أنّ ما سهّل تبنّي الاشتراكية في هذه المجتمعات، عامل خارجي، لكنه مهم، ويتمثل في تدخل الاتحاد السوفياتي، آنذاك، من باب مد نفوذه فوق أكبر بقعة من خريطة العالم عن طريق دعم هذه الحركات وتمويلها ومدها بالسلاح، مما يسهل لها الطريق لتحقيق أهدافها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الحركات الثورية التي تبنت الاشتراكية، وتمكنت من الوصول إلى السلطة، من خلال التأييد الشعبي لها، تحولت فيما بعد من (3) "جمهوريات راديكالية - كما كانت تزعم - إلى ما يشبه الملكيات، من استئثار لقوى ونخب محددة للغاية بالسلطة ثم محاولة توريثها للأنجال والأقارب" حسب د.محمد يحيى. والملاحظة نفسها يبديها بيار تاغييف فيقول (4) "إنه وفي حال الشعبوية ينقلب التوجه إلى الشعب إلى ديكتاتورية تمارس على الشعب وضده".
كما ويعتبر بعضهم أنّ هذا التحول من الجمهوريات إلى الديكتاتوريات قد أدى إلى تراجع الشعبوية في سبعينيات القرن العشرين، خصوصاً في العالم العربي. ورأوا أنّ هذا التحول ترتب عليه نتائج، تبلورت في المرحلة الممتدة من أواخر الثمانينيات وبداية تسعينيات ذلك القرن، وحتى الآن، حيث شهدت هذه المجتمعات يقظة مدوية للشعبوية، تجسدت في الحركات الإسلامية المتطرفة، والتي تقف بمواجهة الحكومات، وتشكل تهديداً لها في اقترابها من ملامسة السلطة في أكثر من مكان.
إنّ ثمانينيات القرن الماضي، لم يسجل يقظة للشعبوية في العالم الثالث الذي يشكل العالم العربي جزءاً منه فقط، بل إنها مزدهرة أيضاً في مجتمعات أميركا اللاتينية. كذلك يرى بعضهم أنها أطلت إلى واجهة العمل السياسي في أوروبا، وكذلك في الولايات المتحدة الأميركية من خلال ما يعرف بحركات اليمين المتطرف، على الرغم من أنّ هذه الدول اعتبرت، دوماً، أنّ هذه الظاهرة باتت جزءاً من ماضيها، لكن يبدو اليوم أنها تعود لتقف أمامها مرتبكة، يساورها خوف كبير وقلق من مخاطرها.
Page 7
أسباب يقظة الشعبوية
يذهب بعض المتابعين للقول إنّ أسباب يقظة الشعبوية في أوروبا تقف وراءها مجاميع معارضة للعولمة باعتبارها سبباً لكل الشرور. وقد نشأت حركات تنتمي إلى ما يسمى باليمين المتطرف، والتي تطلق على نفسها أسماء مختلفة، كالنازيين الجدد، والفاشيين الجدد، وعدد كبير من الحركات المعادية للأجانب وللمهاجرين والرافضة للعولمة والمدافعة عن الهوية الوطنية. ولقد استطاعت هذه الحركات، ومنذ ظهورها الأول وحتى اليوم، أن تتمدد وتنتشر على مساحة واسعة من القارة الأوروبية، بحيث نجدها في كل من: سويسرا، النمسا، إيطاليا، بلجيكا، النروج، هولندا، المجر، البرتغال، رومانيا، المانيا، وفرنسا. واستطاعت، أي هذه الحركات أن تحتل حيزاً مقلقاً في المجال السياسي. فقد أصبحت قادرة على إيصال ما نسبته 20% إلى البرلمانات، وهذه نسبة مقلقة بالنسبة للنخب الحاكمة.
والمشهد نفسه تشهده الولايات المتحدة الأميركية مع صعود أسهم حزب الشاي الذي يجتاح أيضاً الواجهة السياسية هناك. فهذه الحركة اختارت لنفسها اسماً لها، تيمناً بحادثةٍ حصلت قبيل الاستقلال، وكانت من ضمن عمليات الثورة الأميركية في وجه الاستعمار البريطاني، بحيث رفض الثوار آنذاك دخول سفن بريطانية محملة بالشاي إلى مرفأ مدينة بوسطن، فتصدوا لها ومنعوها من الدخول. ويسعى هذا الحزب لاسترجاع زمام السلطة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بحيث يعتبر أنّ الأول، والذي انشق عنه، حزب ضعيف ومتهاون، أما عن خصمه الديمقراطي، الذي جاء بباراك أوباما إلى السلطة، فإنهم يصّوبون على الرئيس أكثر من تصويبهم على الحزب من حيث التشكيك بولائه، فهو لم يولد في أميركا، وهم ينعتونه بالاشتراكي الذي يحنّ إلى أصوله الكينية، إضافة إلى خطابهم العنصري التحريضي المتطرف ضد الاسلام. كذلك يتشددون في كل ما يتعلق بالوضع الداخلي. كما استطاعوا هزم الجمهوريين في انتخابات الكونغرس، وفي دوائر لهم فيها جذور راسخة. وهم يتقدمون لكسب عدد من المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ. كما يهيئون انفسهم لخوض معركة الرئاسة عام 2012.
تقلق هذه الحركات النخب الحاكمة وشريحة واسعة من النخب الثقافية في تلك المجتمعات. وقد كثفت جهودها، في الآونة الاخيرة، ورفعت الصوت عالياً حول ضرورة الوقوف في وجه هذه الظاهرة نظراً للتهديد الذي تشكله على الاستقرار وطبيعة النظام السياسي القائم هناك. وهم يحاولون تضخيم مدى خطورة تلك الظاهرة، في محاولة منهم لحشد غير المؤيدين المشرذمين من أجل الوقوف في جبهة واحدة للحد من تصاعدها. وهذا ما حصل مؤخراً في فرنسا تجاه ظاهرة لوبان.
إلا أنه وبمقابل القلق الذي تبديه هذه النخب، نجد أنه لا يوجد خوف حقيقي منها نظراً لقناعة معظم مفكري تلك المجتمعات بعدم قدرة تلك الظاهرة على تقويض الإنجازات التي تحققت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، فهم يجمعون على أنّ المصير المحتم لتلك التجربة "الانهيار".
