Page 1
رقصة التنّين
أأطرحه أم لا؟ ما هذا التردد القاتل؟ فالتعرق يزداد والبرودة تحتل مساحات جسمي ومسامي لا تتنفس. إنها تختنق!
على أونّة... على دوّي.. على تري... مبروك عليك. قالها السمسار لأحدهم، ثم تابع مستدركاً: اللي بعدو..
السلع تعرض تباعاً، سلع من كل نوع ولون، متباينة الأحجام والأقدار والقيمة، بشرية وحيوانية، وأثاث ومقتنيات...
إطرحه هيا ولا تخف، إنها ساحة المزاد.. ساحة لجميع الناس، إنها ساحة الوطن الكبرى، لن تجد أكبر منها مساحة طولاً وعرضاً، إنها دائرية ثم "من حضر السوق باع واشترى".
هيا.. إطرحه.. تشجع يا جبان.. لك في هؤلاء أسوة.. لا لا، من؟ هؤلاء؟ لا.. هؤلاء تسميهم ناساً؟ لا، لا، لن أطرحه. لكن اشفق على نفسك، ألا ترثي لحالك؟ ها أنت ترتجف في عز القيظ، وفمك جاف وقد تشقق لسانك وشفتاك، ثم ها قد بدأ يزيغ منك البصر، إنه دوار يصيبك الآن بسبب ضغطك الذي ارتفع...
لم يكن "معروف مختار" يدرك، عندما وصل الساحة العامة، ما ينتظره من مفاجآت، وهو ينوء بحمله الثقيل، ولم يكن يعرف أنه سوف يصل إلى هذه الدرجة من الإرهاق والذهول والتردّد، حين ارتفعت فجأة وازدادت جُرعة الحسّ الإنساني لديه، إنها نقطة ضعفه، إذ لطالما اعترف بينه وبين ذاته بهذه الناحية في حياته، عندما تجتاحه هذه الشحنة من الموروث القروي المعجون في معجن الطبيعة ونقاوتها وتلقائية العيش، وعفوية التعاطي مع أمور الحياة ومع الناس. فجأة، تحتل هذه الموجة من الإنسانية الخالصة كل كيانه، ليضعف أمام توحش الآخرين وماديتهم وعدم براءتهم.
لقد كان هذا حواراً داخلياً بينه وبين ذاته، ثم بدأت الأصوات الكثيرة الخافتة والقوية تغيب عن سمعه شيئاً فشيئاً.. سوف يسقط أرضاً، سوف يهوى بما يحمل على كتفه، فإذا سقط يكون طرح نفسه في المزاد بدلاً عنه أي عن ضميره، لكن ما الفرق؟ "تمالك نفسك يا رجل" مخاطباً ذاته. ما هذه الورطة يا ربي؟ يجب أن أصمم وأقرِّر بسرعة، لكن لماذا أتيت إلى هنا؟ لماذا صممت على البيع؟ الحاجة؟ أجل، الحاجة.. ليتني لم أتذكر ولم أنتبه.. أجل ليتني لم أتذكر ما قاله لي أبي ذات يوم: "إسمع يا بُني، عندما ولدتك أمك في ليلة طقس ماطر وزمهريري، قال لي أبي: "مبروك، وأتمنى أن تكون ضمائره قد ولدت معه".
وعندما سأل والد معروف أباه مستفسراً عن تلك الضمائر، أجابه: "إنها المتصل والمنفصل والمستتر".
وسأل معروف أباه، بدوره، "وهل كان جدّي يُحسن القراءة والكتابة؟ أجل، أجابه أبوه، بل قل إنه كان ضليعاً في اللغة العربية، ولولا ذلك، لما ذكر هذه الضمائر الثلاثة. ثم أضاف قائلاً، بعد أن اعتدل في جلسته: أظنه كان مستغرقاً في مزاحه المعتاد. ربما، أجابه معروف، لكنه قد نسي أن يذكر المتكلم والمخاطب والغائب. ضحك والد معروف وربَّت على كتفه، ثم نهض ومضى في حال سبيله. مات جد معروف وكان عمره حينها خمس سنوات وبالكاد يتذكره، في تفاصيله الجسمانية.
لكن الآن، يجد ذاته ملزماً بتصور كل تفاصيله، وبالبحث عن حالات ومواقف وإشارات تذكره به، لأنه الآن في بدايات الحروب الصغيرة، وفي خلالها وفي نهايتها.
لذلك يتذكّر كلماته لأبيه يوم ولد عن ضمائره الثلاثة بحسب ما قال أبوه، فما عساه فعل بها يا ترى؟ فهل كان قصد جدّه بسؤاله ذاك، خروج تلك الضمائر عن سلطة اللغة العربية وقوانينها وقواعدها إلى مناخات الحياة البشرية، إلى حالات الإنسان، فرحها وترحها، أمنها وقلقها، أملها ويأسها، (مع أنه يكره الأضداد) وسرائها وضرّائها، سعادتها وبؤسها؟
أأطرحه أم لا؟ ما هذا التردد القاتل؟ فالتعرق يزداد والبرودة تحتل مساحات جسمي ومسامي لا تتنفس. إنها تختنق!
على أونّة... على دوّي.. على تري... مبروك عليك. قالها السمسار لأحدهم، ثم تابع مستدركاً: اللي بعدو..
السلع تعرض تباعاً، سلع من كل نوع ولون، متباينة الأحجام والأقدار والقيمة، بشرية وحيوانية، وأثاث ومقتنيات...
إطرحه هيا ولا تخف، إنها ساحة المزاد.. ساحة لجميع الناس، إنها ساحة الوطن الكبرى، لن تجد أكبر منها مساحة طولاً وعرضاً، إنها دائرية ثم "من حضر السوق باع واشترى".
هيا.. إطرحه.. تشجع يا جبان.. لك في هؤلاء أسوة.. لا لا، من؟ هؤلاء؟ لا.. هؤلاء تسميهم ناساً؟ لا، لا، لن أطرحه. لكن اشفق على نفسك، ألا ترثي لحالك؟ ها أنت ترتجف في عز القيظ، وفمك جاف وقد تشقق لسانك وشفتاك، ثم ها قد بدأ يزيغ منك البصر، إنه دوار يصيبك الآن بسبب ضغطك الذي ارتفع...
لم يكن "معروف مختار" يدرك، عندما وصل الساحة العامة، ما ينتظره من مفاجآت، وهو ينوء بحمله الثقيل، ولم يكن يعرف أنه سوف يصل إلى هذه الدرجة من الإرهاق والذهول والتردّد، حين ارتفعت فجأة وازدادت جُرعة الحسّ الإنساني لديه، إنها نقطة ضعفه، إذ لطالما اعترف بينه وبين ذاته بهذه الناحية في حياته، عندما تجتاحه هذه الشحنة من الموروث القروي المعجون في معجن الطبيعة ونقاوتها وتلقائية العيش، وعفوية التعاطي مع أمور الحياة ومع الناس. فجأة، تحتل هذه الموجة من الإنسانية الخالصة كل كيانه، ليضعف أمام توحش الآخرين وماديتهم وعدم براءتهم.
