eKtab
EN ع
رؤوس الحرية المكيسة
Read free sample

رؤوس الحرية المكيسة

by جاسم الرصيف

Page 1
الثالولة
 
كما كف واسعة، منبسطة بسخاء، يميل سفح (وادي الحرامية) نحو مجرى مياه ألأمطار الموسمية، مفرّطا بتربة قبور الغرباء، التي إتسعت حتى (تل الهوى)، أيام الحصار الدولي، صعودا نحوالطرف الغربي للحي، الزاحف هو ألآخر، كما مخلوق ضخم بطئ الحركة، (جسده) من بيوت تلاصقت على جدران صفيح وخشب وطين مشفوعا ببعض قطع الكونكريت المستعملة سابقا في مكانات أخرى، و(نبضه) في أزقة متعرجة تعج بالاطفال والحيوانات السائبة والعجائز اللواتي إتخذن من أبواب البيوت مواقع لقاءات يومية يتأكدن عليها أنهن مازلن حيات وقادرات على الثرثرة ومراقبة المارة وممارسة هوايتهن في إغتياب ألآخرين·
 
وعلى حافة (تل الهوى)، الذي يستهل البر الغربي، أو يختتمه، عند الطرف النامي من (الثالولة) القريب من (مزبلة الشيطان)، حفر مقاتلو الحي خندق القتال، الذي بدا كما (فم ضفدع!!) يسخر من الذاهبين إلى، أو العائدين، من المدينة مع أخبار الحصار الدولي الذي سحق الجميع و(الحرب الجديدة) التي يثرثر عنها أكثر من ثلاثين رجلا، مع بنادقهم شبه الفارغة، بإمرة (ملا حمادي) الذي أعلن صراحة أنه (دائخ!!) بمسؤولية لم يسع إليها، ولم يتوقعها، ولكنه صار (عبدا مأمورا)·
 
وإسوة بمدن العالم الكبرى، إتخذت (الثالولة) قرارا بنصب رأس برج لكهرباء الضغط العالي، تركته عصابة (عواليس) سرقته من الحكومة، ولم تعد إليه لسبب ما، ذات ليلة، فإستقر الرأي أن تستخدمه (الثالولة) برجا لآذانات الصلاة، بعد تطوير الجدران الهزيلة المخصصة لغسل الموتى منذ سنين، لذا تفنن (ألأعرج البدراني) في لملمة قطع الصفيح والخشب والكونكريت وألأسلاك المعدنية على جبلة كبيرة من الطين حوّلت (حرام العواليس) إلى مصلّى عند الحاجة، مما أسعد ألأطفال بمعلم جديد يعبثون حوله يوميا·
 
ولما كان (برج الثالولة)، أو (مئذنة الضغط العالي)، كما يحلو لبعض المازحين تسميتها، قد نصبت حسب توفر الفراغات في الحي إلى جوار بيت (العضباء)، (زوجة الشهيد)، فقد صار (ملا حمادي) من أصدقاء العائلة، يتبادل الثرثرة عن (الحال وألأحوال) معها كلما إنتهى من أداء آذان للصلاة هناك، عبر مكبرة للصوت تعمل بالبطارية، ولم يكن يكتم إعجابه بفكرة تحويل حاوية ماء ضخمة، (تانكر)، الى بيت سكني لافت للنظر ساهم (البدراني) في إعادة هندسته ببراعة مشهودة، وكانت هذه تنتفخ فخرا كلما وصف (الملا) الفكرة التي خطرت في ذهنها وهي تبحث عن سكن لبنتيها وولدها الوحيد (بالعبقرية)·
 
وذات يوم تجرأت، بعد تردد طال، أن تطلب منه قرضا لتشتري عربة حمل لوحيدها (زمن)، الذي قررت منعه من الذهاب الى المدرسة بعدما تدهورت قيمة الراتب التقاعدي، الذي كانت تقبضه عن زوجها الذي إستشهد قبل يومين من توقف الحرب مع أيران، فقال لها آسفا على قرارها: لاحول ولاقوة الابالله!!·
 
ثم سكت قليلا قبل أن يقول لها وهو يتنهد هازا رأسه الهزيل: أبشري بالخير يا (أم زمن)!!·
 
فسوّرته بكل ماخطر في بالها من دعاءات·
Page 2
كاشان
 
تركت الدكان تحت رعاية (البدراني)، قبيل الغروب، كالعادة، وجلست على كرسي عتيق خلف بيتها القديم، المشرف على (وادي الحرامية) والضفة ألأخرى من الوادي، المزدانة بأبّهة قصر (الشيخ بعيو بعاص) في حي (الزنجيلي)، وراحت تراقب الدقائق ألأخيرة للفتيان والفتيات في (مزبلة الشيطان) وهم يتهيأون للعودة مع آخر الحمولات قبل حلول الظلام·
 
وصلت أول مجموعة من الفتيات، وأفرغت أكياسها من ألأحذية المطاطية التالفة وعبوات البلاستيك وأجزاء المحركات والبطاريات وألأسلاك وغيرها من النفايات، وكانت أنشط المجموعات الست العاملة في (شركة كاشان)، وتلك هي حمولتها الثالثة لهذا النهار· قبل أسابيع كانت هذه المجموعة تجلب بين خمس وست حمولات، ولكن أيادي البلدية تراخت عن العمل، فما عادت تجلب الكثير من أزبال المدينة، مذ بدأت ألإستعدادات للحرب الوشيكة بتجنيد القادرين على حمل السلاح من الرجال·
 
