eKtab
EN ع
رمادية
Read free sample

رمادية

by غادة صديق رسول

Page 1

رمادية

كنت اليوم غريبة في هذه المدينة. على الرصيف سار خلفي، جنباً إلى جنب ظلي، التوجس والخوف من مجهول بلا ملامح. سمعت نعيق غربان، تلفَّت أبحث عنها، فلم أجد غير عساكر بثياب غريبة غير نظامية، يَخافون ولا يخِيفون. الزحام والأسلاك الشائكة في كل مكان، ودخان مركبات تبث السموم والضجيج. والبشر مواطني مدينتي كانوا يجرون كالمذعورين، يقودون سياراتهم بعصبية وعجلة، أحدهم يطأ الآخر، هل فاتهم جميعاً موعدٌ مهم تعتمد عليه حياتهم الباهتة؟ من كان يلحق بهم ليفروا بهذه الطريقة؟.

تشبثت بالأماكن التي أحببتها في الزمان الغابر الجميل لموصلي في الأمس، فحملتني قدماي إلى الأحياء القديمة التي شهدت أيام الطفولة البيضاء. قطعت رصيف شارع (رأس الكور) المتعرج بخطاي المتمهلة التي يفقدها الخوف اتجاهات الأمان، على القدمين ذاتهما اللتين طالما سرت بهما قفزاً، فرحاً، كأني ألاحق سرب فراشات من ضوء سحري لم يبصره بشر قبلي. نفقد حين نكبر أنفسنا فلا نعود نحن؛ فلا عجب أن تنكرنا المدن والأرصفة، حين ننكر أنفسنا للوهلة الأولى أمام مرآة الأعوام السرمدية.

كل شيء تغيّر فلم تعد الأيام تبدو جميلة أو حميمية ولا حتى حقيقية يا مدينة روحي. حتى هذا الحي بدا مزيفاً لا تناسب بضاعته المترفة غير الضرورية أبنيته العتيقة. مقهاه، حيث اعتاد جدي يومياً تناول (استكانات) الشاي التي يصعب إحصاؤها، اكتظ برجال بلا وجوه مشغولين بهواتفهم المحمولة التي تنعق بغناء شاذ بمفردات تعتبر ضمن لائحة الشتائم العراقية. عيونهم ترقب النساء وتأمل في حادث سير يبدد الضجر. باعة الفاكهة والخضر احتلوا ربع الشارع وتركوا نصفه للأسلاك الشائكة والعوارض التي يضعها رجال الشرطة لعرقلة السير، فلا تمر بهم سيارة مسرعة قد تطلق الرصاص لا سمح الله، عموماً لم يعد الرصاص مشكلة فالشارع خير شاهد على انفجارات ومصائب ملأته بالحفر، إضافة لأنقاض مبنى مركز الشرطة القديم وما جاوره من بنايات سيئة الحظ.

سرت أتطلع إلى وجوه لا أعرفها بالتأكيد إني التقيتها مرات ومرّات لكنها لم تشتر تذكرة لبنك ذاكرتي المفلسة من الوجوه المكتظة بالأصوات والكلمات، فأنا لا أنسى صوتاً أو عبارة مضيئة، لكن قناع وجه قائلها سرعان ما يغيب مثل دوامة يصنعها حجر صغير يبتلعه قعر النهر. شدني وجه طفل يعمل في أحد المخابز التي تكاثرت في العقدين الماضيين، ربما لأننا أصبحنا نأكل أكثر مما ينبغي. قدرت عمره بعشرة أعوام. لم يكن سعيداً ولا حزيناً أيضاً، افتقدت عيناه بريق الدهشة التي لا أصادفها إلا في عيون الصغار. من سرق منه جناح الحلم يا ترى؟ بطريقة آلية بليدة، وعيناه تشخصان بعيداً جداً. كان يمد يده إلى قدر ضخمة ملأى بالعجين، ليأخذ لطخة منها، يجاهد لفصلها عن القطيع الذي يصر على التمسك بها، يقطع كل جذور اللطخة التي تصرّ على التمسك بوطنها، بخيوط تبدأ قوية وتضعف تدريجاً حتى تنقطع، يكور القطعة التي باتت غريبة بمهارة ثم يصفها على منضدة مغطاة بقماش غامض.

انقلبت ألوان المشهد! وبت أرى المخبز والعاملين فيه بالأبيض والأسود فقط. هذه الحالة نفسية، كما شرح لي الطبيب الاختصاصي بأمراض العيون، الذي أجرى لي فحوصات كثيرة، وداخ وهو يفتش في عيني عن عطب غريب لم يسمع به سابقاً. اقتربت ودخلت المخبز بحجة شراء رغيفين من الخبز، لأفهم كيف وإلى أين غادرت الألوان من هنا. اقتربت من الولد العامل الذي كان ينبغي أن يلعب على ضفة النهر التي لا تبعد عن المخبز أكثر من ثلاث دقائق سيراً، أو دقيقة واحدة عدواً إذا ما تاق إلى اللحاق بسمكة يجب اصطيادها قبل أن تبتلعها سمكة أكبر. أو ربما لالتقاط حجر ملون يلمع تحت الشمس الآن قرب الضفة المعشوشبة. هل كان يفكِّر في الضفة؟ لماذا كان يرقب الأطفال الذاهبين إلى المدارس يا ترى، أي قوة حولته إلى آلة؟ كما فعلت معي السنون. صباحات كثيرة كنت أتمنى لو تفرغت للقراءة أو قضاء أعمال المنزل وأنا أستمع إلى الموسيقى، بدل جر خطواتي للذهاب إلى عمل لا يحتاج إليّ. أحسست بأنَّ روحي صارت بيضاء وسوداء، بسبب كل الأشياء التي سرقها إيقاع الوقت المذعور المتعجل في المدينة مني، وأن الألوان تنضب حين نتوقف عن الحلم، ويبدأ التثاؤب من رتابة الشهيق والزفير. لم يسعفني الوقت لمزيد من التأمل، وجدت نفسي في صخب لقاء وتحية ابنة خالة لم أرها منذ عيد الأضحى الفائت.

