Page 1
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فطالما كرهت المقدمات، وكنت كلما فتحت كتابا طويتها ومضيت، أما اليوم فإني أجد نفسي ولابد لي من تبيان بعض الأمور بين يدي ديواني هذا، فلم يكن همي من قول الشعر نشره، وإنما أطوي به الطريق وأقطع به الليل، وأواسي به نفسي في غربتي، وربما وصفت به ما في خلجات نفسي.
فاستحضر رعاك الله عند قرائتك للقصائد أنها ـ في غالبها ـ كانت وقت رحلتي من المملكة العربية السعودية إلى المملكة الأردنية الهاشمية، لطلب العلم والتحصيل، ولذا سميته (بين مملكتين)، ولا يخفاك ما يمر به الطالب البعيد عن أهله وأحبابه من الشوق إليهم، وذكره لهم غالب وقته، وربما طغى ذلك على ما سواه في شعري، فكان أصدق ما فيه، وأما الغزل فأعوذ بالله من أن أقول الشعر فيمن لا تحل لي، ولي بيتان طالما رددتهما على مسمع من صحبي:
أعــوذ بالله من حـُـب يدنسني
ويطرح الـذل في وجهي وأعماقي
أخشى الإله وعرضي لا أدنسه
هذا ـ إنِ اختلّت الأعراف ـ ميثاقي
وإذ أضع شعري بين يديك، فإنه من الكلام الذي حسنه حسن، وقبيحه قبيح، ولا شيء أنفع لي من نقد بناء أو نصيحة صادقة.
وكتبه
محمد بن مشبب آل عبود القحطاني
المملكة الأردنية الهاشمية - عمان
يوم الأحد 4/3/1430هـ
الموافق 1/3/2009م
Page 2
بَيْنَ مَمْلَكتينْ
تشرفتُ بإلقاء هذه القصيدة في الحفل الذي أقيم ختاماً للأيام الثقافية السعودية في رحاب الجامعة الأردنية، في حضور كريم، شرفه سفير المملكة العربية السعودية والمحلق الثقافي السعودي ووزير التربية والتعليم الأدرني ورئيس الجامعة الأردنية في عدد من الأساتذة الأفاضل، وحشد غفير من الطلبة ملأ مدرج الأمير الحسن بن طلال بالجامعة الأردنية.
وبعنوانها صدّرت ديواني هذا وللأسف فقد فاتني تقييد اليوم والتاريخ ولكن أظن أن المناسبة كانت في فبراير عام 2005...
قـُم يا فصيحَ النّطق باهِ بها الجُمَلْ
وانْثرْ عبيرَك في القصيدِ المُرتَجَلْ
حِيكَتْ على ما لا يُرامُ مَثيلُها
كلا ولا طاق العَجولُ المُنفعلْ
ويلوحُ بين البيت والبيت الذي
يتلوه إيضاءٌ كنوض مشتعلْ
تَسمو بعينَيْ كل غِبٍ عاقلٍ
وتُرى فما تُطوى على لُبّ الخَللْ
إنّ المعاني في اجتماع جميلِها
تُوحي إليكَ بما يكون من المَثَلْ
فترى رؤاها والغِشاوة أغلَفت
ما كان أبدتْ من مخابِئها الحُلَـلْ
يا دُرة ً عُرفتْ جَميلُ صِفاتها
فيها الصفاء على الجمال المُشتَملْ
إمشي كما تمشي العذارى وضّحي
أثرَ الدِّماء على الخدود من الخَجلْ
Page 3
أنتِ البيانُ وعلّ كَفاً صَافحَتْ
أبياتَ شعرٍ لا يراودها الزّللْ
قُمْ يا بياني عنْ فؤادي مُوكلا
وانثر جميل النظم ليس المُبتذلْ
عني وعنْ أصحاب صدقٍ آزروا
رحّبْ بِجَمْعِ ضيوف هذا المُحتَفلْ
حيّ الذي لنا زائرٌ في موطنٍ
جَمَعَ الحضاراتِ الحديثةَ والأوَلْ
واذكرْ له أنّا تركنا مَوطنا
له في شغاف القلب أسماها مَحلْ
بدرٌ سَما فوق النجوم مَحَلّه
وحقيقةً والبدر ما يومٌ نزلْ
بدرٌ لَهُ الأبصارُ تسمو صُعّدا
وتزال ترمُقه على نحوٍ وَجِلْ
فتجيءُ إنْ يأتي لنا أنوارُه
أمّا الظلامُ فغاب عنا وارتَحلْ
في مشهدٍ يرنو لعيني صورة
جلّ الذي سواهُ في ذا الكون جَلْ
أهوَ المكان مباركٌ في ناظري
