Page 1
تمهيد
ان ترى العالم اجمع ارضاً غريبة
··· الثقافة الغربية الحديثة هي في جزء كبير منها نتاج المنفيين، والمهاجرين، واللاجئين· والفكر الاكاديمي، والنظري، والجمالي في الولايات المتحدة لم يصل إلى ما هو عليه اليوم إلا بفضل اولئك الذين لجأوا اليها هرباً من الفاشية، والشيوعية، وسوى ذلك من الأنظمة المجبولة على قمع الخارجين عليها وطردهم· بل ان الامر قد وصل بالناقد جورج شتاينر حد اقتراح اطروحة ثاقبة مفادها ان ادب ;المهجر يمثّل جنسا قائما بذاته بين الاجناس الادبية في القرن العشرين، ادب كتبه المنفيون وعن المنفيين، ويرمز إلى عصر اللاجئين..
ويقضي المنفي معظم حياته في التعوض عن خسارة مربكة بخلق عالم جديد يبسط سلطانه عليه· ولذا ليس من المدهش ان نجد بين المنفيين كثيرا من الروائيين، ولاعبي الشطرنج، والناشطين السياسيين، والمفكرين· فهذه المهن جميعا لا تتطلب سوى حد ادنى من التوظيف في الاشياء إذ تضع الحركة والمهارة في المقام الاول· غير ان من المنطقي القول ان عالم المنفي الجديد هوعالم غير طبيعي تشبه اللاوقعية التي يتسم بها عالم القص والتخييل···
(عن مقال إدورد سعيد في(الحياة 10/10/2003)
***
أدب المنامات ومنام الأدب
قارئ يوميات كافكا يضيع في عالم شاسع يعج بدروب متشعبة· لا واقع هنا ولا خيال· ما عرفه شكسبير في مطلع القرن السابع عشر (;هاملت ظهرت سنة 1604) عرفه كافكا في بدايات القرن العشرين: الواقع والمنام صُنعا من المادة نفسها، مادة الأحلام· والإنسان جُبِل من الطين ذاته: طين المنام· لا حدود فاصلة في أدب كافكا بين الواقع والوهم·
Page 2
ان منطقاً شديد التماسك يقدر أن يحول المنامات إلى وقائع· يكفي أن نقرأ ;محطة كلدا لسكك الحديد لندرك هذا· أو ;طبيب الريف أو ;فنان الجوع· أو ;الرسالة الامبراطورية· أو ;سور الصين العظيم· أو ;في مستعمرة العقاب·
كافكا يأخذه المنام إلى رجال يُقتلون سحقاً في آلة تعذيب (مستعمرة العقاب)، أو إلى جرحى بأزهار دموية تتفتح في خاصرتهم (طبيب الريف)··· يتأمل عذابهم، يصف ما يجري لهم ممعناً في التفصيل، ولا يخاف أن ينظر: أنه حتى يُحول رجلاً إلى حشرة، بعد منامات متشابكة مضطربة، ثم يخبرنا (هذه هي السطور الأولى من قصة ;التحول ) ان غريغور سامسا عرف ان هذا ;ليس مناماً ! الرجل المستوحد يتحول إلى حشرة ثم يموت في غرفته مع قطعة تفاح على ظهره، وكافكا يموت بالسلّ عاجزاً عن شرب بلعة ماء· ظل كافكا يحدق في عينيّ الموت إلى أن جاء الموت اليه· لم يكن يستدعيه· كان ينتظره· ويحضر نفسه للحظة الحقيقة· هل يكون هذا أدب المنام؟ هل يكون أدباً عن انتظار لحظة الحقيقة النهائية؟ صادق هدايت يذهب في مناماته إلى الكوابيس، تماماً مثل كافكا، لكنه لا يملك المنطق الرياضي الصارم الموجود عند صاحب ;سور الصين العظيم· أين نجد قريناً لكافكا في الاستسلام لعالم المنامات وتحرير الطاقة الخيالية الكامنة في المنام؟
