Page 1
تقديم الطبعة الثانية
لن أزيد على تقديم هذه الطبعة الأولى من كتابي (رجال في جزائر اللؤلؤ) سوى بضع كلمات واجبة.
فقد مضى على صدور الطبعة الأولى ما يقارب 16 عامًا لم أدركها في غمرة الانشغال بالكتابة والتأليف، إلا عندما راح أصدقاء وقراء يلحون عليّ
بإصدار طبعة جديدة من الكتاب بعد نفاد الطبعة الأولى منذ وقت طويل.
والواقع أنني لم أزل أفاجأ بكمٍّ من الاحتفاء والكتابة عن الكتاب حتى اليوم، وهي أحياناً إشادة بشخصياته العربية وأدوارها المميزة في نهضة
البحرين وتقدمها الحضاري، وأحياناً أخرى بأسلوب وطريقة الكتابة التاريخية.
ويبقى أن الاحتفاء الحقيقي بالكتاب هو أن تتواصل استفادة القراء والباحثين وكل المهتمين بتاريخ البحرين من سطوره وصفحاته، وهي عندي سعادة
لا تنتهي وفرح لا أستطيع إخفاءه.
خالد البسام
البحرين
Page 2
تقديم الطبعة الأولى
منذ نهايات القرن التاسع عشر ومرورًا ببدايات القرن العشرين، احتضنت البحرين اعدادًا كبيرة من أبناء الوطن العربي.
ومع هؤلاء جاءت إلى بلادنا مجموعة من الشخصيات العربية تنوعت في اهتماماتها والمهمات التي جاءت من أجلها، كما تعددت جنسياتها وفترات
إقامتها، لكنهم اتفقوا في تلك الفترة المبكرة على القيام بعمل مهم واحد هو حب البحرين وبذل العرق الكثير في سبيل نهضتها الثقافية والاجتماعية
والاقتصادية والتعليمية وغيرها.
ففي المنامة والمحرق ومدن وقرى أخرى شارك النجدي مقبل الذكير، واليماني سيد جمال الليل، والمصري حافظ وهبة، والسوري عثمان
الحوراني، والكويتيان خالد الفرج وعبدالعزيز الرشيد، والفلسطيني نوح أفندي إبراهيم، والعراقي جورج ميناسيان، شاركوا جميعاً في تأسيس الأندية
الثقافية والصحف، وساهم بعضهم في رفعة مكانة المدارس الوطنية وأعمال أخرى كثيرة.
وعاش (رجال في جزائر اللؤلؤ) بين أهالي البحرين عشاقاً وتلامذة ومفكرين وأساتذة. وأحبوا البحر والنخيل والأزقة وبيوت الطين واللآلىء،
وغادر معظمهم البحرين مضطراً، أما من تبقى منهم فاصروا أن يدفنوا تحت ترابها.
وفي هذه الصفحات القليلة محاولة لقراءة الدور الكبير الذي قام به هؤلاء العروبيون في تلك السنوات البعيدة والجميلة.
خالد البسام
1991
Page 3
مقبل الذكير
اللؤلؤ يهزم التبشير !
في حوالي عام 1870 يقرر التاجر البسيط (مقبل عبدالرحمن الذكير) ترك مدينته النجدية العريقة (عنيزة) بالجزيرة العربية، ويتوجه مع مجموعة
من أصدقائه النجديين، إلى جزر اللؤلؤ الصغيرة في الخليج (البحرين)
ومع مرور الأشهر الأولى، يجد (الذكير) نفسه يتأقلم بسرعة مع مناخ الغربة الجديد الذي لم يألفه من قبل.
ففي المنامة يكتشف دنيا اللؤلؤ الواسعة التي طالما استهوت خياله قبل الوصول إلى البحرين. وفي أزقة (سوق الطواويش) الشهير يبدأ في التعرف
على ملامح (إمبراطورية اللؤلؤ) ففي الدكاكين الصغيرة وبعض المقاهي الشعبية المكتظة بالناس يستمع إلى آخر أخبار الصفقات والمراهنات، وإلى
أحاديث محاصيل المواسم. ويقابل في أزقة (الإمبراطورية الكبيرة) العديد من الأوروبيين الذين يرتدون البدلات الغربية التي يراها لأول مرة!.
