Page 1
تنويه
أختي القارئة..
أخي القارئ..
إن كانت هذه الرواية في بعدها العام تمثل واقعاً معيشاً، فإنها بالتأكيد لا تتقصّد الإساءة لأي شخص، تتشابه ظروفه أو أحداث حياته أو موقع عمله ـ أياً كان ـ مع أحداث الرواية أو ظروفها أو مكانها أو زمانها.. فأي تشابه في الأسماء أو الأحداث، أو المكان، أو الزمان غير مقصود تماماً.. لذا اقتضى التنويه.
Page 2
الفصل الأول
"هل الورق مطفأة للذاكرة؟ لا أدري فقبلك لم أكتب شيئا يستحق الذكر.. معك فقط سأبدأ الكتابة".. تذكرت كلمات كتبتها أحلام مستغانمي في مستهل روايتها (ذاكرة الجسد) وأنا أقلب ألبوم صور للعائلة في مواقع ومناسبات متعددة.
اليوم مختلف عن باقي أيام السنة، اليوم هو الرابع من حزيران قد لا يعني شيئا للكثيرين، لكنه لي يعني كل شيء، اليوم ذكرى الفجيعة الأولى والألم الأول الذي قادني من ألم إلى آخر.. حتى يومي هذا.
اليوم ليس ككل الأيام إنه ذكرى وفاة (مريم).. والدتي التي تركت مساحة كبيرة من حياتي قبل أن تملأها.. تركتني مثل مربع للكلمات المتقاطعة ملأت جزءًا منه، وتركت الباقي للزمن يلهو به كيفما اتفق.
تركتني مثل لوحة زيتية لم تكتمل، ولم يعمل الفنان ريشته سوى في بعض مناطق وشحها بالسواد، وتركها على حالها، ليخط الزمن خطوطه فوقها بعناية، مثل لوحة بلا توقيع، مثل فنان لا يحمل هوية، ليس له رقم وطني ولا قومي ولا يعرف من أين انحدر.. مثل لا شيء.
من أين أبدأ القصة وكيف لها أن تبدأ؟.. كيف تكتب البدايات؟ كيف لنا أن نحددها ونحن لا نعي ما هي النهايات؟.. لو كنت أعلم بموتها قبل ذلك بأيام، لو كنت أعلم أن الموت القادم إلينا عبر سيجارة قال لها الطبيب لا تواصلي تدخينها.. لو أنني أعلم أن السيجارة التي كانت تشعلها كل يوم كانت سببا كافيا لقتلها.. لو لو لو.
Page 3
ألبوم الصور العائلي الذي يجمع الجدة ومريم وفلاح وطفل أبن خمس سنوات فرد أصابعه على اتساعها ليكتشف روعة اللحظة في صورة التقطها مصور مغمور في استوديو بائس على الشارع الرئيسي في صويلح، كان سبب هذه الصور هو استخراج البطاقات الصحية للعائلة، فالفقراء مثل وزراء الخارجية، لا يلتقطون الصور إلا بشكل رسمي أو لمعاملة رسمية، ألبوم الصور المتواضع هذا كان كل ما تبقى من زمن غادرت به الجدة، ثم الأم، ثم كل شيء.
من منا يعرف أن الصور التي يتم التقاطها هنا أو هناك ما هي إلا وسيلة مبتكرة للعذاب.. عذاب بدأ ولم ينته.. عذاب أحال مبكرا لون الشعر الأسود الداكن إلى أبيض.
قالت لي ذات يوم.. (يا يمه خلي السياسة لأصحاب السياسة.. ليس لي غيرك.. الله يهديك).. هززت رأسي حينها.. لم يكن لدي إجابة.
يومها لم يعجبها كلامي.. رفعت الغطاء إلى وجهها واستدارت إلى الجدار وهي تسبح بسبحتها ذات التسع والتسعين حبه.. ثم غفت ونامت وارتفع شخيرها مثل سمفونية بتهوفن.. آه ما أجمل شخيرها.. آه ما أجمل صوتها.. ما أجملها أمّاً وامرأة.. لكننا لا نعي – للأسف – جمال الأشياء إلا بعد أن نفقدها.
لم نعرف جمال فلسطين إلا بعد أن سلمناها طواعية لليهود.. لا نعرف جمال معشوقتنا إلا بعد أن نراها في يد رجل آخر.. هكذا نحن العرب نصل في كل مرة متأخرين.. ونعرف أننا وصلنا متأخرين.. وفي المرة الأخرى نصل متأخرين أيضا.. وهكذا.