فرناندو بسّوا كتب يومياته كمن يكتب في منام· اعتبر حياته كلها مناماً· كان ينام فيرى نفسه شخصاً آخر باسمٍ آخر وأشعارٍ أخرى ويوميات أخرى· يستيقظ ويكتب كل ما يراه، وبينما يكتب ينعس ناظراً من النافذة إلى أمطار لشبونة والى سماء زرقاء أو رمادية تتباعد غيومها فوق النهر·ينعس ويغفو بينما يكتب ويشرب ماء، ينام مفتوح العينين، ويده لا تكف عن الحركة· ;كتاب اللادعة كتاب منامات، وكتاب واقع داخلي: عالم نفساني شديد الثراء قادر بقوة الشعر الخيالية أن يتحول إلى عالمنا· تخرج الغيوم من عينيّ فرناندو بسوا وتغزو سماء عالمنا· نحدق اليها ونتبع طيور السنونو التي تعبر ونجد أجسامنا تسلك درباً تتعرج بين الأشجار· هذه أراضي النوم الغامضة، وفي هذا العالم كل شيء ممكن· بسِّوا - مثل كافكا - يعلم أننا نحيا في رأسنا، لا في الغرف والطرقات· يصير الأدب عندئذٍ مناماً طويلاً· نفتح الكتاب وبينما نقرأ تخطفنا الكلمات إلى عالمٍ يوازي هذا العالم الواقعي· ذلك العالم الموازي هل هو حقيقي؟
(عن مقالربيع جابر في;الحياة10/9/2004)
Page 3
رأيتُ محفظةَ نقودٍ على الأرض· وضعتها في ابرز مكان على طاولتي الصغيرة في الركن واشعلت سيجارة·
عاد خوليو من البار حاملاً كأس نبيذ ابيض وقهوة· اوشكت ان اخبره بما وجدت لكن سارة انضمت الينا· كانت متألقة وغير ثملة خلافاً للعادة· جلست بفستانها الارجواني الطويل وهي تضحك:
- ربحت الف كرون في اليانصيب·
- ولذا تسريحتك جديدة·
علق خوليو بالانكليزية ايضا وهو يتفحص بعينين شهلاوين قصة شعرها الغلامية· بدت في العشرين وهي في الثلاثين تقريبا· بعد احتساء القهــوة مع سيجــارة لف اقتـرحتْ سـارة الذهاب إلى فلم (كونشيرتو عيد الميلاد)· أعتذرتُ:
- افضل العودة إلى البيت·
- كديك محتشم· قبل غروب الشمس·
- لا، قد تمر عليَّ غادة·
نهضت بقامتها القصيرة متظاهرة بالانزعاج قصد المداعبة:
- غادة غادة غادة··· الا تحتمل عدم رؤيتها يوما؟
لعل هذا البغض غير المعلن بينهما يعود إلى ان غادة فلسطينية وسارة يهودية من اصل بولوني· قلت:
- بالعكس،نحن قلما نلتقي· مشغولة هي بالتحضير للمشاركة في معرض رسم·
***
مكثت وحدي نحو ساعتين· تصفحت جرائد ملقاة في كوة داخل حائط من طابوق مزجج· قراءة الجرائد وسيلة مثلى لاتقان اللغات· لم استطع التركيز· شوشني التفكير بمحتويات المحفظة· قمت بجولة في ارجاء المقهى الذي دعاني اليه خوليو لأول مرة: هناك مدخلان يؤديان إلى خمسة اقسام بهيئة حدوة حصان· كل قسم يحتوي ثلاث أو اربع طاولات مستديرة، وتنيره شموع ومصابيح خافتة تتدلى من الحائط· اما حيث وجدت المحفظة فهو جيد الانارة، اوسـع،يقابل ثلاث نوافذ ترى من خلالها اقدام السابلة وهي تجتاز الرصيف مسرعة أو على مهل···
Page 4
فكرت: ماذا لو ان الموضوع مدبر من (الكاميرة الخفية) بالتواطؤ مع خوليو وسارة؟ سيكون المشهد حرجاً· اغادر المقهى فأفاجأ بمعد البرنامج لينارت سوان يفتح الذراعين:
- مرحبا بالشاعر العربي في برنامج الكاميرة الخفية !
