Page 1
قسوةُ السواهي
وقفنا قليلاً··
أدرنا الهواءَ فيما بيننا
ثم ابتعدنا،
لنداري ما استحل و أردانا
كنعشين يعتصمان ببردِ الوحشة
ضد بدء خنق استوى لهذا التراب :
مشيئةُ الدربِ الأعزل ، جريرةُ الأزلِ الأعمى،
غاوٍ تفانينَ العذاب
لماذا كلما رآنا نستهل لروع ٍ يجابهُ أرواحَنا،
راح يسترد هلعةَ الشغاف ·
ذهبنا لمفترقٍ صعب،
كلُّ خطوٍ أنحى له، ممرًّا غريباً
لندرك فيما بعدنا، آن تشظت خطانا:
كم أراق ذاك اللقاءُ القليلُ قسوةَ سواهي النظر
كم مسّدَ كلَّ جفنٍ برجفةِ رمشٍ أسير سهو ما انتحب
كم سوّرتنا المساءاتُ بخدوشٍ حَزَّتْ سرايا الذاكرة
كم تناهبتنا أضرحةُ الليالي مأسورين بأنقاض تتألم
كم كنا نلهثُ في غصةِ قبرين مُلامَيْنِ على قبلة الموت
Page 2
كم كنا معاً،
كم وحدنا كنا علينا،
لا لنا·
مذ،
في هديرِ ذاك المكانِ الصغير، المنحورِ برعبِ الأضداد
مذ مددتُ يدي اليمنى المجللةَ برعشةِ الفقدِ المضني نحوك،
لألتمسَ مدى عبءِ روحك،
لأكتم دهشةَ أصابعي التي تفازعت وجلاً ··
غصباً عن توقِ القلب الذائب،
مذ آنذاك حتى ··
أراني مسدلةً·· كجدارٍ كسيرٍ يتذكر في مدى الحجرة،
جدار مهزوم مثلي،
يتكسر كلُّ حجر لا يرى غيرَ غبارِ الخسارات·
مذ آنك··
آن أرديت خطوَكَ لِغُلُوِّ طريقٍ يتحدرُ لبأسِ المصاب
مصاب لا يشفى منه أحد،
مُذْهُ ··
لم أختنق إلا بصمت عارم فزز خفوتَ حنجرتي،
صمت رامني لهاوية تراني··
Page 3
أهمس برتمٍ رنيح ٍ يجمح كالصهوة عالياً : آه ·
هل أدرك كم هو غاف هذيانُ هذا الحب
كم هو قتلٌ لذيذ،
متاحٌ لخنجرٍ جديرٍ برنيمِ خفقٍ لا يخفيه
قد لا أعرف،
و لينهرني ما تبقى من خبط القلب
فما عدت أستهدي إلا :
بنفذةِ عينين كمخلبين يقتنصان رجةَ القلب
جمرتين تقدان أهوالَ الحميم من صهيرٍ يتدافع نحوي
جناحين يؤرجحان ريشَ عصفور استحلَّ رعشةَ روحي ·
يا عاهلَ القلب، يا والي مسراتِ الألم
أمام ضوءٍ شريدٍ يتغادى بك
أتسامى··
سافحةً جسدي، ليتردمَ من رنيحٍ لآخر،
حتى يسندني مديد ظل كفحم الحبر لا يسهو عني·
لأهواه :
قاربٌ يتمادى بطيشِ أشرعةٍ تراوغُ غدرَ العصف
طائرٌ يرتكبُ جنوحَ عظمٍ يبالغ في قدرةِ الريش·
Page 4
لئلا أنساه :
صار يتهاطلُ بهجمةِ نبضٍ تخلعُ آخرَ الأنفاس
يتباهى بحضنٍ يعتصرُ طراوةَ الأضلاع
ليراني أتعرضُ لردمٍ شقي
لم يدع حجراً واحدا ليتلو جسدي،
بل راح ينز فتوى الوريد تلو الوريد
لأحتضر وحدي بآهٍ مديدة،
لم تؤخر خلعةَ عظم
لم تبق جنازأ لي·
