eKtab
EN ع
رقصة الغجر
Read free sample

رقصة الغجر

by محمد أحمد عسيري

Page 1
مواعيد متعثرة

اليوم الأربعاء..

كعادتي أجلس جامداً فوق مكتبي كقالب ثلج. أغلقت هاتفي النقال كي لا يذكرني رنينه بمواعيدي التي أخلفتها بدم بارد، وبرعونة سحبت سلك هاتفي الأرضي بقدمي كي أختفي عن ملاحقة الخارج لي.

وحدها تلك الوردة الذابلة أمامي في المزهرية التركية ما يجعلني أشعر بالذنب. وردة قطفت بوحشية لتموت في مزهرية كل همها اندهاش الناس من جمالها وصنعتها المتقنة. أليس من الأفضل لو أنها عاشت ما تبقى لها بين يدي حبيبتي؟

ولكن أين هي تلك الحبيبة؟

كم هو مؤلم ألا يسعفني الوقت بالتفكير فيها، وقطف الورود لها من الحدائق العامة عندما أقطع الأرصفة عبوراً نحو الجهة المقابلة. لا أدري في أي شيء تافه أفكر طوال اليوم؟ أفكر أحياناً في الأوراق الملتصقة ببعضها فوق مكتبي.. أفكر في طريقة لجمع المال وأخرى لصرفه.. أفكر في ملابسي الضيقة وأزرارها المفقودة والألوان التي لم تعد تناسبني.. أفكر في شتم الزحام والإشارات الضوئية التي لا تهتم لأمري.. وأفكر أكثر في انقضاء الوقت لأهرب من رتابته.

ركام من الأفكار الموبوءة التي تقتات على خلايا الروح والحبيبة وأضواء الشموع. حتى عندما أعود كصياد فاشل لم يجرؤ على اقتناص طريدته لأنها كانت تداعب صغيرها، أستلقي بعيداً عن كل شيء يذكرني بوجهها ولون شعرها وعتابها اللذيذ.

بعيداً عن الرسائل المعطرة.. وأقراص الموسيقى الملتهبة برائحة الحياة.. وزجاجات العطر وهدايا الأعياد.. والورود الجافة المحشورة بين أوراق الكتب.

التفكير بحبيبتي يحتاج إلى مزيد من النضج، والكثير من الطاقة. يحتاج إلى ثورة هائلة كاندفاع الحمم من البركان.. وإلى جنون يشبه وقوفي عارياً في العراء تحت انهمار المطر. حتى أفكر بها يجب أن أكون كـراسبوتين محتالاً خارقاً أستطيع الخروج من عالم إلى آخر دون أن أحترق. أو كرجل يوشك على الموت وأمامه يعبر طيف من الذكريات يحمل صوراً متكررة لأشياء توشك أن تقتله.

أخبرتها ذات مساء وأنا أتهيأ للصعود إلى الطائرة أني سأكتب لها عندما أشفى من غربتي.

فرحت، ولكنها كانت تشعر برجفة تدب في نصف صدرها الأيسر تشبه سقوط الأوراق اليابسة. يبدو أنها كانت تنظر في عينيّ مباشرة.. فنظرات الأعين تُفصح عما نخشاه أو نخبئه. كان صوت النداء الأخير لرقم رحلتي مزعجاً ومربكاً لشخص يتبعثر وتتناثر أشياؤه كلما وجد مكاناً يرمي فيه جسده.

حاولت مراراً أن أكتب لها في الموعد المحدد وأنا بكامل عصفي العاطفي.. أكتب لها مباشرة وعن قصد.. أو بالأحرى لأنني أرغب في الكتابة لها. وحتى لا يداهمني داء النسيان كعادتي دونت اسمها في مفكرتي كي لا تمضي بعيداً عني، ووضعت ساعتي الهرمة في اليد اليمنى حتى إذا نظرتُ إلى ركض عقاربها وأنا أشتم الزحام شاهدتُ عينيها تعاتبني.

ولكنني دائماً ما أخيب ظنها وأهمل مفكرة مواعيدي، وأنسى لماذا وضعت هذا الصباح الساعة في يدي اليمنى!

هههههههههه...

الحبيبات لا يحتجن إلى رجل مثلي يتجول في قلوبهن كبائع الحظ ، ينادي على أبوابهن بصوت شجي. الحبيبات يردن قلباً يتسع لركضهن حافيات.. لغابة تمطرهن بماء الصنوبر.. وتلف ضفائرهن.. وتكحل أعينهن.. وتتلو عليهن من السماء قصائد عشق.