لقد كان هذا حواراً داخلياً بينه وبين ذاته، ثم بدأت الأصوات الكثيرة الخافتة والقوية تغيب عن سمعه شيئاً فشيئاً.. سوف يسقط أرضاً، سوف يهوى بما يحمل على كتفه، فإذا سقط يكون طرح نفسه في المزاد بدلاً عنه أي عن ضميره، لكن ما الفرق؟ "تمالك نفسك يا رجل" مخاطباً ذاته. ما هذه الورطة يا ربي؟ يجب أن أصمم وأقرِّر بسرعة، لكن لماذا أتيت إلى هنا؟ لماذا صممت على البيع؟ الحاجة؟ أجل، الحاجة.. ليتني لم أتذكر ولم أنتبه.. أجل ليتني لم أتذكر ما قاله لي أبي ذات يوم: "إسمع يا بُني، عندما ولدتك أمك في ليلة طقس ماطر وزمهريري، قال لي أبي: "مبروك، وأتمنى أن تكون ضمائره قد ولدت معه".
وعندما سأل والد معروف أباه مستفسراً عن تلك الضمائر، أجابه: "إنها المتصل والمنفصل والمستتر".
وسأل معروف أباه، بدوره، "وهل كان جدّي يُحسن القراءة والكتابة؟ أجل، أجابه أبوه، بل قل إنه كان ضليعاً في اللغة العربية، ولولا ذلك، لما ذكر هذه الضمائر الثلاثة. ثم أضاف قائلاً، بعد أن اعتدل في جلسته: أظنه كان مستغرقاً في مزاحه المعتاد. ربما، أجابه معروف، لكنه قد نسي أن يذكر المتكلم والمخاطب والغائب. ضحك والد معروف وربَّت على كتفه، ثم نهض ومضى في حال سبيله. مات جد معروف وكان عمره حينها خمس سنوات وبالكاد يتذكره، في تفاصيله الجسمانية.
لكن الآن، يجد ذاته ملزماً بتصور كل تفاصيله، وبالبحث عن حالات ومواقف وإشارات تذكره به، لأنه الآن في بدايات الحروب الصغيرة، وفي خلالها وفي نهايتها.
لذلك يتذكّر كلماته لأبيه يوم ولد عن ضمائره الثلاثة بحسب ما قال أبوه، فما عساه فعل بها يا ترى؟ فهل كان قصد جدّه بسؤاله ذاك، خروج تلك الضمائر عن سلطة اللغة العربية وقوانينها وقواعدها إلى مناخات الحياة البشرية، إلى حالات الإنسان، فرحها وترحها، أمنها وقلقها، أملها ويأسها، (مع أنه يكره الأضداد) وسرائها وضرّائها، سعادتها وبؤسها؟
Page 2
عندما اشتعلت الحرب الأهلية في لبنان وتوالت فصولاً في حروب صغيرة، ثم تمادت في إسفافها فيما بعد، كنا نمنّي النفس دائماً، في كل يوم، بوجود أمل ما في انتهائها، لكنها لم تنتهِ، لقد انتهت أو قد زُيِّن لنا ذلك، بعد أن أنهت الكثيرين منّا.
حينها، جعلته تلك الحرب مساوماً على ضمائره، بل هي أرغمته على ذلك، ففي الحرب تنقلب الموازين وتتبدّل القيم، وتطفو أشياء الحياة المستورة والدفينة والمخبأة عن قصد، على السطح.
وعندما تطفو أشياء الحياة على سطحها، تصبح الحياة مسرحاً ما بعده مسرح: لقد أرغمته سنون الحرب والسنون التي تلتها، والحرب مستمرة بأشكال أخرى لم تزل، على بيع ضمائره بالتدريج، وفي المزاد العلني في ساحة الوطن الكبرى. إنها ملحمة الضمائر البشرية في ساحتي الحرب والسلم.
أما لماذا وكيف اضطر إلى بيعها؟ فلأسباب لن تخفى على أحد:
في النصف الأول من أيام الحرب، ضاقت به الأحوال، ولم يعد يملك شروى نقير، "لا فوقه ولا تحته" كما يقولون، ولم يعد لديه شيء صالح للبيع. لقد سمع وقرأ وشاهد أخباراً وحوادث عن بيع الكلى والأطراف، لكنه لم يجرؤ على هذه الخطوة اللعينة المقيتة، ولقد أوصى بالتبرّع بأعضائه الصالحة (هذا إذا بقيت كذلك)، بعد الموت، سوى عضو واحد، فإن مات "منتصب القامة" كان به، وإلا فلن ينفع الآخرين في شيء.
وأمضى أياماً بلياليها على هذا المنوال، يرتشف القهوة المستعملة، ويدخن بقايا سجائره مفكراً بطريقة "لائقة" لمتابعة العيش: هل يسرق؟ لا، ليس ذلك بمقدوره، هل يقتل؟ وأنّى له ذلك وهو لا يجرؤ على إيذاء بعوضة تمتص دمه؟ ثم إنه ضد القتل أساساً.
وفي ليلة من الليالي، قفزت فجأة، هكذا دفعة واحدة، صورة مذهلة أمام ناظريه، وبدت له واضحة جليّة؛ لقد خطرت الفكرة بكليتها، يا لك من شيطان، حدّث نفسه، من أين خطرت لك هذه الفكرة الجهنميّة؟ أجل الضمائر.. لماذا لا أبيع ضمائري، تلك التي تكلم عنها جدّي لأبي؟ ولو كان الأمر مجرد مزاح، كما علَّق أبي، فهذه تجارة لم يفكّر بها أحد من قبل، خاصة مع وجود حركة البورصات العالمية، فإن أثمانها قد ترتفع أو تنخفض بحسبها، إنها تجارة لم تخطر ببال "تاجر بندقية" شكسبير، ولا ببال تجار المال الكبار وتجار الدماء والأعضاء البشرية؟
انفرجت أساريره وسرت حركة لرعشة ضاحكة بدأت خفيفة كابتسامة ثم قويت، فقهقه: قه..قـ..ق..قاه.. ثم أخذ مجّة مما تبقّى من سيجارته، واسترخى في جلسته. ثم ساد صمت طويل.
لقد سكنت أوجاع مفاصله، لكن قلبه كان خفقانه قوياً رغم التركيز: تركيز الفهد على فريسته قبل الانقضاض عليها: لقد عقد العزم على بيع ضمائره بالتدريج.
وفي ليلة ليلاء من ليالي كانون، جلس، هو وضمائره حول موقد مليء بالجمر يتسامرون وهم يحتسون الشاي، وكانوا يُسَمّون الجمرات بأسماء العجائز في قريته ليروا إلى أيّها يخلص قبل الآخر، فالجمرة التي تنطفئ تؤشر إلى موت صاحبها قبل الآخرين. ليلتها، ناقشوا الوضع ملياً، بعد أن آلت الأمور إلى التدهور على الصعد كافة، وبخاصة الإقتصادي منها، ووصلوا إلى قناعة أنه بعد الذي صار وجرى، لا بُدّ من التضحية والمبادرة، ولا بد من أن يكون أحد ضمائره في المقدمة، أو يجرؤ على افتداء الآخرين، فينقذهم جميعاً.
وبعد جدال طويل ونقاش مستفيض وأخذ ورد، لم يستطيعوا التوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، فاقترح ضميره المستتر أن يجروا القرعة، والذي تقع عليه يكون أول المبادرين..
ودارت اللعبة، فاستقرّت على "المنفصل"، فثارت ثائرته واتهم أن في العملية غش وتزوير ولا بُدّ من إعادتها، وإلا سوف يتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن ولجنة حقوق الإنسان، وهو لن يرضى إلا بأن يتم الأمر بإشراف الأمم المتحدة، فطيّبوا خاطر الضمير المنفصل، وأعادوا الكرّة، ودارت القرعة ورست على "المتصل" فلم يقبل، وصاح قائلاً، لو لم نُعِد الكرّة لما رست عليّ.. ثم أن في العملية أيضاً غش، والغش مرتبط بـ من أين نبدأ بالعدّ. صحيح، من أين نبدأ؟! قال معروف في نفسه: إن كل مشاكل الحياة تتعلّق بكيف وأين نبدأ!.