أهي الرّؤى أمْ أنّ قلبي مَنْ فَعَلْ
Page 4
عُذراً فهذي سُنّةٌ مِنْ قَبلنا
إنّ الحبيبَ عن الحبيبِ لَمُرتَحلْ
رَحلَتْ مَطايانا عنِ الأرضِ التي
فيها أمينُ الوحيِ حقاً قد نَزَلْ
أرضٌ أضاءَ النورُ في فلَواتها
فأضاءَ قاطِبَةً لِكَونٍ فيه حَلْ
وإذا رأيتَ الكونَ فيهِ بُقعةٌ
وضّاءةٌ فيهِ فلا تسألْ بِهَلْ
قُلْ إنها أرضُ الحجاز تبارَكَتْ
وفَديْتُها مِنْ كل نائبةٍ تَحِلْ
والله إني إنْ أحبّ أحبُها
حُباً تأصّل في الجذورِ مِنَ الأزَلْ
مِثْلِي يُحِبّ ومِثْلُها يُهوى وفي
ما قلْتُ فيها دَحضة لِذوي العَذَلْ
ومثالها حُرٌ حَرِيٌ بالذي
قد قِيلَ فيه وعِلةٌ لذوي العِلَلْ
وإلى بلادٍ بُورِكَتْ جَنَبَاتها
كانتْ مسيرتُنا وكان المُنتَقلْ
أرضُ الشآم وأرضُ عمّان التي
هيَ درةٌ في عقدِ عِزٍّ مُتّصِلْ
ضَمّتْ إلينا جَانِباً مِنْ وُدها
وكذا تَعوّدَتِ الشّهامَة مِن أزَلْ
الواحة الغناءُ طابَ قِطَافُها
Page 5
والمَورِدُ العذب الذي لا يضمحلْ
أرضُ البُطولات القديمةِ والتي
بُنِيَتْ بعزم ليس يعرفه الكَللْ
أيامَ كانتْ وجهة للفارسِ الــ
مِغوارِ يأتيها ويقصدها البَطَلْ
رُصّتْ جُيوشُ المسلمين بساحها
"والله أكبر" في القلوبِ وفي المُقَلْ
واليومَ تُوردنا مَناهلَ عِلمها
ولَكَمْ يُوافِقُ صِدْقَ مَنْطِقِها العَمَلْ
وإذا وجدتَّ نسيم طيبِ عَبيرها
فأعْلَمْ بأن الفُلّ حيّا والنّفَلْ
سَهُلَتْ لَكَ الأرضُ الوَعُورُ وذُلّلَتْ
واسْتبشرتْ وعلى خُطاكَ الطّلّ هَلْ
Page 6
بــــاد ٍ عليكَ
بادٍ عليكَ الذي تُخفيه يا رجلُ
أمَا أحلّ البكا التيهانُ والوجلُ
ما كان منك سوى ما أنتَ صاحبه
ولا أتيتَ الذي في طيّهِ الخَجلُ
ولا انْثَنيتَ عنِ الأمرِ الذي وَجِلَتْ
مِنْ أجلِهِ أنفُسُ الأبطالِ فانْجَفَلوا
أتيتَ ترفُلُ في الأثوابِ ناصعةً
والطيبُ منكَ إلى الأثوابِ ينتقلُ
وتحملُ القلبَ لا يَحوي ضَغينَتَهُ
ويطرحُ الحِقدَ إنْ قومٌ له حَمَلوا
كرّتْ عليكَ الليالي وهي كالحة
ففُرّقَتْ ولها الأعذارُ والعللُ
سقتـْكَ كأساً مريراً فانبريْتَ لها
أسقيتَها الضيمَ نهلاً بعده عَلَلُ
وتعلمُ الرّجلَ اللاقيكَ قولتَهُ
يُريدُ شراً، وأنتَ العاقِلُ الغَفِلُ
إذا التفَتّ عنِ الأنيابِ مبتسماً
إليهِ خانكَ منهُ القولُ والعملُ
رآك في غير شيءٍ كانَ يعرفه
وغرّه مِنكَ حِلْمُ الحالِ والجملُ
Page 7
ثم انثنى عنكَ يستفتي مروءته
يقولُ ما ضُرَ أقوامٌ اذا عقلوا
يا قلبُ إما اعتراكَ القومُ من سفهٍ
فما يضرك ما يأتي به الجَهـِلُ
واذكرْ زماناً تولّى في رُبا عِنَمٍ( )
سقاهُ دمعُ الغمامِ الواكِفُ الهطلُ
وعلّه علّه حتى روى ظمئي
وزانه كل ما تشتاقه المقلُ
كساهُ مما يَسُرُ العينَ منظرُهُ
وشاحَ خزٍ به النوّار والنفلُ
نسيمه كان يشفيني ويؤنسني
فها أنا واحتوتني دونه العللُ
وأشأمت( ) نفسي الآمال أتبعها
فأصبح اليوم لقياكم هو الأملُ
Page 8
القدسُ أرضي
هي أرضنا، وما يدب على الأرض جيل منا إلا ويولد معه الأمل، بنصر قريب، وفتح مؤزر، ولكن أنــّـا لنا ذلك وليس كثير منا على قلب رجل واحد، يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه، ويألـمُ مما يألم، ويكون حشو صدره هـمّ أسمى، وهمة أكبر.