ورغم جو المغامرة الذي يملأ كيان الزائر لهذه (الإمبراطورية) التي ترتفع فيها أصوات مئات وآلاف الروبيات عاليًا، إلا أنه لا يتردد في دخول
مغامرة اللؤلؤ برغم رأس المال الصغير الذي كان بالكاد يكاد يكفي احتياجاته المعيشية!
وبعد سنوات قليلة يجد (الذكير) أن مغامرته في (سوق الطواويش) قد تحولت إلى سلسلة مغامرات لا تنتهي. ففي خلال هذه السنوات دخل في عمق
هذه التجارة وراح يفهم كل تفاصيلها وأسرارها. كما أعطته صفقاته الصغيرة الأولى رأس مال جيدًا مكنه من مواصلة البيع والشراء والحضور
المتواصل في السوق كأحد التجار.
ومع تزايد انغماسه في تجارة اللآلىء المزدهرة، يدخل (مقبل) في عمق حياة البحرين!
ففي خارج حياة إمبراطورية اللؤلؤ الصاخبة، يشارك بانتظام في ارتياد المجالس الشعبية في المحرق والمنامة، حيث يجد متعتها تعادل متعة
اللآلىء.
وفي هذه المجالس - التي كانت أشبه بالمؤسسات الثقافية - راح يشارك روادها في قراءة أشعار المتنبي والبحتري وأبو نواس وغيرهم والاستماع
إليها. إضافة إلى قصص ألف ليلة وليلة، والتباحث في المسائل الدينية والوطنية وشؤون الحياة العامة.
Page 4
وعلاوة على ذلك، راح (الذكير) أيضاً يقبل على حلقات المساجد الدينية يناقش فيها ويتعلم، ويزيد من ثقافته الدينية التي درسها في (عنيزة)
ومع مرور السنوات يسجل المغترب النجدي (مقبل) الكثير من النجاحات، فلا يأتي عام 1890 إلا وهو من أكبر تجار اللؤلؤ في البحرين والخليج.
ففي هذه الإمبراطورية كانت يده النظيفة في التجارة والدهاء والحنكة التي مارسها طوال تلك السنوات، راحت تعطيه السمعة الطيبة باستمرار،
إضافة إلى حرصه الشخصي على ممارسة الأخلاق التجارية في وسط هذه الإمبراطورية الجشعة حتى صار يلقب بـ(فخر التجار)، كما راح يستفيد
من المكانة التجارية الكبيرة التي أصبح يتمتع بها، فينشىء الكثير من العلاقات والصداقات مع التجار الأوروبيين والآسيويين وغيرهم، ويراسل
الكثير من الشركات التجارية المرموقة في العالم.
وإضافة إلى هذه المكانة التجارية، أصبح (فخر التجار) واحداً من أهم مثقفي البحرين.
فبمشاركته الفعالة في مجلس الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، الذي كان من أهم المنتديات الثقافية في البحرين آنذاك، يصبح الشخصية الوحيدة
المؤهلة لعملية استيراد الصحف العربية. فعندما يجيء عام 1895 يلح رواد منتدى الشيخ إبراهيم على الشيخ نفسه لجلب صحف (المقتطف)
و(المؤيد) و(المنار) وغيرها، التي كانوا يقرأونها في مكتبة الإرسالية الأمريكية بالمنامة، كما يذكر المؤرخ (مبارك الخاطر) في كتابه (الكتابات
الأولى لمثقفي البحرين)
وأمام إلحاح رواد المنتدى، يختار الشيخ إبراهيم الشخصية الكبيرة المشاركة في منتداه (الذكير) ويعهد له بجلب هذه الصحف إلى البحرين.