لكن ضميره المستتر، اقترح اللعبة الروسية، باستخدام المسدس الذي لا يحوي إلّا على طلقة واحدة، هنا خطّأ ضميره المستتر، قائلاً: ماذا ينفعني إن قتلت أنت أم أنا أم هو أم هو الآخر؟
المستتر: من يُقتل بالمسدس، نعرف بأن القرعة قد رست عليه.
هنا انتابت ضميره المتصل نوبة ضحك هستيري، حتى كاد أن يغمى عليه، فتعمّد أن يصرخ في وجهه ليتوقف، فهدأ، لكن لا زالت هناك عنعنات في داخله، وتفلت منه ضحكات مكتومة. وأراد ضميره المنفصل أن يغيّر الموضوع، فحكى لهم حكاية زوجته وعيدان الكبريت أول أيام الحرب، فقال اسمعوا هذه السالفة:
"..إقتنى الناس في أيام الحرب عيدان ثقاب للإستعمال، سوداء اللون، فلا تستطيع أن تفرق بينها وبين عيدان الثقاب المستعملة. لكنها كانت سيئة بحيث لا يشتعل منها إلا القليل، وهذا القليل إن اشتعل سرعان ما ينطفئ بسرعة، وكانت زوجتي تضع العيدان المستعملة في علبة كبريت جعلتها خصِّيصاً لهذه الغاية. وفي إحدى المرّات أردت أن أشعل سيجارة لأحد الضيوف، فاستخدمت دون انتباه عيدان ثقاب العلبة المستعملة، ولم أفلح في إشعال سيجارة الضيف بالطبع، وعندما أبدى دهشته، تداركت الأمر وسارعت إلى إخباره، بأن زوجتي كانت تجرّب عيدان الثقاب، فالتي تشتعل تعتبرها جيدة وصالحة للاستعمال فتجعلها في هذه العلبة". وهنا عادت من جديد نوبة الضحك الهستيري إلى ضميره المتصل، واضطر لوضع يده على فمه لإسكاته لكن من دون جدوى، وضغط حتى كاد أن يختنق، فتدخل المنفصل والمستتر وأبعداه عنه.
لم يدرِ، لماذا كان يومها شديد التوتر، سريع العطب، ضيّق الخلق، ربما لأنه قد عقد العزم على بيع أحد ضمائره. وتبعاً للأولوية والقيمة لكل ضمير، ونظراً للترتيب الإجتماعي الذي يتّبعه في حياته اليومية العادية، وفي حياته المادية والأخلاقية والسياسية والثقافية والاجتماعية، كان الضمير المتصل على رأس القائمة، جاعلاً المنفصل والمستتر على لائحة الانتظار. رجاه يومها وتوسّل إليه بأن يجعله في أسفلها، وأن يقدّم عليه ضميريه الآخرين، المنفصل والمستتر، فهو - كما يقول - لم يحقق أمنيته بعد في الحياة.
- ما هي أمنيتك؟ سأله، بنفاذ صبر، وبعد أن جلس معه على انفراد،
- لم أتزوج بعد مثلك، ولم أذق طعم العشق وحلاوة الغزل ولم أرزق بأولاد لطالما تمنيتهم حولي، ثم أني لم أسافر فأشاهد بلاداً أخرى وأتعرّف على ناس جدد، إنني باختصار لم أختبر وأعرف الحياة جيداً، ولم أذق حلوها ومرّها.
حينها، جعلته تلك الحرب مساوماً على ضمائره، بل هي أرغمته على ذلك، ففي الحرب تنقلب الموازين وتتبدّل القيم، وتطفو أشياء الحياة المستورة والدفينة والمخبأة عن قصد، على السطح.
وعندما تطفو أشياء الحياة على سطحها، تصبح الحياة مسرحاً ما بعده مسرح: لقد أرغمته سنون الحرب والسنون التي تلتها، والحرب مستمرة بأشكال أخرى لم تزل، على بيع ضمائره بالتدريج، وفي المزاد العلني في ساحة الوطن الكبرى. إنها ملحمة الضمائر البشرية في ساحتي الحرب والسلم.
أما لماذا وكيف اضطر إلى بيعها؟ فلأسباب لن تخفى على أحد:
في النصف الأول من أيام الحرب، ضاقت به الأحوال، ولم يعد يملك شروى نقير، "لا فوقه ولا تحته" كما يقولون، ولم يعد لديه شيء صالح للبيع. لقد سمع وقرأ وشاهد أخباراً وحوادث عن بيع الكلى والأطراف، لكنه لم يجرؤ على هذه الخطوة اللعينة المقيتة، ولقد أوصى بالتبرّع بأعضائه الصالحة (هذا إذا بقيت كذلك)، بعد الموت، سوى عضو واحد، فإن مات "منتصب القامة" كان به، وإلا فلن ينفع الآخرين في شيء.
وأمضى أياماً بلياليها على هذا المنوال، يرتشف القهوة المستعملة، ويدخن بقايا سجائره مفكراً بطريقة "لائقة" لمتابعة العيش: هل يسرق؟ لا، ليس ذلك بمقدوره، هل يقتل؟ وأنّى له ذلك وهو لا يجرؤ على إيذاء بعوضة تمتص دمه؟ ثم إنه ضد القتل أساساً.
وفي ليلة من الليالي، قفزت فجأة، هكذا دفعة واحدة، صورة مذهلة أمام ناظريه، وبدت له واضحة جليّة؛ لقد خطرت الفكرة بكليتها، يا لك من شيطان، حدّث نفسه، من أين خطرت لك هذه الفكرة الجهنميّة؟ أجل الضمائر.. لماذا لا أبيع ضمائري، تلك التي تكلم عنها جدّي لأبي؟ ولو كان الأمر مجرد مزاح، كما علَّق أبي، فهذه تجارة لم يفكّر بها أحد من قبل، خاصة مع وجود حركة البورصات العالمية، فإن أثمانها قد ترتفع أو تنخفض بحسبها، إنها تجارة لم تخطر ببال "تاجر بندقية" شكسبير، ولا ببال تجار المال الكبار وتجار الدماء والأعضاء البشرية؟
انفرجت أساريره وسرت حركة لرعشة ضاحكة بدأت خفيفة كابتسامة ثم قويت، فقهقه: قه..قـ..ق..قاه.. ثم أخذ مجّة مما تبقّى من سيجارته، واسترخى في جلسته. ثم ساد صمت طويل.
لقد سكنت أوجاع مفاصله، لكن قلبه كان خفقانه قوياً رغم التركيز: تركيز الفهد على فريسته قبل الانقضاض عليها: لقد عقد العزم على بيع ضمائره بالتدريج.
وفي ليلة ليلاء من ليالي كانون، جلس، هو وضمائره حول موقد مليء بالجمر يتسامرون وهم يحتسون الشاي، وكانوا يُسَمّون الجمرات بأسماء العجائز في قريته ليروا إلى أيّها يخلص قبل الآخر، فالجمرة التي تنطفئ تؤشر إلى موت صاحبها قبل الآخرين. ليلتها، ناقشوا الوضع ملياً، بعد أن آلت الأمور إلى التدهور على الصعد كافة، وبخاصة الإقتصادي منها، ووصلوا إلى قناعة أنه بعد الذي صار وجرى، لا بُدّ من التضحية والمبادرة، ولا بد من أن يكون أحد ضمائره في المقدمة، أو يجرؤ على افتداء الآخرين، فينقذهم جميعاً.