نبهت (كاشان) مسؤول البلدية، وهي تدس (المقسوم) في كفه القذرة، إلى أن هذه الظاهرة قد (قطعت رزقها؟!)، ولكن (أبو راسين) هز رأسه الزورقي الشكل آسفا وقال لها باليأس القدري الذي تعودته الناس منذ الحربين الماضيتين: الحرب، يا كاشان، الحرب!!·
 
ثم مضى مع غيمة من الذباب تلاحقه دائما، تاركا لمخيلتها أن (تفهم!!) علاقة الحرب بالبلدية و بالأزبال التي تنبشها (أصابعها) في (وادي الحرامية)·
 
بلغ مجموع ماجنته مجموعة (عنود) من النفايات ثلاثة وأربعين كيلوغراما ونصف، جبرتها (كاشان) إلى أربعة وأربعين، (مشكورة) من الفتيات الثلاث اللواتي كن ينشرن رائحة (مزبلة الشيطان) الحادة النفاذة، ولما كان وارد المجموعة ليوم أمس هو ثمانية وأربعين كيلوغراما، حصة (كاشان) منها أربعة وعشرين، فقد دفعت لكل واحدة منهن ثمن ثماني كيلوغرامات، بالتساوي، فقبلت واحدة من الفتيات الثلاث كفها المسودّة الوسخة ووضعتها على جبينها (حمدا لله!!) ثم إنطلقت راكضة نحو بيتها·
 
تكومت تلال النفايات في (البيت القديم)، او بيت (ضايع عبد الموجود) كما إعتادت العجائز أن يسمّينه، كما في كل مساء· ومع أن (كاشان) تعرف عن يقين أن (أصابعها) تعثر على لقيات ثمينة، كالمصوغات الذهبية والساعات وحتى النقود، إلا أنها لم تسأل أحدا من الفتيان أو الفتيات عنها، لأنها واثقة أن لا أحدا منهم سيصدق معها على عوز ثقيل جعله يجمع الزبالة ليعيش، في ظل نظام الصمت السائد في (الثالولة) شبه الخالية من الوشاة·
 
لذا فهي تكتفي (بنصفها) السهل المريح مما تجنيه تلك (ألأصابع) من (ساعة الحساب) غروب كل يوم، ومن (ساعة البيع)، التي تجني منها ربحا آخر، خاصا بها وحدها، على مساومات مملة تتكرر في كل صباح مع (المخضرم بن عمشة) الذي يشتري منها كل نوع من النفايات على حدة ليبيعه بدوره الى معامل المدينة التي تعيد تصنيع بعضه، ويبيع البعض ألآخر للمهربين الدوليين الذين تخصصوا في تهريب المعادن عبر الشمال، الذي فقدت الحكومة السيطرة عليه منذ ثلاثة عشرعاما، الى أيران وتركيا·
 
وعندما إنتهت (ساعة الحساب) مع كل المجموعات كان الليل قد حل، فإنتظرت (كاشان) حتى ينتهي (البدراني) من وزن خضار إشترتها زبونة عجوز، لم يتوقف لسانها عن الثرثرة، عن الحصار والحرب و (صدام) و (بوش)، حتى بعد أن اخذت ما إشترته فراحت تثرثر لنفسها بصوت عال وهي تمضي في الزقاق، بعد أن شتمت مجموعة راكضة من ألأطفال (أولاد الجائفات!!) السائبين كاد أحدهم أن يسقطها على ألأرض·
 
أعطت (لبدراني) سيكارة مستوردة من سيكائرها وأشعلت واحدة لنفسها وسألته قلقة
 
-: هل ستحصل الحرب؟!·
 
وعلى ضوء الفانوس، رأى (البدراني) في عينيها الجميلتين قلقا لم يره من قبل، ولأول مرة إنتبه الى بعض التجاعيد الصغيرة تحت عينيها تشي بعمرها الحقيقي، الذي قارب الخمسين، فشعر بأن (الزمن غدّار!!) حقا بحق البشر أيا كانوا· لذاأجاب وهو ينفث دخان سيكارته في الفضاء: عساها لاتحصل!! لاسبب حقيقا واحدا لها، وكل العالم رفض حصولها، ولكن من الخاسر فيها إذا حصلت؟!·
Page 3
زمن
 
تناول العشاء، الذي جلبته له أمه مع وصية (السياسة لعنة فلا تقربها!!)، على حافة الخندق المتربة في ليلته الثالثة التي أمضاها في العراء مع رجال، لم يتوقفوا عن الثرثرة في السياسة، زجهم (الشيخ بعيو) بقوة التهديد بعقوبة (ألإعدام للخونة) مشفوعة بقوة (الدفاع عن الوطن) في محنته الجديدة، ثم مضى على جناح وعد بجلب المزيد من العتاد والرجال·
 
أمضى (ملاّ حمادي) الليلتين الماضيتين (دائخا) من كل شئ، بين آذانات أصر على مواصلتها بصوته الواهن من (برج الضغط العالي)، وبين متابعته لستة عشر ولدا وبنتا وزوجة نالت لقب (أرنبة وادي الشيطان) عن جدارة في حبل وولادة بين حبل وولادة، وكأنها لم ترتح هي ألأخرى مذ تزوجت رجلا (دائخا!!) دائما في البحث عن طعام لعائلة تزداد فردا كل عام، بين من رضيع وحاب وسائب في ألأزقة رث الثياب!!·
 
(لا تثرثر!!) أوصته (العضباء)، ربما للمرة الرابعة في ذلك الغروب، على حبتي بطاطا مسلوقتين ورغيف خبز، مازال ساخنا، وبعض الخضار، فقضم بصلة خضراء بصوت مسموع هازا رأسه لأمه التي واصلت وصف ماجرى في البيت هذا اليوم، وماحصل في (الثالولة)، التي تبعد عنه ستين أو سبعين خطوة، ولكنه لا يدري ماذا يحصل فيها على إلتزامه (مقاتلا) في الخندق، لأن (ملاّ حمادي) أخبرهم بأن (أحدا ما سيزورنا)، ولابد أن يكون هذا (ألأحد) شاهد ميدان (كبير الرأس) في الحكومة·
 