وبالفعل ينجز الشيخ مقبل هذه المهمة، ولا يرسل الاشتراكات إلى هذه الصحف فقط، بل يرسل أيضاً بعض الإعانات المالية لها بين فترة وأخرى،
والتي كان من بينها صحيفة (المنار) المصرية.
وبجانب هذه المهمة، يجد في هذه الصحف بجانب متعة التثقيف، فرصة التشاور والسؤال عن بعض القضايا الدينية التي واصل الاهتمام بها، فعندما
تفتح صحيفة (المنار) الإسلامية (باب الفتاوى)، يكون الشيخ مقبل من أوائل السائلين فيه، ففي عام 1903 يرسل إلى الشيخ رشيد رضا صاحب
الصحيفة رسالة صغيرة يقول فيها: (اطلعنا في الجزء السابع عشر من المنار على بحث الصيام وفضله وثبوته، فجزاكم الله عن الإسلام خيرًا؛ فقد
أو جزتم وأحسنتم، ولنا هنا سؤال وهو إذا ذكرت الجرائد أن شهر رمضان قد ثبت شرعًا أن أوله الجمعة، وكان بعض أهل الأقطار البعيدة كخليج
فارس والعراق قد رأوا الهلال ليلة السبت؛ فهل يعتمدون على خبر الجرائد إذ بلغهم في أثناء الشهر، ويبنون عليه إتمام العدة ثلاثين يوماً إذا لم يروا
هلال شوال، ثم يقضون يوم الجمعة أم يتمون العدة على حساب صيامهم الذي أوله السبت، ولا يجب عليهم قضاءه؟ أفيدونا مأجورين (وبتوقيع)
الداعي لكم بالخير.. مقبل عبدالرحمن الذكير.)
Page 5
أما جواب الصحيفة فكان: (الواجب على من ذكرتم أن يعلموا بحسب رؤيتهم، ويتموا العدة على حسابهم إلى أن يروا الهلال ليلة الثلاثين بحسابهم،
كأنهم بنوا صيامهم على إثبات شرعي صحيح، وما سبق في (المنار) استحسانه من عمل أهل القطر المصري لا ينطبق على مثل ما ذكرتم، فإنه
خاص ببلاد يمكن أن يعرف أهلها كلهم إثبات الشهر في الليلة الأولى منه ليصوموا جميعًا ويفطروا جميعًا، فإن الاجتماع والاتفاق في أداء العبادات
من مهمات الشرع.
أما البلاد المنقطعة، بعضها عن البعض، فيجب أن يعمل أهل كل جهة بما ثبت عندهم، ولا يعمل أهل البحرين بما ثبت في البصرة أو الهند أو
مصر، إلا إذا أمكن العلم في الليلة الأولي من الشهر بطريقة مأمونة من التزوير، وأنى لهم هذا.)
وبالإضافة إلى صحيفة (المنار) يشارك (الذكير) في مراسلة الصحف الأخرى التي أصبح وكيلها في البحرين.
ومع استمرار المكانة التجارية والثقافية والدينية، التي واصل في تعزيزها، راح اسم الشيخ مقبل يتصدر جميع الفعاليات الدينية والتجارية والوطنية
عبر مشاركة فعالة ونشطة فيها.
فبعد سنوات عدة من وصول أولى طلائع التبشير المتمثل في الإرسالية الأمريكية عبر مؤسساتها المختلفة مثل: المستشفى، المكتبة، المدرسة، يجد
(الذكير) نفسه مع مجموعة الشيوخ والمثقفين في البحرين أمام تحد كبير وصراع ديني وفكري ليس بالهين مع المبشرين بزعامة القس المبشر
المشهور (صموئيل زويمر.)
وأمام هذا التحدي المفروض مع التبشير، يتسلم الشيخ مقبل زمام قيادة الصراع معهم.
فعندما يجد أن أساليب مقاومة التبشير التي يتبعها بعض شيوخ الدين المحليين، والمتركزة في حض الناس على عدم ارتياد مؤسساتهم، يكتشف، وهو
في خضم هذا الصراع، أن أفضل الوسائل لمقاومة التبشير هو إنشاء المؤسسة الثقافية التي تشمل المنتدى الثقافي والمدرسة كأسلوب مقاومة
حضاري!