وبعد جدال طويل ونقاش مستفيض وأخذ ورد، لم يستطيعوا التوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، فاقترح ضميره المستتر أن يجروا القرعة، والذي تقع عليه يكون أول المبادرين..
ودارت اللعبة، فاستقرّت على "المنفصل"، فثارت ثائرته واتهم أن في العملية غش وتزوير ولا بُدّ من إعادتها، وإلا سوف يتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن ولجنة حقوق الإنسان، وهو لن يرضى إلا بأن يتم الأمر بإشراف الأمم المتحدة، فطيّبوا خاطر الضمير المنفصل، وأعادوا الكرّة، ودارت القرعة ورست على "المتصل" فلم يقبل، وصاح قائلاً، لو لم نُعِد الكرّة لما رست عليّ.. ثم أن في العملية أيضاً غش، والغش مرتبط بـ من أين نبدأ بالعدّ. صحيح، من أين نبدأ؟! قال معروف في نفسه: إن كل مشاكل الحياة تتعلّق بكيف وأين نبدأ!.
لكن ضميره المستتر، اقترح اللعبة الروسية، باستخدام المسدس الذي لا يحوي إلّا على طلقة واحدة، هنا خطّأ ضميره المستتر، قائلاً: ماذا ينفعني إن قتلت أنت أم أنا أم هو أم هو الآخر؟
المستتر: من يُقتل بالمسدس، نعرف بأن القرعة قد رست عليه.
هنا انتابت ضميره المتصل نوبة ضحك هستيري، حتى كاد أن يغمى عليه، فتعمّد أن يصرخ في وجهه ليتوقف، فهدأ، لكن لا زالت هناك عنعنات في داخله، وتفلت منه ضحكات مكتومة. وأراد ضميره المنفصل أن يغيّر الموضوع، فحكى لهم حكاية زوجته وعيدان الكبريت أول أيام الحرب، فقال اسمعوا هذه السالفة:
"..إقتنى الناس في أيام الحرب عيدان ثقاب للإستعمال، سوداء اللون، فلا تستطيع أن تفرق بينها وبين عيدان الثقاب المستعملة. لكنها كانت سيئة بحيث لا يشتعل منها إلا القليل، وهذا القليل إن اشتعل سرعان ما ينطفئ بسرعة، وكانت زوجتي تضع العيدان المستعملة في علبة كبريت جعلتها خصِّيصاً لهذه الغاية. وفي إحدى المرّات أردت أن أشعل سيجارة لأحد الضيوف، فاستخدمت دون انتباه عيدان ثقاب العلبة المستعملة، ولم أفلح في إشعال سيجارة الضيف بالطبع، وعندما أبدى دهشته، تداركت الأمر وسارعت إلى إخباره، بأن زوجتي كانت تجرّب عيدان الثقاب، فالتي تشتعل تعتبرها جيدة وصالحة للاستعمال فتجعلها في هذه العلبة". وهنا عادت من جديد نوبة الضحك الهستيري إلى ضميره المتصل، واضطر لوضع يده على فمه لإسكاته لكن من دون جدوى، وضغط حتى كاد أن يختنق، فتدخل المنفصل والمستتر وأبعداه عنه.
لم يدرِ، لماذا كان يومها شديد التوتر، سريع العطب، ضيّق الخلق، ربما لأنه قد عقد العزم على بيع أحد ضمائره. وتبعاً للأولوية والقيمة لكل ضمير، ونظراً للترتيب الإجتماعي الذي يتّبعه في حياته اليومية العادية، وفي حياته المادية والأخلاقية والسياسية والثقافية والاجتماعية، كان الضمير المتصل على رأس القائمة، جاعلاً المنفصل والمستتر على لائحة الانتظار. رجاه يومها وتوسّل إليه بأن يجعله في أسفلها، وأن يقدّم عليه ضميريه الآخرين، المنفصل والمستتر، فهو - كما يقول - لم يحقق أمنيته بعد في الحياة.
- ما هي أمنيتك؟ سأله، بنفاذ صبر، وبعد أن جلس معه على انفراد،
- لم أتزوج بعد مثلك، ولم أذق طعم العشق وحلاوة الغزل ولم أرزق بأولاد لطالما تمنيتهم حولي، ثم أني لم أسافر فأشاهد بلاداً أخرى وأتعرّف على ناس جدد، إنني باختصار لم أختبر وأعرف الحياة جيداً، ولم أذق حلوها ومرّها.
Page 3
وتمنى عليه، والدمعة تفرّ من عينيه، منحه فرصة أخرى فهو لا يزال طموحاً، في مقتبل العمر، وينشد الحياة الأفضل.
كلام ضميره المتصل أوجعه وأربكه عندما أضاف قائلاً:
إن وجهتي اجتماعية، ومنحاي منحىً إجتماعي وعلاقاتي واسعة ومباشرتي للفعل دائمة، صحيح أن علاقاتي تأتي مجانية أحياناً، حيث لا أنتظر ثواباً أو أجراً، غير أن همّي هو تفعيل المجتمع، ودأبي إيجاد صيغة تعاون. إني أؤكد ذاتك يا صاحبي ضمن العلاقة مع الآخرين ومن خلالها، في المنزل ومكان العمل، وفي الرحلات والنـزهات، وفي الاجتماعات والندوات وفي الليل والنهار. إنني أبلور صلات الإنسان مع الضمائر الأخرى، ومع صفاته وصفات الآخرين، إنني دينامية الحياة وزنبركها، فلماذا تبيعني؟
- يا ضميري المتصل، قال له، لقد برزت في الحرب كما في السلم بوجهيك الإنساني والاستغلالي، ومنهم من تخلّى عنك بسبب انقطاع في العلاقة بينهم وبين الآخرين، ذلك الانقطاع القسري، بسبب كثرة الحواجز الطبيعية والاصطناعية، وبسبب الحواجز النفسية، وبسبب هجرة الآخرين من الأحياء وموت الأصدقاء والأعزاء في خلال الحرب. وإني أنا من البقية الباقية التي قدر لها أن تنجو من الموت والهلاك، وخرجت من الحرب بسلامة بدنها، دون سلامة عقلها، ولم تسلم حتى نفسها، لقد تشوها بفقدان من أحببت، إني لم أعد بحاجة إليك يا ضميري، لأني لم أعد بحاجة لعلاقات جديدة، وإلى مدّ جسور مع الآخرين، لأنني عاجز عن ذلك. لقد وجدتني في الحرب لا أعتاد الوجوه الجديدة التي لا تتواصل معي، وجوه القمع ووجوه السيطرة، ،الطمع والغش والكذب والاستغلال، من أجل ذلك كله، قد عقدت العزم على بيعك.
ـ ما ذنبي إذا الآخرون لم يشجعوا علي بقاء الضمير المتصل؟ إنهم هم الذين قطعوا أواصر الفعل، وحبل التواصل، لقد جنوا على صلات الرحم، وفككوا الأواصر الاجتماعية من صداقة وقرابة وعمل. لقد فعلوا ذلك كي يتخلّى عن الضمير المتصل أصحابه ووضعوه على الرفّ مكتفين بضميرهم المنفصل، فلماذا لا تبيع ضميرك المنفصل وتدع لي فرصة أخرى؟ أم تراك تحذو حذوهم في التفكك والتفكيك وقطع الصلات والتواصل؟
وفكر معروف ملياً بالأمر، صحيح، لماذا لا يبيع ضميره المنفصل، قال في نفسه؟ إنه ذو طبيعة انفرادية في الأساس، انطوائية وانعزالية إنه ينحو دائماً نحو الاستقلالية، والإنسان صاحبه يلجأ إليه في حال أصبح في غنىً عن ضميره المتصل، إنه يعني الانكفاء والاكتفاء الذاتي، والاستغناء عن الآخرين، ولا بد لي من أن أبحث عن اكتفائي، وأن استقل عن الآخرين الذين يزعجونني ويقضّون مضْجعي.