وانطلاقاً من هذه الخلفية يعتبر تاغييف أنّ هذه الظاهرة ليست بجديدة. ففي خمسينيات القرن الماضي (5) "اعتبرت المكارثية في أميركا من قبل اليسار الأميركي، كظاهرة شعبوية، والذين انتقدوا المكارثية رأوا فيها امتداداً للتقاليد، بقايا للماضي، مما جعل الناس لا يخافون ولا يفقدون الأمل على أساس أنّ الماضي محكوم عليه أنْ يبقى ماضياً".
وكأن تاغييف يطمئن الخائفين على المستقبل، بأنه لا مستقبل لهذه الحركات كونها تحاكي ماضياً يحرص الأوروبيون على تجاوزه وبقائه "ماضياً".
يذهب بعض المتابعين للقول إنّ أسباب يقظة الشعبوية في أوروبا تقف وراءها مجاميع معارضة للعولمة باعتبارها سبباً لكل الشرور. وقد نشأت حركات تنتمي إلى ما يسمى باليمين المتطرف، والتي تطلق على نفسها أسماء مختلفة، كالنازيين الجدد، والفاشيين الجدد، وعدد كبير من الحركات المعادية للأجانب وللمهاجرين والرافضة للعولمة والمدافعة عن الهوية الوطنية. ولقد استطاعت هذه الحركات، ومنذ ظهورها الأول وحتى اليوم، أن تتمدد وتنتشر على مساحة واسعة من القارة الأوروبية، بحيث نجدها في كل من: سويسرا، النمسا، إيطاليا، بلجيكا، النروج، هولندا، المجر، البرتغال، رومانيا، المانيا، وفرنسا. واستطاعت، أي هذه الحركات أن تحتل حيزاً مقلقاً في المجال السياسي. فقد أصبحت قادرة على إيصال ما نسبته 20% إلى البرلمانات، وهذه نسبة مقلقة بالنسبة للنخب الحاكمة.
والمشهد نفسه تشهده الولايات المتحدة الأميركية مع صعود أسهم حزب الشاي الذي يجتاح أيضاً الواجهة السياسية هناك. فهذه الحركة اختارت لنفسها اسماً لها، تيمناً بحادثةٍ حصلت قبيل الاستقلال، وكانت من ضمن عمليات الثورة الأميركية في وجه الاستعمار البريطاني، بحيث رفض الثوار آنذاك دخول سفن بريطانية محملة بالشاي إلى مرفأ مدينة بوسطن، فتصدوا لها ومنعوها من الدخول. ويسعى هذا الحزب لاسترجاع زمام السلطة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بحيث يعتبر أنّ الأول، والذي انشق عنه، حزب ضعيف ومتهاون، أما عن خصمه الديمقراطي، الذي جاء بباراك أوباما إلى السلطة، فإنهم يصّوبون على الرئيس أكثر من تصويبهم على الحزب من حيث التشكيك بولائه، فهو لم يولد في أميركا، وهم ينعتونه بالاشتراكي الذي يحنّ إلى أصوله الكينية، إضافة إلى خطابهم العنصري التحريضي المتطرف ضد الاسلام. كذلك يتشددون في كل ما يتعلق بالوضع الداخلي. كما استطاعوا هزم الجمهوريين في انتخابات الكونغرس، وفي دوائر لهم فيها جذور راسخة. وهم يتقدمون لكسب عدد من المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ. كما يهيئون انفسهم لخوض معركة الرئاسة عام 2012.
تقلق هذه الحركات النخب الحاكمة وشريحة واسعة من النخب الثقافية في تلك المجتمعات. وقد كثفت جهودها، في الآونة الاخيرة، ورفعت الصوت عالياً حول ضرورة الوقوف في وجه هذه الظاهرة نظراً للتهديد الذي تشكله على الاستقرار وطبيعة النظام السياسي القائم هناك. وهم يحاولون تضخيم مدى خطورة تلك الظاهرة، في محاولة منهم لحشد غير المؤيدين المشرذمين من أجل الوقوف في جبهة واحدة للحد من تصاعدها. وهذا ما حصل مؤخراً في فرنسا تجاه ظاهرة لوبان.
إلا أنه وبمقابل القلق الذي تبديه هذه النخب، نجد أنه لا يوجد خوف حقيقي منها نظراً لقناعة معظم مفكري تلك المجتمعات بعدم قدرة تلك الظاهرة على تقويض الإنجازات التي تحققت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، فهم يجمعون على أنّ المصير المحتم لتلك التجربة "الانهيار".
وانطلاقاً من هذه الخلفية يعتبر تاغييف أنّ هذه الظاهرة ليست بجديدة. ففي خمسينيات القرن الماضي (5) "اعتبرت المكارثية في أميركا من قبل اليسار الأميركي، كظاهرة شعبوية، والذين انتقدوا المكارثية رأوا فيها امتداداً للتقاليد، بقايا للماضي، مما جعل الناس لا يخافون ولا يفقدون الأمل على أساس أنّ الماضي محكوم عليه أنْ يبقى ماضياً".
وكأن تاغييف يطمئن الخائفين على المستقبل، بأنه لا مستقبل لهذه الحركات كونها تحاكي ماضياً يحرص الأوروبيون على تجاوزه وبقائه "ماضياً".
Page 8
الشعبوية تحت سقف الديمقراطية
الواقع أنّ آليات العمل الديمقراطي تحد من فاعلية الشعبوية، لأنّ بروز هذه الاخيرة في تلك المجتمعات، قد يحدث قلقاً، ويسبب هزّة في داخلها، إلا أنَّه غير قادرٍ على هدم الهيكل وتدميره بالشكل الذي يكون متاحاً له في الأنظمة اللاديمقراطية.
