eKtab
EN ع
رقصات التيه
Read free sample

رقصات التيه

by سامي معروف

Page 1
1

من يسد أذنيه عن صراخ المسكين فهو أيضاً يصرخ ولا يستجاب

أمثال 21: 13

لا أحد يحب قيوده ولو كانت من ذهب

أبراهام لنكولن

آب 2009.

حشد وصخب وصياح عند بوابة المدخل.

«يا قضاة الناس لا تكونوا جلاديهم»

«العدل أساس الملك»

«لك يوم يا ظالم»

«السجناء بشر وليسوا كلاباً»

«ذنب البريء أن لا نصير له»

«إرحموا أهلنا وأولادنا يرحمكم الله»

«يا أصحاب النخوة والضمائر الحية.. باسم العدل والرحمة والإنسانية والأخلاق ساعدونا حتى نطعم ونكسي أولادنا المسجونين»

هذه عينة من شعارات كثيرة كانت سابحة فوق مد بشري عملاق في الساحة أمام بوابة مدخل السجن.

مئات من الرجال والنساء توافدوا منذ الصباح إلى الساحة عند المدخل رافعين أصواتهم ولافتاتهم.. وما يميز التظاهرات في ربوعنا الصغيرة هذه ليس البيان الحضاري المهذب.. فالتظاهرة هنا دائماً والسجالات لها نكهتها الخاصة! ولها مازتها من اللعن والسباب والشتائم، كما جلسات الكيف واللذة لا تطيب بغير النكات البذيئة.

رجال أمن منتشرون على حدود الجماهير. صحافيون يقفزون بكاميراتهم من مكان إلى آخر ليتصيدوا حديثاً.. تارةً من متظاهر متحمس وطوراً من ضابط أمن.. أو من سائق عمومي يلعن يومه وسوء طالعه، حديثاً يكون ناراً تلتهم أقلامهم ومقالاتهم، وقد تحرق ألسنة هذه النار أو تدفئ أو تنير! ومهنة الإعلامي يؤرجحها أبداً حبلان: وجع الناس ووجع الراس! أصوات المتظاهرين متشابهة.. لأن الدموع المرة تتدفق دائماً من نبعة واحدة هي الألم. قلوب زاحفة تشدها طلبة واحدة «علة» واحدة، وكذلك الترياق الواحد. سهام الرماة الجائعة تتسابق نحو الطريدة الواحدة، ومرضى المعدة لا يجتمعون إلا عند باب طبيب الجهاز الهضمي. جمّ غفير وآمال كثيرة وعناوين تنشر على حبال الاعلان والاعلام.. أرادوها صرخةً مسموعة.. مدوية! ولكن آذان السامعين هنا تسمع ولا تعي.. وعيونهم ترى ولا تبصر، وقلوبهم كعليقة موسى تلتهب ولا تحترق.
Page 2
هتافات صياح تدافع بالأيدي مطالب بيانات خطابات.. تلاسن إشكالات رمي حجارة إشعال دواليب قطع طرق.. عيارات نارية في الفضاء صهاريج مياه كبيرة ضرب بالهراوي الغليظة.. ولا يخلو الأمر من سقوط جرحى أو قتلى... إنها التـتبيلة الشهية التي تلقمها اليوميات لأسماع العامة وعيونهم. والوطن الصغير هذا بات تربةً صالحة لبذار الذات الداخلية الصغرى والذات العالمية الكبرى! كالطفل تغريه قطعة الحلوى وتزجره عبسة الحلواني. لقد أصبح البلد نسيجاً غريباً من ماض غير متفق عليه وحاضر بيع لآت لا يأتي، ومستقبل تهتز تحت قدميه حجارة الموزاييك الداخلي الرك: ماض ممزق وحاضر كسيح ومستقبل مرهون.

جمهور ملتهب كشمس آب اللاهبة! وزحمة السير الخانقة تلهب الأعصاب في صبيحة من صبيحات الصيف الحارة عند المدخل الشمالي للمدينة. بيد أن ناجي كان لاهياً عن حر الصيف بلهيب شوقه لبداية أول يوم عمل له في الجمعية.

لا يدري ناجي كيف رحب به داخل أسرة العاملين في الجمعية.. لم يدرس العلوم الاجتماعية في الجامعة كسواه، ولا خبرة عملية له في هذا المجال. ولكن إلحاحه ورسائله لمدير الجمعية المفعمة بعاطفة غامضة، ومعرفته القديمة بالجمعية ومديرها ومحامييها لعشرين عاماً.. أدت مهمة الإقناع بنجاح فقبل به.