لن ارتبك· سأقول الحق ببساطة:
-انا في طريقي إلى قسم المفقودات بدائرة البوليس···
ولكنني لست معروفاً كي يهتم بي هذا البرنامج· لم يمض على وجودي بالسويد اكثر من سنتين ونصف·
شربت ما تبقى في كوب القهوة ونهضت· لم اتطلع إلى عيون الجالسين· ولأطمئن دمدمت بأقصى قدر من الصدق:
سأسلمها بالفعل إلى دائرة البوليس·
***
اصبحتُ في الشارع· بقايا ضياء النهار مازالت في غوثنبرغ· لا احد يعترض سبيلي· توجهت إلى المحطة· جاء الترام مختصراً فترة القلق· ركبت وانا افكر بارتياح هش: دع البوليس الان· لعل من المستحسن التريث· سأتصل مباشرة بصاحب المحفظة·
***
وصـلت بيتي في الطابق التاسع من حي همركولان بعد 35 دقيقة· لم الحظ وجود الناس حولي في الترام أو الطريق· كنت مستغرقاً في التفكير بمحتوى المحفظة· فتحتها على مائدة الصالون بعد اسدال الستائر· حسبت باندهاش المبلغ الضخم· ذهبت إلى دولاب النبيــذ في المطبخ· افزعني رنين التلفون المفاجئ:
- آلو؟
خرجت سارة من السينما وهي تتحدث بحماس من مقهى غاربو:
- فاتك الفلم· المخرج (كجيل اندرشون) ليس بشهرة بيرغمان وليس اقل منه عبقرية· الموسيقى رائعة، مقطوعات إلى باخ، السيناريو مدهش، والممثلون ابدعوا في الاداء··· فاتك·
- عمَ يدور؟
Page 5
- عن فقدان السعادة عبر سيرة عائلة تغطي ثلاثة اجيال متعاقبة منذ الثلاثينات· انا قرأت الرواية ايضاً التي اقتبس عنها الفلم· اكثر من ثلاثمائة صفحة· انها احدى اجود روايات غوران تنستروم·
قررت ان اقرأها إن كانت مترجمة إلى العربية أو الانكليزية· قالت سارة:
- خوليو جن بالموسيقى· رجع إلى البيت· انا اريد ان اشرب عندك·
- آسف سارة، غادة ستمر عليّ·
كذبت· احتاج البقاء وحدي· انا اود سارة رغم افراطها في السكر· اود من يعبث كالاطفال أو يضحك بصخب أو يتلعثم بالحديث· لكن هي فوضوية المزاج على نحو متطرف، ولا تستطيع ان تكون امرأة رجل واحد· تحرجني احياناً بتحرشات فجة امام خوليو· وبختها مرة فقالت وهي تترنح:
- هذا التشيلي لا يحسن سوى الرقص والعزف على الغيتار في مهرجانات همركولان· اريد ان اتذوق عربياً·
***
تفحصتُ المحفظة للمرة الخامسة· تتألف من عشرة جيوب تحتوي،فضلا عن المبلغ، على كارت مواصلات شهري، مفتاح
صغير، قطعة بلاستيك تحمل رقم 31، ولا يوجد أي عنوان أو شيء يمكنني الاهتداء بواسطته إلى صاحبها· هل هو كبير السن؟ سويدي؟ اجنبي؟ فتاة ام شاب؟ المحفظة جديدة، لونها اسود،على الغلاف الخارجي، من الجهتين، كلمة Alfons·
سأذهب غداً واعلق على الحائط هذا الاعلان: يرجى ممن اضاع محفظة ترك رقم التلفون عند ادارة المقهى·
Page 6
الطقس سئ اليوم· ممطر وبارد· المطر ينعسني والبرد يهيج اوجاع الفقرات· سأذهب غدا إلى المقهى·
حجزت موعدا بالتلفون عند طبيب العظام والقيت براسي على مخدة الريش· استيقظتْ ظنون سوداء: تخيل انك تفتـح التلفــزيون ليلا،تتطـلع بشـــوق إلى موعد بث (الكاميرة الخفية) فترى نفسك على الشاشة جالسا مقابل خوليو المتواطئ مع البرنامج· الزبائن كلهم ممثلون· لا احد سواك يلحظ المحفظة·تتلفت كلص محترف، تنحني امام ابصار ملايين المشاهدين،تلتقطها بحركة لا تجلب الانتباه، كأن شيئاً سقط منك، وتضعها - كخطوة اولى - على المائدة· يرجع خوليو بأيعاز من المخرج· تستأنفان الثرثرة· تأتي سارة وتقترح الذهاب إلى السينما· تعتذر انت وتواصل احتساء القهوة