يوصّف جيل دولوز، والذي اعتبر أحد ملهمي ثورة الشباب في فرنسا العام 1968، حركات المقاومة السياسية لجهاز الدولة في أوروبا، بأنها حركات تختلف عن نمط المشروعات الثورية الكبرى في القرن التاسع عشر؛ نمط لا يعرف اتجاهاً محدداً، ولا يقتصر على مجالٍ بعينه، يواجه الدولة ولا يطمح إليها. إنَّ ما يطلق عليه تسمية السياسات الصغرى في المجتمعات ليس كالسياسات الكبرى التي تهدف إلى السيطرة والصياغة الشاملة للمجال الاجتماعي؛ إنها مجموعات صغيرة تبحث عن خطوط للإفلات. يتحدث دولوز عن تغييرِ ثوري جديد يختلف عن المشروعات الثورية الموروثة عن الماركسية، ويحدد ملامح هذا التغيير قائلاً (6) "ليس من المدهش أنّ كل أنواع القضايا العرقية واللغوية والأقلية والإقليمية والجنسية والشبابية، تنبثق ليس كنزعات ماضوية فقط، ولكن في شكل ثورية راهنة، تضع بصورة شاملة موضع المساءلة كلاً من الاقتصاد المعولم وترتيبات الدولة القومية، بدلاً من أن نراهن على الاستحالة للثورة وعلى عودة الفاشية، لماذا لا نتصور أنّ نمطاً جديداً للثورة في طريقه لأن يكون ممكناً". وهذا النموذج الجديد يسميه دولوز النموذج الذري، فيقول (7) "إنّ السياسات الصغرى لا حصيلة لها ولا تحقق غاية خارجية، فهي ممارسة بلا نهاية، وهي غاية ذاتها، نموذج السياسات الصغرى هو ثورة الشباب عام 1968 التي، وعلى الرغم من أن الكثيرين اعتبروا أنها فشلت في تحقيق أهدافها، إلا أنَّها نجحت، لأنها دشنت عصر السياسات الصغرى، وأثبتت أنه منذ سبعينيات القرن الماضي لا تحدث الثورة الحقيقية على مستوى النظام الاجتماعي لكنها تحدث داخل الأفراد والمجموعات الصغرى. ومرة أخرى، لا يعني ذلك الدعوة إلى اللامبالاة تجاه السياسات الكبرى أو الفصل بين العمل على المستوى الذري والعمل على المستوى الكتلي، لأنه في النهاية ينبغي أن تؤدي هذه الحركات الصغرى إلى تغيير الوضع الأكبر". ففي ظل انحسار قدرة الدولة نتيجة لتراجع دور الجيش والمدرسة على إدماج أفراد المجتمع في النظام الاجتماعي المهيمن، يقدم دولوز فلسفة تجعل التغيير الثوري مرهوناً بالنضالات الخاصة لمجموعات صغيرة مثل الشباب والنساء والشواذ والأجانب، تحاول أن تنتزع مجالاً للممارسة طبقاً لقواعدها الخاصة المستقلة عن قواعد النظام العام.
يعتبر بعضهم أنّ هذه الصياغة لفلسفة دولوز حول الثورة هي فلسفة للفوضوية، كون الرغبة هي أحد اشتقاقات العصبية أو أنها تتضمن نزعاتها، وهي المحرك لمفهوم الشعبوية. إلا أنَّ احتواء ظاهرة شباب 68 على بعض العناصر الشعبوية ـ من حيث اعتبارها فوضوية وانطلاقاً من الشغب الذي أثارته في المدن التي امتدت إليها ـ لا يدفعنا إلى تصنيفها كإحدى الحركات الشعبوية، على الرغم من أنّ انتقادات كثيرة وجهت إليها. فالآن بوديو، على سبيل المثال، انتقد هذه الفلسفة واحتفاءها بالرغبة في مواجهة عمليات التحجيم الاجتماعي. كذلك يعلق د.أحمد عبد الحليم عطية بأن (8) "دولوز يقدم نمطاً غريباً للإنسان الثوري، إنه شخص لا يعرف على وجه التحديد من هم الذين سيجدر به مواجهتهم، وليست لديه أدنى فكرة عن شكل المجتمع الذي سيتحقق بعد الفعل الثوري"، علماً أن دولوز نفسه يضع سقفاً فيما بعد لهذه الحركات فيقول: "إذا كانت القدرة تعني السيادة، فإن الدولة ستكسب دائماً، هذا إذا انطلقنا من احتمال تحديد الاقلية في إمكانية أن تصبح غالبية، أو في قلب النظام، أما إذا كانت القدرة تعني الابتكار وقلب الشيفرات وإجراء عمليات الترحيل، والتي تتم جميعها على المستوى الذري، فإن الدولة، هنا، ستخسر لا محالة، لأنه ليس بمقدورها مراقبة كل شيء، كما أنّ قدرتها على الاحتواء محدودة".
إنّ ما توخاه دولوز ليس الانقضاض على النظام، بل الدفع إلى انتزاع المزيد من الحريات للإنسان في ظل النظام.
هذا الأمر الذي يتبناه أيضاً الكسندر دونّا في توصيفه للحركات التي يطلق عليها اسم الحركات الشعبوية في الغرب، بحيث يعتبر بأن هذه الحركات (9) "تبقى في سياق المطالبة بالمزيد من الديمقراطية أو تكون بمثابة عودة إلى المصدر الشعبي للسلطة في غياب مشروع جماعي". أما الشعبوية بالنسبة إليه فيضرب لها مثالاً الحركة البولانجية والبوجادية في فرنسا بحيث يعتبرها "ظاهرة عابرة تنتهي بالعودة إلى الوضع القائم".
وفي هذا السياق لا بد من الوقوف عند مغامرة الجنرال الفرنسي جورج بولانجيه للمزيد من التوضيح حول الظاهرة الشعبوية.
فهذا الجنرال الذي تولى وزارة الحربية بين العامين 1886-1887 في ظل الجمهورية الثالثة في فرنسا، يعتبر من أكثر النماذج الشعبوية التي عرفتها هذه الأخيرة، فهو كان قاب قوسين أو أدنى من القيام بانقلاب عسكري يطيح بالجمهورية الثالثة في فرنسا، وهو، وبعد أن عيّن وزيراً للحربية، راح يكثف اعتناءه بشعبيته، وعندما علم بالفرق العسكرية المرسلة لضبط إضراب نظّمه عمال مناجم الفحم هناك، أمر الفرق العسكرية بأن يتقاسموا الخبز مع العمال المضربين، مستثيراً بذلك حماسة المواطنين من كل صوب. كما أنّ الشعب كان يتراقص حماسة لخطاباته النارية، التي جاءت في وقت عانت فيه الحياة البرجوازية المنتظمة في الجمهورية الثالثة ركوداً، فجاء هو ليكسر الركود ويقدم استعراضات بطولية أمام الفرنسيين ويزين بالأحلام الجميلة مخيلات العمال والفلاحين، ويستنفر الروح العسكرية لدى أفراد الجيش وضباطه، حتى غدت صورة الجنرال تخيم فوق السحب المترصدة للجمهورية الثالثة، إلا أنَّه وفي اللحظة الحاسمة التي كان ينتظر منه أن يبدي شجاعةً، ويظهر مدى قوته أصابه الإرباك وعجز عن اتخاذ القرار المناسب، في اللحظة المناسبة، وفر هارباً إلى بروكسل حيث قضى فيها انتحاراً عام 1891.