سكن الليل بعد أن ذهبت (العضباء)، وإختلس ضياء فضي نفسه من بين غيوم مسافرة في (سلام مذهل!!) من مكان ما إلى مكان ما دون عوائق، فتوهجت جمرات السيكائر في (فم الضفدع)، مع ثرثرات هامسة، وعلا شخير (العم دليو)، و (داخ!!) (زمن) في فهم إتساع السماء لملايين النجوم اللامعة وأقمار التجسس الغمّازة التي يقال أنها تصور كل شئ على ألأرض باحثة عن، أسلحة التدمير الشامل في العراق، و قطعات الجيش العراقي إستعدادا للحرب·
 
ربّما صوّروني!!·
 
همس لنفسه وهو يلتف (بأحسن بطانية) دون أن يتوقف عن أرجحة قدميه في فراغ الخندق، تاركا بندقيته على ألأرض· سقطت من تحته كتلة كبيرة من التراب، فتنحنح (ملاّ حمادي)، ولكن (زمن) سبقه في الكلام وصاح: مؤمّنة!!·
 
وهو يرفع بندقيته عاليا، فضج الرجال بالضحك، وقهقه (ملاّ حمادي) لأول مرة منذ ثلاثة أيام·
 
كانوا يسخرون من (تربية أرملة)، كلما إرتكب خطأ، ولم يزعل (زمن)، على حقيقة أن (العضباء) أرملة حقا، وقد ربته على عدم مخالطة الناس خوفا من (أصدقاء السوء) فتخلف عن كثير مما إعتاده الآخرون، مع أنه لم يجد خطأ في خوفه من (دم دجاجة!!) لأنه كان يكره مرأى الدم، وظل يخجل من عدم معرفته لإستعمال البندقية التي وضعها (الشيخ بعيو) بقوة في يده لمقاتلة (المغول الجدد!!)، كما كان يخجل من عدم معرفته لقصة (المغول) الذين غزوا (بغداد) في عهد ما·
 
شقت أنوار سيارتين ظلام مابعد منتصف الليل، من أزقة حي (الزنجيلي)، وظلتا ترميان بسيوفها الضوئية يمينا ويسارا، أعلى وأسفل، حتى وصلتا الخندق، فإنتفض (ملاّ حمادي) من مكانه في وقفة إستعداد عسكرية حاملا بندقيته بطريقة مهيبة، لايجيدها غير العسكريين من ذوي الخبرة، وتبادل مع رجل، من ثلاثة نزلوا من السيارتين، حديثا هامسا أيقظ بعده (دليو) من شخيره على جملة مسموعة: الجماعة يريدونك!!·
 
وقف هذا كقطعة مجتزأة من جدار في الظلام، بدشداشته الضيقة على كرشه، أمام الرجال الثلاثة· قال له أحدهم بتهذيب كبير: أخي! أترك بندقيتك عند (ملاّ حمادي) وتعال معنا لمدة خمس دقائق!!·
 
فأعطى (دليو) البندقية (لملاّ حمادي) بهدوء ودون نقاش، ثم مضى مع الرجال في سيارتهم· وعندما غابت أنوار السيارتين في شوارع المدينة المعتمة همس (ملاّ حمادي) بصوت مسموع كانت فيه نبرة الرثاء وألأسف واضحة: لا حول ولا قوة إلا بالله!!·
 
وظلت النجوم وأقمار التجسس تتغامز متواطئة على أمر ما، والبرد يشتد في الفجر الذي كان يمضي على المقاتلين النيام في أوضاع مختلفة في الخندق، رغم نداء ألآذان للصلاة الذي أداه (ملاّ حمادي) في (برج الثالولة)، ولم يعد (دليو)!!·
Page 4
الثالولة
 
في مقهى (أخو عرنه)، المجاور لهيكل (سيد فولاذ)، إنقسم الزبائن الى فرق، رأت إحدها، وأكثرها من المطلوبين للحكومة، أن وجود (الرشاشة الرباعية لمقاومة الطائرات)، التي نصبها الجيش قبل اربعة أيام على البر الغربي (للثالولة)، سيعرض المنطقة كلها للخطر، لأن ألأمريكان سيقصفونها حالما تبدأ الحرب، حتى لو لم تطلق النار على طائراتهم، وبدلالة ماجرى بعد حرب الكويت، وما تلاها تحت حجة حماية ألأكراد شمال خط (36)، فيما رأت فرقة اخرى أنها من ضرورات الحرب على اية حال وايا جاءت النتائج، وحافظ فريق ثالث على حياديته بالصمت وعدم التدخل في امور (سياسية!!)·
 
وعندما اطلق (ملاّ حمادي) آذان العشاء، إنطفأت القوة الكهربائية في حي (الزنجيلي) فتحول (وادي الحرامية) الى خط أسود يتعرج نحو الجنوب، أشد قتامة من البرية الغارقة بفضة أوائل الليل·
 
سخر أحدهم: نالهم (الملاّ) بسوء حظه!!·
 
وتناول احد المطلوبين بندقيته، وأطلق رصاصة (مذنّبة) من فوق قصر (الشيخ بعيو)، خطّت لنفسها ذنبا متوهجا طويلا لثوان ثم ذابت في الفضاء المعتم·
 
-:سيعود ألآن الى مربطه، هذا المسكين!!·
 
قال شاب، هرب من الجندية منذ ثلاث سنوات، بشئ من الغضب، إذ ماعد قادرا على دفع نفقات السفر من والى فوجه، ولم يعلق أحد على ملاحظته سياسية النكهة·
 