إن بيعه يعني إعادة التواصل والانغماس في شجون الآخرين وهمومهم، مما يعني عدم راحة البال. وبعد برهة من التفكير، زعق في وجه ضميره المتصل: لا.. لن أبيع ضميري المنفصل. ثم لماذا ترمي وسخك على الآخرين؟ هَـهْ؟ وترميها على الطرقات هنا وهناك؟ ما يهمك فقط هو أن تبعدها عن دارك، هكذا أنت إذاً، أناني وفوضوي وغير اجتماعي.
- ولمَ لا؟ ألم تقتنع بعد؟ يبدو أنَّ عليَّ أن أسوق الكثير من الحجج والبراهين.
ثم توسل إليه مرة أخرى وزيّن له أكثر فأكثر أفعاله وفوائده.
- لقد قلت لك، إنّني لن أبيع ضميري المنفصل الآن، إنك تريدني أن أبيعه قبلك لكي ترتاح أكثر، ويخلو لك الميدان، فتسير على حل شعرك، وتصول وتجول على هواك، فترتع في مساحتك دون رقيب وتفقدني وحدتي التي أنا في حاجة إليها عندما أتعب مع الآخرين ومن إزعاجاتهم وثقل دمهم.
ـ إنك تريدني أن أبيعه لأنه يعاقبك ويحاسبك لمصاريفك العشوائية، التي لا تحسب لها حساباً، ثم لتبذيرك اللامنطقي في انفتاحك على الآخرين إذ لا قيمة للمال عندك، ولا تعرف كيف توازن بين مدخولك ومصروفك إنك مراهق وغير مسؤول. وبعد، فإن ضميري المنفصل ما زال لديه طموح، طموح الاقتناء والتوفير وحب الاستقرار.
- (بأسى وغضب) بل قل إن ضميرك المنفصل طموحه البخل، لأنه لا يسهم في إنجاز المشاريع العامة والعمومية، وما عساي فعله إذا كان البعض قد استخدمه مكاني في حالة الاحباط والعجز والصدمة؟ وما هو ذنبي إذا كان هؤلاء قد فضّلوه عليّ، لضرورات الابتعاد عن الآخرين وحب الانزواء والتأمل؟ والآن قل لي: هل أنت محبط إلى درجة عدم الاستغناء عن ضميرك المنفصل؟
- أجل. (قال بخجل واستسلام، كمن يريد الاعتراف، أو أنه اعترف على مضض).
- إسمع! (واتسعت حدقتا عيني ضميره المتصل، وابتسامة المنتصر على محياه) إن طبيعة الحرب قد جعلت الناس ينكفئون نحو ضمائرهم المنفصلة. والبعض منهم في حالة زهد واقتناع في الأساس، لأن ذلك من طباعهم. لكنني أريد التكلم على القسم الآخر، عن أولئك الذين تقوقعوا في داخل صدفاتهم، بعد أن تخلوا عني، في ضميرهم المنفصل السياسي، وفي ضميرهم المنفصل الاجتماعي، إنهم كبشر هم في ضميرهم المنفصل البشري قابعون، فلا مساعدات ولا مشاريع عامة ولا تعاون، إنهم في الضمير المنفصل قد أصبحوا على الصعيد العائلي..
- هراء.. هراء.. (بحدّة أجابه مقاطعاً)، إني أنا كالآخرين.. إني لا أستطيع أن أحلّق خارج السرب البشري، ولقد حاولت أن أبقى كما كنت فلم أفلح.. إني أتعذّب.
- بل قل خارج القطيع البشري.. إنهم، ودون أن تجعلني مُجبراً على البوح بأسمائهم، يخططون دائماً ويعملون ليل نهار، من أجل جعلنا جميعاً، ودون استثناء، ضمائر منفصلة.
- لا.. لست مقتنعاً بما تقول، إنني بحاجة ماسة إلى بيعك كي أستمر على قيد الحياة.
- وهل الاستمرار على قيد الحياة يتوقف على المأكل والمشرب؟
- طبعاً، لا.. لكن الجوع كافر..
- إسمع! (وقد أبرقت عيناه فجأة)، هل فكرت قليلاً يا صاحبي في ضميرك المستتر؟ لماذا لا تبيعه ها؟ لماذا لا تبيعه هو وتُبقي عليَّ وعلى الضمير المنفصل؟ ها.. إنها لفكرة سديدة!.. ألا توافقني الرأي؟".
- أبيعه؟ (بنبرة قوية وقد استوى واقفاً رافعاً سبابته في وجهه متوعداً راعداً وقد تملّكه غضب كبير) لا وألف لا.. إنه خط أحمر. الضمير المستتر خط أحمر.. أجل، إنه آخر ما يتبقى لدي في زمن الانهيارات العامة التي لا ترحم، إنه كنزي الأخير وسرّي الدفين، وتريدني أن أبيعه؟ كلا وألف كلا... إنه التماس بين ذاتي وذاتي..
- ها.. لقد قلتها.. لأنه كنز! تبيعه لأنه كنز، لقد نطقتها.. وبذلك تغتني إلى ولد الولد..
- (باحتداد أكثر) هل لا زلت تسخر مني؟ إسمع!.. قلت لا.. يعني لا.. إنه طلقتي الأخيرة في بندقية العلاقات البشرية.. إنه رصاصة الرحمة.
- ولمَ الندم والخوف والأسف والتأسّي؟ لقد تراشقوا كثيراً به في خلال الحرب، ولسوف يتراشقون به بعدها..
- (أدهشه طول أناة ضميره المتصل على الأخذ والرد، وجلده الكبير على الحوار والنقاش والجدال، وفيما بدأ الملل يتسرب إلى نفسه، قال مع زفرة طويلة): لا.. قلت لك..
- ولِمَ؟ لم هذا العناد؟
كلام ضميره المتصل أوجعه وأربكه عندما أضاف قائلاً:
إن وجهتي اجتماعية، ومنحاي منحىً إجتماعي وعلاقاتي واسعة ومباشرتي للفعل دائمة، صحيح أن علاقاتي تأتي مجانية أحياناً، حيث لا أنتظر ثواباً أو أجراً، غير أن همّي هو تفعيل المجتمع، ودأبي إيجاد صيغة تعاون. إني أؤكد ذاتك يا صاحبي ضمن العلاقة مع الآخرين ومن خلالها، في المنزل ومكان العمل، وفي الرحلات والنـزهات، وفي الاجتماعات والندوات وفي الليل والنهار. إنني أبلور صلات الإنسان مع الضمائر الأخرى، ومع صفاته وصفات الآخرين، إنني دينامية الحياة وزنبركها، فلماذا تبيعني؟
- يا ضميري المتصل، قال له، لقد برزت في الحرب كما في السلم بوجهيك الإنساني والاستغلالي، ومنهم من تخلّى عنك بسبب انقطاع في العلاقة بينهم وبين الآخرين، ذلك الانقطاع القسري، بسبب كثرة الحواجز الطبيعية والاصطناعية، وبسبب الحواجز النفسية، وبسبب هجرة الآخرين من الأحياء وموت الأصدقاء والأعزاء في خلال الحرب. وإني أنا من البقية الباقية التي قدر لها أن تنجو من الموت والهلاك، وخرجت من الحرب بسلامة بدنها، دون سلامة عقلها، ولم تسلم حتى نفسها، لقد تشوها بفقدان من أحببت، إني لم أعد بحاجة إليك يا ضميري، لأني لم أعد بحاجة لعلاقات جديدة، وإلى مدّ جسور مع الآخرين، لأنني عاجز عن ذلك. لقد وجدتني في الحرب لا أعتاد الوجوه الجديدة التي لا تتواصل معي، وجوه القمع ووجوه السيطرة، ،الطمع والغش والكذب والاستغلال، من أجل ذلك كله، قد عقدت العزم على بيعك.