Page 2

المشكلة أني وحدي أراها مشكلة

من يحسد الآخر؟ الطائر مقصوص الجناح أم ذاك الذي حمله جناحه وسط ريح عاتية في أيام كلها مطر وبرق؟ من منهما سيشعر بالأمان ومن بالرضا؟ بالأحرى من سيشعر ومن سيكون قد نسي كيف يكون الشعور؟

قريبتي امرأة طيبة لكن أيام النيات الحسنة التي كنا نلعب فيها وننام سوية على سطح الدار مرت، فأصبحت أزدري طريقة ارتدائها لثيابها وطريقة تفكيرها، بصراحة كل حياتها، وأصبحت تحسدني على رصيدي في البنك، عملي المرموق وأناقتي الدائمة. بالخلاصة كل الأشياء التي تعوم على السطح الهامشي. كل لقاء جديد كانت تتفرس فيّ جيداً، وكنت أهرب بعيني بعيداً إلى ما وراء الغمام، أؤنب نفسي أحياناً على هذه الفوقية، لكن الأمر خرج من يدي أخيراً مهما حاولت أن أعود طبيعية.

غمرتني بالقبل وسألتني عن عائلتي فرداً فرداً، على الرغم من أني عادةً لا أملك غير جملة (الحمد لله). كانت تريد أن تستمر بهوايتها المفضلة (الكلام)، وكنت أختنق. آلة مجهولة كانت تضخم صوتها في أذني مما يدفعني للجنون، دعتني لتناول الفطور معها، وكنت أعد العدة للهرب، لكنها أقسمت وجرتني إلى منزلها جراً.

سرت معها بخطوات مهزومة وأنا أسب في داخلي كل أقاربي وألعن المجتمع الغبي الذي يسرق منا نحن الممسوسين بالغربة لحظاتنا النادرة. كل لحظة تفلت بسرعة ولا نعود قادرين على الإمساك بها، لم أكن لأصغي إلى كل ما تقول، سأجن إن فعلتُ، ولربما تحولت إلى إنسان مدجن يبدو سعيداً ويُسمّى مواطناً مدنياً مثالياً (يا للعار)!

بالتأكيد، إنها تقضي كل وقتها تعمل في هذا المنزل، نظراتها تشي بفخرها بقطع الإثاث المبهرجة اللامعة والأرضية النظيفة على الرغم من فقر البناء. أحب الفقر حين يكون عارياً وشديد البساطة، محاولة بهرجته وإخفائه تفقده الأصالة، كنت أفتقد أرضية دارها القديمة وشكل هذه الدار المكونة من غرفتين وباحة مشمسة ومطبخ صغير جداً لا يتسع لأكثر من شخصين أو بالأحرى امرأتين، لأن النساء هن من يعملن مجاناً في المطابخ طوال حياتهن، جدران جديدة بنيت وأخرى غلفت بديكورات حديثة لتشوه المنظر العتيق للدار.

دخلت مطبخها لتعد لي فطوراً سريعاً، وعادت بسرعة مع (صينية) صفّت عليها أنواع عديدة من الجبن والمربيات وكأسان من الشاي ذي الرائحة المغرية، لكن ضجيج صوتها نغص عليّ:

ـ فلانة ذهبت إلى العمرة واشترت أساور ذهبية جميلة.

ـ علانة اشترت لابنها سيارة جديدة موديل العام هذا.

وأنا لم أجد غير ابتسامة بلهاء غير ملونة وقلب يجر أنفاسه بصعوبة، وذهن يصرخ: اهربي اهربي، وهكذا فعلت على الرغم من أني تمنيت لو عدت بسيطة وعادت هذه الإنسانة صديقتي لأحكي لها ماذا يخنقني، صوت ما انبثق بصمت في رأسي فور خروجي من منزلها وأنا أشكرها على وجبة الفطور:

ـ وماذا ستقولين يا رمادية؟

هل ستفهم أن هذه الحفر في الشارع تشبه ثقوباً في روحك؟ هل ستجدني مجنونة حين أخبرها أني أبحث عن الألوان والفرح، وعن كائن يشبهني على الرغم من أني لست واثقة من وجودي؟

Page 3

الشوارع باتت مخيفة في هذه المدينة لفرط ما تغيّرت، لكن رأس الكور بقي وفياً، ربما ما زال بإمكانه التعرُّف إليّ، أنا التي طالما كلمته في صمت لأخبره أن لا يحزنه يأسنا وأنه سيبقى بعد أن أفنى وكل هؤلاء الذين يدبون على سطح إسفلته العتيق الآن. اقتربت من جامع النبي جرجيس فهذه مدينة الأنبياء وهي تعج ببقايا معجزاتهم وعظاتهم التي لم نعد نتعظ بها، ومساجد تحمل أسماءهم بنيت على ضرائحهم أو أماكن شهدت معجزاتهم. تمهلت في خطوي أبحث عن لقطة غير ملونة، لكن كل هؤلاء البشر المسرعين والجالسين في المقاهي، كانوا ينعمون بنعمة النسيان والألوان. هذا البدين الذي سيموت حتماً جراء تصلب الشرايين وعجز القلب، كان يضحك بطريقة عجيبة وكأن العالم مثالي، وكأن ما زال بإمكاننا أن نقابل فيه بطلاً من لحم ودم لا حكاية على ورق. كنت أريد أن أصرخ في الرجل البدين لأخبره، أني أملك عناوين كثيرة لخونة وجلادين ينعمون بالألوان والإغماء، وأني أتوق إلى عنوان بطل واحد لا أكثر. عاد الصوت ليصرخ في رأسي:

ـ ما شأنك والعالم، هل تستطيعين أن تصبحي بطلة يا رمادية؟

قلت للصوت ولنفسي إن هذه المدن لم تعد تصنع الأبطال. هي تترك البشر في نصف الدرب مدربين على الكلام والعمل لكنها تسرق أرواحهم، وأنا استيقظت روحي ذات غفلة، لا أدري ماذا أفعل هنا وأنا لا أشبه هنا ولا أشبهني حتى.