وبالفعل يتفق (فخر التجار) مع (يوسف كانو) على إنشاء (النادي الأدبي الإسلامي) في منتصف عام 1913.
ورغم المال الكثير الذي يحتاجه هذا المشروع الكبير، إلا أنه يستطيع توفير غالبيته من ماله الخاص. وهنا لا يتردد في فتح النادي، ومقابل مكتبة
الإرسالية الأمريكية بالضبط في سوق المنامة.
كان النادي في بداية تأسيسه عبارة عن صفين دراسيين يدرس لتلاميذه العلوم الدينية وبعض العلوم الحديثة. إضافة إلى غرفة مطالعة ومكتبة.
ويسجل النادي في أشهره الأولى الكثير من النجاحات سجلتها تقارير الإرسالية الأمريكية التي تحدثت عن (تناقص رواد مكتبة الإرسالية) وبالتالي
تناقص بيع الكتب فيها. إضافة إلى اعتراف التقارير نفسها بنجاح النادي في جذب الكثير من زبائنهم!
وعلاوة على هذا النجاح، يصبح النادي ملتقى لرواد العلم ومثقفي مدينة المنامة، ومكانًا يتدارسون فيه أساليب التبشير وسبل مقاومته.
وأمام هذا النجاح الذي راح يتواصل، يقرر الشيخ مقبل تنظيم النادي أكثر، وذلك بإحضار مدير أكثر كفاءة من المدير الشيخ البحريني الحالي.
وبسرعة يرتب الموضوع ويحضر من البصرة الشيخ (محمد عبدالعزيز المانع) أحد تلامذة الشيخ محمد عبده.
ومع وصول الشيخ (المانع) يتزايد الإقبال على النادي ودروسه التثقيفية، وخاصة محاضرات المدير الجديد الخبير بالتبشير وأساليبه.
وبينما ينشغل النادي بنجاحاته وصراعه مع المبشرين، يتواصل (الذكير) في زعامته للكثير من الأنشطة الوطنية هذه المرة!
فعندما تندلع الحرب العالمية الأولى يقود الشيخ مقبل حملة كبيرة في البحرين لـ(جمع الإعانات لتركيا)
Page 6
كما يراسل رجالات دول الخليج الأخرى للقيام بالحملات نفسها، حيث يتأكد نجاحها في خبر صغير ذكره تقرير للوكالة السياسية البريطانية عام
1915 يقول فيه: (أرسل الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني 125 ألف روبية إلى الشيخ مقبل كاشتراك من شعب قطر للإعانات التركية، ولكي يتكفل
(مقبل) بإرسالها)
وإضافة إلى زعامته في (إعانات تركيا)، يقود (الذكير) حملة تبرعات أخرى للمجاهدين الليبيين في حربهم ضد الاستعمار الإيطالي. وتصل زعامته
حتى إلى الهند أيضًا! ففي 11 ابريل عام 1914 تكتب إحدى الـشخصيات المسلمة الهندية، كما يقول تقرير آخر للوكالة البريطانية لعام 1914، إلى
(الشيخ مقبل يطلب منه جمع كل ما يمكنه من النقود لمساعدة المسلمين في إحدى الولايات الهندية)
وعلى الرغم من نجاحات مشروعه الحضاري (النادي الأدبي الإسلامي) وتصدره الواضح كأحد زعامات البحرين، إلا أن مجيء عام 1917 يبدأ
في تغيير أحوال الشيخ الجليل كثيرًا!
ففي العام نفسه تتوالى على (فخر التجار) خسائر صفقات عديدة في تجارة اللؤلؤ، وتتكالب عليه في الوقت ذاته مجموعة تجار حاقدين على سمعته
المالية المشهورة لدى العرب والأجانب، ويصل حد الأزمة في النهاية إلى الإفلاس المالي.