الواقع أنّ آليات العمل الديمقراطي تحد من فاعلية الشعبوية، لأنّ بروز هذه الاخيرة في تلك المجتمعات، قد يحدث قلقاً، ويسبب هزّة في داخلها، إلا أنَّه غير قادرٍ على هدم الهيكل وتدميره بالشكل الذي يكون متاحاً له في الأنظمة اللاديمقراطية.
يوصّف جيل دولوز، والذي اعتبر أحد ملهمي ثورة الشباب في فرنسا العام 1968، حركات المقاومة السياسية لجهاز الدولة في أوروبا، بأنها حركات تختلف عن نمط المشروعات الثورية الكبرى في القرن التاسع عشر؛ نمط لا يعرف اتجاهاً محدداً، ولا يقتصر على مجالٍ بعينه، يواجه الدولة ولا يطمح إليها. إنَّ ما يطلق عليه تسمية السياسات الصغرى في المجتمعات ليس كالسياسات الكبرى التي تهدف إلى السيطرة والصياغة الشاملة للمجال الاجتماعي؛ إنها مجموعات صغيرة تبحث عن خطوط للإفلات. يتحدث دولوز عن تغييرِ ثوري جديد يختلف عن المشروعات الثورية الموروثة عن الماركسية، ويحدد ملامح هذا التغيير قائلاً (6) "ليس من المدهش أنّ كل أنواع القضايا العرقية واللغوية والأقلية والإقليمية والجنسية والشبابية، تنبثق ليس كنزعات ماضوية فقط، ولكن في شكل ثورية راهنة، تضع بصورة شاملة موضع المساءلة كلاً من الاقتصاد المعولم وترتيبات الدولة القومية، بدلاً من أن نراهن على الاستحالة للثورة وعلى عودة الفاشية، لماذا لا نتصور أنّ نمطاً جديداً للثورة في طريقه لأن يكون ممكناً". وهذا النموذج الجديد يسميه دولوز النموذج الذري، فيقول (7) "إنّ السياسات الصغرى لا حصيلة لها ولا تحقق غاية خارجية، فهي ممارسة بلا نهاية، وهي غاية ذاتها، نموذج السياسات الصغرى هو ثورة الشباب عام 1968 التي، وعلى الرغم من أن الكثيرين اعتبروا أنها فشلت في تحقيق أهدافها، إلا أنَّها نجحت، لأنها دشنت عصر السياسات الصغرى، وأثبتت أنه منذ سبعينيات القرن الماضي لا تحدث الثورة الحقيقية على مستوى النظام الاجتماعي لكنها تحدث داخل الأفراد والمجموعات الصغرى. ومرة أخرى، لا يعني ذلك الدعوة إلى اللامبالاة تجاه السياسات الكبرى أو الفصل بين العمل على المستوى الذري والعمل على المستوى الكتلي، لأنه في النهاية ينبغي أن تؤدي هذه الحركات الصغرى إلى تغيير الوضع الأكبر". ففي ظل انحسار قدرة الدولة نتيجة لتراجع دور الجيش والمدرسة على إدماج أفراد المجتمع في النظام الاجتماعي المهيمن، يقدم دولوز فلسفة تجعل التغيير الثوري مرهوناً بالنضالات الخاصة لمجموعات صغيرة مثل الشباب والنساء والشواذ والأجانب، تحاول أن تنتزع مجالاً للممارسة طبقاً لقواعدها الخاصة المستقلة عن قواعد النظام العام.
يعتبر بعضهم أنّ هذه الصياغة لفلسفة دولوز حول الثورة هي فلسفة للفوضوية، كون الرغبة هي أحد اشتقاقات العصبية أو أنها تتضمن نزعاتها، وهي المحرك لمفهوم الشعبوية. إلا أنَّ احتواء ظاهرة شباب 68 على بعض العناصر الشعبوية ـ من حيث اعتبارها فوضوية وانطلاقاً من الشغب الذي أثارته في المدن التي امتدت إليها ـ لا يدفعنا إلى تصنيفها كإحدى الحركات الشعبوية، على الرغم من أنّ انتقادات كثيرة وجهت إليها. فالآن بوديو، على سبيل المثال، انتقد هذه الفلسفة واحتفاءها بالرغبة في مواجهة عمليات التحجيم الاجتماعي. كذلك يعلق د.أحمد عبد الحليم عطية بأن (8) "دولوز يقدم نمطاً غريباً للإنسان الثوري، إنه شخص لا يعرف على وجه التحديد من هم الذين سيجدر به مواجهتهم، وليست لديه أدنى فكرة عن شكل المجتمع الذي سيتحقق بعد الفعل الثوري"، علماً أن دولوز نفسه يضع سقفاً فيما بعد لهذه الحركات فيقول: "إذا كانت القدرة تعني السيادة، فإن الدولة ستكسب دائماً، هذا إذا انطلقنا من احتمال تحديد الاقلية في إمكانية أن تصبح غالبية، أو في قلب النظام، أما إذا كانت القدرة تعني الابتكار وقلب الشيفرات وإجراء عمليات الترحيل، والتي تتم جميعها على المستوى الذري، فإن الدولة، هنا، ستخسر لا محالة، لأنه ليس بمقدورها مراقبة كل شيء، كما أنّ قدرتها على الاحتواء محدودة".
إنّ ما توخاه دولوز ليس الانقضاض على النظام، بل الدفع إلى انتزاع المزيد من الحريات للإنسان في ظل النظام.
هذا الأمر الذي يتبناه أيضاً الكسندر دونّا في توصيفه للحركات التي يطلق عليها اسم الحركات الشعبوية في الغرب، بحيث يعتبر بأن هذه الحركات (9) "تبقى في سياق المطالبة بالمزيد من الديمقراطية أو تكون بمثابة عودة إلى المصدر الشعبي للسلطة في غياب مشروع جماعي". أما الشعبوية بالنسبة إليه فيضرب لها مثالاً الحركة البولانجية والبوجادية في فرنسا بحيث يعتبرها "ظاهرة عابرة تنتهي بالعودة إلى الوضع القائم".
وفي هذا السياق لا بد من الوقوف عند مغامرة الجنرال الفرنسي جورج بولانجيه للمزيد من التوضيح حول الظاهرة الشعبوية.
