Page 1
تقديم
···يضعون أمامهم طعامهم وجلّه من الفلفل الأحمر ويجلسون القرفصاء حول هذه المائدة ويضعون عليهم العباءة أو الرداء الكبير المسمى (شحماً) حتى لا يراهم أحد، ويأكلون بكل سكون وهدوء من غير أن يسمع لهم صوت مستترين تحت هذا الغطاء، ولو لم أرهم بعيني وهم يستعدون للطعام لما كنت علمت أنهم يتناولون طعامهم، وكيف يتسنى لي أن أعلم ذلك وليس أمامي سوى غطاء كبير تحته أشباح تتحرك كأنهم حواة يقومون ببعض الألعاب الغريبة، ولما سألت عن سبب ذلك قيل لي أن الأحباش يأكلون طعامهم تحت ستار حتى لا تراهم عين فيصيبهم مصيبة من جراء ذلك، وكنت أرى الخادم عندما يقدم لي شيئاً مثل القهوة أو الماء أو الطعام يخفيها تحت ذيله حتى لا يراها أحد كأنه مال مسروق وعندما أتناولها ينشر رداءه أمامي منعاً لرؤية الغير·
من متن الرحلة، صفحة 18
إذا أصيب أحد أهالي هذه البلاد بمرض يرجع على عناية الرجل الأبيض، لأن الأبيض في نظرهم طبيب وجراح ومقتدر على كل شيء، ومع ذلك كله فإنهم يكرهون لونه وإذا غضبوا عليه يسبونه قائلين (تاج اولاج) أي المملوك الأبيض، وبالجملة إن لون الأبيض مكروه جداً، خصوصاً عند السود أهالي أواسط أفريقيا لعدم إلفة أبصارهم هذا اللون فيظن البعض منهم أن الإنسان الأبيض إنما ابيضّ لأنه ولد من غير أوانه، أي قبل أن ينضج في بطن أمه، والبعض منهم يذهب إلى أن البياض في الرجل الأبيض ليس هو إلا نتيجة مرض أصابه فغير لونه الأسود الطبيعي!
من متن الرحلة، صفحة 88
Page 2
اسْتهلال
تَهْدُفُ هذه السِّلسلةُ بَعْثَ واحدٍ من أعرقِ ألوانِ الكتابةِ في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيَّاتِ أدبِ الرِّحلةِ، إلى جانب الكشف عن نصوصٍ مجهولةٍ لكتاب ورحَّالة عربٍ ومسلمينَ جابوا العالم ودوّنوا يوميَّاتهم وانطباعاتهم، ونقلوا صوراً لما شاهدوه وخَبِروهُ في أقاليمه، قريبةً وبعيدةً، لاسيما في القَرنين الماضِيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النُّخب العربية المثقفة، ومحاولة التعرّف على المجتمعات والنَّاس في الغرب، والواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرةِ الاستشراق والمستشرقين الذين ملؤوا دروبَ الشَّرقِ، ورسموا له صوراً ستملأ مجلدات لا تُحصى عدداً، خصوصاً في اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم والعلم، ومن منطلق المستأثر بالأشياء، والمتهيِّئ لترويج صور عنشرق ألف ليلة وليلة تغذّي أذهان الغربيين ومخيّلاتهم، وتُمهِّدُ الرأي العام، تالياً، للغزو الفكري والعسكري لهذا الشرق· ولعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية والفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذجُ الأتمُّ لذلك· فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري والفكري·
على أن الظَّاهرة الغربية في قراءة الآخر وتأويله، كانت دافعاً ومحرضاً بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربيَّة لمجتمعاتها جديدة عليها، وهو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافعَ والأسبابَ لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثاً واستكشافاً، وتعود ومعها ما تنقله وتعرضه وتقوله في حضارته ونمط عيشه وأوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناسِ، ولينبعث في المجتمعات العربية، وللمرة الأولى، صراع فكري حاد تُسْتَقْطَبُ إليه القوى الحيَّةُ في المجتمع بين مؤيد للغرب موالٍ له ومتحمِّسٍ لأفكاره وصياغاته، وبين معادٍ للغرب، رافض له، ومستعدّ لمقاتلته·
وإذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق والشرقيين، عَبْرَ رسمِ صورٍ دنيا لهم، بواسطة مخيِّلةٍ جائعةٍ إلى السِّحري والأيروسيِّ والعجائبيِّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب والعالم، كما سيتَّضِحُ من خلال نصوص هذه السلسة، ركّز، أساساً، على تتبع ملامح النهضة العلميَّة والصناعيَّة، وتطوّر العمران، ومظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش والبناء والاجتماع والحقوق· لقد انصرف الرَّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالباً، بشغف البحث عن الجديد، وبالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، وإنما، أساساً، من بابِ طَلَبِ العلم، واستلهام التجارب، ومحاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، واقتفاء أثر الآخر للخروج من حالةِ الشَّلل الحضاريِّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها· هنا، على هذا المنقلب، نجُد أحد المصادر الأساسية المؤسِّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب وحضارته، وهي نظرة المتطلِّع إلى المدنيَّة وحداثتها من موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسِّر على ماضيه التليد، والتّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية·
إن أحد أهداف هذه السِّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكَّل عن طريق الرحلة، والأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرَّحالة، والانتباهات التي ميَّزت نظرتهم إلى الدول والناس والأفكار· فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكِّل ثروةً معرفيَّةً كبيرةً، ومخزناً للقصص والظواهر والأفكار، فضلاً عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف والغريب والمُدهش مما التقطته عيون تتجوّل وأنفسٌ تنفعل بما ترى، ووعي يلمُّ بالأشياء ويحلِّلها ويراقب الظواهرَ ويتفكَّرُ بها·
أخيراً، لابد من الإشارة إلى أن هذه السِّلسة التي قد تبلغُ المائة كتابٍ من شأنها أن تؤسس، وللمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريَّة تكشف عن همّة العربيِّ في ارتيادِ الآفاقِ، واستعداده للمغامرة من بابِ نَيل المعرفةِ مقرونةً بالمُتعةِ، وهي إلى هذا وذاك تغطي المعمور في أربعِ جهات الأرض وفي قارّاته الخمس، وتجمع إلى نشدان معرفة الآخر وعالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب والمسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء والمفكرون والمتصوفة والحجاج والعلماء، وغيرهم من الرَّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية والإسلامية·
محمد أحمد خليفة السويدي
Page 3
I