تنحنح رجل عجوز ثم نهض قائلا بصوت مسموع: (إن بعض الظن إثم)!!·
 
وبدا ان لارابط بين كلامه وبين مايجري، ثم غادر المقهى معتمدا على ذاكرته وعصاه للتعرف على الزقاق المؤدي الى بيته· وغادر المطلوبون بعده نحو البر الغربي·
 
-: عواليس!! تهضم معداتهم حتى ال···!!·
 
قال (أخو عرنه) بعد ان ابتعد هؤلاء، وزم شفتيه إمتعاضا عندما سقطت نظراته على البندقية التي سلمها له (الشيخ بعيو) مع خمس طلقات· ثم نظر نحو السماء وهو يتنهد، فلم ير غير الغيوم وبضعة نجوم تتلاصف على نفسها، آمنة، بعيدة، فدعا الله أن يمنع الحرب، وكرر دعاءه بصوت أعلى وهو ينظف اقداح الشاي، قبيل منتصف الليل، إستعدادا لغلق المقهى·
 
ولكنه نسي أفكاره عندما سمع صرخات: مات!! إنه ميت!!·
 
وركض مع آخر الزبائن نحو الزقاق الذي تجمع فيه عدد من الرجال والنساء حول جثة الرجل العجوز شبه الاعمى الذي غادر بعد آذان العشاء· كان مسجى على ألأرض القذرة، وميتا حقا، وذووه ذهبوا لإستعارة عربة (العضباء) الخشبية لنقله، فعاد (أخو عرنه) الى مقهاه، ولكنه فوجئ بإختفاء بندقيته (الحكومية)· بحث عنها كالمجنون وهو يردد مرعوبا متوسلا كل من يلاقيه: سيعدمونني!! بندقية الحكومة سرقوها مني!! ارحموني!! البندقية للحكومة!!·
 
وعندما يئس من العثور عليها، راح يردد غاضبا: علسوني!! أنا صاحب اطفال ياناس!! والله لانستحق رحمة الله!! يعرفون انها للحكومة!! سيعدمونني!! في الحرب!! في الحرب تسرق بندقيتي!! حسبي الله!! حسبي الله!!·
Page 5
كاشان
 
زارت (البرشة) في منزلها (لأداء الواجب)، الذي لايخلو من إرضاء فضول شخصي لمعرفة تفاصيل (المصيبة!!)، وعرضت، كما ألآخرين، إستعدادها لمساعدة العائلة المنكوبة (بكبيرها) الذي أخذته الحكومة لمدة (خمس دقائق!!) ولم يعد حتى اليوم·
 
-: ميلي وأنا السند يا أختي!!·
 
قالت (للبرشة) الموجوعة، قميئة الجسد، شاحبة الوجه، على ضوء الفانوس النفطي الذي نسيت أن تنظف زجاجته فراح يلقي أضواء مبتورة على جدران الغرفة الطينية ومحتوياتها القليلة الرثة، التي لاتتناسب مع ضخامة (دليو) وأولاده البدينين الثلاثة الساكتين على بلواهم رغم شهرتهم في السخرية من كل مايجري·
 
ومرت فترة من الصمت الكئيب قطعها (ألأحيمر)، أكبر أولاد (دليو) وهو يقول (لكاشان) ضاحكا: أنت ذكية ياخالتي!! تقولين هذا الكلام لأمي، وهي مثل صوصي دجاج منقوع، ضربه الحصار، ولاتقولينه لي!!·
 
وأشار نحو كرشه الضخم ضاحكا مع أخويه فقالت له (كاشان) مجاملة: حتى أنت، تعال وأنا السند!!· ولكنها إنتبهت، ولأول مرة منذ زمن بعيد، الى أن هذا قد (كبر!!)، وصار شابا تجاوز سن الخدمة العسكرية، ولا بد أنه هارب منها ألآن، بوجهه ألأحمر الوسيم وعينيه السوداوين الواسعتين وشفتيه (الشهيتين)، فتوقفت عن رغبتها في ألإستمرار في مجاملته كي لايظنها إمرأة متوحدة رخيصة، كما تتخيل بقية الرجال عنها·
 
كررت عرضها السخي على (البرشة)، وهي تنهض مستأذنة للمغادرة: أن تقترض ماتشاء من الدكان (حتى يفرجها الله!!)، فتمتمت هذه لها بدعاءات وكلمات شكر كثيرة، فيما أطلق (ألأحيمر) ضحكة في غير محلها فسر نكهة الحماقة فيها: أتخيل نفسي (مائلا) عليك ياخالتي وأنت تستغيثين من أجل نفس واحد!!·
 
فضحكت (كاشان) ولكمته على كرشه بلطف، وبجرأة لم يتوقعها هذا من أية إمرأة في (الثالولة)، التي تتناقل أخبار مثل هذه اللكمة على أجنحة خيالات شتى، لذا إبتلع لعابه وهو يكاد يتنفس على إشارة عدها (واعدة!!) من أجمل إمرأة في الحي، حافظت على نظارة فتاة في الخامسة والعشرين، وهي بعمر أمه وربما أكبر!! فيما كانت هذه تنظر نحوه مندهشة من غفلتها عن البلوغ السريع للأطفال في الحي·
 
وعندما منحت نفسها (للبدراني)، كما تعودت منذ سنين، في ساعة متأخرة من الليل، تخيلت (ألأحيمر) وهو يجن على جسدها البض، فشعرت بنكهة أخرى (للحب) زادت من حيويتها تحت هذا، حتى فوجئا بطرقات خافتة على الباب الخارجي، فأسرع (البدراني) على غير عادته حتى إنقلب عنها وهو يلهث، عندئذ إرتدت ملابسها على عجل، وسارعت نحو الباب وهي تصيح مستغربة من وقت الزيارة المتأخر: أي! أي!! جئت، جئت!!·
 