والتدخين ومطالعة الجرائد· الكاميرة مسلطة عليك· وحين يبدو كل شيء على ما يرام تنهض، تعلق الحقيبة على الكتف، تدس المحفظة في الجيب وتمضي···
تركت السـرير إلى المطبخ· لا استطيع ان اغفو· تقلقني هذه الظنون· المرء لا يتصرف مطلقا بصورة متماثلة حين يختلي وحده وحين يعلم انه مرصود· شربت قدح ماء بدون عطش· مضيت إلى الصالون· اشـعلت سيجارة ورحت اتأمل من الشباك الفضــاء الغائم وحشد الطيــور على ســطح العمارة المقابلة: النورس كسول ودائم الصراخ، الغداف الأسود العدواني، والحمام الوديع، والعقعق·
***
بدلا من التوجه إلى المقهى راجعت بعد الفطور (مكتب المواطن) الملحق بالمكتبة· كان البعض يطالع الصحف بينما قرفص رجل لاوياً راسه الصغيرة ليقرأ عناوين كتب مصطفة على الرفوف· ابلغت الموظفة آيلي بما حدث، وسألت:
- بماذا تنصحين؟
كانت تجلس خلف النُضُد امام الكومبيوتر· رفعت حاجبيها الصغيرين· لم تتوقع سؤالي· اضفت:
- هل انشر اعلاناً في الصحف؟
حكّت راسها بقلم الرصاص وتجاهلت رنين التلفون:
- ليست فكرة سيئة·
Page 7
- أو اعلق على لوحة الاعلانات في المقهى ملاحظة تقول: من اضاع محفظة ليترك هنا رقم التلفون·
غضنت الوجه بحيرة:
-لكن، ربما صاحب المحفظة سائح ولن يعود ثانية إلى المقهى·
لم اوافق على هذا الراي:
- الطبيعي ان يعود للسؤال في الاماكن التي ارتادها يوم فقدان المحفظة·
- صح· هذا جائز ايضاً· اما العادة فهي تسليم مثل هذه الاشياء إلى البوليس·
كأنها لاحظت عدم تحمسي إلى مراجعة البوليس· فركت ارنبة الانف الصغير لتستدرك:
- ولكن، لا ادري···
همت برفع سماعة التلفون الذي لم يكف عن الرنين· شكرتها وقلت بحسم:
- ساذهب غدا إلى المقهى·
انها على حق· اذا كان سائحاً فلن يسأل سوى مرة:
- هل لقيتم محفظة هناك؟
ويشير إلى الزاوية التي كان يجلس عندها· يرد صاحب المقهى:
- لا·
ثم يسأل الشغيلة للتوثق:
- لقى احدكم محفظة؟
يتطلع بعضهم في وجوه بعض:
- لا·
***
غادرتُ (مكتب المواطن) إلى (كونسوم) وهو سوبرماركت معروف لا تخلو منه مدينة في السويد أو قرية أو حي· احتاج شراء سكر وزبيب وخميرة لأعداد وجبة جديدة من النبيذ· احاول في الطريق ألاّ اسمع أي صوت قبيح ولا ارى أي مشد قذر· مع الطعام تتضاعف حساسيتي من خ خ خ خ توف، أو آثار البصاق الملون على الارض· ما يورث الاستغراب هو ان سكان هذا الحي، أو بعضهم، يبصق على الارض ويتمخط بلا ادنى حرج،حتى السويديون والفتيات· لم أر في حياتي فتاة تبصق على الارض إلا في السويد،وهنا بالذات، في همركولان· هنا ضجيج، فوضى، تخريب، مخدرات، سطو مسلح··· لكنني، ويا للغرابة، ادمنت هذا الحي· لا شك انني سأعاني من الابتعاد عنه كمن يعاني من الابتعاد عن الكحول أو التدخين· انني اشكو في الواقع ضعف الخدمات· لا بنوك، لا بارات، لا مقاهى، لا مسارح، لا سينما· والصيدلية الفقيرة بأدويتها تغلق في الساعة 14 كل يوم·