فهذا الجنرال الذي تولى وزارة الحربية بين العامين 1886-1887 في ظل الجمهورية الثالثة في فرنسا، يعتبر من أكثر النماذج الشعبوية التي عرفتها هذه الأخيرة، فهو كان قاب قوسين أو أدنى من القيام بانقلاب عسكري يطيح بالجمهورية الثالثة في فرنسا، وهو، وبعد أن عيّن وزيراً للحربية، راح يكثف اعتناءه بشعبيته، وعندما علم بالفرق العسكرية المرسلة لضبط إضراب نظّمه عمال مناجم الفحم هناك، أمر الفرق العسكرية بأن يتقاسموا الخبز مع العمال المضربين، مستثيراً بذلك حماسة المواطنين من كل صوب. كما أنّ الشعب كان يتراقص حماسة لخطاباته النارية، التي جاءت في وقت عانت فيه الحياة البرجوازية المنتظمة في الجمهورية الثالثة ركوداً، فجاء هو ليكسر الركود ويقدم استعراضات بطولية أمام الفرنسيين ويزين بالأحلام الجميلة مخيلات العمال والفلاحين، ويستنفر الروح العسكرية لدى أفراد الجيش وضباطه، حتى غدت صورة الجنرال تخيم فوق السحب المترصدة للجمهورية الثالثة، إلا أنَّه وفي اللحظة الحاسمة التي كان ينتظر منه أن يبدي شجاعةً، ويظهر مدى قوته أصابه الإرباك وعجز عن اتخاذ القرار المناسب، في اللحظة المناسبة، وفر هارباً إلى بروكسل حيث قضى فيها انتحاراً عام 1891.
Page 9
إنّ هذه الصورة يجمع المثقفون على استحالة تكرارها في المجتمعات الحديثة. وفي وقت تتكرر هذه الظاهرة في مجتمعات العالم الثالث، فكم من جنرال لم يترك بطولات إلا واستعرضها أمام شعبه، ولم يترك عدواً إلاّ وهدده بالزوال، وساعة الاستحقاق تتوارى البطولات نظراً لتكبير حجم القدرات عما هي عليه في الواقع، فيترك جماهيره خلفه ويفر هارباً.
1- صحيح أنّ هناك حركات تصنف اليوم بالشعبوية، إلاّ أنَّها مختلفة جذرياً عما كانت عليه في السابق، والأصح أنّ نحمّل هذه الحركات، ملمحاً شعبوياً، أكثر من تصنيفها بالكامل كحركاتٍ شعبوية. فهذه الحركات، المستجدة على المجتمعات الغربية يعود انبعاثها كما يقول الكسندر دونّا (10) "إلى أزمةٍ تجتاح الديمقراطية التمثيلية؛ والأزمة كونية، أي لا سابق لها، ويبدو أنّ تأثيرها النفسي يتصاعد إعلامياً. فالاضطراب المفاجىء ـ وغير العنيف بالضرورة ـ في البنى الاجتماعية والسياسية بفعل العولمة الليبرالية، يترافق مع تشويشٍ موازٍ في البنى النفسية والعادات والتخيلات؛ فالكبت المتراكم يولد شيئاً فشيئاً خيبة أمل. إن القدماء لا يجدون أنفسهم في جمهورية المحدثين الحزينة والمستسلمة ولا في المجتمع "الاجتماعي الليبرالي" السلطوي والمنغلق بشكل متزايد، إلى درجة أنّ البديل ليس مفرحاً: إما الانفجار وإما الانبجاس الامتثالي. ولا مفرعندها من تحديد الداء، ويمكن اعتبار الشعبوية بمثابة حمى، وإذا كانت الحمى إشارة إلى المرض فهي ليست المرض في عينه".
والشعبوية برأيه لا تبرز من العدم، فهي مرتبطة بأزمةٍ اجتماعية وبوجود عوارض الإحباط العام. فالجمود لدى النخبة الحاكمة يؤدي إلى المراوحة السياسية فيتفسخ الإيمان بالأمة ويصبح المستقبل محفوفاً بالمخاوف. يتحول الشك إلى صمت متواطىء وإلى فردية ضيقة بقدر ما هي مجردة، تحل محل الروح المدنية الحماسية للأفراد.
وفي تحليله لظاهرة احزاب اليمين المتطرف في أوروبا الغربية يعتبر زيزاك، أنّ المشاريع التحررية وحراك الحركات المتطرفة في أوروبا ليست المكان الذي تنتظم فيه الشعبوية فيقول (11) "إنّ المهمة الرئيسية للسياسات المعاصرة، أي مشكلة حياتها أو موتها، هي أن تجد شكلاً من أشكال التعبئة السياسية أو الحشد السياسي الذي رغم كونه ناقداً للسياسات المؤسساتية لكنه يتجنب الإغراء الشعبوي".
ويرى أنه في نهاية المطاف، يؤيد الشعبوية، الأشخاص العاديون الذين تفاقمت حدة الضغوطات عليهم، هي صرخة من نوع "لم أعد استطيع التحمل، والمتابعة"؛ فالشعبوية ليست حركة سياسية محددة كما يؤكد زيزاك، إنها "العامل السياسي في أصفى حالاته، أي "انكسار" المجال الاجتماعي الذي يؤثر في أي محتوى سياسي... تتجلى الشعبوية عندما يكون هناك مجموعة من الطلبات ذات الطابع الديمقراطي، من مثل ضمان اجتماعي، خدمات صحية أفضل، تخفيض ضرائبي، طلب ضد الحرب الخ، إنها ترتبط بسلسلة من التعادلات، وهذا التسلسل ينتج "الشعب"على أنه الذات السياسية الأشمل. إنّ ما يميز الشعبوية ليس المحتوى الخاص لهذه الطلبات بل بروز الشعب كذات سياسية، وهنا كل الصراعات الخاصة والتناقضات تظهر كأجزاء أو قطع من صراع سياسي بيننا، نحن "الشعب" و"هم" (أي النخب الحاكمة).
نجد في ما تقدم، تجنب مفكري الغرب التعاطي مع حركات اليمين المتطرف في أوروبا باعتبارها حركات شعبوية، وهي، وإن تطلع بعضهم إليها على اعتبارها كذلك، فهو يعود ليؤكد أنها محكومة بانسداد الأفق، وفرصتها في الانفلات من عقالها قد تكون مستحيلة، بحيث إنّ تطور تلك المجتمعات وعقلانيتها، والقدرة على المحاسبة فيها، ستكبح جماحها وتبقيها تحت سقف قاسٍ من الضوابط. قد تكون هذه الظاهرة قادرة على التحرك انطلاقاً من الهامش الكبير من الحريات السياسية لتلك الأنظمة، إلاّ أنَّها تبقى أضعف من أن تواجه الدولة هناك، فهذه الأخيرة ستكون حكماً هي المنتصرة في نهاية المعركة.