فتحت الباب، وهي تلهث، فواجهها رجل ملثم يحمل على كتفه بندقية وبيده بندقية أخرى، قال لها دون مقدمات: عندي بندقية للبيع!!·
 
ألقت نظرة أخرى على البندقيتين، ثم طلبت منه أن ينتظر، وعندما عادت بعد قليل وبيدها رزمة من النقود أعطاها الرجل البندقية، وراح يعد النقود على عجل حتى صاح مستغربا: خمسون الف؟! ثمنها نصف مليون!!·
 
ــ أعد لي النقود وخذ بندقيتك إذن!!·
 
قالت له بهدوء وحزم، وهي تشعر بعينيه تطلقان نحوها نظرة حاقدة أدخلت بعض الخوف الى نفسها، وفكرت أن تعيد له بندقيته وتستعيد نقودها، ولكن هذا مضى في الزقاق، ثم توقف بعد خطوتين وقال لها قبل أن تغلق الباب: ياقحبة!! ياعالوسة!!·
Page 6
زمن
 
أيقظه صراخ طائرة مرت على إرتفاع منخفض، ثم دوي عدة إنفجارات في مكان ما من المدينة· كانت الساعة قد تعدت العاشرة صباحا كما قدر، إذ لم يكن يمتلك ساعة·
 
بدأت الحرب إذن!!·
 
فكر وهو يرى معظم رفاقه في الخندق صاحين، ربما منذ فترة طويلة، وهم يتحدثون عن قصف بغداد منذ الفجر، والهجوم الذي سبدأ من ألأراضي الكويتية، بعد أن رفضت تركيا الهجوم عبر أراضيها· وكانت المذياعات تتناقل أخبار القصف الصاروخي بعيد المدى الذي يجري عبر كل الجهات المحيطة بالعراق·
 
ــ أين العرب؟!·
 
تساءل مقاتل بصوت عال·
 
أجاب آخر: باعونا!! باعونا، فأنساهم!!·
 
أبعد (زمن) البطانية عن صدره وكتفيه· تأكد من وجود بندقيته، وهو يرى (ملاّ حمادي) يعود راكضا مع بندقيته من (الثالولة)، فيما مرت طائرات أمريكية أخرى خلفت وراءها مزيدا من ألإنفجارات وأشجار الدخان المتنامية في فضاء امدينة· وتمتم (ملاّ حمادي) كلمات، غير مفهومة غاضبة تشبه الاعتذارات، في غير أوانها، وظلت عيون الجميع عالقة بجهات السماء ألأربع تنتظر غارة أخرى·
 
ــ كنت مع (ألأرنبة) يا (ملاّ) فباغتتنا طائرات الاعداء!! لاتنكر!! اذا حبلت بولد سمه (خندق)!!·
 
مازحه مقاتل·
 
عقب آخر ضاحكا: واذا كانت بنتا فسمّها (ثالثة)!!·
 
وضحك الجميع حتى (الملاّ)، الذي اقسم لهم انه ذهب لارسال أكبر الاولاد الى (سوق الخضار)، وشعر (زمن) بالخجل من خوفه عندما لم ير خوفا على وجوه الرجال·
 
بدأت الحرب إذن!!·
 
لأول مرة يعيش (زمن) حربا ويعيها، ولأول مرة يحمل سلاحا حقيقيا بين يديه، وإن مازال لايعرف كيف يطلق النار، ولا سأل أحدا أن يعلمه·وعندما فكر أنه قد يواجه الجنود ألأمريكان والبريطانيين قرر أن يسأل (الملا) ليعلمه كيف يطلق النار·
 
لم تطلق الرشاشة الرباعية لمقاومة الطائرات أية طلقة· كانت تدور منذ الصباح حول نفسها بحثا عن هدف، بحركة باعثة على الملل، فيما المدينة التي آوت (أربعين من ألأنبياء) تتلقى قصفا مستمرا وتنزف أشجارا من الدخان والنيران نحو السماء الواسعة· ولم يتذكر (زمن) طعام الفطور حتى رأى (العضباء) قادمة مع إمرأة أخرى من جانب (برج الثالولة)، الذي إقترح مقاتل، وهو يسخر، هدمه كيلا تظنه أمريكا موقعا (لأسلحة التدمير الشامل) فأضحك الكثيرين·
 
نفض (زمن) الغبار العالق ببطانيته كي لاتعنفه أمه عن إهمال أكيد، ووقف على حافة الخندق، وهو ينظر نحو الجهة الشرقية من المدينة، التي قيل أن ألأمريكان وألأكراد قادمون منها، ولكنه لم ير غير الغيوم العالية وضباب ألأفق البعيد وسحب الدخان التي غطت أجزاء كبيرة من المدينة، وإلتفت نحو (ملاّ حمادي) لعل هذا يرشده إلى ما يستطيع فعله بعد الفطور، ولكنه شعر بجسده يحلق عاليا في الفضاء، فجأة، مع إنفجار مرعب، وماعاد يسمع شيئا·
Page 7
الثالولة
 