سرت حتى شارع النجفي جنة الكتب والمطبوعات. حين أضيّع نفسي لا أجدها إلّا هناك، أستطيع أن أقضي فيه نهاراً كاملاً دون أن أتعب أو أشعر بالملل. قررت القيام بجولة تفقدية على باعة الكتب القديمة فقد أعثر على كتاب لدور نشرنا التي تراكم عليها الغبار ولم تعد تترجم أو تنشر شيئاً، طالها التخريب الذي طال المثقفين في هذا الوطن الذي بنيت على ثراه أول مدرسة في العالم. كل الباعة يعرفونني لأني أشتري منهم بصورة منتظمة منذ أيام المراهقة، لا أساوم على كتاب، أشتري بالجملة وأقرأ بطريقة لا إرادية كما التنفس، لأهرب ولأنسى. ما حولي مخيف وبشع، وحده الكتاب يحتضنني كما تفعل أمي، وتربت علي صفحاته بحنان، لأرحل معه بعيداً حيث لا يطالني القبح والأذى.

قبل أن يعانق بصري الأغلفة الملونة التي انفرج قلبي لمرآها، لمحت من بعيد شخصاً شاء حظي التعيس أن يكون من معارفي، سار مزهواً مثل طاووس برفقة زوجته المبهرجة حتى اللعنة بأساورها العديدة التي تعلن عن غنى صاحبتها وتلمع تحت الشمس لدرجة تشوه منظر سوق الكتب. بنظرة واحدة، عرفت أن السنين لم تمر على قلبه بعجلاتها ربما لأن قلبه مخزون في مجمدة ما، لم أرَ أي أثر لقدم السن غير آثار صبغة سوداء تركت شعره مثل شعر ذكر ماعز أسود فاحم، قلت لنفسي إلى الوراء در يا جندّية السأم، لم يسعفني الوقت، فقد لمحني الدكتور وتقدم لتحيتي مثل أفعى تستعد لالتهام عصفور سمين.

Page 4

غريبة رغم أنف القافلة

هذا الرجل بإمكانه أن يكون سعيداً وشقياً غاضباً وراضياً في اللحظة نفسها. هو ملوّن جداً طبعاً، في كل وقت وزمان يجد له مكاناً غير مناسب ليناسبه، كل الأيام فُصّلت على قياسه، أنيق لبق رشيق، متوسط القامة وسيم الملامح، يتكلم بعينيه وحاجبيه وأنامله حتى، كان بإمكانه أن يصبح راقصاً بارعاً، لكنه اكتشف أن دماغه مستودع ضخم لتكديس المعلومات فدرس على طريقة الآلة الحاسبة وحاز تعليماً عالياً حتى نال درجة الفيلسوف، همس الصوت في رأسي متهكماً:

ـ هذا زمن الفلاسفة النفعيين يا رمادية!

عرفته عن طريق شقيقه الشاعر، ما زلت أستغرب كيف أنجبتهما بطن واحدة، كيف اختلفا إلى هذه الدرجة وقد أكلا من مائدة واحدة طوال عمرهما! سألته فور انتهائي من طقوس السلام عليه وعلى قطعة الديكور التي تدعى زوجته، عن عدي في غربته التي اختارها هرباً من حطام البشر والوطن. غشّى قسمات وجهه الاشمئزاز وأعلن نظريته الغبية بأن أخاه ضيع نفسه وفرصه، ثم استدرك وقال إن صحته تحسنت قليلاً وإن أخباره تصل متقطعة. ليت هذا الفيلسوف الملون يفهم أنه يثير فيّ وفي شقيقه اشمئزازاً أكبر.

ما زلت أذكر آخر لقاء جمعني بعدي، كانت الأيام حينئذ ما زالت تملك بعض الجمال الباهت، كان عدي يشبه زهرة الحزن. أصيل ونبيل وجدته غارقاً في الحب ودخان السجائر، ردد من خلف كومة الكتب حين رآني:

ـ «لن (1)

يرجع اللحن عراقياً

وإن كان حزين».

كانت قدرته على الكتابة مدهشة. كان يزفر قصائد، ويكتب للعصافير والتراب والسماء، ويحلم مثلي ببطل، صدّق عدي أكذوبة البطل لأننا كنا محتاجين إلى الإيمان برجل يعيد إلى أبطال الوطن هيبتهم، وحين انهارت الشعارات والأصنام سقط الشاعر في حزن عميق، ليحزم حقائبه أخيراً بعد سقوطه بالضربة القاضية صريع خيانة عشقية ويهاجر.

الأصدقاء الذي يشبهوننا يحزمون شيئاً منا في حقائب سفرهم، لنعيش مثلهم في غربة صنعها رحيلهم الموجع. أصبحت أتجنب بعد رحيله المكتبات التي كنا نزورها معاً، واجتماعات الأصدقاء والسفرات الربيعية حين تكتسي نينوى بالزهر الأحمر والبنفسجي. أزور أمه من وقت لآخر رغم وجود الفيلسوف الغبي الذي استغل غياب عدي ليستولي على منزل الأسرة بعد وفاة أبيهم حزناً. أجل حزناً فأنا متأكدة أن الحزن والملل أهم أسباب الموت، قلت هذا للصوت في رأسي فبقي صامتاً. في حين استمر الفيلسوف في تعذيبي، لوح بيديه وحرك حاجبيه واستفسر عن آخر بعثة وعن أخبار مكافآت البحوث. لم يكن ليسمح لي بالإفلات إلا بعد انتهاء تحقيقه معي. تململت زوجته بكل سلاسلها، لكنها حافظت على الابتسامة اللامعة على وجهها، وتظاهرت بأنها مهتمة بالتفاح الملقى على عربة الفاكهة الجاثمة قرب الرصيف التي يجاورها تل صغير من الصناديق الكرتونية الخاوية من ثمارها، وكنت أجيبه بكلمات مقتضبة وعيني تخترق جدران وواجهات المحال القديمة. أنصت إلى أصوات الباعة وصراخ الأطفال وضجيج المركبات، تمكنت أخيراً من عزل صوته النشاز ونفيه عن مدارك سمعي، أصبحت ماهرة بكل أنواع الهرب، الحقيقي والظاهري، أسئلته لن تنضب، فكان لا بد من حل حاسم، اعتذرت وتحججت بموعد مهم حان وقته. ودعته بمهارة بدون أن أنظر إلى وجهه، لوّحت بيدي لأول سيارة أجرة ألقيت بجسدي الرمادي المتهالك الضَجِر في داخلها ما إن توقفت. أعطيت السائق عنوان دائرة البعثات التي أعمل فيها، الغرق في العمل مخدر مناسب لوجع مزمن.