كلمات العجوز التي تأبى الخروج من أذني وصورة أبي وهو يبكي بعين واحدة.. كان يتساءل: (كيف سلم العرب فلسطين لليهود.. إنها جنة الجنان.. ) لكنه لا يكمل وهو يتحسس عينه اليمنى التي خسرها في معركة كان يراهن أنها معركة البطولة والتحرير.. هناك في باب الواد عام 48 ترك أعز ما يملك الإنسان من جسده.. عينه اليمنى التي أصابتها شظية من قنبلة يهودية أصابت القاطع الذي كان عليه في وقت كانت الأوامر تأتي (لا ترم.. لا تطلق النار.. ما فيه أوامر).
Page 4
كانت شحنة الوطن التي تجري في عروقه لا تحتمل وهو يرى مجموعة من ثلاثة جنود صهاينة يجتازون الحدود باتجاه خندقهم ما حدا به إلى تصويب بندقيته باتجاههم فقتل واحداً، وأصاب الأخر في قدمه قبل أن تنطلق باتجاههم قنبلة يدوية قتلت رفيقه في السلاح ساري، وأخذت منه عينه وتركته ينزف في أرض معركة لم تكن معركة.. في خندق لم يكن خندقا.. وفي أرض لم تكن أرضا.
روى لي هذه الحادثة ذات مساء.. وأطلق سيلا من الشتائم على العرب.. ثم رواها لي مرات عدة.. كان لا ينسى شيئا.. أدق أدق التفاصيل كان لا ينساها.. حفر الخندق في الظلام بعد منتصف الليل.. التمويه.. وحفر خندق آخر.. تمويه الدبابة وناقلة الجنود.. البطارية ونفاذ الذخيرة.. وأخيرا البندقية التي ظل محتفظا برقمها حتى اليوم.. كيف لا وهي التي شفت غليله برصاصها فأصاب الصهاينة في مقتل.
قال لي ذات ليلة من ليالي البرد القارص وهو يلتحف فروته البنية الداكنة: لو كنت أعلم بنزولهم إلى بطن البستان لتسللت إليهم وقتلتهم واحداً تلو الآخر.. لكن ما في نصيب.
طلب مني - وهو يراقب نشرة الأخبار ذات مساء -أن أغلق جهاز التلفاز ثم تساءل بغضب: سلام!! أي سلام؟! عن أي سلام يتحدثون؟! ثم بصق على الشاشة من بعيد.
(اصح يا ميمه.. انتصف النهار.. ألا تريد أن تذهب إلى الدوام) قالت لي مريم وهي تهزني من الكتف.. ترى أي هزة أصابتني، أنا أتلقى نبأ وفاتها من الطبيب.. أي مقياس لرختر أو لغيره سيقيس مساحة الألم الذي اشتعل في أحشائي.. أي بؤس يأكل جسدي وأنا أرقب الجسد الذي حملني في أحشائه تسعة أشهر يحمل على الأكتاف ليوارى التراب.. أي تراب مقدس هذا الذي يحوي جسد مريم.
كان لمصنع الزيوت الذي عملت به في سحاب بعد تخرجي من الجامعة، موقعٌ خاصٌ في قلبي، ليس لأنه منحني أول راتب أقبضه في حياتي، بل لأنّه ساهم في نقل تجربتي في الحياة، من طالب إلى عامل يقوم بعدة أعمال في وقت واحد.. يعبئ السمنة.. يجر العربة كحمار.. يجمع (الطبليات الخشبية).. يذعن لأوامر أبو أحمد رئيس (الشفت).. ويمسك بالقشاطه ليمسح بها أرض المصنع قُبيل انتهاء الدوام.
Page 5
تجربة فريدة وجديدة.. نعم.. أعترف أنها مؤلمة، لكنها وضعتني على الدرجة الأولى لسلم الحقيقة.. وولّدت في داخلي ألف سؤال وسؤال.. لا أجد لها إجابة حتى يومي هذا.. كنت أتساءل كل صباح: ماذا يفعل خريج صحافة من جامعة اليرموك في مصنع للزيوت النباتية؟
سامحيني يا مريم.. حين كذبت عليكِ وقلت لك إنني كنت موظفاً للعلاقات العامة في المصنع.. لكنني أجزم أنك كنت تعلمين أن الزيوت التي تتمرغ بها ملابسي، ما كانت لتأتي لو كان عملي مكتبيا.. كنت تدركين أن ابنك الذي حضرت حفلة تخرجه قبل أشهر ما هو إلا (عامل) في مصنع الزيوت.. كنت تدركين ذلك بغريزة الأم التي تعلم حجم الألم الذي يجتاح وليدها وهي التي لا تقوى على فضح الحقيقة مداراة لألمها من جهة، وحفاظا على شعور ابنها (الصحفي) من جهة أخرى.