أخي القارئ، هلاّ كنت سببا في وحدتنا، وطرح خلافاتنا لتكونَ بذلك ممن أهتــمّ لأمر هذه الأمة، أو لا، فلا أقل من أن لا تكون سببا في فرقتها....
القدسُ أرضي أيها الجلادُ
وعلى ثراها تنثر الأجســادُ
ولعينها منا العيونُ رخيصة
ولمجدها التاريخ والأمجادُ
ولأجلها الأرواح أبخَس ما ترى
تهفو إليها رغــــــبة تـــنـقــادُ
يا قدس ما في عيشنا من لذة
وعلى ثراك الطاهر الأوغادُ
يا قدس ما في عيشنا من رغبة
حتى لك المجد القديم يعادُ
أرض بناها الفاتحون بجدّهم
وبعزمهم ساسوا الأمور وسادوا
وبنوا بها للعلم أرفع هامة
لله ما زرع الجدود وشادوا
منها الحضارات استقت ميراثها
واستنكر الجُهَّال والـحُسَّادُ
Page 9
وبها صلاة المرسلين جميعهم
وإلى ثراها الحشر والميعادُ
كم من عظيم من ملوك زمانه
أهوى إليها همه الوقادُ
وعلى ثراها الجيش يبلغ حتفه
من أجلها يتتابع الأجنادُ
كيما يطهرها وينْقـِــي أرضها
من حفنة عنوانها الإلحادُ
لما تراخينا وشتت شملنا
حملوا علينا المرهفات وعادوا
وجدوا أسوداً إنما في نومها
فمتى متى تستيقظ الآسادُ
ومتى متى بالله نسرج خيلنا
حتى تجول بنا وهن جياد
ومتى ترفرف فوقنا خفاقة
رايات نصر، عزهن يرادُ
حتى يرى المحتل أنا أمة
ماشذ عن تاريخها الأحفادُ
Page 10
عُـلـمـاؤنــا
هُمُ الذينَ حَمَلوا مشاعلَ النورِ، فـأزاحوا ظلمة الأفهام، وهم الذين استوى الليل عندهم والنهار في طلب العلم، وهم الذين أفنوا شبابهم في ما من شأنه الرفعة في الدنيا والآخرة، و بحبهم يُمْتحنُ المرء.
مِنْ سَمْتِهم يُؤخذُ الخُلُقْ، ومن دروسهم وحِلَقِهم يؤخذ العلم، نقياً مُصفّى لا تَشوبه بدعة، وهمُ الذين أعرضوا عن الدنيا - مع تمكنهم منها -، وأقبلوا على الآخرة رغبة فيما عند الله للمحسنين فيها، ولا نُثنِي عليهم إلا بما علمناه منهم، هكذا نَحْسَبهم والله حَسِيبُهمْ، ولا نُزكّي على الله أحدا.
سَلّم على أهل التُقى
أَهل الفضيلة والنّقى
وذوي العلا والمُرتقى
تسليــم حُبٍ دائمِ
* * *
فَهُمُ الذين إلى العلا
صَعدوا فصاروا أولا
ما فيهــمُ كَـلٌ ولا
فيهم خبيثُ مَطاعمِ
* * *
فهمُ النّجوم لمثلنا
إن واحدٌ مِنا دَنا
زادوه نوراً وسَنا
من نور حقٍ دائمِ
* * *
عُلماؤنا أعنيهمُ
مِن كل ما يأتيهمُ
بدمائنا نفديهمُ
من كل شرٍ قادمِ