وعندما يجد أن مسألة توفير المال وتواصله بشكل مستمر هو أساس استمرار النادي، يقرر (الذكير) إغلاقه، ولو أن هذا القرار يعز عليه كثيرًا،
ولكنه أصبح في النهاية لا يملك إلا هذا الخيار الصعب!
وبالإضافة إلى إغلاق النادي، أصبح استمراره في إمبراطورية اللؤلؤ الجشعة، التي لم ترحم أي وزن له، أمرًا مستحيلاً! ولذلك يترك البحرين،
ويذهب مرة أخرى إلى مدينته العريقة (عنيزة) بمال لا يكاد يكفي طعامه، ويموت فيها بعد ثلاث سنوات على رحليه!
Page 7
سيد جمال الليل
بائع العطور ومراسل الصحف!
في حوالي عام 1910، يقرر (سيد محمد جمال الليل) كغيره من اليمانيين من مدينة (الحديدة) بشمال اليمن الهجرة والاغتراب طلباً للرزق. لكنه
يخالف زملاءه في اختيار (بلدان الرزق) التي سيذهبون إليها. فبينما يختار بعضهم الحجاز ومصر، وبعضهم يتوجه إلى أوروبا البعيدة، يختار (أبو
الليل) البحرين ذات الشهرة التجارية في الخليج، ويبحر على ظهر أول سفينة ذاهبة إلى هناك.
وبعد نهاية الأشهر الأولى من إقامته في البحرين، يجد المغترب اليماني أن أفضل ما يمكنه الاتجار به في مدينة المنامة التجارية الحديثة هو فتح
دكان صغير لبيع العطور المستوردة من الهند.
وبرأس المال القليل الذي تبقى عنده منذ أن غادر (الحديدة) يتوكل (سيد جمال) على الله، ويستأجر أحد دكاكين سوق المنامة (دكان سيد جنيد عالم
الآن) ويعرض بضاعته المتواضعة والمكونة من زجاجات لدهن الورد والعود ودهن الزباد والخس وعطور الرازقي والياسمين والعنبر والمسك..
والتي استوردها من الهند مؤخرًا.
وبالرغم من ظروف هذه التجارة الصعبة، والمعتمدة كلياً على الاستيراد من الهند، والتي كان لا يشتغلها سوى يماني آخر معه اسمه (سيد محمد
نهاري) إلا أنه ينجح في الأشهر الأولى في تجارة العطور، برغم سطوة (إمبراطورية اللؤلؤ) التي كان يقودها (سوق الطواويش)
وبجانب الاستقرار التجاري الذي وجده، يجد (أبو الليل) نفسه غارقاً، ومنذ الأيام الأولى لوصوله، بعقد الصداقات والعلاقات الحميمة مع اليمنيين
الموجودين في البحرين. وعبر اشتراكه في حل مشكلاتهم، والوقوف معهم في محنة اغترابهم، يجد أن دكانه الصغير أصبح يضيق بالكثير من
غاصة اللؤلؤ اليمنيين، الذين وجدوه ملجأ لـ(الفضفضة) عن معاناتهم مع النواخذة، إضافة إلى عمال السفن وبعض التجار اليمنيين، الذين وجدوه
أيضاً (سفارة) لبلادهم يحل مشاكلهم ويعطيهم كل ما لديه من نقود بعضها كمساعدات وأخرى كديون.
ومع مرور الوقت اكتشف أنه أصبح يتزعم يمانيي البحرين، وينطق بلسانهم.
وخارج (الجو اليماني) الذي انشغل به في سنينه الأولى، يستغل (أبو الليل) فرصة التهاب الوضع السياسي الذي خلقه البريطانيون في البحرين،
وينخرط في (الجو البحريني) هذه المرة.
ففي صبيحة أول فبراير 1919، يفاجأ أهالي البحرين بإعلان بريطاني صادر عن الوكالة السياسية بالمنامة، يخبرهم بأن القوانين الجنائية والمدنية
البريطانية المطبقة في الهند سوف تطبق في البحرين اعتباراً من 3 فبراير 1919.