ـ ما ذنبي إذا الآخرون لم يشجعوا علي بقاء الضمير المتصل؟ إنهم هم الذين قطعوا أواصر الفعل، وحبل التواصل، لقد جنوا على صلات الرحم، وفككوا الأواصر الاجتماعية من صداقة وقرابة وعمل. لقد فعلوا ذلك كي يتخلّى عن الضمير المتصل أصحابه ووضعوه على الرفّ مكتفين بضميرهم المنفصل، فلماذا لا تبيع ضميرك المنفصل وتدع لي فرصة أخرى؟ أم تراك تحذو حذوهم في التفكك والتفكيك وقطع الصلات والتواصل؟
وفكر معروف ملياً بالأمر، صحيح، لماذا لا يبيع ضميره المنفصل، قال في نفسه؟ إنه ذو طبيعة انفرادية في الأساس، انطوائية وانعزالية إنه ينحو دائماً نحو الاستقلالية، والإنسان صاحبه يلجأ إليه في حال أصبح في غنىً عن ضميره المتصل، إنه يعني الانكفاء والاكتفاء الذاتي، والاستغناء عن الآخرين، ولا بد لي من أن أبحث عن اكتفائي، وأن استقل عن الآخرين الذين يزعجونني ويقضّون مضْجعي.
إن بيعه يعني إعادة التواصل والانغماس في شجون الآخرين وهمومهم، مما يعني عدم راحة البال. وبعد برهة من التفكير، زعق في وجه ضميره المتصل: لا.. لن أبيع ضميري المنفصل. ثم لماذا ترمي وسخك على الآخرين؟ هَـهْ؟ وترميها على الطرقات هنا وهناك؟ ما يهمك فقط هو أن تبعدها عن دارك، هكذا أنت إذاً، أناني وفوضوي وغير اجتماعي.
- ولمَ لا؟ ألم تقتنع بعد؟ يبدو أنَّ عليَّ أن أسوق الكثير من الحجج والبراهين.
ثم توسل إليه مرة أخرى وزيّن له أكثر فأكثر أفعاله وفوائده.
- لقد قلت لك، إنّني لن أبيع ضميري المنفصل الآن، إنك تريدني أن أبيعه قبلك لكي ترتاح أكثر، ويخلو لك الميدان، فتسير على حل شعرك، وتصول وتجول على هواك، فترتع في مساحتك دون رقيب وتفقدني وحدتي التي أنا في حاجة إليها عندما أتعب مع الآخرين ومن إزعاجاتهم وثقل دمهم.
ـ إنك تريدني أن أبيعه لأنه يعاقبك ويحاسبك لمصاريفك العشوائية، التي لا تحسب لها حساباً، ثم لتبذيرك اللامنطقي في انفتاحك على الآخرين إذ لا قيمة للمال عندك، ولا تعرف كيف توازن بين مدخولك ومصروفك إنك مراهق وغير مسؤول. وبعد، فإن ضميري المنفصل ما زال لديه طموح، طموح الاقتناء والتوفير وحب الاستقرار.
- (بأسى وغضب) بل قل إن ضميرك المنفصل طموحه البخل، لأنه لا يسهم في إنجاز المشاريع العامة والعمومية، وما عساي فعله إذا كان البعض قد استخدمه مكاني في حالة الاحباط والعجز والصدمة؟ وما هو ذنبي إذا كان هؤلاء قد فضّلوه عليّ، لضرورات الابتعاد عن الآخرين وحب الانزواء والتأمل؟ والآن قل لي: هل أنت محبط إلى درجة عدم الاستغناء عن ضميرك المنفصل؟
- أجل. (قال بخجل واستسلام، كمن يريد الاعتراف، أو أنه اعترف على مضض).
- إسمع! (واتسعت حدقتا عيني ضميره المتصل، وابتسامة المنتصر على محياه) إن طبيعة الحرب قد جعلت الناس ينكفئون نحو ضمائرهم المنفصلة. والبعض منهم في حالة زهد واقتناع في الأساس، لأن ذلك من طباعهم. لكنني أريد التكلم على القسم الآخر، عن أولئك الذين تقوقعوا في داخل صدفاتهم، بعد أن تخلوا عني، في ضميرهم المنفصل السياسي، وفي ضميرهم المنفصل الاجتماعي، إنهم كبشر هم في ضميرهم المنفصل البشري قابعون، فلا مساعدات ولا مشاريع عامة ولا تعاون، إنهم في الضمير المنفصل قد أصبحوا على الصعيد العائلي..
- هراء.. هراء.. (بحدّة أجابه مقاطعاً)، إني أنا كالآخرين.. إني لا أستطيع أن أحلّق خارج السرب البشري، ولقد حاولت أن أبقى كما كنت فلم أفلح.. إني أتعذّب.
- بل قل خارج القطيع البشري.. إنهم، ودون أن تجعلني مُجبراً على البوح بأسمائهم، يخططون دائماً ويعملون ليل نهار، من أجل جعلنا جميعاً، ودون استثناء، ضمائر منفصلة.
- لا.. لست مقتنعاً بما تقول، إنني بحاجة ماسة إلى بيعك كي أستمر على قيد الحياة.
- وهل الاستمرار على قيد الحياة يتوقف على المأكل والمشرب؟
- طبعاً، لا.. لكن الجوع كافر..
- إسمع! (وقد أبرقت عيناه فجأة)، هل فكرت قليلاً يا صاحبي في ضميرك المستتر؟ لماذا لا تبيعه ها؟ لماذا لا تبيعه هو وتُبقي عليَّ وعلى الضمير المنفصل؟ ها.. إنها لفكرة سديدة!.. ألا توافقني الرأي؟".
- أبيعه؟ (بنبرة قوية وقد استوى واقفاً رافعاً سبابته في وجهه متوعداً راعداً وقد تملّكه غضب كبير) لا وألف لا.. إنه خط أحمر. الضمير المستتر خط أحمر.. أجل، إنه آخر ما يتبقى لدي في زمن الانهيارات العامة التي لا ترحم، إنه كنزي الأخير وسرّي الدفين، وتريدني أن أبيعه؟ كلا وألف كلا... إنه التماس بين ذاتي وذاتي..
- ها.. لقد قلتها.. لأنه كنز! تبيعه لأنه كنز، لقد نطقتها.. وبذلك تغتني إلى ولد الولد..
- (باحتداد أكثر) هل لا زلت تسخر مني؟ إسمع!.. قلت لا.. يعني لا.. إنه طلقتي الأخيرة في بندقية العلاقات البشرية.. إنه رصاصة الرحمة.
- ولمَ الندم والخوف والأسف والتأسّي؟ لقد تراشقوا كثيراً به في خلال الحرب، ولسوف يتراشقون به بعدها..