رصفت (العضباء) ثلاث قطع من (الكونكريت)، مجهولة المصدر، وسط فسحة ألأرض المتروكة بين بيتها و (برج الضغط العالي)، للطبخ عليها، ورصفت ستا أخرى حولها من أجل الثرثرة مع بنتيها، وبعض الجارات في أوقات الفراغ الكثيرة· وكانت إبنتها (صمود)، ذات الثمانية عشر عاما، ترضع طفلتها (هجران) من ثديها النحيل، حتى أغفت هذه فأدخلتها (التانكر) ثم عادت لمساعدة امها في تقشير البطاطا، قبل أن تشرق الشمس، بينما ذهبت(عنود)، ذات الستة عشر عاما، إلى شغلها في (شركة كاشان) بعد أن إلتهمت، وعلى عجل، شيئا من البطاطا المسلوقة مع الخبز وقدحين من الشاي، (مشغولة ألأفكار!!) كما لاحظت (العضباء) بقلق·
 
-: (الكاز) سينفد غدا!!·
 
قالت (العضباء) لإبنتها بحزن بدا قدريا على وجهها المتخشب ألأسمر، وكررت الجملة مرات، كما ألأطفال الذين يتمرنون على حفظ نشيد مدرسي، ولم تعلق (صمود) على كلامها، لأنها تعرف أن أمها ستردد هذا (النشيد)، لأيام أو أسابيع، حتى تنال شيئا من النفط ألأبيض بأية طريقة·
 
(زمن) في الخندق، وعربة الشغل مربوطة بسلسلة فولاذية على جدار (التانكر)· هكذا تريد الحكومة، وهكذا أرادت (العضباء) خوفا من الحكومة· كثيرون هربوا، منذ اليوم ألأول لتجنيدهم، من الخنادق التي إنتشرت حول المدينة، غير مبالين (بالشيخ بعيو) ولا (بالرؤوس الكبرة) ألأخرى رغم التهديدات (بحكم ألإعدام)، وصاروا مطلوبين رغم عذر (لقمة العيش!!)·
 
ولكن (العضباء) لم تشأ لوحيدها أن يخالط (مطلوبين)، إعتادوا الفرار إلى (وادي الحرامية) ومخابئ البرية الغربية، وأماكن أخرى، لأنها تظن أنهم كانوا على إستعداد للزنى بعماتهم إذا إحتاجوا إمرأة، وسرقة ماتمتلكه أمهاتهم إذا إحتاجوا شيئا من المال!!·
 
ألقى (ملاّ حمادي) عليهما تحية الصباح مستعجلا، وأدى آذان الفجر بصوته الواهن المشروخ، الذي يسرق نهايات الكلمات الطويلة فتتحول (أكبر) إلى (أكبا) و (الفلاح) إلى (فلا)، على إنقطاع في النفس، فلم تتردد (العضباء) في ممارسة عفويتها معه عندما نزل من الدرجات الثلاث التي إرتقاها على البرج ليؤذن، إذ قالت له بود: يا أخي لماذا لاتترك هذه المهمة لغيرك؟!·
 
-: لم يتطوع لها غيري يا (أم زمن)!! وصوتي ألآن هو (ألأجمل!!) في (الثالولة)·
 
أجاب ضاحكا·
 
عندئذ سألته (العضباء) غاضبة: بربك الذي ناديت بإسمه قبل قليل، هل يفهم (زمن) شيئا من القتال؟! لم يمس بندقية في حياته!! يخاف من دم دجاجة!! ويبكي إذا جاع!! ويقول (الشيخ قندرة عتيقة!!) أنه (رجل)!! و···!!
 
فقاطعها (ملاّ حمادي)، وهو يهم بالإنصراف، إذ كان قد سمع منها هذه الشكوى مالا يقل عن عشر مرات خلال اليومين الماضيين: إتكلي على الله!! إتكلي على الله!!·
 
ولكن (العضباء) ألقت بيدها السليمة على كتفه وهي تتوسل: شوف!! راتب المرحوم ماعاد يكفي بسبب الحصار· الحكومة أخذت زوجي، وألآن تأخذ إبني الوحيد!!· كيف نأكل يا (ملاّ)؟!· كلنا نساء!! ولا أم في الدنيا ترضى أن تشتغل إبنتها في نبش الزبالة وهي في سن الزواج!! لا أم في الدنيا لاتخاف على إبنها الوحيد من القتال!! والله ينهزم إذا نبح عليه كلب في الزقاق!! قل لهم، ليعفونه من هذا الواجب!!·
 
عندئذ تملص هذا من قبضتها وهو يكرر آسفا: أنا مثله ألآن يا أختي (عبد مأمور)!! ولاحول ولاقوة إلا بالله!!·
 
ثم مضى مستعجلا، فعادت (العضباء) لمساعدة (صمود) في سلق مزيد من البطاطا وهي تردد مخاطبة نفسها بدهشة: الخوف يصنع ألأعاجيب!! عبد مأمور!! عبد مأمور!!·
Page 8
كاشان
 
حالما فرقعت مكبرة الصوت بآذان الفجر من برج (الثالولة) إستيقظت (كاشان) مثقلة بصداع، لم يمنعها من تفقد أكياس النفايات، التي هيأها (البدراني)، حسب أصولها المعدنية، لهذا اليوم· أنعشتها لذعة البرد فتمطت، فيما كان الليل ينحسر عن زرقة داكنة، ثم أيقظت البنات من (دوخة الفساء!!)، كما إعتادت أن تقول لهن متأففة كل فجر، وعادت إلى غرفتها·
 
أغلقت الباب بالمفاح، وأخرجت رزمة من النقود من مخبأ سري، تحت فراشها، مغطاة بأحذية عتيقة، لايثير مرآها ألإنتباه، ثم عادت الى الحوش· كان محرك السيارة العتيقة، التي تمتلكها ولا تعرف كيف تقودها على أمل أن تتعلم ذلك ذات يوم، يشخر ويطلق أصواتا تشبه أصوات إطلاقات نارية، بين فترة وأخرى!! وكان ذلك إشارة صوتية غير مخطط لها يعلم منها اهل (الثالولة) أن الخضار الطازجة ستصل المحلة بعد ساعتين أو ثلاث· أخذ (البدراني) رزمة النقود ومضى، وهو يلعن، كما إعتاد كل صباح، ظاهرة الغش الذي ضرب كل شئ، حتى وقود السيارت، من جراء الحصار·
 