Page 5

سائقو الأجرة أبطال الثرثرة في هذا الزمان، استولوا على عرش الأفواه التي لا تتعب بعد الإطاحة بالحلاقين، لم أتبين ملامح سائقي الذي بدأ ثرثرته بنعي سريع لشوارع الأمس بعد مقارنة سريعة بطوابير زحام اليوم. بنظرة استعلاء وغضب من عيني صمت، لست مجبرة على مجاملة سائق سأفارقه بعد دقائق. لم يتحدث بعد ذلك وربما كنت أسوأ زبونة عنده لا أبتسم ولا أتكلم وعله يشتمني الآن في سره.

قطعت السيارة على مهلها شوارع حزينة بمحلاتها، بوجوه الباعة حتى المبتسمين منهم. من الراديو انبعث صوت مغنٍّ مع لحن شديد الشجن. بدأت أغرق في سكينة غريبة تشبه الاستسلام، ربما هو الحزن قد انتهى من ابتلاعي أخيراً، مثلما ابتلع الخراب شوارع الموصل، أغلب البنايات في الشوارع الرئيسية قد حفر فيها الرصاص بصمته، دور مهدمة وأخرى كُتِبَ عليها يافطة بالأحمر تقول: لا يباع ولا يؤجر بأمر الدولة سين أو صاد. لافتات نعي بالأسود تنعى كثيرين قضوا إثر حادث غادر، ما أكثر الغدر يا نينوى وما أطغاه، إيه يا أم الربيعين، لم تحلق الصقور في سمائك وكلنا بتنا عصافير مذعورة أشجعنا أحجم عن الهجرة، وأجبننا أطلق ساقيه للريح بعد تهديد تليفوني. رأيت الإرهاب في كل مكان، في وجوه رجال الشرطة الملثمين عكس كل دول العالم التي يخفي فيها اللصوص وجوههم، في تلال الأوساخ التي تفتقد حاوية تلمها خوفاً من عبوة ناسفة متخفية، في عيادات الأطباء المغلقة، في محلات بيع الملابس النسائية التي غلفت وجه الدمية بكيس أسود، لأنه عورة ربما، في قلوب تخاف النبض وشعراء تركوا كتابة القصائد، نخشى الحب وإقامة حفلة عرس، أصبحنا نخاف يا وطني من كل الأشياء.

طال وقوف السيارة في الزحام الغبي. ندفع ضريبة أخرى للخراب على شكل قضاء ساعات ثمينة من وقتنا يومياً في زحام مفتعل بواسطة أجهزة الأمن التي لا توفر الأمن. وصلت السيارة بشق الأنفس إلى نقطة التفتيش المكوّنة من ثلاثة رجال شرطة اثنان منهم كانا يجريان اتصالات غير مهمة بهاتفيهما المحمولين، وثالثهم أدخل رأسه من نافذة السيارة تطلع إلى وجهي ووجه السائق بطريقة غبية سمجة وأشار بيده إلينا أن امضوا بسلام غير آمنين، ارتفع معدل الحنق والسواد في قلبي إلى أقصاه. سأموت بانفجار في قلبي هذا إن لم تقطفني رصاصة غبية لا تفرق بين قلب وآخر، فالرصاص لا يعزف سوى لحن الدم.

قال الصوت:

ـ يكفي يا رمادية فكري في فكرة واحدة مشرقة، انظري من هناك!

هنالك وقف بكامل فوضاه وقذارته، واجماً مفكراً في أشياء مجهولة، مجنون المدينة الأشهر، الرجل الذي هرب من الدنيا على طريقته.

* * *

فلا نامت أعين العقلاءِ(اللقاء ما قبل الأخير)

أسود هو اسمه مرّت العقود ونحن نراه حافي القدمين أشعث الشعر واللحية بجلباب طغى لون الغبار والقذارة الإنسانية على لونه الحقيقي، حين أقول قذارة إنسانية أعني هذه الكلمة بحذافيرها، فالإنسان يمضي وقتاً ليس قليل في تنظيف هذا الجسد المفرز للعرق والدهون المسعورة للاتحاد مع غبار الجو، بيد أن أسود استخسر وقته في تنظيف جسدٍ سيتسخ بعد ساعات. يوجد في الشوارع القديمة الرئيسية للمدينة حافي القدمين، يعلّق دائماً حول جيده وذراعه اليمنى حقيبة قماشية مخيطة باليد. لطالما سألت نفسي من صنعتها له؟ مليئة دوماً بالحلوى السكرية غير المغلفة التي تصنع محلياً، لطالما غرف بيديه ووهب حلواه لآلاف البشر، لأناس بالتأكيد يحفظ ملامحهم وأصوات خطواتهم وإيقاعها. على وجهه لا تلمح خبل نظرة المجانين بل تلوح في عينيه الكبيرتين تباريح أسى عميق، يبدو كمن ينظر إلى أشخاص ووقائع لا تدركها أبصارنا. تُقال عنه أقاويل كثيرة منها أن زوجته وكل صغاره ماتوا في يوم واحد إثر تسمم، فجال في مدينة الموصل يوزع الحلوى مجاناً ويزرع الابتسامات على وجوه الصغار والكبار. سمعت مرة إبان معركة القادسية، التي استهلكت مليون رجل عراقي وصنعت أربعة ملايين يتيم، أنه شوهد على الحجابات الأمامية في خطوط الجبهة المتقدة يوزع الحلوى على الجرحى ويسقي المحتضرين. لم أكن لأصدق هذا الهذر بتاتاً لأني فضلت الاحتفاظ بصورته كما اللغز الذي ستحله الأقدار إن شاءت.