ناجي العرم رجل بلغ الخامسة والأربعين في مسيرة غربته في هذه الدنيا، ولكن سنواته هذه تعب وبلية[1]. ولد في بلدة من بلدات السفوح الغربية المشرفة على البحر، وميزة هذه البلدات أن أهلها لا هم قرويين ولا هم مدنيين! ففي هذه البلدات صفاء وجاذبية القرية وفيها كذلك نكهة الحركة والحذاقة المُدُنية. إنها توليفة رائعة لدروب القرية وشوارع المدينة، بساتين القرية ومتاجر المدينة، أقبية القرية الحجرية العتيقة وأبنية الهندسة المُدُنية الحديثة. وحياة الناس في هذه السفوح حافظت على بعض من عادات وتقاليد القرى.. ودفء العلاقات الإنسانية، ولكنها في الوقت عينه راحت تنهل من الحداثة والتكنولوجيا العصرية الباهرة! ولم لا؟! أمن الضرورة دائماً أن يتحارب التقليد والحداثة؟! ألا يمكن أن يتحابا ويتعايشا في سلام؟! الحداثة لا تريد أن تلغي الذات التقليدية، بل أن تكمل وتزيد. عندما ظهرت السينما نعى بعضهم المسرح.. بيد أن المسرح نما بقوة أكثر وزاد جمهوره واطرد. وعندما ظهر التلفزيون قال بعضهم بنهاية السينما والمسرح معاً. ولكن السينما والمسرح باقيان طائرين يحلـقان ويستخدمان أجنحة وأرياش الوسائل العصرية الحديثة. في بلداتنا السفوحية يحب الأحداث «الدبكة» كما يحبون الكمبيوتر.. والأغاني الزجلية كما الأغنية الغربية.. ودق النواقيس ورفع المحادل والأجران كما التـراسل عبر الهواتف الخليوية. وكذلك الحب له نكهته الخاصة في هذه البلدات السفوحية: فحيث أن الحب المُدُني يعيش في الأندية وصالات السينما والمقاهي المخملية الدافئة وكابينات الهواتف العمومية، وفي رحاب الجامعات وعلى الشطوط الرملية و«السناسيل» وفي السهرات الصاخبة. وفي الآونة الأخيرة في التظاهرات! والتظاهرات الكبرى فضاآت رائعة لنشوء العلاقات الحميمة بين الأحداث والشبيبة خصوصاً بعد السجال السياسي العنيف و«ما إلك صديق إلا بعد خناقة»[2].

أما في البلدات السفوحية فالحب أعمق لسبب عمق العلاقات الإنسانية وحرارتها. يولد الحب هنا في باحة الكنيسة يوم الأحد.. ويتغذى في ساحة البلدة وينمو وراء القبو الحجري العتيق.. ويشب تحت قنطرة ويقوى قرب الدكاكين ويضحك على درب المقابر ويبكي في بساتين التين والزيتون.. ويتواعد تحت صفصافة ويتخاصم عند مياه السبيل ويتصالح في «القهوة» ولكنه الحب هو هو جرداً وساحلاً شرقاً وغرباً سهلاً وجبلاً. الحب لا جغرافيا له ولا تاريخ ولا بيئة ولا مجتمع ولا تقليد... إنه فقط باحث عن الحياة.. وحيث الماء والهواء يعيش الحب.

في بيت محافظ أمين على الموروث من القيم وحب الآخر نشأ ناجي. لا شيء يميز طفولته وحداثته عن مجايليه، كبر أمام عيون ذويه عاقلاً رائقاً، قامة ربعة وبشرة حنطية وعينان مشرقتان، أنف دقيق وشفتان زهريتان لامعتان، يعشق الموسيقى وكرة القدم. درس الهندسة المعمارية ونال الشهادة وأحب وتزوج. بيد أن الحقيقة المرة التي يعرفها كل الناس هي أن زواجه من حبه الأول والوحيد أودى به إلى التهلكة. أمضى الشاب ناجي زهاء عشرين عاماً في السجن خبيئاً منسياً. والحياة تعبر أحلاماً تلو أحلام. إنها كالتكنولوجيا سريعة في رحلتها وتعيناتها. الحياة خارج السجن كالزئبق تفر من بين الأصابع.. ولكنها في الداخل دستور معلق إلى أجل غير مسمى. السجين حي وميت في آن معاً! بل السجن هو «بروفا للموت» ومسموح للسجين أن يحيا في أحلامه فقط. إن البناء النفسي للسجين يفتته صدأ كصدأ المحرك الذي لم يستعمل منذ سنوات. توقفت حياة ناجي عشرين عاماً بيد أن حياة الآخرين واصلت مسيرتها.. والمرء الذي تسبقه الحياة تغطيه بغبار عدوها وضجيجها، كفرس جموح يطرح عنه كل من لا يحسن ركوبه.

يذكر ناجي جيداً ذلك اليوم الماطر الذي خرج فيه إلى الحرية. كان يوماً عاصفاً من أيام كانون الثـاني 2003. عناصر أمن قلائل بلباس النايلون، وسائقون عموميون لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد، ومبنى الجمعية كأن لا حياة فيه، والأمطار الغزيرة تصده أن يرجع أدراجه إلى ظلمة السجن وممراته العفنة الكئيبة. لا أحد في انتظاره عند البوابة.. وثب بسرعة تحت المطر إلى الردهة الزجاجية المسقوفة بالقرميد عند مدخل بناء الجمعية (عطاء بسرور)[3]. نفض الرذاذ عنه وفرك راحتيه ثم أشعل لفافة. (عطاء بسرور) هو اسم الجمعية التي تعنى بشؤون السجناء وتأهيلهم ومساعدتهم قضائياً. عبر ناجي الردهة إلى الداخل واقترب من شباك الاستعلامات الزجاجي.. عرفته عايده موظفة الاستعلامات:

- مبروك يا ناجي على إخلاء السبيل! حمداً لله على السلامة.
Page 3
فأجاب ناجي بنبرة لا بهجة فيها ولا حياة:

- شكراً لك يا عايده.. أنت عايده أليس كذلك؟

- أجل أنا عايده يا ناجي، قل ماذا تريد؟ بم أستطيع أن أخدمك؟

قال ناجي بهدوء ينم عن عدم وجود أي عجلة من أمره.. وكأن السجن عطل فيه جهاز استشعار الزمن.. أو أن ما فات مات بالنسبة إليه.. ولا أهمية الآن لعدّ الدقائق والأيام.. ولا حتى السنين.