- (أدهشه طول أناة ضميره المتصل على الأخذ والرد، وجلده الكبير على الحوار والنقاش والجدال، وفيما بدأ الملل يتسرب إلى نفسه، قال مع زفرة طويلة): لا.. قلت لك..
- ولِمَ؟ لم هذا العناد؟
Page 4
- ما يجب أن تعرفه هو أن الإنسان سيبدو عارياً من دونه، ويغدو مفضوحاً، ويصبح صفحة مكشوفة وكتاباً مفتوحاً يُقرأ بسهولة ويسر حتى من قبل الأميّين من الناس، إنه لسان حالي، إنه القوة التي تشد رجلي إلى أرض صلبة من جهة، و ..
- (مقاطعاً) ومن جهة أخرى عنوان ورمز للجاسوسية..
- بل للكتمان والسرية، قل .. إنه العلاقة ما بين الذات والذات ما بيني وبين ذاتي، وما بين الذات والإله، إنه بمحاذاة أو موازاة الشرف والكرامة المتبقين، بل قل إنه هما دون زيادة ولا نقصان، ومن يبيعه، فكأنه يتخلى عن سلاحه الأخير.
- إن للضرورة أحكاماً.. والغاية تبرر الوسيلة.
- دعك من شريعة ماكيافللي الآن. وقد يأتي الوقت المناسب لذلك، إن الانهيارات العامة التي قد تُتْلف البعض بل الكثرة الكاثرة من الناس، تُضطرهم لاستخدامه أو لبيعه، كون ضمائرهم المتصلة والمنفصلة، لم تعد كافية، ولا تفي بالغرض.. إنني لا أريد أن أضع العربة أمام الحصان.
- لكن، اسمع يا صاحبي، قال الضمير المتصل، عندما تقدم على بيعي أنا، سوف تضطر سريعاً لبيع ضميرك المنفصل، ويلحق به ضميرك المستتر الذي تدافع عنه بانفعال.. نصيتحي لك أن تعدل عن المشروع أي عن فكرة البيع من أساسها.
- لا.. لن أغيّر فكرتي أو أتراجع عما صممت عليه، ولن أبيع ضميري المستتر، ولسوف أبيعك أنت أولاً، بأن أطرحك هكذا في المزاد العلني.. وبعد ذلك، في حال الاضطرار سأقدم على بيع ضميري المنفصل فقط.
- طيّب، لنعد إلى ضميرك المنفصل مرة أخرى، يبدو أنك لا تنسجم معه بحكم طبعك الاجتماعي، وحبّك للآخرين، واندفاعك وحيويتك، وهو لطالما عنى لك الجشع والنرجسية وحب التملّك.
- بل الإكتفاء.. ثم أرجوك كفّ عن مساومتي على ضميري المنفصل.
- الاكتفاء؟ وإذا لم تكتفِ؟ ماذا بوسعك فعله بعد ذلك؟ فكما ترى، فإنه لا ضرورة لوجود مثل هذا الضمير لدى بعض الناس، فهو إذا لم يعنِ بالنسبة إليهم الاكتفاء والجشع وحب الذات والامتلاك يبيعونه دون تردد أو شعور بالندم، ودون أن يرف لهم جفن، ثم هم إذا لم يكتفوا بذلك، باعوا ضميرهم المستتر أيضاً..
- اغرب عن وجهي، هيّا.. (زعق بغضب) لا تحاول إقناعي أيها الممالق، ألم تقتنع بعد بأن بيع الضمير المستتر هو بيع للجسد والعقل والكرامة والمخزون الفكري والنفسي؟ هيا.. اغرب عن وجهي، قبّح الله وجهك.
- وأنا؟ أليس لي قيمة لديك؟ (قالها وقد اغرورقت عيناه بالدموع)، ألم أعد أساوي شيئاً؟! على كل حال لقد سلّمت أمري لله. ولكنني أحذّرك، من أنك ستصل إلى الحال التي تحاذر عليها وتحذر منها.
- بيع ضميري المستتر تقصد؟؟
- أجل، بيع الجسد والعقل والكرامة كما تقول، فيما أنا والمنفصل لا نعني لك شيئاً من كل هذا.
- أنا لم أقل هذا.. لكن ساعدني في إيجاد الحل المناسب.
- الحل.. أن تبدأ بالمستتر أو لا تبيع ضمائرك أبداً.
- إنك بذلك تعمِّق مأزقي وتزيد من حيرتي في ثرثرتك التي لا لزوم لها، وكأنك امرأة قد طلقها للتوّ زوجها، أو كقاضي معزول.
- بل قل، قد طلّقها زوجها لكثرة ثرثرتها.
- ها.. ها.. لقد قلتها وبفمك الملآن: الثرثرة.. لقد جنيت على نفسك يا ضميري المتصل، إنك تثرثر كثيراً لقد ضاق صدري بك، وأصاب رأسي الصداع، لكثرة هذه الثرثرة التي لا تنتهي،
- أبداً، إني لا أثرثر، إننا نتناقش، لنرى أين هي مصلحتك في بيعنا، أَوَ تسمي الجدال والنقاش ثرثرة؟
- بل، إنك أنت، الذي تبحث عن مصلحتك،
- مصلحتنا معاً نحن الاثنين..
- والحل؟
- الحل؟.. كما قلت لك.. تبدأ بالمستتر، لأنك سوف تضطر إلى بيعه في حال بعتني أنا أولاً أو بعت الضمير المنفصل.
- في حال أقدمت على بيع المستتر ثم المنفصل، فإنك لن تنفعني في شيء بعدها.. لقد صممت على بيعك ولا نقاش.
- لكن.. لماذا؟.. لماذا؟
- إني مضطر لذلك يا ضميري المتصل.. يا عزيزي.
- ولوووو... تبيعني أنا؟ أليس عندك ضمير؟
- بلى!.. أنت..
واعترى ضميره المتصل حزن شديد، ثم ما لبث أن أجهش بالبكاء، عندها تذكّر معروف الشاعر امرأ القيس فأنشد معه بتصرف ودون تكلف:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لا نُباع بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما
نحاول خبزاً أو نموت فنعذرا
***
كفكف معروف دموع ضميره المتصل قائلاً له بهدوء: هيا قم فنم، نم هيئ نفسك، صباحاً، فغداً سنذهب سوياً إلى السوق، وأمامنا يوم طويل وشاق.
- حسناً، أجابه بانكسار واستسلام، غداً صباحاً سأكون جاهزاً، سوف أتناول حمّامي الساخن كالعادة، وارتدي بذلتي، بالمناسبة (مستدركاً)، أي بذلة تريدني أن أرتدي غداً؟ السوداء التي أرتديها عادة في مناسبات العزاء أم الزيتية في مناسبات الأفراح؟ أم الكحلية التي أرتديها في كل مرة أذهب فيها لمقابلة عشيقاتي أقصد عشيقاتك؟ دون علم زوجتك.
- إخرس!..
- (متابعاً دون اكتراث) ثم وضعت يومها العطر الباريسي، فأي عطر تريدني أن أضع؟ باكورابان، أو بوس، أو اكوا دي سيلفي، أم اكوا برا؟ا أو Viril ، أو أراميس أم.. أم تريد نفس العطر الذي وضعته يومها؟.. أم..
- إخرس، قلت لك (ثم صفعه بكل قوته على وجهه)، إنك تسعى لفضحي هذه المرة كما في كل مرة.
- (مجهشاً بالبكاء من جديد أجاب) وهل فضيحتك هي بأن تعرف زوجتك أو يعرف مريدوك ومحيطك ماذا كنت تفعل؟ أم فضيحتك الكبرى هي في بيعي وطرحي في المزاد؟
- انتهى النقاش الآن، اذهب ونم بضع ساعات، فإن غداً ليوم طويل.