تُصَنَّف هذه الرحلة في عِداد الرحلات الدبلوماسية، فقد قام مؤلفها صادق باشا المؤيد العظم برحلته إلى الحبشة في ربيع وصيف سنة 6 9 8 1 موفداً من قبل السلطان عبد الحميد، ومعه رسالة إلى النجاشي منليك الثاني إمبراطور الحبشة، الذي استقبله في بلاده بحفاوة تليق بشخصية كبيرة· فالكاتب كان قائداً عسكرياً كبيراً في الجيش العثماني (فريق أول)، ومندوب الدولة العلية في بلغاريا، اضطلع بمهمات عديدة على الأصعدة العسكرية والدبلوماسية، منها الإشراف على مدّ الأسلاك البرقية من دمشق إلى الحجاز، وهو سوري ينتمي إلى أحد أعرق البيوت الدمشقية، ولد ونشأ في دمشق وتلقى دروسه الأولى في مدارسها، وانتقل إلى مدارس بيروت، أما علومه العالية فتابعها في الآستانة وبرلين وتخرج من كلّياتها الحربية، وقام بزيارات عديدة إلى أوروبا· وهذا الكتاب هو تدوين لوقائع سِفارته المشار إليها· وللعظم إلى جانبرحلة الحبشة كتابٌ آخر في الرحلة تحت عنوانالرحلة إلى صحراء أفريقيا الكبرى أشار إليه في غير مكان من هذا الكتاب· قضى أيامه الأخيرة في دمشق، وتوفي ودفن فيها سنة 1 1 9 1·
Page 4
II
بدأ صادق باشا رحلته في 51 إبريل/نيسان سنة 6 9 8 1، منطلقاً من ميناء اسطنبول على ظهر باخرة فرنسية متجهة إلى مرسيليا، ورجع إلى الآستانة على ظهر باخرة روسية يوم 61 يوليو/تموز من العام نفسه، وبذلك تكون رحلته إلى الحبشة استمرت ثلاثة أشهر· وبين هذين التاريخين ووسيلتي النقل، حملته بارجة حربية فرنسية، من بور سعيد إلى سواحل جيبوتي وسفن أخرى استقلها الكاتب قبل ذلك من موانئ في اليونان وإيطاليا ومصر، وقطارات بين دريدوه وهراري، والإسماعيلية والإسكندرية، وعشرات البغال المدرّبة على صعود الجبال الوعرة واختراق الغابات والأدغال الكثيفة، وعبور الأنهار الجارفة في المناطق الإفريقية وصولاً إلى أديس أبابا، وفي طريق العودة منها·
بتوصية من السفير الفرنسي في الآستانة المسيو كونستان استقل العظم (وبصحبته بقية أعضاء الوفد المؤلف من البكباشي طالب بك، الجاويش ياسين أفندي، إبراهيم بكر أفندي، شوكت أفندي) بارجة حربية فرنسية تدعىلا فودر أي الصاعقة التي توقفت في بور سعيد في طريقها إلى الهند الصينية، وغادرها بعد ذلك في جيبوتي، وقد احتفى قائد البارجة به وبمرافقيه في الرحلة بصورة رسمية، وودعه عندما غادر البارجة بطلقات من مدفعيتها، وكان طوال أيام رحلته يرتدي الزيَّ العسكريَّ الأبيض·
Page 5
III
دوَّن الكاتبُ وقائع رحلته وما حفلت به من أحداث ومشاهدات يوماً بيوم، وبالتالي فهي تشبه في ترتيبها المذكرات اليومية، ولم يهمل الكاتب يوماً ولم يدوّن فيه ما شاهده وسمعه وقرأه ووقَعَ له، حتى ليخيل إلينا أن الكاتب لا هم له أكبر من تدوين الرحلة· والواقع أن صادق باشا العظم يفصح هنا عن كاتب رحلة محترف، ورحلته هذه تضعه في مصاف كبار كتابها العرب والأجانب، لما يتميّز به من دقَّة في التعبير، وأمانة في النقل، ورهافة في وصف المشاهد، وذكاء في قراءة الظواهر، وبساطة في اللغة، وطلاوة في العبارة، وطرافة في التعليق· فهو يذكر بعناية كبيرة الأمكنة، ومحطات التوقف، ودرجات الحرارة والمواقيت، كأن يقول مثلاً: وفي الساعة السادسة وخمس دقائق إفرنجية مررنا بجزيرة كابري قادمين من نابولي؛ أو: نحن الآن على ارتفاع 0 0 5 1 قدم عن سطح البحر، إلى جانب التقاطاته اللمَّاحة في أمور ومسائل شتى تتصل بالناس والسلوك والعلاقة مع البيئة· وفي كل مكان يحلُّ رحالتنا فيه، تراه يدون مشاهداته وانطباعاته على مستويين أساسيين: أولاً: يوميات البعثة من حل وترحال، واستكشاف للطرق بين المدن والحصون والمواقع، والوقائع اليومية للمسافرين، وما يواجههم من متاعب ومشاق ونجاح وإخفاق ومفارقات خلال السفر·