شيء فينا ينكسر دائماً كلما رأينا هذا الرجل الغريب، فلا نستغرب قدميه الحافيتين دهراً حتى استحالتا بجلد متقرن أسود اللون، ولا نتقزز من حلواه المكشوفة الملامسة ليديه السوداوين، نأخذها مسحورين بأحداث ستحصل لنا إكراماً لكرم أسود ونمصها ببطء، بفتنة أيام الطفولة ونمارس الحلم ونتفرس في ما قد يأتي من أجلها ومن أجله.

اقتربت السيارة من أسود حتى أصبح ما بين نافذتي وبينه أقل من متر. فتحت زجاج نافذة السيارة فحدق بي، قرأني جيداً ومدّ يده الكريمة إلى الحقيبة المجهولة واغترف منها وألقى في حضني 4 حبات من الحلوى المدورة المحببة وبينها ورقة صفراء موغلة في القدم، ارتجف قلبي وشعرت بالرغبة في البكاء، مرّ وقت طويل جداً لم أبك فيه. انتظرت وقتاً طويلاً لأستجمع شجاعتي وأسترد أنفاسي قبل أن أفك الورقة المجعدة من طول بقائها بين حبات الحلوى.

قالت الورقة:

ـ المنزل المهدم بين كنيسة الساعة وجامع عمر الأسود.

Page 6

قدر الحمائم فصّل على قدرة أجنحتها(اللقاء الأخير)

ترجلت من السيارة قفزاً. لم أتلفت خلفي، قطعت الطريق إلى العنوان بلهفة، حملتني قدماي كأنهما كانتا هنا مسبقاً، منذ وقت طويل، إلى المنزل القديم الذي قدرت عمره بمائة وخمسين عاماً على الأقل. بابه الخارجي وسوره مهدمان، كذلك حال غرفتين أو أكثر منه، الدور والبنايات المحيطة بهذه الخربة عالية جداً. كان الغروب يحث الخطى، لمحت ضوءاً خفيفاً في غرفة ما زالت تحتفظ بسقفها وجدرانها الأربعة، اقتربت، فلم أجد باباً بل غطاءً سميكاً مدلى على فتحة الباب يقوم مقامه.

في داخل الغرفة كان الضوء شحيحاً، سقفها مرتفع جداً، الشبابيك سدت بقطع غير متراصة من الحجر، كانت الجدران من المرمر الرمادي القديم الذي استحال سواداً، أسرة خشبية رفيعة طويلة مغطاة بغطاء قديم سميك تراصت لصق الجدران، سجادة قديمة قذرة لكن فاخرة فرشت أرضية الغرفة، تعودت عيني درجة إضاءة الغرفة، وفي الحقيقة لم يكن الضوء يصدر إلا عن الشخص الوحيد الجالس في الركن الشمالي ورأسه مدلى بين ساقيه، بجرأة تقدمت.

هذا الرجل أصفر اللون بثيابه، شعره، يديه، والجزء الظاهر من رقبته، صفرة باهتة لا تمت بصلة إلى الألوان التي طالما رأيتها، لا تشبه لمعة الذهب، أو لون قشرة الليمون، اقتربت منه كثيراً ولم أجلس تأدباً، حييته وتمنيت له مساءً حافلاً بالخير، أشار بيديه لي أن اجلسي، ثم رفع رأسه إلى الأعلى بهدوء شديد. نعق الصوت من داخل رأسي:

ـ لا تخافي يا رمادية.

ـ من قال إني خائفة أيها الصوت السخيف؟ اخرس الآن.

كل ما في هذا الرجل أصفر: عيناه، رموشه، كأنما نُقع في صبغة صفراء شربتها كل خلاياه. واهن قليلاً، متعب كثيراً، لم يكن يتنفس بل يرمش بعينيه الصفراوين الواسعتين، شفتاه لامعتان قليلاً كأنما ذر عليهما مسحوق الذهب. نظرت إليه مسحورة متلهفة، شعرت بأن هذا المخلوق أجمل ما ستراه عيناي.

قال لي:

ـ اجلسي والتقطي أنفاسكِ.

صوته كان دافئاً وصافياً يشبه صوت طفل في نغمته، لكنه واثق ومتعب كأصوات الشيوخ الحكماء.

لم يطل الصمت بالأصفر حتى سألني:

ـ أسود هو من أعطاك عنواني أليس كذلك؟ هو يا ناديا آخر من زارني في مخبئي هذا منذ أكثر من خمسين عاماً.

ـ كيف عرفت اسمي؟.

ـ أنا الفرح يا ناديا أحفظ كل الأسماء والوجوه والعناوين، حتى المدن المحتضرة مررت بها ذات مجد. كنت أزورك كل عيد وكل يوم ميلاد، كنت أخطو إلى حديقة داركم وأنت عليك قليل من مسحوقي السحري وأنت تشاغبين وتسرقين بيض العصافير. في أعلى شجرة في بستان القرية، حين زرتها حميتك من السقوط وساعدتك على التسلق حتى قمتها وسمعتك تصرخين: (ما زالت السماء بعيدة).