صحيح أنّ انبعاث هذه الحركات مقلق، لكنه ليس مخيفاً، وتعرف هذه المجتمعات كيف تتحرك تجاه هذه الظواهر، كما تعرف كيف ومتى تتدخل، لتعيد الامور إلى نصابها عند استشعارها بخطر حقيقي يتهدد الانجازات التي تحققت في مسار تاريخها الحديث.
ويمكن للمتابع أن يتبين ذلك في أبسط التفاصيل وأدقها.
1- صحيح أنّ هناك حركات تصنف اليوم بالشعبوية، إلاّ أنَّها مختلفة جذرياً عما كانت عليه في السابق، والأصح أنّ نحمّل هذه الحركات، ملمحاً شعبوياً، أكثر من تصنيفها بالكامل كحركاتٍ شعبوية. فهذه الحركات، المستجدة على المجتمعات الغربية يعود انبعاثها كما يقول الكسندر دونّا (10) "إلى أزمةٍ تجتاح الديمقراطية التمثيلية؛ والأزمة كونية، أي لا سابق لها، ويبدو أنّ تأثيرها النفسي يتصاعد إعلامياً. فالاضطراب المفاجىء ـ وغير العنيف بالضرورة ـ في البنى الاجتماعية والسياسية بفعل العولمة الليبرالية، يترافق مع تشويشٍ موازٍ في البنى النفسية والعادات والتخيلات؛ فالكبت المتراكم يولد شيئاً فشيئاً خيبة أمل. إن القدماء لا يجدون أنفسهم في جمهورية المحدثين الحزينة والمستسلمة ولا في المجتمع "الاجتماعي الليبرالي" السلطوي والمنغلق بشكل متزايد، إلى درجة أنّ البديل ليس مفرحاً: إما الانفجار وإما الانبجاس الامتثالي. ولا مفرعندها من تحديد الداء، ويمكن اعتبار الشعبوية بمثابة حمى، وإذا كانت الحمى إشارة إلى المرض فهي ليست المرض في عينه".
والشعبوية برأيه لا تبرز من العدم، فهي مرتبطة بأزمةٍ اجتماعية وبوجود عوارض الإحباط العام. فالجمود لدى النخبة الحاكمة يؤدي إلى المراوحة السياسية فيتفسخ الإيمان بالأمة ويصبح المستقبل محفوفاً بالمخاوف. يتحول الشك إلى صمت متواطىء وإلى فردية ضيقة بقدر ما هي مجردة، تحل محل الروح المدنية الحماسية للأفراد.
وفي تحليله لظاهرة احزاب اليمين المتطرف في أوروبا الغربية يعتبر زيزاك، أنّ المشاريع التحررية وحراك الحركات المتطرفة في أوروبا ليست المكان الذي تنتظم فيه الشعبوية فيقول (11) "إنّ المهمة الرئيسية للسياسات المعاصرة، أي مشكلة حياتها أو موتها، هي أن تجد شكلاً من أشكال التعبئة السياسية أو الحشد السياسي الذي رغم كونه ناقداً للسياسات المؤسساتية لكنه يتجنب الإغراء الشعبوي".
ويرى أنه في نهاية المطاف، يؤيد الشعبوية، الأشخاص العاديون الذين تفاقمت حدة الضغوطات عليهم، هي صرخة من نوع "لم أعد استطيع التحمل، والمتابعة"؛ فالشعبوية ليست حركة سياسية محددة كما يؤكد زيزاك، إنها "العامل السياسي في أصفى حالاته، أي "انكسار" المجال الاجتماعي الذي يؤثر في أي محتوى سياسي... تتجلى الشعبوية عندما يكون هناك مجموعة من الطلبات ذات الطابع الديمقراطي، من مثل ضمان اجتماعي، خدمات صحية أفضل، تخفيض ضرائبي، طلب ضد الحرب الخ، إنها ترتبط بسلسلة من التعادلات، وهذا التسلسل ينتج "الشعب"على أنه الذات السياسية الأشمل. إنّ ما يميز الشعبوية ليس المحتوى الخاص لهذه الطلبات بل بروز الشعب كذات سياسية، وهنا كل الصراعات الخاصة والتناقضات تظهر كأجزاء أو قطع من صراع سياسي بيننا، نحن "الشعب" و"هم" (أي النخب الحاكمة).
نجد في ما تقدم، تجنب مفكري الغرب التعاطي مع حركات اليمين المتطرف في أوروبا باعتبارها حركات شعبوية، وهي، وإن تطلع بعضهم إليها على اعتبارها كذلك، فهو يعود ليؤكد أنها محكومة بانسداد الأفق، وفرصتها في الانفلات من عقالها قد تكون مستحيلة، بحيث إنّ تطور تلك المجتمعات وعقلانيتها، والقدرة على المحاسبة فيها، ستكبح جماحها وتبقيها تحت سقف قاسٍ من الضوابط. قد تكون هذه الظاهرة قادرة على التحرك انطلاقاً من الهامش الكبير من الحريات السياسية لتلك الأنظمة، إلاّ أنَّها تبقى أضعف من أن تواجه الدولة هناك، فهذه الأخيرة ستكون حكماً هي المنتصرة في نهاية المعركة.
صحيح أنّ انبعاث هذه الحركات مقلق، لكنه ليس مخيفاً، وتعرف هذه المجتمعات كيف تتحرك تجاه هذه الظواهر، كما تعرف كيف ومتى تتدخل، لتعيد الامور إلى نصابها عند استشعارها بخطر حقيقي يتهدد الانجازات التي تحققت في مسار تاريخها الحديث.
ويمكن للمتابع أن يتبين ذلك في أبسط التفاصيل وأدقها.
Page 10
كيفية تعاطي الغرب مع الظواهر الشعبوية
سنورد مثالاً يبين لنا صوابية ما ورد آنفا. لقد أجري منذ مدة استطلاع للرأي في فرنسا، حول أكثر الشخصيات التي يتمنى الفرنسي صفعها، وكانت النتيجة تصّدر كارلا بروني، زوجة الرئيس نيكولا ساركوزي المرتبة الأولى. ووفقاً لمجلة "VDS" التي أجرت الاستطلاع، فإن هبوط شعبية بروني يعود إلى أسلوب حياتها البرجوازي، فهي تعيش في برج عاجي، وفي جزء آخر، لأنها وبأسلوب حياتها، تذكر الفرنسيين والجمهوريين خاصة، بماري انطوانيت .