وثانياً: نقل الصور والمشاهدات والظواهر على خلفية متصلة من حوادث الطبيعة، واختلاف الجو، وتبدل المناظر التي لا تتوقف عن مدّ الرحلة بعالم من الجمال الطبيعي، يسوده اختلاف الطقس بين وادٍ وجبل، وبين ساحل وقفرٍ، وتفاوت المناخ· وهو إلى هذا وذاك يرسم ملامح وصفية للناس تكاد تكون قطعاً أدبية ملهمة، ويورد أخباراً تتعلق بالمكان وحاضره وماضيه استقاها من السكان وتعليقاتهم، كاشفاً عن قدرة كبيرة على شبك خيوط السرد بالوصف والمقارنة، والاسترجاع والتسجيل والتحليل بكثير من الدقّة والسلاسة، تاركاً لنا أن نتتبع ساعة بساعة ويوماً بيوم مسير قافلته في عالم لم نألفه، ولا قبل لنا به· ومن أول ورقةٍ في الرحلة إلى ختامها، يبدو العظم لنا مشاهداً يتأمل وينصت ويدون بسرعة بديهة، وخبرة في الكتابة لافتة، لا يضير صاحبها أن يكشف عن جهله بأمر، مادام في دور المستكشف، أو أن يسخر من خرافة أو مفارقة مادام في وضع من يحتكم إلى العقل· وهو يفعل ذلك بلغة أنيقة مقتصدة وجذابة·
وتكشف تعليقاته عن نفس ذات نزعة إنسانية لا يتناهى إليها تعصب لجنس أو دين أو ثقافة، فنراه لا يكتفي بأن تلفت انتباهه الظواهر والمواقف والحالات الغريبة المفاجئة، بل وحتى الأشياء البسيطة والجميلة المؤثرة· فالمرأة تحت المظلة تتخذ لها في سطوره حضوراً شاعرياً، والأزهار الغريبة تبلغ عينه المتجولة باندهاش، كأن يقول: ورأيت وقت إذٍ نوعاً من القرنفل المطبَّق لم تر عيني مثله قط! والحق أن العظم يتصرف كعاشق مولع بالنبات· ولا نكتفي بأن نشير إلى براعته في حياكة النسيج الذي يؤلف الرحلة، بل نشير أيضاً إلى لطف الاستطراد لديه، وخفة الانتقال من موضوع إلى آخر، ومن إيراد حادثة إلى سرد أخرى، من دون حشوٍ ولا إملال· وتكشف هذه الرحلة عن مستوى رفيع من ثقافة صاحبها، فهو لا يهمل، مثلاً، أن يعقد الصلة بين المكان والأدب، ففي طريقه إلى مرسيليا يمر بجزيرة مونت كريستو، إذ ذاك نراه يشير إلى أن الكسندر دوماس اتخذها موضوعاً لإحدى قصصه الشهيرة· وهو أحياناً قليلة نراه يخبر عن نفسه، إنما بموضوعية وتواضع في مناسبة تتعلق بحدث أو مكان، أو تجربة تستدعي خبرة سابقة·
وفي ما يتعلق بالآراء والأفكار التي يفصح عنها صاحب الرحلة، فنحن قلما وجدناه يتناول موضوعه من خارجٍ، أو يستعمل ما يعرض له ليؤكد فكرة مسبقة، أو يروج لموقف· فهو إذ يثني على مهارة البحارة العرب في الشدائد والملمات وتفضيل الأوروبيين لهم على غيرهم من البحارة، فلكونه رآهم يتصرفون بسرعة بديهة وذكاء فطري وخبرة مديدة، وهو ما يفسر اعتمادهم من قبل البحرية المتصلة بشواطئ الرحلة· وإذ يمتدح مسلكاً في شخص أو جماعة، فلكونه يرى في ذلك إنصافاً· وعندما يمتدح مسلك القناصل الأوروبيين الذين استضافوه على طول خط الرحلة، فلأنه يرى في هذا مسلكاً تقتضيه اللباقة الدبلوماسية، بصرف النظر عن موقفه الرسمي من الصراع بين الآستانة وأوروبا·
وربما بسبب من دبلوماسية الرجل لم نلاحظ في خطابه أي إفصاح عن موقف خاص من الظاهرة الاستعمارية الغربية في أفريقيا، على رغم أن الرحالة يورد معلومات جمة عن أوضاع الإنجليز والفرنسيين والطليان وتحركاتهم في المنطقة يوم ذاك، في ظل الصراعات على النفوذ والثروات، التي كانت دائرة ما بين القوى المذكورة من جهة، وبينها مجتمعة وبين السلطنة العثمانية·