Page 7

ـ ولماذا رحلت أيها البخيل؟

ـ أنا لا أرحل أنتم من تبتعدون، أنتم تتغيرون وتكيلون التهم لي، مثل الشيطان الذي اتخذتموه شماعة لخطاياكم. لا أنجح في التسلل إلى قلوبكم، تعبت من محاولات نفاذ لم تعد مجدية! لا أملك أجندة خاصة بي يا ناديا بل بكم. انظري هذا التقويم الخاص بك، زرتك قبل شهرين في يوم حرصت على أن يكون جميلاً وهادئاً، وكنت تنظرين من النافذة وتحسدين الحمائم. لو أن قلبك سمح لي بالدخول لوهبتك جناحاً أقوى من جناحها، هل تريدين أن تحلقي بجناح حمامة وأنت تملكين قلب صقر؟ هل تريدين أن تسافري بعيداً يا ناديا، لن تطيقي البقاء وستعودين إلى هنا. مرساك في الموصل وقدرك البكاء عليها، لا قدرة لي على تغيير الأقدار، أنا ألونها فقط.

ـ هل كنت هنا حين بنيت نينوى؟

ـ نعم وكنت يوماً ما برفقة سمورامات (2) يا ناديا. شاهدتها تبتسم فخورة وهي تشرف على نحت تمثال نابو إله الحكمة والقراءة. كان لها بعض ملامحك. رأيت نينوى تهدم على يد الفرس، وشاهدتها تنهض، أنتم لا تفهمون أن الزمن نسبي وأبدي، نينوى مثل طائر الفينيق، تنهض دائماً من رمادها، وستفعل قريباً وتشق الفضاء بجناح من ضوء وحكمة. مكتوب لها أن تنهض أقوى وأجمل بعد كل عثرة، لكن ألوانكم تنضب بعجلتكم، وميلكم إلى السأم يمنعني من الاقتراب منكم لأنفخ فيكم شيئاً من نفسي.

ـ لا تملك لي شيئاً إذاً! لم أكن أتخيل أن الفرح نكد ومهزوم هكذا!

ـ حين أتاني أسود قبل نصف قرن وهبته ما هو عليه الآن، وأنت لا تشبهين أحداً. لا أملك شيئاً أعطيه لك هنا، لاقيني على الجبل الذي لعبنا على سفحه معاً، أحضري معك الكثير من الأوراق لألهمك ألف حكاية وحكاية.

ـ لم يعد من الممكن كتابة حكاية سعيدة أيها الأثري.

قلت هذا للفرح واستدركت، لفني الصمت حتى الصوت الذي في رأسي لم يعد موجوداً، رحل إلى الأبد. خرجت من الدار بدون أن أودعه، من أين لي الطاقة والقدرة لوداع الفرح! لم أكن حزينة فالحزن وأنا شخص واحد، سرت كمن فهمت أجوبة أكبر منها بكثير، مشيت كثيراً لساعتين من الزمن، حملتني خطواتي قريباً من منزلي البعيد، تنبهت أني تركت حقيبتي في مكان ما، في يدي وجدت الورقة الصفراء، فتحتها مجدداً، ذابت الكلمات التي قرأتها قبل ساعات حين أعطاني إياها العاقل الذي ترك عقله عند الفرح، اقتربت من مصباح إنارة في الشارع فوجدت آثار حلوى سكرية صفراء لا غير.

اقترب مني رجل حفظ الأمن، استفسر مني إن كنت ضائعة فليس من المعتاد أن تبقى أي امرأة وحدها خارج الدار في هذا الوقت، لم أكن أملك بطاقة ثبوتية كل أوراقي في حقيبتي الضائعة، كان الشرطي أو رجل الجيش خائفاً من حزام ناسف ربما كنت أرتديه، وأنا كنت ضائعة ومنهكة.

سألني الشرطي:

ـ إلى أين تودين الذهاب ومن أنت؟

أجابه صوتي:

ـ أنا التي رأت فيما يراه النائم أنها التقت الفرح وتركته يفلت لأنه لم يعد على قياس قلبها.

* * *

* ملاحظة: كل شخصيات الحكاية حقيقية.

Page 8

أمنية أمنية التي تحققت

أنا أقترف الكذب بروايتي قصة أمنية، لكن قصتها تستحق أن تروى، فأنصتوا.

عرفتها مدرسة في زمان الضفائر، ثم أماً في زمن اليتم حين رحلت تلك التي أنجبتني. فزميلة وجليسة في غرفة المدرسات، أمنية لونت لي أحلى أماني قلبي، لأنها هي من جعلتني أعشق مهنة التدريس، لطالما أحببتها، ولطالما تمنيت ولو تلميذة واحدة تحبني، مثلما يحب التراب أصيص زرعه الوطن، هل قلت إن كل أمانيها لم تزهر؟ عدا واحدة، وأمام عيني!

صوت حبيب، صوت بعيد:

ـ أنت يا راوية الحكايات، عديني بأن لا تروي حكايتي أبداً، ما دمت حية.

وإلى ما قبل تحقيق أمنيتها، وَفيت ولم أحك للورق حكاية من علمتني تهجّي الحروف وتجرع مرارة الأيام الأصعب، لكني الآن في حلّ من وعدي للأسف، وهذا السطر الذي تقرؤونه الآن، ساحت حروفه بعضها على بعض حين غرقت بدمعي.

* * *

توزع الحنان دون أن تشعر، على حافة الشباك تترك قطع خبز لزوارها من الطيور، قبل يومين اقشعر بدني حين مررت أمام دارها مرغمة ورأيت الطيور تنتظر بلا يأس وجبة قوتها، عجباً ألا تدري هذه العصافير الصغيرة أن الأماني قد تتحقق؟ كانت أمنية أول من لاحظت تباشير يتمي، قبل أكثر من عقدين سألتني: (من ضفر شعرك يا بلقيس؟ ألم تتعافَ أمك؟) عرفت بعد ذلك أنها لاحظت اعوجاج الخط الذي يقسم شعر رأسي إلى قسمين متساويين. وحدها أمي تملك الصبر والحب الكافيين لتجعله مستقيماً.