تلك الليلةُ القليلة،
ما أن مددتُ يدي نحو أصابعَ تحيا ملغومةً بتوقك
حتى أشهرت عروقي فضح الوجيف،
لأحتمي بعنف صمتٍ داهى متاهَ الوله
ربما،
لأمحو ما ألمحُ من ذعرٍ ران يستخف بأقاصي الزفير
ذعر غالى بمهبِّ الكبد،
فأهال الصهيرَ كله على غفلةِ جسدي
لأسلو بغفيرٍ خجلٍ كوهيدِ الشمعة لم يشفع لي·
أدرك أنه الحب،
سلاحُ القتيلِ الواجفِ من مسيلِ الجرم
Page 5
لا غير هذا الشنق،
لا غير نحرٍ رحيمٍ يرتوي من خفقة الحبل
لا غير صبوِ عناقٍ قديرٍ بقذفِ القلب
ما لا براءَ من لياليه ولا من سخطٍ يدميه
و لا من شهقٍ خانقٍ يرميه،
هل نارٌ تدكُّ جفلةَ الجمر
فزعةٌ تديمُ ارتباكَ الروح
بكاءٌ يذيبُ آخرَ الحواس
على مهل ·· هكذا·
يا للخفيِّ الجَسُوْرِ، يا لسطوِك
يا عنفوانَ الذنبِ اللائذِ بضحاياه
يا ملذةَ البرقِ الشارخِ حريرَ البحر
يا لغرابةِ وهدِك الخجول،
ما أن تغافل محرابَ الذات
حتى تغل وقيدَ الحراب،
... تباعاً
هكذا···
هل بدأ جورُ المنتهى؟
هل آخرُ حرفٍ يشاغلُ حبرَ الغياب؟
Page 6
هل عذبٌ ينيبُ لحنينِ الرغبة المواري مذاق الشفاه؟
إذ يعتمر الأعضاءَ بشفافة حضن حوانا برحيق الجمرات
خطف بريق داوى وميضَ أرواحنا
رمانا لغامرِ رغبةٍ استبدت و أشهرت
ما استنزف من شهوةٍ أدمت يأسَنا
ليرسو كلُّ رأسٍ مثقلٍ بجاهِ الردم
على جلالةِ كتفٍ يتهدم·
لم نعرف كم الجنةُ بيتٌ رحيمٌ لأجنةٍ تحبو
إلا آن داخت خطانا،
راوغتنا الأرصفةُ وخَادَعَتْنا الطرق
رمتنا السماءُ وهي تداوي غيماً يتقصف
بقطرة تلو قطرة··
تغاوت بنا نحوَ شغافٍ لا تهدأ·
طعنةً، طعنةً،
أغرقتنا الأرضُ بنصالٍ لا تهجع
لنسلو بهدير عذب لا ينسانا
لنرانا،
نرمم شهقةَ الآه،
نحو مساءٍ شفيعٍ بمطرٍ أخرس
نحو ملاذٍ صعبٍ يحنّنُ المسافةَ نحونا
نحو حريرِ حب،
يرتل آخرَ الهدوء الذي تماهى
بجسدين يمتحنان هواءَ كلِّ هذا العذاب·
Page 7
لها
لامرأةٍ تناهت عنها،
مثقلة بحجرٍ ميت، ارتمى بين ضلوع تخسرها،
مكتواة من صدِّ تاريخ رماها،
تجرأت على برودةِ سرها،
لتغمد ذاتَها نحو مغاليق عمياء،
انتهبت موتَها، نحو عذوبةٍ ترتقي نحولَها الأبدي:
لم يسألها العشبُ إذ رآها تتعثر بنضارةِ جرأتِه
لم تثنها الوردةُ النادرةُ، الملتهبةُ من ضراوةِ صمتها
لم ينتبه الغيمُ اللاهي بممراتِهِ الكئيبة، لخطى تتوسلُ الحصى
لم يهتم البابُ الأصمُّ، بصدى نحر، أرداها من وفيرِ زفيرها
لم يجتنب ثوبُها الزهريُّ الخامدُ- معطفها الكئيب المتهالك،