- هل السيد كميل موجود؟

فأجابت عايده من وراء الزجاج بلطف واهتمام:

- ليس موجوداً.. ولكنه سيكون هنا في غضون نصف ساعة. إجلس وانتظر سأطلب لك فنجان إسبريسو.

- شكراً لك أنت لطيفة.. أفضل القهوة لو سمحت.

مر نصف الساعة وناجي جالس في زاوية الردهة لا حس ولا حركة في المكان. ألفى ناجي نفسه أيضاً ينتظر.. فكأنه انتقل من سجن صغير إلى سجن أرحب. وهل السجن غير الانتظار؟ نحن سجناء ما ننتظر. إذا كان المرء راهباً في هيكل ذكرياته فهو حبيس ماضيه، والحاضر دائماً حالة انتظار إلى أن يبدأ المستقبل، والمستقبل بدوره سجن لما يليه. إذا كان الانسان ينتظر السعادة هو سجين الكآبة، وإذا كان ينتظر النجاح فهو سجين الجهاد، وإذا كان ينتظر الثـروة فهو سجين الفقر، وإذا كان ينتظر الحب فهو سجين الوحدة، وإذا كان ينتظر الحقيقة فهو سجين الوهم، وإذا كان ينتظر الموت فهو سجين الحياة! هكذا الحياة تمرحل وصيرورة من سجن إلى آخر حتى يصل المرء إلى الحرية الكاملة الحقيقية عند انحلاله من ثوبه المائت! ولكن إلى أين؟

دخل السيد كميل ورأى ناجي جالساً.. فاقترب وعانقه بحرارة:

- ناجي!! ألف مبروك على إخلاء سبيلك. الحمد لله على السلامة يا حبيبي.

- شكراً لك يا سيد كميل.. الله يسلمك. أنا مديون لك بحياتي، وقوفكم إلى جانبي كان دائماً سبب عزاء لي.

- لا شكر على واجب يا ناجي هذه رسالتنا.. وواجبنا. تعال ادخل لنحسو القهوة.

فقال ناجي بارتياح:

- لقد شربت لتوي فنجاني الثالث.

وعندما جلسا في مكتب السيد كميل سأل هذا الأخير:

- إلى أين أنت ذاهب؟ ما هي توجهاتك بعد إخلاء السبيل الرائع هذا؟

فأجاب ناجي بلطف مقتضباً:

- كما تعلم يا سيد كميل لا إنسان لي. أختي في أميركا هي وعائلتها من أوائل التسعينات ولم تزرني قط في السجن، ووالداي توفاهما الله منذ زمن.. أنتم عائلتي يا سيد كميل. أحتاج لمأوى ريثما أجد عملاً.

فضحك السيد كميل ثم قال:

- بسيطة يا أخي، أنت مهندس ولديَّ أصدقاء مهندسون.. ستعمل عما قريب إن شاء الله. وفي الوقت الحاضر سأخلي لك غرفة في هذا البناء إلى أن تتدبر أمرك.

أشرقت عينا ناجي الحادتان وضاءت ملامحه.. وبدا أن الحياة تريد أن تبتسم له في يوم الحرية هذا. عاد فسأل:

- ولكني لا أحسن استخدام الكمبيوتر يا سيد كميل.. والرسم الهندسي اليوم كله على أجهزة الكمبيوتر!
Page 4
فقال المدير:

- أنت مهندس ذكي.. أشهر قليلة وتصبح سواقاً ماهراً على الكمبيوتر.

كان هذا منذ سنوات.. ولكنه اليوم وفي هذا الصباح الحار عاد ناجي إلى الجمعية بعد غياب سنتين.. ليبدأ عمله كمساعد اجتماعي إلى جانب ثلـة من العاملين في الجمعية. لقد بات راسخاً في وجدانه أن روزنامة الأيام برمجت له جدولاً لا يقدر أن ينهج سواه.

لم تكن هذه السنوات الأربع من الحرية جيدة بالنسبة له.. فهو لم يشعر أثناءها بأنه حر قط. ولج المجتمع كأنه مهاجر جاء إلى بلد غريب! وجوه غابت ووجوه تغيرت ووجوه تشرئب.. الرجال والنساء.. القيم والعادات.. الأشغال والمشاريع.. الرؤى والأهداف.. القرى والمدن.. الشوارع والأبنية.. الطيور والأشجار.. البحر والجبل.. تغير وتحول في كل مكان! أين هو من هذه الرموز والأحاجي؟! أين هي بقعة طفولته وحداثته؟! أين هو مرسح حياته؟! لقد هُدم!! سحقته محدلة سنوات الأسر الثقيلة! لاح لناجي أن عليه أن يبني مرسحاً آخر.. ولكن بأدوات جديدة قد لا يحسن استخدامها.

ممحاة السجن كانت كافيةً لمحو ما بقي في عقله من الهندسة المعمارية.. مهما تقدم يبق رساماً..! والعمر قصير لانطلاقة جديدة. عيون الناس لا زالت تحدق إلى العشرين سنة.. الأيام حررته والعيون لا زالت في كل رمقة ترميه في الغرف المعتمة. التحفظ والتردد وانعدام الثقة والتجاهل والشفقة والحيرة أقزام سبعة تسير به أنى ذهب. خرج جسده من الأسر بيد أن الحياة والناس لم يحلوه من خطيئة ماضيه. وألم الروح غير ألم الجسد وغربة النفس غيرها في الجسد. عمل رساماً لسنتين ولم يتغير شيء.. وحدة ووحشة وفراغ وغربة وحنين يبحث عن لا شيء.. كأن أثقال السجن أخف من أثقال الحرية.. وبنيته النفسية بدأت تشيخ إزاء الأثقال.. هو نفسه بات ثقلاً على الحياة. عنَّ له ذات يوم أن يعود إلى السجن! أن يهرب من السجون الكثيرة المتناثرة في كل ناحية.. إلى غرفة واحدة في سجن (بريحان). تراه يعود بواسطة الجريمة أيضاً؟! كل ما حوله يطارده ويسخر منه ويتنكر له ويصيح به كما يصيح الصبيان بشحاذ مجنون: «أخذت الأجيال مكانك فلا مكان لك هنا».. كأن الحياة طابور من الناس.. إذا خرج واحد من مكانه لا يسمح له بالعودة ثانية.