حين حضرت المأتم نادتني لأني لذت بسطح الدار رعباً من عويل أقارب أمي الذين فجعهم موتها في ريعان الشباب. قبلتني وأخرجت مشطاً من حقيبتها الكبيرة التي تتسع لكل أوراق الامتحانات والدفاتر والشطائر التي تعدها لزميلاتها وطالباتها حتى. مشطت شعري وجدلت لي جديلتين وقالت:

ـ خسارة لا تستطيعين رؤيته لكني أقسم لك أن خط القسمة ليس معوجاً كثيراً يا بلقيس.

وابتسمت لي في يوم كان كل من يراني فيه ينفجر بالبكاء، احتضنتها، كانت لها رائحة أمي.

Page 9

حين نكون صغاراً نظن أن الحياة فصل كبير من السعادة، لكننا نكتشف عكس هذا حين تتوالى الخيبات علينا، ونعي حين نكبر أن الهدنة مع الحزن مؤقتة. مثلما تتصور أي مراهقة أن الزواج فستان عرس وحفل جميل وفارس سيردد مثل الببغاء كلمات الحب، لتكتشف لاحقاً أطناناً من المسؤوليات والهموم الكفيلة بقصم ظهر أكبر حلم.

وأنا طفلة نجحت بإخفاء همومها وأحزانها، كانت تخبئ لي دوماً ابتسامة تخصني بها، تبنتني بحب كبير، فهي من تُعيد تسريح شعري ونحن نتناول وجبة الفطور، حين أطرق بابها في كل صباح لنمضي إلى المدرسة معاً، وهي من تحل أي مشكلة تصادفني ومن تتولى تدريسي إن احتجت، لم يعد العالم مخيفاً بعد رحيل أمي وزواج أبي بسرعة غريبة. في الطريق إلى المدرسة سرنا معاً مرّات لا يمكن إحصاؤها، حدثتها وأنا أنظر إلى الأعلى حين كنت طفلة، ثم وأنا أنظر إلى الأسفل لأني شببت فارعة الطول. وست أمنية كانت قصيرة القامة كما يُقال عنها، مع أني لم أشعر بهذا قط، فهي تشبه الزهور العطرة لونها أبيض متواضع وعطرها حكاية تبدأ ولا تنتهي. ومن يعرفها يدوخ في متاهة العطر ويهمل باقي التفاصيل.

* * *

ذات صباح وبعد أن بكيت طويلاً لأن زوجة أبي نسيت غسل ثيابي المدرسية، تأخرت في الوصول إلى دارها وتصورت أنها تركتني وذهبت، وجدتها على الباب تنتظرني بقلق، لم تسألني ما بي، فهي من علمني نسيان كل ما يحزنني، لأنه فور انتهائه يصبح ماضياً لا أكثر. وهي تمسك بيدي لنعبر الشارع قالت من أجل مواساتي ونفخ شيء من الروح في روحي:

ـ ما رأيك بأن تختاري أنت عنوان موضوع درس الإنشاء اليوم؟

لشد ما أحببتها في تلك اللحظة، لأنها رفعت معنوياتي بلحظة واحدة، ولأنها فكرت فيّ، الصغار بارعون بالإحساس بالحب وبالكره أيضاً، امتناناً لها قلت:

ـ ما رأيك بالأماني يا ست أمنية؟

سألتني: (وماذا تتمنين يا بلقيس؟) لم أجبها رغم أن الإجابة مكتوبة داخلي منذ وقت طويل، باغتها بقولي (سأخبرك حين تحكين لي عن أمانيك)، ثم صمتت وقالت: (لنحث الخطى لا أريد أن نتأخر، الدرس الأول أوشك على البدء).

حين دخلت الصف وابتسمت بوجهنا كعادتها وقالت مثل كل يوم: صباح الخير يا عصفورات. رددنا خلفها:

ـ صباح النور والبلابل والطيور، شكراً ست أمنية.

كل حرف كنا نخاطبها به كان له جرس موسيقي عذب، كنا نغني لها بحناجرنا الطفولية الرنانة، بصفاء قلوب الأيام البيض، هي كانت المعلمة التي لا تصرخ ولا تعبس حتى حين تكون متعبة أو مريضة، أمسكت بالطبشور الأبيض كما قلبها وكتبت على السبورة بخطها الجميل:

ـ (أمنيتي)

ذاك اليوم كتبت أول مرة بحياتي من أجل متعة الكتابة، كتبت بحب، لها لا من أجل الدرس، وبخط فتاة صغيرة، بقلبي الزاخر بالحب:

ـ أتمنى أن أصبح معلمة لغة عربية مثل معلمتي وأمي ست أمنية، وأن نصبح أنا وهي زميلتين حتى لا نفترق أبداً.

بعد الدرس نادتني بعد أن قرأت إنشائي، احتضنتني ودمعة فرح وغبطة تتعلق بأهدابها الجميلة، وقالت سأخبرك الآن ماذا أتمنى.

قربت فمها من أذني قبل أن تهمس:

ـ أتمنى أن أموت وأنا سعيدة، وبين أناس أحبهم.

Page 10

توالى نجاحي بفضلها وانتهت مرحلة الدراسة الابتدائية بسرعة انقضاء حلم وفي مرحلة الدراسة الإعدادية، بقيت أتردد إليها لتتولى تدريسي مادة اللغة العربية التي أحببتها إكراماً لعيني معلمتي وبرعت بها كثيراً، كانت تحضر اجتماعات الأمهات دائماً، أي حزن كنت لأمنى به لولاها حين أبقى بلا أم وسط حشد الأمهات؟ وفوق ذلك صادقت مدرساتي الجديدات فمن لا يقع بحب هذه المخلوقة له قلب من حجر. حين ودّعت المراهقة وأصبحت فتاة صارت لي صديقة وأي صديقة مثلها كانت ستجيد مواساتي بعد خيبة حبي الأول الصامت حتى الموت. ودخلت كلية التربية، تخصصت في اللغة العربية لأزداد قرباً منها وشبهاً بها. منذ دخلت الجامعة فتحت لي قلبها وأصبحت تحدثني عن كل شيء وعن أي شيء، كانت تمرر النصائح الثمينة المليئة بالحنان بصيغة قصص ونوائب، جرت على فتيات ونساء لم يجدن واحدة طيبة مثل معلمتي لتنصحهن.