- بل قل: إن غداً لناظره قريب، تصبح على خير، قالها بصوت خافت، ودلف إلى غرفته ليندس في فراشه البارد.
***
- (مقاطعاً) ومن جهة أخرى عنوان ورمز للجاسوسية..
- بل للكتمان والسرية، قل .. إنه العلاقة ما بين الذات والذات ما بيني وبين ذاتي، وما بين الذات والإله، إنه بمحاذاة أو موازاة الشرف والكرامة المتبقين، بل قل إنه هما دون زيادة ولا نقصان، ومن يبيعه، فكأنه يتخلى عن سلاحه الأخير.
- إن للضرورة أحكاماً.. والغاية تبرر الوسيلة.
- دعك من شريعة ماكيافللي الآن. وقد يأتي الوقت المناسب لذلك، إن الانهيارات العامة التي قد تُتْلف البعض بل الكثرة الكاثرة من الناس، تُضطرهم لاستخدامه أو لبيعه، كون ضمائرهم المتصلة والمنفصلة، لم تعد كافية، ولا تفي بالغرض.. إنني لا أريد أن أضع العربة أمام الحصان.
- لكن، اسمع يا صاحبي، قال الضمير المتصل، عندما تقدم على بيعي أنا، سوف تضطر سريعاً لبيع ضميرك المنفصل، ويلحق به ضميرك المستتر الذي تدافع عنه بانفعال.. نصيتحي لك أن تعدل عن المشروع أي عن فكرة البيع من أساسها.
- لا.. لن أغيّر فكرتي أو أتراجع عما صممت عليه، ولن أبيع ضميري المستتر، ولسوف أبيعك أنت أولاً، بأن أطرحك هكذا في المزاد العلني.. وبعد ذلك، في حال الاضطرار سأقدم على بيع ضميري المنفصل فقط.
- طيّب، لنعد إلى ضميرك المنفصل مرة أخرى، يبدو أنك لا تنسجم معه بحكم طبعك الاجتماعي، وحبّك للآخرين، واندفاعك وحيويتك، وهو لطالما عنى لك الجشع والنرجسية وحب التملّك.
- بل الإكتفاء.. ثم أرجوك كفّ عن مساومتي على ضميري المنفصل.
- الاكتفاء؟ وإذا لم تكتفِ؟ ماذا بوسعك فعله بعد ذلك؟ فكما ترى، فإنه لا ضرورة لوجود مثل هذا الضمير لدى بعض الناس، فهو إذا لم يعنِ بالنسبة إليهم الاكتفاء والجشع وحب الذات والامتلاك يبيعونه دون تردد أو شعور بالندم، ودون أن يرف لهم جفن، ثم هم إذا لم يكتفوا بذلك، باعوا ضميرهم المستتر أيضاً..
- اغرب عن وجهي، هيّا.. (زعق بغضب) لا تحاول إقناعي أيها الممالق، ألم تقتنع بعد بأن بيع الضمير المستتر هو بيع للجسد والعقل والكرامة والمخزون الفكري والنفسي؟ هيا.. اغرب عن وجهي، قبّح الله وجهك.
- وأنا؟ أليس لي قيمة لديك؟ (قالها وقد اغرورقت عيناه بالدموع)، ألم أعد أساوي شيئاً؟! على كل حال لقد سلّمت أمري لله. ولكنني أحذّرك، من أنك ستصل إلى الحال التي تحاذر عليها وتحذر منها.
- بيع ضميري المستتر تقصد؟؟
- أجل، بيع الجسد والعقل والكرامة كما تقول، فيما أنا والمنفصل لا نعني لك شيئاً من كل هذا.
- أنا لم أقل هذا.. لكن ساعدني في إيجاد الحل المناسب.
- الحل.. أن تبدأ بالمستتر أو لا تبيع ضمائرك أبداً.
- إنك بذلك تعمِّق مأزقي وتزيد من حيرتي في ثرثرتك التي لا لزوم لها، وكأنك امرأة قد طلقها للتوّ زوجها، أو كقاضي معزول.
- بل قل، قد طلّقها زوجها لكثرة ثرثرتها.
- ها.. ها.. لقد قلتها وبفمك الملآن: الثرثرة.. لقد جنيت على نفسك يا ضميري المتصل، إنك تثرثر كثيراً لقد ضاق صدري بك، وأصاب رأسي الصداع، لكثرة هذه الثرثرة التي لا تنتهي،
- أبداً، إني لا أثرثر، إننا نتناقش، لنرى أين هي مصلحتك في بيعنا، أَوَ تسمي الجدال والنقاش ثرثرة؟
- بل، إنك أنت، الذي تبحث عن مصلحتك،
- مصلحتنا معاً نحن الاثنين..
- والحل؟
- الحل؟.. كما قلت لك.. تبدأ بالمستتر، لأنك سوف تضطر إلى بيعه في حال بعتني أنا أولاً أو بعت الضمير المنفصل.
- في حال أقدمت على بيع المستتر ثم المنفصل، فإنك لن تنفعني في شيء بعدها.. لقد صممت على بيعك ولا نقاش.
- لكن.. لماذا؟.. لماذا؟
- إني مضطر لذلك يا ضميري المتصل.. يا عزيزي.
- ولوووو... تبيعني أنا؟ أليس عندك ضمير؟
- بلى!.. أنت..
واعترى ضميره المتصل حزن شديد، ثم ما لبث أن أجهش بالبكاء، عندها تذكّر معروف الشاعر امرأ القيس فأنشد معه بتصرف ودون تكلف:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لا نُباع بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما
نحاول خبزاً أو نموت فنعذرا
***
كفكف معروف دموع ضميره المتصل قائلاً له بهدوء: هيا قم فنم، نم هيئ نفسك، صباحاً، فغداً سنذهب سوياً إلى السوق، وأمامنا يوم طويل وشاق.
- حسناً، أجابه بانكسار واستسلام، غداً صباحاً سأكون جاهزاً، سوف أتناول حمّامي الساخن كالعادة، وارتدي بذلتي، بالمناسبة (مستدركاً)، أي بذلة تريدني أن أرتدي غداً؟ السوداء التي أرتديها عادة في مناسبات العزاء أم الزيتية في مناسبات الأفراح؟ أم الكحلية التي أرتديها في كل مرة أذهب فيها لمقابلة عشيقاتي أقصد عشيقاتك؟ دون علم زوجتك.
- إخرس!..
- (متابعاً دون اكتراث) ثم وضعت يومها العطر الباريسي، فأي عطر تريدني أن أضع؟ باكورابان، أو بوس، أو اكوا دي سيلفي، أم اكوا برا؟ا أو Viril ، أو أراميس أم.. أم تريد نفس العطر الذي وضعته يومها؟.. أم..
- إخرس، قلت لك (ثم صفعه بكل قوته على وجهه)، إنك تسعى لفضحي هذه المرة كما في كل مرة.
- (مجهشاً بالبكاء من جديد أجاب) وهل فضيحتك هي بأن تعرف زوجتك أو يعرف مريدوك ومحيطك ماذا كنت تفعل؟ أم فضيحتك الكبرى هي في بيعي وطرحي في المزاد؟
- انتهى النقاش الآن، اذهب ونم بضع ساعات، فإن غداً ليوم طويل.
- بل قل: إن غداً لناظره قريب، تصبح على خير، قالها بصوت خافت، ودلف إلى غرفته ليندس في فراشه البارد.
***