فكر كثيراً.. كثيراً جداً.. لوحده.. والوحدة مشيره الوحيد. فرأى أن يدرس شيئاً في العلوم الاجتماعية لبضعة أشهر في أحد المعاهد تعينه في العمل. لقد أرخت المرحلة بظلالها القاتمة في نفسه.. وأبصر من بعيد رسالته الآتية في بريد العزلة والغربة تقول: « أدّ دورك.. واعمل عملاً في حياة السجناء الذين شاركتهم عتمة الغرف وشحوب الجدران وبكاء النوافذ الحديدية وسخرية الممرات الراشحة.. قطعةً كبيرةً من عمر».

******

يقع سجن «بريحان» على سفح جنوبي شرقي ساحر من إحدى التلال المحيطة بالمدينة. يجثم على كتف بلدة «بريحان» كشيخ جليل مهيب.. تمتد إزاءه البلدة مثل قبيلة تخشى غضب شيخها وزعيمها. وترتفع أبراجه الخمسة بهندسة كلاسيكية لا تعديل فيها ولا زيادة، ديراً تترهب في رحابه روح الشر وتصلي حتى تطلقها البعول[4] من أسرها المؤقـت. والحورات السامقات خارج السور دائرياً يشبهن ملائكة السماء وهن يحجزن هذه الروح من الانفلات أكثر مما يفعله رجال الأمن! الروح المريضة لها ديورها.. والروح النقية.. وكذلك الروح النزاعة إلى فعل الشر. الروح الشريرة في السجن بعض منها تائب.. والبعض الآخر يذخر في جرار الانتقام حقداً وضغينة.. وبعض آخر ثائر عاجز إزاء عناد القضبان الحديدية وجبروت الجدر العالية حيث جافى الهرب حتى الأحلام. السور الرهيب من الباطون المسلح تعلوه أسلاك شائكة مكهربة. والطريق الإسفلتي يدور حول الأبراج كالافعوان الساخن.. يتمشى على جنباته العساكر ببنادقهم وكلابهم التي تضحك السجناء أحياناً ولا تخيفهم! والمدخل العريض.. ببواباته وكابيناته الخشبية الملونة وحشود الزائرين.. والسنديانة العملاقة التي تأوي الكائنات في الحر الشديد والمطر الغزير.. هو منتجع يروده الناس مرغمين.. ويرحلون وفي قلوبهم حزن ومرارة لا بهجة وحبور. ووراء واجهة المدخل هذه تمتد سدوم[5]..! المدينة الشريرة وقد حشرت في أقبيتها المعتمة الأيدي الآثمة لتنال العقاب الذي تستحق.
Page 5
للجهة الشرقية تتدرج حقول اللـوز والليمون بحجارة جدرها الصخرية العتيقة نحو الهضبة حيث تقوم بضعة مبان حديثة التصميم.. تنتصب إزاءها أجمات متباعدة من حور ونخيل وزان بري وعرعر. الطريق عبدت حديثاً تذبح المشهد الجميل بوقاحة مخيفة في سيرها إلى البقاع الشرقية. وإلى الجنوب مبنى الجمعية بطبقاته الأربع، ودكاكين قليلة متناثرة ذات اليمين وذات اليسار كأنها جموع الناس البؤساء تواكب نبياً قوياً مقداماً. وثمة محطة للوقود.. وموقف السائقين العموميين لنقل الناس بين المدينة وبلدة «بريحان».

لم يقدر ناجي في ذلك الصباح الحار من شهر آب أن يصل إلى مركز عمله في مبنى الجمعية. أنزله السائق عند منعطف بعيد ثم تابع مشياً ناحية الحشود.. وشق زحمة الناس الثائرة بصعوبة إلى أن وصل إلى مدخل مبنى الجمعية. كانت الأصوات تثور وتعلو.. وقبضات وأكف تترنح بغضب في الهواء. ثم فجأةً! سقطت حصاة أمامه وتلتها أخرى.. فخفض رأسه.. وإذا بصبية تشده بساعده إلى الداخل وهي تقول:

- نحن تلفزيون (NRCC) أريد أن آخذ منك حديثاً لو سمحت.

-...!

- هل أنت تعمل في الجمعية أم أنك رجل أمن أم متظاهر؟

نظر ناجي في عينين عسليتين حلوتين.. فأحس بشيء غامض مريح يطلب المزيد من الكلام. ويتوهج عسل العينين توهج ذكاء وحزن في آن معاً.. حزن عميق لا يراه إلا من نهل من الشقاء حتى الثمالة. سافر في سنوات عينيها الناعستين وظن أنه عاد بشيء ما في رحلته هذه. ثم راح يتأمل لجين جبهتها وخديها وقد لوحتهم شمس الصيف، وشعرها الكستنائي اللماع مشدوداً وراء رأسها. جاذبية مشكلة من صوت رخيم وسرعة خاطر وملامح ناعمة. أجاب ناجي بعفوية وقد نسي ما سألته:

- في عينيك حزن عميق.