* * *

عاشت في منزل واسع جداً لطالما قالت إن الأشباح تسكنه إضافة إلى أمها المريضة دائماً، كنت ألاحظ كثيراً ملامح الأرق على عينيها وأعلم أنها لم تنم جيداً في ليلتها السابقة، لم أكن أسألها فحوارها معي كان يتدفق بسلاسة لكن في الوقت المناسب، كنت أعود معها إلى البيت لنعد الغداء ونأكل معاً، وأبقى بحجة الدراسة أو الكتابة، وأراها تتنهد براحة وتفرش فراشها قربي وتنام ملء جفونها.

في ظهيرة أحد الأيام سرنا معاً عائدتين من المدرسة، وحر تموز قد حول الشوارع إلى أفران ضخمة تشوي البشر إذا لم يحثوا خطاهم مسرعين، أمسكت بيدي وقالت:

ـ بلقيس وحك عشرة سنين سمعي نصيحتي تزوجي لتسوين مثلي.

سألتها بعيني فقط لم رفضت الزواج؟ كانت قد حكت لي مقتطفات عن بعض من تقدموا لخطبتها، وتدفق الحديث ونحن نشرب الشاي الساخن بعد الغداء كعادة العراقيين منذ مئات السنين، باحت بحكايتها:

"كان أبي صارماً بتربيته، عسكرياً سابقاً، حول المنزل إلى ثكنة، شعاره الانضباط والدقة، لم أره يبتسم طوال حياته، لم يصغ إلينا أو إلى أمي حتى إنا كنا نتلعثم حين نريد أن نقول له شيئاً ضرورياً. كان أخي رحمه الله يتحمل ضربه له لأقل هفوة، كأن يتأخر في العودة إلى المنزل مثلاً. أمي لا أتخيل ملامحها وهي شابة إلا والرعب مرسوم على وجهها كله، لطالما سألت نفسي كيف استطاعت ممارسة الحب مع كائن لا يعرف الحب أبداً؟ الطعام يجب أن يكون على المائدة بعد عودته من الجامع لأداء صلاة الظهر والويل إن تلكأت دقيقة واحدة، أي سوء تصرف نقوم به هي سببه لأننا تربيتها، كبرنا وشببنا عن طوق الطفولة ونحن نشبه جراء مذعورة.

قبل عشرين عاماً. وبنهاية السنة الدراسية، ظهرت نتائج الامتحانات الجامعية، رسب أخي وقامت القيامة في منزلنا الذي يقطنه الخوف معنا منذ سكناه، أول القرارات التأديبية من أبي كان حبسه بلا طعام لمدة 3 أيام. لن أنسى ما حييت يا بلقيس ملامح الذل واليأس التي رأيتها على وجه أخي بعد الصفع والشتائم. أغمض عينيه وهو يسمع آخر عبارات أبي بصوته المزمجر النابح، كان متعباً، واثقة بأنه كان يحلم بأنه في مكان آخر، في عالم أجمل، عالم بلا أبي. وأنا أناوله قناني الماء تحت إشراف أبي. أمسك يدي بقوة، ماذا كان يريد أن يقول لي، مستعدة لأن أدفع عمري من أجل لحظة أسمع بها ولو كلمة منه، لم يكن يلوذ بي لكني عرفت هذا متأخرة.

توسلات أمي وإمام المسجد بأن يخرجه من الغرفة بعد يوم لم تجد نفعاً، بكيت وأنا أقبِّل يديه وقدميه:

ـ طلع أخويا الله يخليك بابا.

كانت تلك المرة الوحيدة التي تجرأت وطلبت منه شيئاً، لم يظهر على وجهه أي انفعال، كان صخرة من حجر، مخلوقاً فخره الوحيد أنه لم يخالف أمراً طول حياته العسكرية ولم يتعرض لأي عقوبة. نهض مشيحاً بوجهه بعيداً عن منظري الذي أثار قرفه، بعد يومين من حبس أخي فاحت رائحة الرعب في منزلنا، لتزكم أنوف جيراننا، تحت وطأة تساؤلاتهم وتوقعاتهم فتح أبي باب السجن، ليجد الصبي الجميل الخجول جثة تتفسخ مشنوقة متأرجحة.

كانت ضمة اليد وداعاً إذاً، أيها الصبي الذي لعبت معه طوال طفولتي؟"

لم تكمل ست أمنية حديثها، فهمت لِم عزفت عن الزواج، لم تكن تريد سجاناً أو ظالماً جديداً بعد موت أبيها إثر سكتة قلبية. كانت بمثابة رحمة من الله ونهاية معتقل العمر الذي استمر عقوداً بلا أي ذنب سوى صلة القرابة، أمها عاشت ثلاثة أرباع عمرها خائفة وقضت الربع الآخر وهي مريضة، قتلها الحزن على صمتها وجبنها، فهمت لِمَ كانت تقول إن المنزل منزل أشباح.

أي الأشباح كان يزور أمنية يا ترى؟ أهو الأب الظالم، هل يخيفها الشبح لأنه شبح يا ترى أم لأنه شبح الأب الجبار القاسي؟ الذي كان عالماً كاملاً من الخوف، أم علها الجثة المشنوقة؟ وبمجرد تفكيري في جثة ميت قضى شنقاً، تأتي لتمسك يدي مودعة، قمت من مكان جلوسي مفزوعة، احتضنت صديقتي وربت على كتفيها طويلاً. اقترحت عليها أن تبيع المنزل وتشتري آخر، قالت إنه منزل ورثه والدها مع أختين تسكنان في إحدى القرى خارج بغداد عن جدها لأبيها، لكن العمتين توفيتا منذ وقت وجمع الورثة لبيع الدار أمر ليس سهلاً.