حبيبتي تريد أن تكون وطناً بلا عيد يذكرني بها.. وبلا حدود.. وألوان.. ومناخات كئيبة.

تريدني أن أرقص بين شفتيها كأول الحب وآخره.. كفصل الربيع.. ولون الدفء عند الشروق.. كرايات الحرب.. وموسيقى النصر.. كتحرك الموج بالقرب من الموانئ.. وحديث النوارس للأشرعة.. هي وحدها من تعبر في ذاكرتي وتحرك أفكاري هي لا تريد محتالاً كلما تذكرها صدفةً قفز إلى أقرب حديقة منسية ليقطف لها وروداً ينثرها على روح مواعيده الخائبة.
Page 2
أوجاع علي أمقاسم

لم يحدثني يوماً عن وطنه..

كنت أسمعه يقول : الأوطان التي نهرب منها نهاراً ونعود إليها خلسة مع العتمة لا نستحقها. إلا أنها تغفر.. لا تحمل بين تربتها أحقاداً كما نفعل مع بعضنا.

لم يكن يحمل أوراقاً تثبت أنه على قيد الحياة.

مجرد صورة قديمة كانت ترافقه باستمرار لشاب نحيل يقف على صخرة كبيرة ومن خلفه أشجار كثيفة.

لم يخبرني عن ذلك الشاب..

ولا عن المكان..

ولا عن سر الصورة التي لا تفارقه..

مع الفجر يخرج إلى مزرعته كريشة طائر.. يفرك وجه الصبح بلحيته وخشونة قدميه.. يدوس التراب البارد برفق وكأنه يخشى عليه الاختناق.

ينحني بجذعه نحو الأرض كعاشق أسمر، ويثني ركبتيه ببطء ويتناول حفنة من نباتها يضعها في جيب قميصه الأبيض وهو ينشد لحناً من شجن.

يقول : فوق هذه الأرض وقفت صغيراً، وعليها تناولت سنيني، وها أنا اليوم أستقبل نهاراً قد يكون الأخير.

ما أصعب أن تودع كل الأصوات التي كانت تسامرك، وتغني معك، وتناديك عندما تبتعد لتعود من غيابك.

تدفنهم بيديك، ومن ثم تدير ظهرك عنهم وكأنهم لا يعنون لك.. إنها حياتنا نشم فيها اقتراب الموت كما نشم المطر.

علي أمقاسم..

شبح بسيط من زمن المطحونين في الأرض. عندما يحكي عن زوجته التي سرقها الطاعون فإنه يموت آلاف المرات.. لا يتوقف عن فرك عينيه بشموخ الذين يؤمنون بأن البكاء على الأحبة لا يجلب العار. ما زال يتذكر شجرة الريحان التي غرستها إلى جوار باب الدار الذي تكوّن حولهما من ألواح وأعمدة خشبية وبعض الحبال البالية.

كان دائماً ما يردد أنه على مشارف الموت، لم يعد لديه متسع من العمر ليحلم..

وأنه لو كان باستطاعته أن يحلم لتمنى أن يلحق بشريكته ليهديها ريحانتها التي كبرت لتغرسها إلى جوار ريحانة الجنة التي أهداها الله.

قبل الغروب يمشي طويلاً وكأنه يعيد حساب خطواته التي نسي أن يحسبها ؛ لأنه فقدها من شدة العطش والجوع والخوف.. وربما لحزنه على من سقطوا خلفه.

عندما خرجت من قريتي أقتفي أثر المدينة كان لايزال ظلاً يقترب من ساعات الغروب الأخيرة. يجلس طويلاً إلى جوار شجرة الريحان وعندما تشتد الشمس ينتقل ليجلس في ظل جدار بلا ملامح. ظلُّ عجوز يجلس في ظل جدار أوشك على الفناء. لا يتذكر الوجوه كثيراً ومع ذلك هو يبتسم لها وكأنه يأذن لها بعناق أخير ينهي عطشها بعد مشوار طويل من الجفاف.

يقولون إنه اختفى، بحثوا عنه ولم يجدوه.

يروي ناصر الأعرج أنه آخر من شاهده يمشي نحو الغروب كعادته قاطعاً طريق الوادي نحو الأسفلت، ولم يعد بعدها.

ربما أنه عندما شاهد الصباح توكأ على أول ضوء عابر.. ومضى دون أن يلتفت إلى أوراقه التي بعثرتها الريح، والآن لا شيء، مجرد ظل واختفى.