Page 6
IV
يذكر العظم أنه استقى الكثير من المعلومات عن حاضر البلاد وتاريخها وتاريخ الدول والممالك، والحروب الداخلية، والحروب مع الطليان، والأوضاع التجارية، وغيرها، من خلال أشخاص من أبناء الجالية العثمانية من سوريين ومصريين وأرمن وغيرهم، ممن التقاهم هناك أثناء رحلته، سواء في جيبوتي أو في الحبشة نفسها، كنعمان الخوري، سفير فرنسا في الحبشة، الذي زامله في المدرسة في أول نشأته، وانقطع عنه منذ أيام الصبا· ومن بين هؤلاء، أيضاً، يذكر العظم أخوين سوريين من قرية بيت شباب في لبنان هما اسكندر وبشارة غالب، وكانا في مطلع الثلاثينات من العمر ويشتغلان في التجارة· ويصفهما بأنهما على جانب كبير من الشهرة في البلاد· وقد وضعا نفسيهما في خدمة الوفد السلطاني الذي يرأسه العظم وقدما للأخيرمعلومات مفيدة عن أحوال البلاد وتجارتها وسياستها·
وفي هذا السياق لا يهمل الرحالة إيراد معلومات مستفيضة عن الأمكنة العامرة بالحركة والنشاط التجاريين، وأطوارها وميزاتها وإمكاناتها وطرق الوصول إليها، كجيبوتي، مرغباً التجار العثمانيين في الوصول إلى هذه الأمكنة من باب توسيع تجارة السلطنة·
ونراه يورد معلومات مفيدة عن النشاط التجاري عبر البحار على خطوط التجارة القديمة والحديثة، وأبرز القوى البحرية كالروس والإنكليز والفرنسيين والإيطاليين والهولنديين والهنود والعثمانيين والإيرانيين وغيرهم· ويعدد أنواع البضائع التي تمر بميناء جيبوتي، وتلك التي تدخل الحبشة قادمة من أميركا وإنكلترا والبلاد العربية، كأنواع الأقمشة القطنية والحريرية والأجواخ، والآلات والأدوات الحديدية، والبسط العجمية والأوروبية، وأنواع الأسلحة النارية، ومصنوعات الفضة والنحاس، والطنافس التركية، وعطر الورد والبن والملح وأنواع الحبوب، والحصر، وهذه البضائع ترد بواسطة السفن وكلها تعمل تحت العلم العثماني·
أما البضائع التي ترد من الحبشة عن طريق مضيق هرمز فأبرزها، كما يذكر العظم، البن والعاج والذهب الأصفر والشمع العسلي والماشية كالعجول والغنم والماعز وغيرها، وجلود الحيوانات الوحشية، وينشط هناك من الرعايا العثمانيين السوريون واليمنيون والحجازيون والأرمن·
Page 7
V
لم يهمل الرحالة خلال وقوفه على الأمكنة تفصيلاً يستلفت انتباهه، مهما كان صغيراً، إلا وتشاكل معه· فهو يصف كل ما راح يقع تحت نظره من بشر أو حيوان أو جماد، مستعرضاً ميزاته، ومعملاً المقارنة بينه وبين نظيره في أمكنة أخرى خبرها·
من هنا فإن وصفه يمكن أن يشكل وثيقة بالغة الأهمية لما كانت عليه الحال في الحبشة خلال نهاية القرن التاسع عشر· وهكذا تحضر المدن والجبال والقرى والغابات والأنهار بطبيعتها وحيوانها وعمرانها وناسها، والعادات والتقاليد والأزياء، ومظاهر السلوك العام والخاص، والطقوس والعادات الاجتماعية، فلا يترك العظم شاردةً أو واردة، إلا ويصورها، ويتتبع حياة الحيوان وسلوكه، وسلوك الناس نحوه، ويصف الشخصية الوطنية وطبيعة استجاباتها بإزاء الآخر المقيم في ظهرانيها، أو الغازي الأوروبي القادم من بعيد، وتداعيات هذه الشخصية بإزاء التطور الطارئ على البيئة بفعل الوجود الاستعماري وما حمله معه من مفردات العصرنة·