أظافرها الحنونة المحبرة- خنق لهاث أدمى رئتيها
لم يصغ الهواءُ لصبرٍ أضناها
لم يتحاشَ الممرُّ الضيقُّ شيوعَ ظلالِها المريرة
لم يعبأ أحد··
بلهجةِ دمٍ ضريرٍ تخثّرَ حتى أغرقَ آخرَ الورق·
أحيانا تحيا،
Page 8
كلما أذابت عماءَ حبرِها الخجول،
ليلتئم بهدوء بياضٌ جائر
كلما تداهت برعونةِ وقتِها العجول،
لتنجو من غيبوبة طافت مداها
كلما إختبرت نفضةَ الحب،
لتترمد فيما بعدها، بشللٍ آذاها
كلما إستضافت هيامَ الدخان،
لنهجِ سيرةٍ استلت صحوةَ رئتيها
كلما غامت بعناقِ أحبةٍ يجتاحون،
بجزعٍ طاغٍ فراغ المقابر منها
كلما أضرمت ريشَها كله،
لئلا يخسر الهواءُ خفقَ أجنحةٍ يجهلها
كلما اكتوت كثيراً، بارتدادِها الخاسر،
نحو عطفِ رحمٍ ينعطفُ بعيداً عن حياةٍ تتهجاها
كلما تهاوت من لهيبِ شمعةٍ تحتضر،
لتغوي بهديرِ الرعب يديها
كلما تصاغت لبيتٍ أبكم،
لا يتصدع ليكفَّ عنها، كفيلاً به
كلما استدامت لغفلةٍ سكرى،
ساهرة في تقصي الخسارات
كلما خارت قواها،
Page 9
إعتالت على صرامة يأسها،
كلما غادرت غورَ عزلتِها الفتية،
تنادت لعنف مهواها
كلما تمرأت بوجوهٍ تكسو مراياها··
تناست كيف تديمُ ملامحَها
كلما تعادت مع مواضٍ باطشة،
تهودت وهي تقتحمُ نعومةَ دمعها
كلما، تفشت لها ذواتها··
انهارت كقتيلة مؤجلة على الدوام·
لذا،
ابتعدت كثيرا عنها·
هاهي،
تحذف خطاها،
تقذف شرودَ عينيها نحو طريق غائم لا يراها
تمرر ساعديها المنهكين على عظام هيكل لا يمل عنادَها
تتوافد بمشيئتها،
لا تنسى قبل نحر يديها،
أن تنتزع حجرًا مثقلاً بكثيف السأم،
تخفيه في مخبأِ معطفٍ منحازٍ لشتاءِ مواضيها،
واثقةً من حصولها على مرساة حجرية،
تكفي لإغراق ما تبقى من أشرعة لا تضمدُ روحَها·
مدحورة:
من رائحةِ حبرٍ لا يجاري يتم حروفها
Page 10
من بيتٍ متروكٍ لذيوعِ هشيمِ الصدى وهتمِ الكتمان
تتأهل:
ضدَّ حبٍّ أضحى كسرابٍ لا يرتوي من مسيل البكاء
أصدقاءُ لن يكفوا عن تفقدِ تذكارات تنساها
طاولةٌ مدانةٌ بالندم
ريشةُ حبرٍ تتهدم
أوراقٌ تتعثر بظلامِ غرفةٍ لن تسهو عنها،
لإعلاءِ وميضِ رعشةٍ تخلو منها·
إمرأةٌ سادرةٌ نحوها،
دون رسالتين منحوتتين بشفقة جريئة،
مصانتين بحروف تتأهب،
ترتميان على حافةِ مدفأةٍ مهملة،
ترتقبان، شهقة ترتجي توأم موتها،
جزع عتيق،
ترنم منذ وقت طويل على نهلِ رواج المآتم·
لنراها،
مشرئبةً بوصايا انتحارها المبجل
مؤتمرة لحلول غاياتها المنزهة،
تحتال بيديها الضامرتين، على ورق،