رحلت دون أن أبوح لها بسر دفنته في أحشائي نيفا وثلاث سنوات.. كنت في كل مرة أريد بها البوح.. تشدني حبال الرغبة في عدم تحميلها ما لا تطيق إلى الخلف لأجد نفسي قد غيرت الموضوع.. وأنا أعلم أيضا أنها كانت لا تريد أنْ تسمع مني ألماً وشكوى.. مثل كلّ الأمهات.. يحتملن ألمهنّ مئات المرات على ألا يسمعن كلمة شكوى واحدة من أبنائهن.
كنت في كل مرة أريد بها البوح عن السر يجتاحني إحساس بقشعريرة، فأذوق مرارة الخديعة مرات ومرات.. أبتلع ريقي.. أتراجع تكتيكيا.. أنسحب من المشهد مثل ممثل فاشل.. فتشيح بوجهها عني.. ثم تكب على سجادتها تواصل دعاءها لي بالتوفيق (وبوقوف أبناء الحلال في طريقي).. ثم ترمي بجسدها على الفرشة الأرضية، وفي يدها سبحتها التسعينية، تعمل فيها ذهابا وإيابا حتى تنام.
كانت تصر عليّ لتناول وجبة الإفطار
- تناول فطورك يا ميمه.
- لست جائعا وليس من عادتي تناول الفطور.
Page 6
- لكن دوامك طويل.
- سأتناول وجبة الغداء بعد العودة إن شاء الله.
- الله ييسر أمرك ويوقف لك أولاد الحلال.
كنت على وشك أنْ أقول لها "ادعي لي للخلاص من مصنع الزيوت" غير أنه ألجمني ما ألجمني.. السبب نفسه الذي يطوق حياتي.. إيهام مريم بأنني بأحسن حال وأن أموري تمام التمام.
يوم عمل طويل ومرهق.. وتنبيهات العمل التي لا تنتهي.. وفي النهاية تعمل القشاطة عملها.. من الذي اخترع القشاطات.. ومن الذي جعل منها مادة دسمه للمصانع.. كم أكره القشاطات ومتعلقاتها.. نعم إنها سبب كاف للنظافة، غير أنّها سبب للحقد والحنق وخلاص الأكسجين من رئتي.. كلما أمسكت بالقشاطة وأطرقت رأسي لقشط الماء والصابون، ينتابني شعور بالاستفراغ.. بالبصق على نفسي وعلى شهادتي وعلى جامعة اليرموك.. بل وعلى الدنيا بأسرها.. متى ينتهي زمن القشاطات؟.. ومتى أتخلص من هذا الكابوس الذي لا ينتهي.
انتهى النهار كيفما اتفق.. مثل كل نهارات الفقراء البائسين، وفي المساء كنا على موعد لحضور حفل تأبين أحد الرفاق الذي توفي قبل أربعين يوما.. أناطوا بي عرافة الحفل.. فقرأت من كتاب لمشيل عفلق، وقررت أن أستعير بعض العبارات، لكنني وجدتها عبارات فارغة من مضمونها، كان الرفيق عفلق يقدم شهادته في أحد المناضلين، غير أن هذه الشهادة لا تنطبق بأي حال من الأحوال على رفيقنا، هل أستطيع أن أشيد بقدرته على لجم الأعداء.. أو قدراته الفكرية لرفد المنهاج الفكري للحزب.. كلا لا أستطيع أن أصنع منه بطلا وهو ذاته لو كان على قيد الحياة ما فعل ذلك.
قدمت أمين سر الفرقة بكلمات مقتضبة، وغمز رفيقي المقرب ناجح إليّ أثناء الحديث عن الفقيد، ومناقبه وصدقه وقدرته على جمع الرفاق من حوله، طبعا رفيقي كان يعلم أن مهمة (جمع الرفاق) كانت تتعلق بقدرة الرفيق على لعب (التركس)، هو الذي كان يجمعنا على قهوة أبو فهمي التي تقع على الشارع الرئيسي في صويلح.
Page 7
انتهى الحفل وتوجهنا إلى أبو فهمي مثل كل يوم خميس، تناولنا شايا ثقيلا وأرجيلة، ولعبنا الورق ثم غادرنا إلى بيوتنا.