ولا يتركُ الرحالة أن يبدي دهشته وأسفه لأحوال النساء في تلك البلاد، وللحيف الواقع عليهن من جانب الرجل وثقافة المجتمع المفرط في ذكوريّته، فهو، هنا، على شيء كثير من النباهة في تأمل حال المرأة، والإشارة باستنكار إلى ما يحط من شأنها، ويقلل من مكانتها كمشاركة مبدعة في الوجود ولها كيان خلاق· لكنه لا ينسى أن يثني على همتها ونشاطها وكفاحها اليومي الصامت والسعيد، قياساً على خاملات القسطنطينية·
وعندما يصف السيدات الحبشيات، فهو في الوقت الذي يصف جمالهن الأخاذ ويحتفي بسمرتهن ودقَّة أنوفهن وبساطة مسلكهن، وتقشفهن، وانتمائهن الحي والأصيل إلى المكان، وإلى فكرة العمل والإنتاج، يكشف في الوقت نفسه عن وعي رفيع لفكرة الاختلاف الحضاري، فيرى في التصرفات والسلوكيات الخاصة بنساء الحبشة ميزات راقية·
والحق أن الموضوعية والأمانة والدقة التي يتحلى بها الكاتب، فضلاً عن الروح الإنسانية المتخفّفة من العقد، تمكن هذه الرحلة من أن تُتخذ كدليل بالغ الجودة بالنسبة إلى الرحالة والمسافرين إلى تلك الأنحاء، وإلى القراء الراغبين في معرفة جغرافية تلك البلاد وأحوالها معرفة لا تنشد إلا نفسها· والمؤلف نفسه أشار إلى ذلك عندما كتب يقول: رحلتي هذه أكتبها بطريقة تُمَكِّن السائح في تلك البلاد من اتخاذها كدليل له· ونحن نضيف، إلى هذا بأنها نص يقدم المعرفة بالمكان وإنسانه أقرب إلى الشمول·
فوصف الطبيعة، وعلاقة الإنسان بها يشغل حيزاً بارزاً من اهتمام المؤلف، وهي عنده طبيعة شاعرية أجمل حالاتها عندما تتيح للبشر أن يحضروا من خلال انسجامهم معها، فينقل إلينا حالته وهو ينصت إلى أصوات الطبيعية وحركاتها كأني به شاعراً متمرساً، أو رساماً مرهفاً يرسمُ·
Page 8
VI
يتوقف الرحالة كثيراً عند معتقدات الأفارقة إزاء عالمهم وإزاء الآخر الأبيض الذي ولد قبل أوانه، فكان له هذا اللون الشاحب، لون ما قبل النضج !
ولو كان هناك جزء من هذه الرحلة بلا كبير قيمة، فهو ليس بلا طرافة، وأعني به ذكر اللائحة اليومية للأطعمة التي دأب الوفد على تناولها خلال سفره· وهنا لا بد أن نلاحظ أن الصيد لعب دوراً أساسياً في تزويد المسافرين بالطعام، وقد بلغ عددهم في بعض مراحل الرحلة الـ 04 نفراً·
ولعل في تلك المقارنات التي لم يتوقف الرحالة عن عقدها بين الظواهر والطبيعة والأعمال التي وقف عليها في الحبشة وما يشبهها في موطنه سوريا، أو في الآستانة، ما ينبهنا إلى المكونات الفكرية للكاتب، ويكشف عن مرجعياته الثقافية التي يستند إليها، فهو يفصح عن تفكير يمزج بين الأخذ بالعصرنة، والانتماء إلى الأصول الإسلامية لمثقف دمشقي ينتمي إلى النخبة العسكرية العثمانية المتطلعة إلى مجتمع عثماني جديد لا يفصل بين فكرة التحديث من جهة وثقافة الأهل من جهة ثانية·
وعندما نتطرق إلى ظروف الرحلة، فإن الخطر كان، باستمرار، محدقاً برحَّالتنا في الغابات والأدغال والجبال والوديان، وعند ضفاف الأنهار، لا سيما في الليل، حيث تنتشر الذئاب والأسود والفهود والضباع وغيرها من الحيوانات الكاسرة، وحيث يحتاج المسافر، كما يمكن للقارئ أن يلاحظ، إلى خبرة كبيرة بمخاطر السفر واحتمالاته في مثل تلك الأمكنة، إذا كان يريد أن يحتفظ بنفسه، ويحافظ على حياته من المفاجآت التي قد يشكلها ظهور أسد أو نمر أو تمساح، فكانت نيران معسكر رحالتنا في الليل عالية إلى الحد الذي يجعل سباع البر تتردّد في الاقتراب منه·