ومع ظهور هذا الإعلان، يتعرف (سيد جمال) على صخب هذه الجزيرة الهادئة لأول مرة!.
بائع العطور ومراسل الصحف!
في حوالي عام 1910، يقرر (سيد محمد جمال الليل) كغيره من اليمانيين من مدينة (الحديدة) بشمال اليمن الهجرة والاغتراب طلباً للرزق. لكنه
يخالف زملاءه في اختيار (بلدان الرزق) التي سيذهبون إليها. فبينما يختار بعضهم الحجاز ومصر، وبعضهم يتوجه إلى أوروبا البعيدة، يختار (أبو
الليل) البحرين ذات الشهرة التجارية في الخليج، ويبحر على ظهر أول سفينة ذاهبة إلى هناك.
وبعد نهاية الأشهر الأولى من إقامته في البحرين، يجد المغترب اليماني أن أفضل ما يمكنه الاتجار به في مدينة المنامة التجارية الحديثة هو فتح
دكان صغير لبيع العطور المستوردة من الهند.
وبرأس المال القليل الذي تبقى عنده منذ أن غادر (الحديدة) يتوكل (سيد جمال) على الله، ويستأجر أحد دكاكين سوق المنامة (دكان سيد جنيد عالم
الآن) ويعرض بضاعته المتواضعة والمكونة من زجاجات لدهن الورد والعود ودهن الزباد والخس وعطور الرازقي والياسمين والعنبر والمسك..
والتي استوردها من الهند مؤخرًا.
وبالرغم من ظروف هذه التجارة الصعبة، والمعتمدة كلياً على الاستيراد من الهند، والتي كان لا يشتغلها سوى يماني آخر معه اسمه (سيد محمد
نهاري) إلا أنه ينجح في الأشهر الأولى في تجارة العطور، برغم سطوة (إمبراطورية اللؤلؤ) التي كان يقودها (سوق الطواويش)
وبجانب الاستقرار التجاري الذي وجده، يجد (أبو الليل) نفسه غارقاً، ومنذ الأيام الأولى لوصوله، بعقد الصداقات والعلاقات الحميمة مع اليمنيين
الموجودين في البحرين. وعبر اشتراكه في حل مشكلاتهم، والوقوف معهم في محنة اغترابهم، يجد أن دكانه الصغير أصبح يضيق بالكثير من
غاصة اللؤلؤ اليمنيين، الذين وجدوه ملجأ لـ(الفضفضة) عن معاناتهم مع النواخذة، إضافة إلى عمال السفن وبعض التجار اليمنيين، الذين وجدوه
أيضاً (سفارة) لبلادهم يحل مشاكلهم ويعطيهم كل ما لديه من نقود بعضها كمساعدات وأخرى كديون.
ومع مرور الوقت اكتشف أنه أصبح يتزعم يمانيي البحرين، وينطق بلسانهم.
وخارج (الجو اليماني) الذي انشغل به في سنينه الأولى، يستغل (أبو الليل) فرصة التهاب الوضع السياسي الذي خلقه البريطانيون في البحرين،
وينخرط في (الجو البحريني) هذه المرة.
ففي صبيحة أول فبراير 1919، يفاجأ أهالي البحرين بإعلان بريطاني صادر عن الوكالة السياسية بالمنامة، يخبرهم بأن القوانين الجنائية والمدنية
البريطانية المطبقة في الهند سوف تطبق في البحرين اعتباراً من 3 فبراير 1919.
ومع ظهور هذا الإعلان، يتعرف (سيد جمال) على صخب هذه الجزيرة الهادئة لأول مرة!.
Page 8
ففي جو معارض بشدة للقوانين البريطانية، يتعرف (أبو الليل) على المجالس الشعبية التي راحت تأخذ معظم وقت روادها بالحديث عن هذه القوانين
وسبل معارضتها. وفي هذه المجالس النشطة يتعرف على أبرز زعماء البلاد آنذاك، كالشيخ عبدالوهاب الزياني، وأحمد بن لاحج، وقاسم الشيراوي،
وسعد الشملان وغيرهم.