فقالت بدهشة:

- عفواً سيدي..! ألديك قليل من الوقت لبضعة أسئلة؟

-...!

- سيدي.. هل أستطيع أن آخذ منك حديثاً؟!

- نعم.. نعم.. تفضلي. قالها بسرور.

فعادت وسألت:

- هل أنت من المتظاهرين أم تعمل في الجمعية؟

أجاب:

- أنا هنا يا آنستي أبدأ يومي الأول في عملي في هذه الجمعية.

وتوقف عن الكلام.. وفكر بسرعة في قلبه: هل يقول لها إنه سجين سابق في سجن (بريحان) فتفيض شهيتها لمزيد من الأسئلة، ويقدم لها مادةً دسمة لتحقيقها الصحفي أو مقالها؟ وقالها:

- أنا سجين قديم في هذا السجن يا آنستي وقد خرجت منذ أربع سنوات.

هلت أساريرها وأشرقت عيناها! فسألته بشوق:

- أنت سجين سابق في سجن (بريحان)؟! ما رأيك إذاً في مطالب المتظاهرين.. أهي محقة؟ هل تثنّي على احتجاجاتهم؟!

- وما هي هذه المطالب؟

قالها قولة تجاهل العارف. ومن غيره عارف بحاجات وظروف السجناء؟
Page 6
أجابت الشابة:

- الظروف الإنسانية والنفسية السيئة للسجناء!

فابتسم ناجي بسمةً شاحبة، وهز رأسه وسكت.

ثم عادت وسألت:

- ما رأيك أنت كسجين سابق.. أتؤيد هذه التنديدات؟ هل الحالة فعلاً مزرية؟ ومن المسؤول عن هذا الوضع؟! أنت سجين سابق وعانيت ما يعانيه الإنسان داخل السجن. ثم نظرت إلى «الكاميرامان» وقالت:

- لقد بدأت التصوير أليس كذلك؟ وأومأ هذا برأسه إيجاباً.

قال ناجي:

- بلى.. ولسنوات طويلة.. وقد قمنا باعتصامات عديدة داخل السجن، والحالة هي هي.. ثابتة ثبوت البديهيات والحتميات. حتى الآن ولا قبس رجاء.

- مم يعاني السجين في الداخل.. ما هي حاجاته؟

- حاجة السجين هي حاجة الإنسان إلى إنسانيته والحياة إلى الوجود! السجن للتأديب يا آنستي من حيث المبدأ. ولكنه ههنا الجحيم بعينه. أقول لك إن أمراض مجتمعنا كلها كبست بالخل والفلفل والحامض داخل جدران هذا المكان! إنه مجسم آفاتنا وعيوبنا. إذا كان المرء مجرماً أنعمل على قتله هو الآخر، وتدمير حياته في هذه الهاوية المرعبة التي هي السجن؟! إن المجرم يا آنستي مريض ويحتاج للعلاج لا التأديب، والسجن لا يعالج بل يجهز على بقايا حطام الإنسان. السجن لا يفيد المجتمع بل يؤذيه ويهدمه.. وأتجرأ وأقول إنه شريك في تصنيع الجريمة وإنتاجها باستمرار.

فسألت الصحافية بدهشة وانجذاب لكلام ناجي الغريب والجريء. ولاح في عينيها أنها تريد أن توقف المقابلة لتتابع الحديث بلا قيود:

- ولكن ألا نعاقب المجرم؟! ألا يستحق المجرم قصاصه؟! ألا ينفلت المجتمع بلا قوة رادعة للجريمة؟!

أجاب ناجي بهدوء:

- العقاب يزيد الجريمة ولا يمنعها..! الضغط العنيف ينشئ ردة فعل عنيفة. لذا يجب التفتيش عن وسائل وبدائل أخرى لمحاربة الإجرام. وسؤالك هذا يا آنستي يحتاج لمحاضرة على حدة. ولكن بالاختصار أنا أؤيد المطالب لدى المتظاهرين في الساحة.

فقالت الصحافية مازحةً:

- أنت محامي دفاع يا سيدي كما يظهر ولست سجيناً سابقاً.

فابتسم بلطف هازاً رأسه هزة من خمَّرته التجربة..

وعادت فسألت:

- من المسؤول عن هذه الحالة المزرية للسجناء؟

- سجانهم بلا شك. وأعني بالسجان ليس القاضي ولا آمر السجن ولا الذي يمسك بالسلطة.. بل المجتمع بكامله من رأس الهرم حتى القاعدة. إن المجرمين الحقيقيين لا زالوا أحراراً يحلـقون عالياً ولا تطالهم أصفاد القانون. وهم أيضاً شركاء كبار في توليد الجريمة وتسويقها.

كانت كلمات ناجي السجين السابق تطبع دهشةً وحيرةً في ملامح الصحافية الشابة. وهمت بأن تبدأ حديثاً خاصاً حول الموضوع.. وتسأل.. وتسأل.. بيد أن وظيفتها توجب إيقاف الحديث عند حدود. سألت أسئلتها الباقية وأجاب ناجي بعمق وصراحة إجابات مثقلة بألم راسخ يأبى أن ينزاح عن قلبه.

ثم قالت لـ «الكاميرامان»:

- أوقف التصوير سنأخذ حديثاً من شخص آخر.. هناك..

ولا يدري كيف زحلت كلمة عن شفتيه بغير قصد. فسأل بلطف:

- عفواً.. ما اسمك يا آنستي الحلوة؟

- أنا سحر.