إذن الفرنسيون يريدون صفع كارلا بروني، وهذه الرغبة في الواقع لا تعود لمجرد أسلوب حياتها الذي يشبه أسلوب حياة ماري انطوانيت فقط، بل يودون صفعها، لأنها حركت في مخيلتهم حقبة تاريخية كاملة مثلتها ماري انطوانيت، تلك الحقبة، يقاومها الفرنسي إلى أي شريحة اجتماعية انتمى، ولا يريد لأي صورة أن تذكره بها، فهي تماماً، كما ذكر تاغييف، يجب أن تبقى في الماضي.
في حين أنه ومقابل هذه الصورة، وعلى ضفة أخرى من ضفاف العالم، وفي الارجنتين تحديداً، فان صورة إيفيتا بيرون وذكراها كانت تقف خلف مشهد اعتلاء كريستينا فرنانديز كيرشنر سدة الرئاسة هناك. فقد اظهرتها الصحف في صورة، يرفرف في خلفيتها العلم الارجنتيني، بينما تلف رأسها هالة من أشعة الشمس، وبدت الصورة وكأنها تستحضر إلى الذهن صورة عذراء لوجين، الشخصية التي تجذب غالبية المتدينين في الارجنتين، علاوة على صورة إيفيتا، التي كان الفقراء يقدسونها بينما كانت لا تزال على قيد الحياة، لا بل وحتى بعد مماتها.
وبالمقارنة مع الصورة الأولى، التي تظهر لنا كيف سحب الفرنسيون بساط التأييد من تحت أقدام زوجة الرئيس الفرنسي لأنها أعادت إحدى صور العصور الظلامية، التي كافحت تلك المجتمعات عقوداً طويلة للخروج منها. نجد أنه، وفي الوقت نفسه، صورة مماثلة لكريستينا كيرشنر، تقدم لنا واقعاً متناقضاً بشكل كامل، بحيث إنّ هذه الأخيرة لم تكن قادرة على الوصول إلى سدة الرئاسة في الأرجنتين، لو لم تمد يدها لتنهل من الماضي، وتحاكي المخيال الأرجنتيني من خلال تلك الصورة التي يعشقها، صورة إيفا بيرون.
إنّ الماضي، الذي يرفض الفرنسيون استحضاره، أو التطلع إليه، يشكل المنهل في الأرجنتين، وقبلة تطلعات جماهيره.
والواقع أنّ الفرق بين الواقعتين، وردة الفعل عليهما، هو نفسه الفرق بين مجتمعات العالم الثالث والمجتمعات الحديثة. فقد نجد الظاهرة نفسها في كل منهما، إلا أنَّها لا تعمل بالطريقة نفسها.
وإذا كانت الشعبوية، كما يتفق كثيرون على اعتبارها ديماغوجية، وتقوم على تضليل الرأي العام بخطاب وجداني انفعالي، فإنّ الرأي العام الغربي سيتفاعل بطريقة مختلفة عن تفاعل الحشود الجماهيرية في العالم الثالث. وقد تتقاطع هذه الظاهرة بين كل منهما على بعض النقاط المشتركة لكنها من دون شك تختلف وتفترق جذرياً عند نقاط أخرى، كما أنّ مصيرها ليس محكوماً، بالقدر نفسه في كل منهما. هذا إذا سلّمنا، بأن الحركات التي بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي تطل برأسها في كل من المجتمعات الحديثة ومجتمعات العالم الثالث على حد سواء، تعتبر جميعها حركات شعبوية، حيث إن الخلفية لكل شعب من هذه الشعوب مختلفة كلياً وبشكل جذري عن بعضها بعضاً، وهذه الخلفية هي في الواقع التي تحكم طبيعة التفاعل مع هذه الظاهرة، وترسم حدودها، وتتحكم بنهاياتها.
هنا قد يعترض بعضهم ليقول، إنّ ظاهرة "حزب الشاي" في الولايات المتحدة الأميركية، نهلت أيضاً من الماضي، وهي حركة شعبوية من ناحية تشكلها، وخطابها، وآليات عملها، واستطاعت تغيير واقع معين في انتخابات الكونغرس مؤخراً، وهذا صحيح، إلاّ أنَّ العبرة تبقى في المصائر التي ستواجهها هذه الحركة عند ملامستها للسلطة في نظام ديمقراطي، ولدينا نموذج سابق يمكن الاعتماد عليه في المقارنة، وهو ما حدث في الهند. فالكل يعلم أنّ للهند ديمقراطية متجذرة، ومؤسسات دستورية، وقد عرفت حركات شعبوية تمكنت من الوصول إلى سدة السلطة، ومن خلال انتخابات حرة، إلاّ أنَّهم وبعد انتصارهم، لم يتمكنوا من التغيير، لا في الدستور، ولا استطاعوا السيطرة على أجهزة الأمن، والمؤسسة القضائية؛ إنّ أقصى ما كانوا قادرين على القيام به، الانضواء تحت سقف المؤسسات القائمة، لقد خضعوا للقوانين، وهم نجحوا، ومن بعدها، خسروا الانتخابات وعاد حزب المؤتمر إلى السلطة. وهذا يدّلل على أنّ الحركات الشعبوية في الأنظمة الديمقراطية، ولو تمكنت من تسّلم السلطة، فإنها ستخضع للمؤسسات فيها، ولن يكون لها القدرة على إخضاع تلك المؤسسات لها، كما تتوخى عادة الحركات الشعبوية في انطلاقتها وخلال مسارها. فلطالما كانت الحركات الشعبوية، حركات تقف، في مواجهة مشروعات الحكم القائمة، وتنزع إلى تقويضها وإحلال أخرى مكانها.
إذن، وانطلاقاً مما تقدم يتبين لنا أنّ الديمقراطية، صخرة تتكسر عليها الأمواج الشعبوية في المجتمعات الحديثة، في حين أنها في مجتمعات العالم الثالث، تحضر بقوة، وهي كالتسونامي، قادرة على جرف كل ما يصادفها وما من شيء يستطيع إيقافها.