مع أوائل أشعة الفجر، إجتمعت (أصابع كاشان النظيفة)، أو (شركة الشيطان)، كما يحلو لبعض الساخرين تسميتها، في حوش البيت القديم بإنتظار توجيهات (كاشان)· تأكدت هذه من حضور الجميع، ثم كررت ذات التعليمات التي كانوا يسمعونها كل صباح: النبش الجيد، وألإنتباه والسرعة، ثم (توكلوا على الله)·
 
وكما في كل يوم تأخرت مجاميع الفتيان بالانصراف ريثما تتقدمها مجاميع الفتيات، (لقياس) مؤخراتهن بأنظارهم اللاهبة، فتغاضت (كاشان) عن هذا (ألإمتياز الخاص) بهم دون فتيان المحلة·
 
عندما دخل (المخضرم بن عمشة) بسيارته الحوش، راسما على شفتيه الدسمتين إبتسامته الشهوانية البلهاء، وراح يزن النفايات، طير لها بعض كلمات الغزل وهو يدفع لها ثمن كل شئ نقدا، وقبل أن يهم بالذهاب قالت له بهدوء: لدي شئ آخر!!·
 
أجرى فحصا عاجلا على البندقية، التي (إشترتها ليلة أمس)، ثم وضعها بسرعة تحت أكياس النفايات في حوض السيارة، وعد على يدها رزما من النقود حتى أعلن: مائة وخمسين·
 
فأطلقت صرخة خافتة مستنكرة: هل تنهبني؟! لا! يفتح الله عليك من غيري!!·
 
فأضاف خمسين ألفا أخرى وهو يقول لها جادا: هذا ما أدفعه· وأنا سأبيعها لغيري، فماذا أربح؟!·
 
فأخذتها منه متظاهرة بالإمتعاض من (خسارتها في هذه الصفقة!!)، ومضت قبل أن يسرف في الغزل اليومي نحو الدكان·
 
بعدما إختفى صوت سيارة (المخضرم) بقليل، شعرت (كاشان) بأن (الثالولة) تهتز ثم تغرق في دوي إنفجار هائل، لم تسمع مثله إلا في الحربين الماضيتين، ثم أصوات طائرات تخطف نفسها في الفضاء· وعندما إلتقطت أنفاسها من رعب المفاجأة، وهي تفكر بأن الحرب قد إبتدأت رغم دعوات وإبتهالات الناس كي لاتحصل، غادرت الدكان بسرعة·
 
رأت سحابة من الدخان والنيران تنبعث من أعلى (تل الهوى)، حيث موقع الرشاشة الرباعية لمقاومة الطائرات، ولم تر من خندق (الثالولة) غير جسد رجل واحد ملقى عند منتصف السفح، وشلت الحيرة والخوف حركتها في ما تفعله، حتى فوجئت بصيحات الفتيان والفتيات في الحوش القديم، والذين جاءوا راكضين للإطمئنان على ذويهم!!·
Page 9
البدراني
 
مجد (الثالولة) أنها حي من صفيح وطين يحمي خارجين على القانون، بالولادة، والتوارث، منذ (ضايع عبد الموجود)، الذي نال لقب (المؤسس ألآول) وحتى آخر الغرباء الذين دفنتهم البلدية قبل أيام في مقبرة تتسع على كف (وادي الحرامية) وضفاف (مزبلة الشيطان)، في جيرة حميمة تكرر نفسها بقبور جديدة، تحفر أحيانا على قبور درستها مياه ألأمطار وأكوام الزبالة الطازجة على بقايا أكوام زبل نبشتها (أصابع كاشان)، بسخاء ينحدر جنوبا حتى آخر الدنيا عبر البرية المفتوحة على كل التضاريس، وكلمات (السيد الرئيس) وهو يلقي خطابا غاضبا، أشعث الشعر، بنظارة طبية سميكة، يراها الشعب للمرة ألأولى، في اليوم ألأول للحرب: (فداكم وفدى أمتنا المجيدة ألأهل والولد!!)، وأي ولد، يا سيدي، وأي أهل، وأية أمة!! زاغت المفردات عن معانيها منذ زمن بعيد، وأنت لاتدري!! هذا زمن يخادع مقدساته من جراء الجوع و(مكارمك السخية للمقربين)، تمردت فيه الكلمات عن مألوف أيحاءاتها قبل أن تبدأ الحرب، وانت تدري ولاتدري!!·
 
أعداؤك جاءوا مع أدلاء من بني جلدتك، على ذات الجوع وذات المكارم، وكأن التأريخ ينسخ نفسه منذ مئات السنين، وأنت تدري ولاتدري!! كل إمرأة في (الثالولة) نافذة، وكل رجل باب· و (العضباء) التي فقدت (بابها) في حرب مضت، وضعت ولدها الوحيد بابا، قبل ألآوان، وهو هش طري، من جراء الفقر في الحصار، والبعد عن دائرة (المكارم الرئاسية)، وأنت تدري ولاتدري!!· بخمس طلقات سيحارب أعظم قوتين و أنت تدري بأنك تدري!!، يبكي اذا جاع، ويخاف من دم دجاجة!! وحرب ولدت من رحم غيرها، وهذه حرب برائحة النفط جاءت، وأنت تدري، و لاتدري!! وحدها قوانين اللصوص صارت هي القانون، وانت عالق وحدك بما تدري ولاتدري!!·
 
وكما للأحياء التي لم تجع في المدينة خنادق، صار (للثالولة) خندقها المحسوب على الوطن وأنت تدري، ولا تدري!!· يا لأبهتها (الثالولة) وهي تزهو (بفم ضفدع) يسخر من القادمين والذاهبين عنها وعنه!! السلاح مباح في أزقتها لأول مرة مذ تأسست في غفلة عن زمانها وزمان (ألأمة المجيدة)، وأنت تدري، ولا تدري!! لم ينل واحد من أبنائها هدية ولا وساما ولا مكرمة ولا ماء نظيفا ولاكهرباء، ولا شارعا، غير الخروج على القانون، في أجنحة الجوع، في (وادي الحرامية) و (مزبلة الشيطان)، وأنت القائد وحدك لكل الحروب والمكرمات؟!
 