واضطربت أحشاؤه للأحرف الثلاثة تسكب برقة في مسمعيه.. ولامست جزءاً خبيئاً في ذاته. كانت ثالوثه المقدس أيام زمان.. أيام الحب. هي نوتات موسيقية وليست أحرفاً: س ح ر! إنها تحتل حيزاً هاماً في ماض ظن أنه غاب إلى غير رجعة.
Page 7
ثم أجاب هو الآخر:

- عاشت الأسامي يا سحر. وأنا ناجي، تشرفت بمعرفتك.

ووثبت هي والـ «كاميرامان» إلى ناحية أخرى.

ثم شرع المذياع يصدح بصوت امرأة كانت تلقي خطاباً من على منصة عملت لها من أحجار الخفان. وكانت النبرة رجولية الإيقاع صادقة المضمون جياشة العاطفة:

«... يا أصحاب الضمائر الحية والوجدان الإنساني، يا من جعلتكم السماء حكام هذا الشعب وقضاته.. لا تكونوا جلاديه أو ذابحيه! أولادنا وذوونا السجناء آثمون ولكنهم بشر.. مرتكبون معاصي ولكنهم عثروا وسقطوا.. مخطئون وجلّ من لا يخطئ! منحرفون والرحمة فرصة للتوبة.. ثائرون والأناة حبل الترويض.. عاصون ومن رد عاصياً عن غيّه وضلاله له من عند الله الثواب. هل التأديب رمي المسجون في الزرائب؟ وهل العقاب أسر آخر داخل السجن؟ هل القصاص إطعامه ما ترفضه البهائم مأكلاً لها؟ والغرم حرمانه من عناق الأهل والأولاد عند اللقاء. أمن العدل أن يسجن البريء سنوات لتظهر في النهاية البراءة ويخرج بلا حقوق؟! أمن العدل أن يوضع بريء مع نفر من المجرمين المحترفين القدامى ثم يخرج بعد أشهر وقد تتلمذ على يد هؤلاء في الجريمة؟ أمن العدل أن يموت سجين تعاطي المخدر في السجن بالجرعة الزائدة؟! أمن العدل أن يخرج المظلوم «المدعوم».. ويبقى المظلوم الضعيف إلى ما شاء الله؟ أمن العدل أن يخرج مجرم بعد عشر سنوات ليقتل القاضي الذي حكم بسجنه؟ السجن أيها السادة بات أداةً لتدمير حياة الناس وتخريج المجرمين.. وَهَمّ القضاء يا قوم تطبيق كتب القانون وليس إيقاف الجريمة وبناء الإنسان. وقوانين البشر ليست قرآناً ولا إنجيلاً.. إنها كصانعيها ناقصة وضعيفة.

نناشد كل مسؤول وكل من هو في منصب:

رحمةً يا معالي الوزير.

رحمةً يا أئمة القانون.

رحمةً يا حراس السجون. رحمةً أيتها القلوب الرحيمة.. فقد قالت الأمثال والأنبياء قديماً: «إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. إرحم من دونك يرحمك من فوقك» ويقول الإنجيل: «طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون[6]».

أيتها السماء امطري رأفتك وحنانك على القلوب والعقول في هذا البلد الذي باتت أرضه اليابسة عطشى إلى مطر الرحمة والأناة والتسامح».

وعلت الصيحات والقبضات بغضب.

كان ناجي أثناءها قد صعد إلى الطبقة الثالثة.. وأخذ فنجان قهوة وأشعل لفافة.. وراح يستمع الى الخطبة المؤثرة تقولها قريبة لأحد السجناء بلا شك.. وينظر من وراء الزجاج في حجرة مكيفة إلى الصحافية سحر.. وهي تثب من غاضب لناقم لثائر وتحادثهم.. كانت لطيفة كالموسيقى، جريئة كالحلم، جذابة كالشهوة، واثقةً كالكبرياء. وعند الكلمة الأخيرة للخطبة همس لنفسه وهو ينفث الدخان في الهواء: متى.. متى ينجلي الليل ويطلع الفجر؟

******

أمضى ناجي ما بقي من ساعات يومه في الجمعية يُعرّف على الموظفين: من المحاسب إلى المساعد الاجتماعي إلى عالم النفس والمحامي ثم المدرّس فمسؤول العلاقات العامة وأمانة السر... إلخ. ويخبره الموظفون بسرور عن مبادئ العمل، ويشرحون له الوظيفة المنوطة به.

بعد التظاهرة فرت الدقائق والساعات من قبضة وعيه. كان وجه الشابة الصحافية سحر يطفو فوق صفحة الصور المتماوجة في مخيلته. وشريط حياته يشد ذاكرته بسرعة أمام عينيه، الدقائق في السجن كالدهور وخارجه تمضي الدهور كالدقائق.
Page 8
قال له مساعد المدير وهو أستاذ جامعي شارحاً تفاصيل عمله:

- أيام قليلة وتتعود العمل هنا.. مع مرور الوقت ستكتسب الخبرة وأشياء كثيرة قد لا تحظى بها في بطون الكتب والمراجع.

كنت من السجناء الطيبي السيرة وصاحب أداء لافت. نحن مسرورون بك بيننا.. أنت صديق قديم لنا وللسجناء أيضاً.