وفي المساءكانوا يتحدثون عنه، يقولون إنهم شاهدوه خلف الظلام كطيف أبيض .. كركام الورق المنثور.

كان مجرد ظل يجلس في ظل.. والظلال لا تبقى كثيراً، ترحل دائماً مع الشمس والضياء. حتى الريحانة التي كانت تغازله برائحتها وأغصانها كلما مر إلى جوارها نفضت أوراقها وانحنت حزناً عليه.

لا أحد يعرف إلى أين ذهب علي أمقاسم والأسفلت الذي أغواه لا يجيب.
Page 3
لقطة خلفية

إلى الأستاذ الكبير محمد صادق دياب رحمه الله!

لم تكن تعلم وهي تصوب عدسة كاميرتها نحو جسده من الوراء أن هذه اللقطة ستكون الأخيرة لوالدها، والتي ستحتفظ بها الذاكرة الرقمية. لقطة خلفية لرجل يفيض بالحكايات كشجرة النيم التي كان يغني لها..

يا شجرة ميلي.. ميلي

فتميل بدلال على جنبها الأيمن.

صورة لجسد منهك يعبر ذلك الشارع اللندني نحو رصيف قصير كقصر العمر والحياة.

تجمد كل شيء داخل الصورة..

الضوء والظلال، وعقارب الساعات بلحظاتها المتفاوتة، والملامح التي احتفظت بدهشتها فرحاً وحزناً.

الأديب والصحافي محمد صادق دياب رحمه الله، في رحلته الأخيرة إلى لندن.

حتى الحمامة التي فردت جناحيها نحو السماء بالقرب من قدمه اليسرى كانت هي الأخرى تودعه.

هي الوحيدة بعد أن داست ذلك الزر الصغير استطاعت أن تتحرر من الإطار والجمود لتروي عن والدها الذي طالما أسكن الحكايات شبابيك ذكرياتنا.

لا أحد يعلم بأي شيء كان يفكر ذلك الجسد المثقل بهموم الكادحين وأيام عمرهم وهو يدير ظهره للحياة.

هل كان حينها منهكاً؟

هل كان يفكر في حديث الأطباء عن حالته؟

ولكنه من المؤكد أنه لم يكن يفكر بالموت.. لأنه قال بشجاعة لصديقه الدكتور فؤاد الذي عثر عليه يوماً على رصيف يشبه ذلك الرصيف في الصورة وهو يحاول القفز فوق الكثير من الأوجاع : أخبرني بحقيقة مرضي فأنا لا أخشى الموت.

ماذا يعني الموت لرجل قارب من السبعين؟

لقد عشت بما فيه الكفاية في هذه الحياة بينما رحل عنها من كان يستحق العيش فيها أكثر. إنها الأقدار يا صديقي تشبه الدروب العتيقة التي تحملنا طويلاً دون أن تشتكي، ولكنها تصبح دروباً مسدودة لا تعبر بنا عندما تحين النهاية.

في تلك اللقطة الخلفية غاب المشهد الأخير قبل أن تتلون الصورة بكامل تفاصيلها.

ضلت الشمس طريقها ولم تصافح وجه السماء كعادتها.

تلعثم الراوي، وسقط بطل حكايته. لم يستدر ليلوح بيده كما يفعل الذين اكتملت حكاياتهم. لم يصفق الجمهور، ولم يهتف باسمه..

ربما لأنهم كانوا ينتظرون عودته من خلف الضباب مبتسماً كوجه مدينته العروس التي خلعت زينتها وأدارت ظهرها للبحر ولطائر النورس العجوز الذي كان يأتيها بالأخبار.

خرج وحيداً من زوايا الصورة وظلت فقط مجرد لقطة خلفية.
Page 4
تحولات كائن حي

لم يكن باختياري أن أكون كائناً بشرياً له بشرة داكنة. لم يسألني أحد ما إذا كنتُ أرغب بالخروج إلى هذا العالم المأسوي أم لا.. لأكون شاهداً على الكثير من الألم. ولدت كغيري من البشر بطريقة بدائية على يد قابلة سمراء جميلة تسمى (دوكة). خرجت معتلاً أقرب إلى الموت مني إلى الحياة.. ولكن دوكة ـ كما أخبرتني أمي ـ ضربت بيدها ثلاثاً على ظهري وأخذت تدعو لي أن يطيل الله في عمري ولو على حساب عمرها. ومن يومها وأنا أطوف السنوات سقوطاً ونهوضاً.. بينما دوكة التي اعتنت بي تركت راضية مرضية ما تبقى من عمرها ورحلت. هي أيضاً لم يسألها أحد قبل أن تموت عن آخر رغباتها وما إذا كانت قد ندمت على أمنيتها وهي تضرب على ظهري!