Page 8
قابلت عددا من المعارف في السوبرماركت· شكى بعضهم من ارتفاع اسعار (الكونسوم) مقارنة بأسعار (الميغا) في مركز انغريد أو (إكا) في يلبو· اشتريت ما احتاج وما لا احتاج اليه· هذا يحدث غالباً· لعل السبب يرجع إلى فقدان مصادر السلوى في هذا الحي· الشراء يعوض عن ذلك· فلا شيء استثنائياً هنا يخفف من وطأة الملل· حين يصعد المرء من منطقة الترام - وهي الوحيدة تحت الارض في كل غوثنبرغ - يرى محل بيتزا تديره عائلة افرادها، عكس كل اليونانيين، فظو الطباع· هناك (بيت الشعب) يحتوي على مستوصف، مراكز للتعليم، مكتبة عامة يديرها الثلاثي: شاشتين، ماتس، وكلاود، مع (مكتب المواطن) الذي يقدم النصح والمساعدة لمن يطلبها· وفي الساحة مخزن لبيع السجائر والمجلات، يديره شاب سويدي لم اره يبتسم مطلقا· على مبعدة امتار إلى الخلف مسجد للصوماليين يتألف من حجرة خشب أو حجرتين· وفي جهة اليمين صالون حلاقة، دائرة بريد، دار عجزة،ومسبح·
***
شعرتُ وانا اخرج من السوبرماركت، حاملاً اكياس المشتريات، بأوجاع متزايدة في الظهر جعلتني اتوقف وارتارح كل خطوتين أو ثلاث· انعطفت يساراً ونزلت بحذر السلم الحجري· اصبحت في بريدفيلسغاتان· لا يتجاوز عرض هذا المقطع من الطريق الأربعة امتار والطول نصف كيلومترا ؛ يبدأ بمركز للتبشير تديره دانيكا آيزنهامر، سيدة عجوز تفيض عيناها الزرقاوان بالدموع كلما ذكرت المسيح· يليه محل يعتني بالاقدام، محل بيع هدايا يديره عراقي من كربلاء،محل تصليح ادوات كهربائية يديره اكراد ايرانيون، ملتقى للمعوقين بدنياً ونفسياً وللمدمنين قيد العلاج، ثم ينتهي بمركز للصليب الاحمر ؛ يجاوره دكان مواد غذائية تديره عائلة من اكراد تركيا يرأسها اردال· وهو يحسن - بالضرورة - التحدث بكل لغات الحي تقريبا· مساعده (عمو كوكو) نحيف البدن غليظ الصوت،يروج بمرح إلى بضاعة ما شبه تالفة: يللا يللا يللا، كل صندوق الموز بعشر كرونات، بلاش بلاش بلاش !
وضعت الأكياس على الأرض· فوجئت بتوقف المسرى (1) في الطابق الخامس· لكن الحظ حالفني· جاء مسؤول الصيانة في شركة السكن المدعو يوري· كان ماضياً لأصلاح اجهزة غسل الثياب في الطابق السفلي· احضر المسرى بسرعة وساعدني في حمل الأكياس إلى البيت· لا احد ينكر جو همركولان الأخوي المميز رغم كل الاعتراضـات· لدى ملء اسـتمارة عقد الايجار علمت من (يوري) ان هذا الحي، الذي يقع شمال شرق غوثنبرغ،شيد ما بين1968-1970 على ارض متموجة مساحتها مئة هكتار، تعلو سطح البحر بنحو 100 متر· سكنه منذ مطلع السبعينات زهاء 70 الف شخص،ويسكنه الان 80 الف ربما، اكثرهم اجانب (5000) من جنسيات شتى عاطلون عن العمل· اصدقائي الأساسيون وصديقاتي يقيمون في اجزاء هذا الحي الخمسة· في غروبنسغارد يسكن خوليو وسارة، وهي تتألف من ثلاث طوابق فقط· كذلك ساندسليت حيث تسكن آزاد· وفيسترسلينت حيث تسـكن غادة مع والدتها· وفي التوريت يسكن عبد الله، أو عبدو كما اعتدنا مناداته تحبباً· في بريد فيلسغاتان يسكن عم عبدو (سيد وفيق) وانا، وهو يتألف من عمارات ذات ثماني طوابق أو تسع·