ثم عاد عصراً إلى شقته الصغيرة في ذلك الشارع الشعبي المكتظ.. إنه حي من الأحياء الفقيرة المزدحمة بالمتاجر والمارة والسيارات المركونة طوابير أمام هذه الدكاكين والمحال. ولج منزله لا يشعر بالتعب.. سكب لنفسه كوباً من المشروب الغازي البارد وجلس على الشرفة. والهدوء عادةً يسرق الأفكار.. بيد أنه اعتاد ضجة السجن وكان بمقدوره أن يغوص في خيالاته فتصبح الحركات والأشكال والأصوات... موسيقىً تواكب شريط ذكرياته.

أخذته الأفكار إلى حبه الأول والوحيد.. كيف ذُبح وهو في بواكيره! فهو بالكاد ابتهج بهذا الحب كما ابتهج يوسف بقميص والده الملون[7].. فوثبت أشباح الزمن الحاسدة تخطف من ذاته صندوقة عواطف ومشاعر سامية كانت كل ثروته في هذه الحياة. لم يعد في جعبته بقيا حب.. ما عاد قادراً على الحب! غابت سحر..! وسرقت معها جوهرة عواطفه إلى غير رجعة. لا زال وجه زوجته سحر.. موسيقاه المفضلة.. وقدها اللدن يزوران خياله من حين لآخر طوال سنوات السجن، بيد أن رياح الغدرات اقتلعت الحب إلى مكان قصي... وامتدت أصابع النسيان تضم سحر إلى صدره الرحيب.

في السنوات الأولى كتب فيها قصائد ورسم رسومات وما لبث أن أتلفها كلها. وراح يقرأ بنهم.. ويلتهم الكتب بالعشرات والمئات حتى باتت مكتبة السجن واحة عزاء في محنته الطويلة.

ولكنه اليوم عندما نظر في تينك العينين العسليتين الحلوتين شعر بقلبه يستيقظ كأهل الكهف بعد سنوات نوم طويلة.

2

إستلقى ناجي فوق الوسادة مقابل جهاز التلفزيون، وراح ينقل من قناة إلى أخرى حتى وقف على واحدة تبث أغاني قديمة، فارتخت أعصابه واستغرق في نومة عميقة، والتلفاز يغني على ليلاه. ومرت ساعتان ناجي نائم والتلفاز يبث ما يبث. إلى أن صحا فجأةً على صوت مذيع الأخبار يتحدث عن مظاهرة حاشدة أمام سجن «بريحان»، جحظت عيناه! وسمع جلبة المتظاهرين القريبين من الكاميرا.. وسمع أيضاً صوت الطلقات النارية.. ورأى رجال الأمن ونسوةً يشتمن العساكر والدولة. وهو عندما انتهت المظاهرة نساها من فوره إلا سحر.. هذا الاسم الجميل الذي بُعث حياً من رمسه. وعيناه مشدودتان إلى الشاشة كبروجكتورات السجن في الليل! تبحثان عن الوجه ذي العينين العسليتين. سأل نفسه «أين أنت يا ناجي تحادثك سحر؟».

وأجابت الشاشة الصغيرة عن سؤاله.. شاهد نفسه يتحدث بكلماته التي قالها للصحافية سحر. لم يعبأ بنفسه كيف بدا! بل كان يتوق لرؤية وجه سحر وسحر عينيها.. وظهرت سحر.. تطرح الأسئلة.. تتكلم.. تسأل.. تضج بالحياة.. تطير وتحط كالفراش.. تعجب بإجابات ناجي! وما رآه في وجهها من اهتمام به لم يلحظه أثناء المظاهرة. سألت أسئلتها ثم ما لبثت أن أنهت الكلام:

«كما ترون أعزائي المشاهدين.. سجين سابق يزيح النقاب عن الخفايا والخبايا.. ويعلن الحقيقة المعيبة في الداخل. سجين سابق وهو الآن حر خارج السجن.. يثنّي على مطالب المتظاهرين ويزيد بالعبارة الصادقة والصارخة. أوضاع المساجين الإنسانية في الداخل سيئة للغاية. وكما وصف المتظاهرون حياة السجناء «كالبهائم».
Page 9
لماذا وصلت الحالة إلى ما هي عليه الآن؟

أين عيون المسؤولين وآذانهم مما يجري؟

ألا يحتاج السجين فعلاً إلى ظروف إنسانية جيّدة لكي يمضي مدة حكمه بسلام؟ أم حكم عليه بالموت حياً في السجن مهما كان جرمه؟

من المسؤول عن هذه الفوضى العارمة: إدارة السجن.. الأمن.. القضاء.. أم السلطة التنفيذية في البلاد؟ ترى هل تصل صرخات المتظاهرين إلى حيث أرادوها؟ هل لا زال في هذه البلاد من يسمع أو يهتم؟ هل عند المسؤول وقت أصلاً ليرى أوجاع الناس وهمومهم؟! كلها صرخات برسم السمع، وأسئلة برسم الإجابة».

فقال ناجي في سره «المعزوفة نفسها.. هي هي».

ثم فجأةً يشد حواس ناجي كلها أذناً وقلباً:

«سحر سالم.. سجن «بريحان».. قناة (NRCC)»

سحر سالم؟!! وراح يستعيد صدى ما سمع في قلبه: سحر سالم.. سحر سالم... س ح ر... س ا ل م، هو اسم زوجته بالكامل! نعم أذناه لا تكذبان. غريب! غريب أن يكون اسم هذه الفتاة كاسم حبيبة أيام زمان.. يا إلهي.. أي صدفة غامضة هذه؟! تراها تنتمي لعائلة من الأقارب.. من المعارف القدامى.. من بلدته ربما..؟! لا.. حتماً لا. هذا التطابق هو محض مصادفة لا أكثر، هي من بقعة ما في هذه البلاد وهو من بقعة أخرى. ما أصغر هذه الدنيا!