لم أنم مساء ذلك اليوم.. لم يدخل النوم إلى جفني.. كنت أواصل التفكير فيما آلت إليه أحوالي.. لكن بابا جديدا فتح لي ما كنت أحلم به.. عندما أخبرني أمين سر الفرقة بتنسيب اسمي ضمن كادر تحرير صحيفة الحزب.. فرحت كثيرا وقلت في نفسي ربما تكون هذه هي بداية الطريق.
كان صراعي الداخلي بين القناعة بوضعي والطموح الذي أحاول الوصول إليه يحتاج قدرات تفوق قدرة ابن الثلاثة والعشرين.. كان الصراع يحتاج إلى ستيني ليفك هذه الشيفرة.. كنت سعيدا بمبلغ السبعة والستين دينارا التي أقبضها آخر كل الشهر.. لكنني كنت أحس بالعجز تجاه أب عجوز وأم رؤوم لا أستطيع أن أقدم لهما شيئا.. عجوز متقاعد يحتاج دواءً وغذاءً.. ووالدة لا حول لها ولا قوة.. تجهد طوال نهارها على مؤونة البيت.. البندورة والبيض كانا سيّدَي الموقف.. في وقت لم يعد للموقف موقف.
خرجت بعد منتصف الليل بقليل.. لا شيء في صويلح سوى نباح الكلاب وأزيز الصراصير.. وصوت لموتور سيارة مسرعة مرت للتو.. لا شيء سوى الظلام الذي يخترقه الضوء الأخضر لمئذنة مسجد صويلح الكبير.
جلست على (طوبة) في مقدمة البيت أنتظر لا شيء.. سرحت بخيالي.. وجدت تحت قدمي قصاصة لصحيفة يومية.. تناولتها قرأت الخبر الأوّل على الصحيفة.. (عمان – الرأي الآخر – كتبت مها الطرابيشي).. وفي النص مقابلة مع وزير التنمية الاجتماعية.
(مها الطرابيشي).. هذه أنت يا مها.. سرح بخياله إلى عمادة شؤون الطلبة، هناك كافتيريا أم قيس، كانت دائما تنظر في عيني، وأنا – كالعادة أشيح بهما جانبا – كانت جريئة حدّ الوقاحة، وكنت مؤدبا حدّ الهبل، دائما تؤكد لي أنّني لن أفوز بفاتن، وكنت أصرّ أنها لي في آخر المشوار.
Page 8
مها زميلة الدراسة.. كيف استطاعت أن تحصل على وظيفة في صحيفة الرأي الآخر.. لعله تشابه في الأسماء.. تقدمت باتجاه نور لمبة الطريق.. دققت في الصورة.. إنها هي.. يا للمفارقة العجيبة.. كانت تحصل على كل علاماتها مني.. كنت أقدم لها التحقيق أو التقرير لينزل باسمها في "صحافة اليرموك".. يا للمفارقة العجيبة.. كيف وصلت إلى الرأي دون عناء.. ودون المرور بمرحلة القشاطات.. ودون أن يتصبَّب جبينها عرقا على بلاط مصنع الزيوت.
قالوا لنا أن الطريق الطويل هو الطريق الأسلم.. هو الطريق الأقصر للسلامة.. ولكن من منا يراهن على التعب للوصول إلى الراحة إذا كانت الراحة مضمونة؟.. تذكرت كلمات للرفيق ميشيل عفلق يقول فيها أن طريق الوحدة العربية مليء بالأشواك.. وأن النضال وحده هو السبيل للوصول إلى الوحدة العربية المنشودة.. أي نضال يا رفيق.. أي وحدة عربية.. وأي وضع عربي تتحدث عنه.. حصص من المال والفساد بحجم الدول.. وزعماء أخرسهم سيدهم.. وأوطان تئن تحت وطأة الحديد والنار.. وأجهزة تعمل ليل نهار لمتابعة كل من يفتح فمه بقول كلمة الحق.. رحمك الله يا رفيق.. عن أي زمن تتحدث؟؟
قررت أن أتأكد من أنها عينت تماما في الجريدة.. أو أنها تعمل معهم بالقطعة.. أدرت رقم هاتف الرأي الآخر، ردَّ علي المقسم طلبت منه أن يحولني إلى (المندوبين) رد صوتها.. أعرف صوتها تماما.
- كيف حالك يا مها؟
- لا أصدق.. كيف حالك رضا.. أين أنت.. أين أنت؟!
أين أنا؟!! هل أكون شجاعا لأقول لها (سايق قشاطة).. هل أكون شجاعا لأقول لها عامل في مصنع الزيوت النباتية في سحاب.. قلت:
- تقدمت بأوراقي لدراسة الماجستير.