سنورد مثالاً يبين لنا صوابية ما ورد آنفا. لقد أجري منذ مدة استطلاع للرأي في فرنسا، حول أكثر الشخصيات التي يتمنى الفرنسي صفعها، وكانت النتيجة تصّدر كارلا بروني، زوجة الرئيس نيكولا ساركوزي المرتبة الأولى. ووفقاً لمجلة "VDS" التي أجرت الاستطلاع، فإن هبوط شعبية بروني يعود إلى أسلوب حياتها البرجوازي، فهي تعيش في برج عاجي، وفي جزء آخر، لأنها وبأسلوب حياتها، تذكر الفرنسيين والجمهوريين خاصة، بماري انطوانيت .
إذن الفرنسيون يريدون صفع كارلا بروني، وهذه الرغبة في الواقع لا تعود لمجرد أسلوب حياتها الذي يشبه أسلوب حياة ماري انطوانيت فقط، بل يودون صفعها، لأنها حركت في مخيلتهم حقبة تاريخية كاملة مثلتها ماري انطوانيت، تلك الحقبة، يقاومها الفرنسي إلى أي شريحة اجتماعية انتمى، ولا يريد لأي صورة أن تذكره بها، فهي تماماً، كما ذكر تاغييف، يجب أن تبقى في الماضي.
في حين أنه ومقابل هذه الصورة، وعلى ضفة أخرى من ضفاف العالم، وفي الارجنتين تحديداً، فان صورة إيفيتا بيرون وذكراها كانت تقف خلف مشهد اعتلاء كريستينا فرنانديز كيرشنر سدة الرئاسة هناك. فقد اظهرتها الصحف في صورة، يرفرف في خلفيتها العلم الارجنتيني، بينما تلف رأسها هالة من أشعة الشمس، وبدت الصورة وكأنها تستحضر إلى الذهن صورة عذراء لوجين، الشخصية التي تجذب غالبية المتدينين في الارجنتين، علاوة على صورة إيفيتا، التي كان الفقراء يقدسونها بينما كانت لا تزال على قيد الحياة، لا بل وحتى بعد مماتها.
وبالمقارنة مع الصورة الأولى، التي تظهر لنا كيف سحب الفرنسيون بساط التأييد من تحت أقدام زوجة الرئيس الفرنسي لأنها أعادت إحدى صور العصور الظلامية، التي كافحت تلك المجتمعات عقوداً طويلة للخروج منها. نجد أنه، وفي الوقت نفسه، صورة مماثلة لكريستينا كيرشنر، تقدم لنا واقعاً متناقضاً بشكل كامل، بحيث إنّ هذه الأخيرة لم تكن قادرة على الوصول إلى سدة الرئاسة في الأرجنتين، لو لم تمد يدها لتنهل من الماضي، وتحاكي المخيال الأرجنتيني من خلال تلك الصورة التي يعشقها، صورة إيفا بيرون.
إنّ الماضي، الذي يرفض الفرنسيون استحضاره، أو التطلع إليه، يشكل المنهل في الأرجنتين، وقبلة تطلعات جماهيره.
والواقع أنّ الفرق بين الواقعتين، وردة الفعل عليهما، هو نفسه الفرق بين مجتمعات العالم الثالث والمجتمعات الحديثة. فقد نجد الظاهرة نفسها في كل منهما، إلا أنَّها لا تعمل بالطريقة نفسها.
وإذا كانت الشعبوية، كما يتفق كثيرون على اعتبارها ديماغوجية، وتقوم على تضليل الرأي العام بخطاب وجداني انفعالي، فإنّ الرأي العام الغربي سيتفاعل بطريقة مختلفة عن تفاعل الحشود الجماهيرية في العالم الثالث. وقد تتقاطع هذه الظاهرة بين كل منهما على بعض النقاط المشتركة لكنها من دون شك تختلف وتفترق جذرياً عند نقاط أخرى، كما أنّ مصيرها ليس محكوماً، بالقدر نفسه في كل منهما. هذا إذا سلّمنا، بأن الحركات التي بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي تطل برأسها في كل من المجتمعات الحديثة ومجتمعات العالم الثالث على حد سواء، تعتبر جميعها حركات شعبوية، حيث إن الخلفية لكل شعب من هذه الشعوب مختلفة كلياً وبشكل جذري عن بعضها بعضاً، وهذه الخلفية هي في الواقع التي تحكم طبيعة التفاعل مع هذه الظاهرة، وترسم حدودها، وتتحكم بنهاياتها.
هنا قد يعترض بعضهم ليقول، إنّ ظاهرة "حزب الشاي" في الولايات المتحدة الأميركية، نهلت أيضاً من الماضي، وهي حركة شعبوية من ناحية تشكلها، وخطابها، وآليات عملها، واستطاعت تغيير واقع معين في انتخابات الكونغرس مؤخراً، وهذا صحيح، إلاّ أنَّ العبرة تبقى في المصائر التي ستواجهها هذه الحركة عند ملامستها للسلطة في نظام ديمقراطي، ولدينا نموذج سابق يمكن الاعتماد عليه في المقارنة، وهو ما حدث في الهند. فالكل يعلم أنّ للهند ديمقراطية متجذرة، ومؤسسات دستورية، وقد عرفت حركات شعبوية تمكنت من الوصول إلى سدة السلطة، ومن خلال انتخابات حرة، إلاّ أنَّهم وبعد انتصارهم، لم يتمكنوا من التغيير، لا في الدستور، ولا استطاعوا السيطرة على أجهزة الأمن، والمؤسسة القضائية؛ إنّ أقصى ما كانوا قادرين على القيام به، الانضواء تحت سقف المؤسسات القائمة، لقد خضعوا للقوانين، وهم نجحوا، ومن بعدها، خسروا الانتخابات وعاد حزب المؤتمر إلى السلطة. وهذا يدّلل على أنّ الحركات الشعبوية في الأنظمة الديمقراطية، ولو تمكنت من تسّلم السلطة، فإنها ستخضع للمؤسسات فيها، ولن يكون لها القدرة على إخضاع تلك المؤسسات لها، كما تتوخى عادة الحركات الشعبوية في انطلاقتها وخلال مسارها. فلطالما كانت الحركات الشعبوية، حركات تقف، في مواجهة مشروعات الحكم القائمة، وتنزع إلى تقويضها وإحلال أخرى مكانها.
إذن، وانطلاقاً مما تقدم يتبين لنا أنّ الديمقراطية، صخرة تتكسر عليها الأمواج الشعبوية في المجتمعات الحديثة، في حين أنها في مجتمعات العالم الثالث، تحضر بقوة، وهي كالتسونامي، قادرة على جرف كل ما يصادفها وما من شيء يستطيع إيقافها.