وخارج هذه المجالس، يرى بنفسه العرائض التي يدور بها شباب المعارضة الوطنية على دكاكين السوق وتجار اللؤلؤ وشخصيات البلاد. كما يستمع
إلى آخر أخبار الاجتماعات التي راح يعقدها الزعماء الوطنيون لمواجهة تطبيق القوانين.
وفي وسط هذا المناخ الملتهب، يختار تاجر العطور اليمني القادم من (الحديدة) الوقوف في صف أهالي البحرين ودفاعهم الشرعي عن حقهم في
رفض فرض القوانين الأجنبية.
ويجند (سيد جمال) نفسه لخدمة المعارضة الشعبية المتنامية، فيستغل علاقاته مع الموظفين الهنود العاملين في الوكالة السياسية البريطانية، والذين
تعرف عليهم أثناء رحلاته الكثيرة للهند لجلب العطور، ويتفق معهم سرًا على أن يزودوه بجميع المعلومات الممكنة عن نشاط الوكالة ضد
المعارضة وآرائها ومراسلاتها عنها. وبالإضافة إلى هذه المهمة الصعبة، ينشط (أبو الليل) مع قادة المعارضة في كل ما من شأنه تكتيل الأهالي
وزيادة وحدتهم في مواجهة رفض القوانين البريطانية. ومع تزايد مشاركته وارتياده للمجالس الشعبية ومجالس العلماء، وخاصة مجلس قاضي
البحرين المشهور (قاسم المهزع)، تزداد عروبة (أبو الليل) وانتماؤه لهذه الجزيرة الصاخبة التي راحت تملأ كل كيانه.
فخارج نشاطه السياسي يجد نفسه مسروراً عندما يأمره صديقه القاضي (المهزع) بأن يكون مسؤولاً عن استيراد الكتب الدينية والأدبية من مكتبات
القاهرة وبغداد ودمشق، لكي تسد حاجات مجلس الشيخ المهزع وغيرها من مجالس البحرين العلمية.
وفي وسط نشاط المعارضة الشعبية للإجراءات الإنجليزية، يواصل نشاطه عبر خلق وسائل وطرق جديدة تساهم في إنجاح المواجهة الشعبية.
وكانت أفضل هذه الطرق كما رأى (أبو الليل) هو مراسلة الصحف العربية والكتابة لها عن أوضاع البحرين ومعاناتها مع الحكم البريطاني.
وبالفعل، يبدأ (سيد جمال) الكتابة لبعض الصحف الوطنية المصرية مثل (الشورى) و(الأخبار) ففي إحدى مقالاته في جريدة (الأخبار) رقم 576
والصادرة في 12 يناير 1922، والتي يعتقد بأنه كاتبه، يقول المقال بالنص: (لم تر البحرين من سابق أيامها شدة مثل هذه الشدة التي تعانيها، ولم
تمر عليها محنة أعظم من هذه المحنة التي يخشى شرها، والتي ستجر من ورائها نتائج من شر النتائج. ونعني بها محنة النزاع القائم بين جناب
القنصل وبين الحكومة الشرعية للبلاد)، ويضيف المقال متحدثًا عن أوضاع البحرين: ( ولكن قنصل البحرين الحالي يعلن أنه هو الحكومة وأن رأيه
لا يرد، وأنه لا يصح أن يشتكى من أعماله مهما كثرت أغلاطه وتضاعفت سيئاته، وأن الناس يجب أن يكونوا طوع أمره لا راد لما يرد، ولا نظن
أن هذا مما يرضي الحكومة الإنجليزية أو يطابق تقاليدها مع العرب. وإني لا أريد أن أسترسل في الكتابة؛ فإن إيراد بعض الحوادث التي يأتيها في
هذه البلاد كافية لحكم القراء وللفت نظر أهل السياسة الذين يهمهم النظر في شؤون العرب.)