تركت الأكياس حيث وضعها يوري في المجاز واستلقيت حالاً على ظهري فوق السرير· اوجاع متزايدة·
Page 9
العيادة في مركز المدينة· ابلغت طبيب العظام الوقور العملاق انني شاركت يوماً في بغداد بتظاهرة تدعو إلى السلم في كردستان فتلقيت ضربة عصا من البوليس اعطبت الفقرة الخامسة من العمود الفقري·
اضطجعت على طاولة عرضها متر داخل عيادة انيقة· لوى قدمي، ثنى ساقي، شاهد بعينين خبيرتين كيف استقيم وانحني، ثم وصف حبوبا مسكنة (بركسيدول) ونصح بتحاشي رفع الأشياء الثقيلة أو الجلوس طويلا امام الكومبيوتر:
كما يستحسن الاستلقاء دائما على فراش صلب عند المطالعة·
***
اشتريت (بركسيدول) من صيدلية في الطريق وذهبت إلى المقهى· لا توجد لوحة اعلان· وضعت المحفظة على طرف المائدة المضاءة بشمعة خضراء· شربت قهوتين خفيفتين وقدح صودا· دخل شاب بوجه حالم القسمات وذراعين مسبولتين إلى جذع قمئ، طاف بين طاولات يتحلق حولها فتيان وفتيات وكهول· كان يفتش بعينيه الصفراوين عن شخص ما· توقف فجأة عند طاولتي، تمتم ;المعذرة وجلس· لم يشرب أي شئ، لم يدخن، ولم يتحدث·
كان اشبه بتمثال· قلت ;الحاجة إلى الاختلاط· وضعت المحفظة في جيبي وانصرفت· في الترام طردت عن بالي سؤالاً:
- لوكانت المحفظة تحتوي مليون كرون··· هل كنت سترجعها؟
سؤال آخر:
- لماذا لم تسلم المحفظة إلى صاحب المقهى؟
- لأنني لست واثقا من نزاهته·
- لماذا لم تخبر خوليو؟
- لماذا؟
تساءلت ببراءة، وأجبت:
- لأنك لم تكن تعرف بعد محتويات المحفظة·
قلت بانزعاج وانا اهبط من الترام إلى نفق محطة همركولان:
Page 10
- لماذا تريد ان تفسد علي متعة التصرف بمروءة؟
***
ربما بدافع تعميق احساسي بالمروءة ذهبت ظهر اليوم كذلك إلى المقهى· كانت خالية تقريباً· دخل بعد حين الشاب ذو القسمات الحالمة، طاف بين الطاولات وتجمد عندي، تمتم ;المعذرة وجلس· اخذ يتطلع إلى الطريق بعينين لا تعبير فيهما· اعتاد الجلوس على الارجح في هذا الركن الذي اعجبني ايضاً· شربت سفن آب، دخنت اربع سجاير،وفتحت المحفظة· تفحصت بعناية كارت المواصلا· تنتهي صـلاحيته يوم 12 سـبتمبر· لم لا يستفاد منه عبدو؟
***
حالما رجعت إلى بيتي تلفنت إلى عبدو· تحدث باسهاب عن دراسة (التاريخ وديانات الشرق الاوسط) في جامعة غوثنبرغ· وعدت ان اسلفه بعض المصادر باللغتين العربية والانكليزية، ثم قلت:
عندي كارت مواصلات زائد· الا ترغب في استعماله؟
تنبهت بعد اغلاق التلفون إلى ان سعر الكارت 240 وليس 380 كرون· ابلغت عبدو حين جاء،قال:
- لا يهم، هذا مخصص للطلبة، يفيدني·
اخذ الكارت ومضى· يروق لي هذا الشاب· فهو دمث، جميل، يتحرك بعجلة ومرح، عكس معظم العراقيين ثقيلي الايقاع· فكرت: اذن، صاحب المحفظة صغير السن، مراهق،أو مراهقة· غريب··· من اين لهما ذلك المبلغ؟!
***
بعد رحيل عبدو بساعتين جاءت غادة تودعني· غداً تسافر إلى بيروت للمشاركة في معرض رسم· كان وجهها البرونزي تعلوه امارات حزن· سألتُ:
- ما بك؟