حتى عندما بدأت مراحل الدراسة كنت أصغر بعام من السن النظامي ؛ لأن أخي الذي يكبرني بعامين رفض عبور بوابة المدرسة بمفرده خوفاً من وحشة الوجوه العابسة.

وافق مدير المدرسة استثنائياً على قبولي لأن والدي وقف طويلاً يترجاه أن يقبلني حتى لا تضيع سنة أخرى من عمر أخي. بينما أنا لم يسألني أحد ما إذا كنت أود الاستغناء عن تلك السنة من عمري والزج بها بين طاولات الدراسة، أم أني أفضل اللعب مع الطين البارد عند الصباح.

كم هو مؤلم أن يضحك الطلاب عليك لأنك لم تستطع نطق كلمة (حيوان) في درس الهجاء ونطقت عوضاً عنها (حلوان) ليسخط عليك المعلم وينهال بعصاه على جسدٍ هرب للتو من الموت. لم يسألني المعلم ما إذا كنتُ أتألم من سياطه، بينما هو يشتد ألمه كلما أخطأت عصاه يدي. حتى وهو يغادر الفصل وأنا في زاويتي أطوي يدي تحت بطني ألماً لم يتقدم نحوي ليسألني ما إذا كان قد قسا عليّ كثيراً..! بل خرج منتصراً يجر عصاه على وجه الأرض وكأنه يطهرها من جسدي.

عندما عدت إلى البيت لم أجد أبي لأشتكي له.

نسيت أنه يعمل طويلاً.. لذلك فضلت أن أحتفظ بأثر العصا على يدي إلى حين عودته.. قبضت على تلك الخطوط الحمراء المتشابكة خوفاً من تواطؤ العصا والجلاد.

لم يكن باختيار أبي كثرة غيابه عن البيت لأنه كان ملزماً بسداد إيجار المنزل الذي نسكنه، وتأمين احتياجاتنا في زمن لا يؤمن بغير اللصوص. أبي لم يحاول يوماً أن يصبح لصاً.. لذلك كان ينفر من كل الأعمال التي تتطلب التحايل والكذب ويرضى بأعمال شاقة كأن يحمل الأشياء الثقيلة من وإلى المستودع أو كنس الممرات والمكاتب.. لذلك نحن حتى اليوم لا نمتلك منزلاً. دخلت يوماً خلسة بحثاً عنه فأمسك بي حارس الباب وقبل أن يسألني عن سبب دخولي صفعني على وجهي وألقى بي خارجاً. كنت أحاول وأنا أتعثر بخطواتي إخباره بأن أمي تتألم في المنزل من جراء الولادة وتريده أن يحضر جدتي. أذكر أني صرخت وأنا ممدَّد أمام المارة وقلت للرجل الذي ساعدني على النهوض إن أمي تبكي.. ولكنه تابع طريقه بعد أن نفض عن ملابسي تراب الطريق.

حتى عندما كبرت قليلاً اكتشفت أني رجلٌ بلا وطنٍ، وبلا عنوان، ولا خريطة تحيط بي من جهاتها الأربع.. فمنذ اهتزاز الشعر في وجهي وأنا أبحث عن حدودٍ و تضاريس وعرة ترهقني، و عن مناخٍ شبه معتدل. كبرتُ كما تكبر الكثبان وأنا أسأل الرمل عن لون البحر.. هل حقاً إنّ لونه أزرق؟ أم أنه يستعير من السماء زرقتها؟ لذلك أنا أغار من صديقي الذي يهاتفني كل مساء من فناء موطنه وهو يشوي الذرة الصفراء، ويقبل أمه قبل أن ينام بينما أنا لا أنام ؛ لأنني أظل مستيقظاً أتوسل إلى سرب طيور موحد اللون يزورني كل شتاء هرباً من الموت كي يخبرني إلى أي الجهات يشرق وجهي؟ فكل الخرائط تقول لي: أسلك ذاك الطريق.. هناك وطن يشتري فتية شارفوا على الموت، يمنحهم لوناً للحياة، ونجمة يستدلون بها كلما تخلت عنهم أوطانهم وعادوا غرباء. اعتدت السقوط في حفر الحياة وكأني أبحث عن مكان أستريح فيه قبل النهوض مجدداً دون أن أنفض عن ملابسي التراب كما فعل معي ذلك الرجل الطيب.