ولقد ساهمت كتابات (أبو الليل) وغيره من الوطنيين في التعريف بقضايا البحرين أمام الرأي العام العربي. إضافة إلى مساهمتها في ازدياد الغضب
البريطاني وتناميه ضد المعارضة.
Page 9
وبجانب الكتابة في الصحف، ينشط (سيد جمال) مع مجموعة شيوخ ومثقفي البحرين في مقاومة التبشير الذي كان يقوده المبشر الأمريكي المشهور
(صموئيل زويمر.)
وإضافة إلى فعاليات أخرى، راح يقوم بها مثل امتداد مساعدته لليمنيين إلى جميع العرب الباحثين عن الرزق في البحرين، وجد أن أفضل وسيلة
للمحافظة على استمرار دكان العطور الصغير وأمام انشغاله الكثير، هو إحضار (سيد جنيد عالم) الهندي المتخصص في العطور لإدارة الدكان،
ومع بدايات العشرينات يحضر (سيد جنيد) وينعش الدكان مرة أخرى.
وعلى جانب المناخ الوطني الملتهب، يتزايد نشاط المعارضة وتكثر عرائضها واحتاجاتها، وبالمقابل يتنامى نشاط الوكالة السياسية البريطانية في
مواجهة المعارضة.
ومع وصول المواجهة البريطانية إلى منتصف العشرينات، ينهي البريطانيون الجولة لصالحهم، وذلك بنفي زعماء المعارضة الشعبية كالشيخ
الزياني و(لاحج) وغيرهم، إضافة إلى بعض الإجراءات الأخرى التي راح يطبقها الوكيل السياسي الاستعماري الجديد الميجور (ديلي)، ويتمكن
البريطانيون بهذه الإجراءات من إيقاع هزيمة قاسية بالمعارضة الوطنية.
وبعد هزيمة المعارضة يجد (سيد جمال) والوطنيون القليلون المتبقون من تشرذم المعارضة في البحرين أنفسهم أمام أوضاع صعبة جدًا لا توحي
بالتفاؤل على الإطلاق.
لكنه وبرغم هذا المناخ الصعب، راح يواصل نشاطه المعادي للسلطات البريطانية. فيستمر في الكتابة عن أوضاع البحرين إلى الجريدة المصرية
الوطنية (الشورى)، ويرسل إلى الجريدة نفسها الكثير من أخبار البحرين الصاخبة آنذاك.
لكن استمرار نشاطه المعادي للإنجليز يجعل من مسألة السكوت على ما يقوم به وخاصة بالنسبة للطاغية (ديلي) أمرًا صعبًا.
ولذلك يسجن (ديلي) في نهاية العشرينات (أبو الليل) حوالي ثلاثة أشهر كاملة عقابًا على نشاطاته المعادية!
وبعد انتهاء محنة السجن يخرج (سيد جمال) إلى الدنيا ويصدم بخسارته التجارية، وعندها لا يجد بديلاً غير بيع الدكان لـ(سيد جنيد) الذي أحضره
من الهند.
وبالرغم من استمرار محنته، إلا أن هذا العروبي الذي عشق البحرين بهدوئها وصخبها، راح يحاول مواصلة حياته السابقة برغم كل شيء!
فحتى بداية الثلاثينيات، واصل نشاط الكتابة للصحيفة نفسها وبالأسماء المستعارة ذاتها التي كان يستخدمها من قبل، مثل (ناصح) و(عربي)
وغيرها، كما يجد في افتتاح (المنتدى الإسلامي) في المنامة فرصة لتثقيف نفسه والالتقاء بمثقفي البحرين الذين شاركهم في كل محنهم.
وعندما يجد (أبو الليل) نفسه في منتصف الثلاثينات شيخاً طاعناً في السن يتجاوز الثمانين، ولا يملك سوى عمامته البيضاء التي اشتهر بها منذ
قدومه إلى البحرين، و(زبونه) الرصاصي الذي لا يمتلك غيره، يودع البحرين لآخر مرة ويموت في هذا البلد الطيب الذي أحبه وأعطاه كل عمره،
رغم حنينه لرؤية مدينته (الحديدة)!.