وإذ يصف العظم استقبال الإمبراطور له في القصر الإمبراطوري، فإنه يعدد الهدايا التي سلمها للنجاشي منليك والهدايا التي تسلمها منه، ويصف الإمبراطور والإمبراطورة، وتاريخ تأسيس الإمبراطورية الجديدة في الحبشة انطلاقاً من الإجماع الذي وقع على النجاشي منليك من قبل الأحباش جميعاً أثر مصرع الإمبراطور السابق يوحانس في واقعة حربية مشهورة في أدووا·
وفي هذا المعرض يصف الرحالة في نصّه دور الإمبراطورة القوية تيتوفي نهضة بلادها، وفي السياستين الداخلية والخارجية للبلاد، ويؤكد على موقفها الحازم من الاستعمار الإيطالي ومحاولاته الهيمنة على مقدّرات البلاد وعلاقاتها الخارجية، ويشيد بدورها الوطني المؤثر في تكريس استقلال سياسة بلادها·
ويفرد المؤلف الصفحات الأخيرة من رحلته لوصف المواقع الحربية العديدة التي دارت بين الأحباش والإيطاليين، من دون أن تخفي موضوعيّته في العرض إعجابه الكبير ببسالة المقاتلين الوطنيين، ونباهة قادتهم العسكريين· ويورد معلومات تفصيلية دقيقة بالأرقام عن عتاد الجيش الحبشي وعدته وعديده، ما يكشف عن سعة اطلاع هذا الضابط الكبير وخبرته العسكرية·
أخيراً، فإن قارىء هذا الكتاب ليستغرب غزارة المعلومات التي يوردها المؤلف عن البلاد والأشخاص والوقائع، حتى ليظن الواحد منا أنه قضى أيامه في الحبشة لا يفعل شيئاً سوى جمع المعلومات وتدوين الأخبار، وتسجيل الملاحظات والمشاهدات، فهو ما أن يورد اسم علم حتى يأتيك بأخباره ويصف منزلته، ويُعرِّف به أحسن تعريف فيكاد هذا يشخص أمامك·
نوري الجرّاح
أبوظبي في 31/3/2001
Page 9
الانطلاق
* السفر من الآستانة 51 إبريل / نيسان·
* إزمير 61 إبريل·
* ميناء بيرة 81 إبريل ثم زار أثينا لـ 3 ساعات ثم عاد إلى بيرة·
* نابولي·
* ميناء (جوليت)- مرسيليا·
* بورت سعيد الوصول 72 إبريل المغادرة 1 مايو / أيار·
* الوصول إلى جيبوتي 5 مايو ، المغادرة 8 مايو·
* دريدوه 9 مايو آخر محطة من سكة الحديد (قرية صغيرة) المغادرة 01 مايو·
* مدينة هرر 11 (مايو) الوصول·
* مرحلة (هرمايا)·
* مرحلة قارحة 61 مايو·
* مرحلة بككا 71 مايو·
* مرحلة جالنقو 81 مايو·
* مرحلة دررو 91 مايو·
* مرحلة طوللو 02 مايو·
* مرحلة ديبه سو 12 مايو·
* مرحلة قونني 22 مايو·
* مرحلة بددسا 32 مايو·
* مرحلة قالمو 42 مايو·
* لاغاهارديم 52 مايو·
* مرحلة قاجانواها 62 مايو·
* مرحلة فنطاللي 72 مايو·
* مرحلة تاديجامالكا 82 مايو·
* مرحلة جوبا 92 مايو·
* محطة منابللا 03 مايو·
* مرحلة بالجي 13 مايو·
* مرحلة تينجة فيدنسا 1 يونيو / حزيران·
* مرحلة عقاقي 2 يونيو·
* مرحلة جولا 3 يونيو·
* مرحلة أديس أبابا 4 يونيو·
Page 10
العودة
* مرحلة عقاقي 15 يونيو·
* مرحلة دوببي 16 يونيو·
* منابللا17 يونيو·
* تاديجامالكا 18 يونيو·
* قارابا (بحيرة على نهر صغير) 20 يونيو·
* مرحلة لقامعو 21 يونيو·
* مرحلة غوط24 يونيو·
* مرحلة توما 25 يونيو·
* الوصول إلى دريدوه 26 يونيو·
* السفر إلى جيبوتي 28 يونيو·
* السفر إلى السويس 30 يونيو·
* الوصول إلى السويس في 7 يوليو / تموز·
* 8 تموز السفر بالقطار عن طريق الإسماعيلية ومنها إلى الإسكندرية والإقامة فيها ليومين·
* في يوم السبت التوجه إلى الأستانة 10 يوليو على الباخرة جنجاجيف (الروسية)·
* الوصول إلى الأستانة في 16 يوليو·