وهاهي الحرب تمر على وجوه المارة كما يمر شحاذ أدمنته ألأرصفة في كل الفصول· وفي شجرة القصف ألأول، تتنامى على (تل الهوى)، تستظل (الثالولة) خوفها من هذه الحرب بمظلة الحروب التي صارت (قديمة!)، محروسة (بسيد فولاذ!!) شرقا و(مئذنة الضغط العالي!!) غربا، ومقبرة الغرباء و (مزبلة الشيطان!!) جنوبا، وجهة الشمال مازالت للأفاعي والعقارب البرية!! وأنت يا سيدي، تدري ولا تدري!!·
 
أعداؤك قادمون من بين بني أمتك، وأنت؟؟!!، وللحرب أبهة شحاذ ألفناه منذ حروب، لاجديد فيه غير زمانه وهو يتسول بين ساقي عاهرة تسميها أنت (أمة) ونسميها إمرأة غريبة الطباع إستمتعت بالإغتصاب فأدمنته!! حتى الشمس، يا سيدي الرئيس، شمس آذار تسرق نفسها من بين الغيوم، التي ما أمطرت، كانها تسخر منا هي ألأخرى!!، على أوصاف طلقت معنيها، منذ بدأ الحصار، في سماء تخلت عنا، ونحن نتظاهر بأننا (لاندري!!)، مثلك، من أجل لقمة طعام وقليل من الحرية غير مكسو بمحرمات (الشيخ بعيو)، وانت تدري، ولاتدري!!·
Page 10
الثالولة
 
نثار الرشاشة الرباعية، مع موقعها، تجاوز خندق (الثالولة) حتى سفح (تل الهوى)، حيث عثرت جموع الرجال مع قلة من النساء وألأطفال على جثامين ثلاثة جنود تمزقت جثثهم ببشاعة، وأصيب رابع بجراح، حملته ألأيادي العارية بحنان عبر ألأزقة بحثا عن سيارة تنقله الى أقرب المستشفيات·
 
لملم الرجال أشلاء الجنود على بطانياتهم، وصرفوا النساء الفضوليات وألأطفال خوفا من قصف جديد، وعندما تساءل أحدهم محتجا غاضبا: حتى لم يطلقوا النار!!·
 
بدا السؤال غبيا على تعليق آخر: إنها الحرب!!·
 
فتساءل ألأول: ولكن أين (الشيخ بعيو)؟!·
 
أجاب الثاني: إختفى مع كثير من (الرؤوس الكبيرة) منذ يومين!! يقاتل ألآن مع زوجاته من مكان آخر، وحده الله يعرفه!!·
 
مسح ألأول الفضاء بكفه ثم قال وهو يطلق ضحكة مبتورة ساخرة: نحن بخير إذن!!·
 
وكانت (العضباء) تحتضن إبنها على سفح (تل الهوى) وهي تصرخ: يابا!! يابا!!·
 
كأنها ماعادت تستطيع نطق غير هذه الكلمة، فيما كان هذا يحاول التملص من ذراعها السليمة القوية التي أطبقت بها على ظهره، وهو ينظر بخجل نحو مقاتلي الخندق و الرجال والنساء وألأطفال المحيطين به!!·
 
طلب (ملاّ حمادي) من الجميع أن يتفرقوا خوفا من غارة أخرى، فتراخت يد (العضباء) عن (زمن) وهي ترى الناس تنصرف عائدة الى بيوتها بعد أن إطمأنت أن (زمن) قادر على الوقوف على قدميه، وأنه لم يصب بغير كدمات وجراح صغيرة من جراء عصف ألإنفجار القريب، ولكنها صرخت به غاضبة وهو يحاول العودة إلى الخندق: إعطهم بندقيتهم!! (بخيرهم ما خيرونا وبشرّهم تذكرونا!!)، إعطهم البندقية، قلت لك!!·
 
فتلوى (زمن) من ألألم الذي بدأ يشعر به ساكتا، وتدخل (ملاّ حمادي) قائلا لها: توكلي على الله يا أختي!! توكلي على الله!! أنا لست الحكومة، وأنا (عبد مأمور)!! فلا تورطيني، أرجوك!!· لا أستطيع سحب بندقيته أي مقاتل!! ولكن فليأخذها معه، وإذا سألوني عنه سأذكر أنه جريح!!·
 
-: إعطها إذن (لشيخ قندرة)!!·
 
صاحت (العضباء) غاضبة·
 
أجاب واحد من مقاتلي خندق (الثالولة) القريبين منهما: وأين (الشيخ) ألآن يا (أم زمن)؟! ركب (هدايا السيد الرئيس) وإختفى!! لا أحد في قصره ألآن غير حراس ألأثاث، وقد ينكر هؤلاء إستلامهم للبندقية عندما تنتهي الحرب، فيتورط إبنك بأموال الحكومة!!·
 
عندئذ بكت (العضباء)·