- مبرووووك.. أنت طموح يا رضا.. بينما أنا أرضى بواقعي مندوبة صحفية على الهامش..
Page 9
قالت ذلك ثم صمتت.. قلت لها: مبروك التعيين.
- بارك الله بك.. ولكن لماذا لا تعمل بالصحافة أثناء دراستك.. هذا لا يحد من طموحك.
- أفضّل أن أتفرغ للدراسة.
- رضا.. أرغب برؤيتك الآن.. أشتاق إليك.. رضا بحثت عنك طيلة الأشهر الماضية.
- ليس لدي وقت سأحاول.
- أما زلت تحاول.. ثم أحهشت بالبكاء.
انتابني شعور بالقهر.. كرهت نفسي، وأنا أنهي مكالمتي من الهاتف العمومي.. انتابني شعور مؤجل بالبكاء.. لديَّ قدرة فائقة على تأجيل البكاء لآخر الليل، حيث تنام مريم ويخلد العجوز المتقاعد إلى النوم.
بكيت في تلك الليلة كما لم أبك من قبل.. بللت وسادتي فقلبتها على الجهة الأخرى.. رفعت صوتي بالبكاء.. احمرّت عيناي وأنا أستجدي الدموع تلو الدموع.. حياتي كلها دموع في دموع.. حزن في حزن مأساة تجرني إلى مأساة.
نمت ليلتي بانتظار غد جديد.. منّيت نفسي بمحرر في صحيفة الحزب.. قدمت سؤالاً لقيادة الفرقة بعد أن مرّت أيام على تبليغي بالترشيح من قبل قيادة الشعبة..، أخيرا جاء الفرج.
أبلغني الرفيق المسؤول أن بإمكاني مراجعة مقر الحزب الرئيسي، لمقابلة عضو القيادة العليا في الحزب والمشرف على إصدار الصحيفة.
في المبنى الفخم المكندش الذي يجتمعُ فيه الرفاق كان موعدي مع عضو القيادة العليا.. لم أصل إلى المقر بسهولة.. سألت العامل المصري عن الرفيق قال بأنه لم يأت بعد.. ثم أردف أنه لا يصحو من النوم قبل الثانية عشرة.
Page 10
تذكرت كلمات للرفيق ميشيل عفلق قال فيها ما معناه أن النضال الحقيقي هو النضال الأكثر صعوبة أما النضال السهل فإنه لا ينطوي على متعة كبيرة.
في المقر وجدت نفسي غريبا.. سيجار فخم في أفواه رفاق، يرتدون بدلات وربطات عنق وروائح عطور كنت أراها على واجهة محلات الجاردنز.. سيارات فارهة إلى أبعد حد.. ملابس مرتفعة الثمن.. إنه نضال خمس نجوم.. نضال الأبراج العاجية.. نضال مخملي ولا أروع.
ذهبت للتسكع لا أدري إلى أين حتى قادتني قدماي إلى الرأي.. هناك وعلى باب الصحيفة رأيتها.. بشكل مباغت.. وجدتها وجها لوجه تهم بالخروج من الصحيفة برفقتها مصور.
اللعنة لم أرتب نفسي للحديث معها.. ماذا سأقول لها عن قدومي المفاجئ إلى الجريدة.. كيف سأتدبر أمري بكذبة تداري خجلي وارتباكي وفجيعتي في آن معا.. يا الله كيف نضع أنفسنا في خانة أضيق ما تكون مما لو فكرنا في تضييقها.. نحن لا نختار أقدارنا لكننا نوشك أن نقدر اختياراتنا لو أردنا.. من منا يعرف كيف يسير أو إلى أين يسير وإلى متى يسير؟.. من منا يعرف أن حياته بدأت قبل أن تنتهي؟.. ومن منا يستطيع أن يضع حدا لهواجس تداهم الذاكرة كلما مر بنا خاطر نحاول محوه من سي دي الذاكر؟
تلعثمت قبل أن ألقي تحية الصباح.. ثم وقفت بلا حراك.. أتأمل لحظات من ذكرى اليرموك.. حيث صحافتها.. حيث الطابق الثالث في كلية الآداب.. وحيث دكاترة القسم ووليد العمري.
لا أدري كم من الوقت مر وأنا أحدق في مها التي وقفت تسألني عن أحوالي.. " بعد أن سبقها المصور بأدب.. حدقت في عيني كعادتها، كانت تستجدي مني كلمة تريحها.. أنا أفهمها جيدا.. أعرف مراميها.. أعرف كلماتها.. أعرف حركات عينيها.. أعرفها جديا.. بعد برهة قالت: "شو أخبار الماجستير".