تناول من عشائه القليل وخرج إلى الشارع يتمشى.. وكائن وحيد غريب جميل يرافقه.. سحر سالم.. لغز ولج قلبه وأفكاره بغير إذن. بيت من مطلع قصيدة يجهل عنوانها ومضمونها. حل لعقدة رياضية لا يعرف معطياتها. ترى ماذا وراء سحر من خبر؟ أين منه تلك الشابة الصغيرة وهو في بحر أربعينات عمره؟ المشي في ليالي آب يرد الروح.. دخل الحانة وابتاع له شيئاً من المثلجات وتابع السير نحو الحديقة.. جلس زهاء نصف ساعة وعاد ليلهو قليلاً على الكمبيوتر ثم أوى إلى فراشه.

******

عبر ناجي الردهة متجهاً إلى مكتبه فاستوقفته سكرتيرة الاستعلامات عايده بوجه مشرق:

- لقد اتصلت بك سحر سالم من الــ (NRCC) تركت رقم هاتفها وأخذت رقمك. بالمناسبة كنت البارحة مذهلاً على التلفزيون يا ناجي.

فأشرقت عينا ناجي ليس للإطراء بل للنبأ.. ويبدو أن الأسئلة والمفاجآت في الآونة الأخيرة تقف طابوراً أمام باب ذاته لا يقوى على استيعابها في آن معاً. وراح يسأل نفسه «ترى من هي هذه الفتاة وضعتها الأقدار في طريقي بعد هذا العمر؟! لماذا لم أعثر على سحر ما.. في مكان ما.. منذ أربعة أعوام حرية؟! من هي سحر سالم؟! أهي صحافية فقط؟ هل هي زنزانة من نوع جديد؟ هل هي حكم آخر مع وقف التنفيذ.. أم ملاك من السماء أرسل لكي يقودني في مفازات الحياة؟! ماذا تحوك الأيام لي أو لها أو لكلينا معاً؟ صبرك يا ناجي.. إن غداً لناظره قريب».

وسأل السكرتيرة:

- ألم تقل شيئاً إضافياً؟

- لا.. ولكن الاهتمام كان واضحاً في نبرة صوتها. تفضل هذا رقم هاتفها.
Page 10
أخذ الرقم واتصل بها من فوره.. وسمع نغمات صوتها الدافئ يعزف على أوتار مشاعره:

- آلو.. آلو..

وأجاب:

- صباح الخير آنسة سحر.

- صباح النور يا ناجي عرفتك من الرقم.

- يعطيكي العافية.. كيف أنت اليوم؟

- بأحسن حال.. وأنت؟! هل شاهدت نفسك البارحة في نشرة الأخبار؟!

- أجل.. ورأيتك أنت أيضاً. إنك موهوبة حقاً.

- سيد ناجي هل بالامكان أن نتقابل؟ من الحديث معك البارحة وجدت أنك تفكر بطريقة تشبه طريقة تفكيري. وفي ذاتك ثورة تشبه التي في ذاتي.

- وهل أنت ثائرة؟!

- أنا ثائرة ولكن بوداعة، كثورة غاندي.. أو ثورة يوحنا المعمدان.

فقال ناجي:

- لا أظن أن هناك ثورة وديعة وثورة عنيفة. الثورة ثورة. الثورة تغيير. إنها جراحة والجراحة عنف ودماء. ولا ثورة في التاريخ لم تكن عنفية في وجه من الوجوه. لا تأخذي فكرة خاطئة عني أنا لست شخصية عنيفة ولا أؤيد العنف.. ولكن التغيير ليس بالأمر السهل، إنه يشبه خلع ضرس كبير مهترئ.

- التغيير ممكن وليس مستحيلاً. والتاريخ مليء أيضاً بالمتغيرات الكثيرة والصعبة.

- صحيح.. وأنا مقتنع بضرورة التغيير.. ولا بد من التغيير.

- هذا أول توافق بيننا.. ضرورة التغيير، أليس كذلك؟

- بلى نحن متفقان في هذه. ولكن ما هي التغييرات التي يجب أن تحدث؟

- كل شيء في بلادنا المتأخرة يجب أن يتغير.. لا ليس كل شيء بالمطلق.. ما يدمرنا ويشدنا إلى الوراء وهو سبب بلائنا وانحطاطنا. وأما موروثات قيمنا وأخلاقنا وتراثنا وتاريخنا وما يميزنا كذات متفردة عن سوانا.. فهذا لوننا وهذه قماشتنا، وهذا يجب أن يكون مدعاة فخر واعتزاز.

- ما هذا أرى أنك تقدمية التفكير. أأنت محازبة؟

-لا.. أنا صحافية. ولكني إنسانة متألمة.

- عرفت ذلك من عينيك. في هذه أيضاً نحن متفقان. الألم والتغيير. ألا يدعو هذا للعجب؟

فقالت الصحافية الشابة باندفاع:

- لهذا لا بد أن نلتقي ونتحادث وربما نتعاون..عندي الكثير أقوله لك... وعندك الكثير تخبرني إياه.

كانت فرحة ناجي لا توصف. في كل كلمة كانت تفوه بها كان يهمس في قلبه (نعم.. أين؟ متى؟ كيف؟) وخرجت هذه الكلمات من سره إلى شفتيه فقال:

- ومتى نلتقي يا سحر؟

أجابت الشابة بثقة:

- عندي رقم هاتفك. سأتصل بك ونتفق على الزمان والمكان. إلى اللقاء.

- إلى اللقاء.