لا، لا أريد أن أكون كبش الفداء، كما كان والدي.
ومن أنا لأحكم؟... . كما يقول لي البعض، من أنا لأسامح؟... .
لست جديراً بالغفران. وفي الواقع: لست جديراً بشيء.
أنا أطلب الشفقة ـ لي على وجه الخصوص ـ أو بالأحرى: أطلب النسيان، ألّا أتذكّر، في النهاية، مشاهد عام 1936 والتي سممّت حياتي.
سأكون سعيداً يوم أقلع عن الكتابة، ويتوقّف شريط ذكرياتي عن عرض الصور البسيطة للمآسي، مآسي الحرب الأهلية.
سأحاول "سعيداً" أن أعثر على حلّ لإحدى (الأحجيات الرياضية السبع) سأتنفّس أخيراً، راضياً، هواءً بلا تلوّث في متاهتي. سأتنفّس كحديثي الولادة، لأولد من جديد، كمن يستثمر حدث الحياة ليجد التوازن.
أعتقد أحياناً، أن النظام القديم، كمرض السّل الذي سمّم رئتيّ ليخنقني.
لا أعتقد أن ثمة هناك حياةٌ يمكن مقارنتها بحياة والدي، أو "نادجا"([1])، فكلاهما اختفوا في شتاء (1940-1941) عندما كانا في الثامنة والثلاثين من العمر. كلاهما أمضى أيامه الأخيرة محبوساً في مشفى المجانين، وفقط قبل النهاية بقليل، كانا مقيدي الأيدي طوال الأربع وعشرين ساعةً الأخيرة بقيودٍ قويةٍ ورطبة. في ذلك الشتاء القارس كانت "ليل البيتينيسية"([2]) وبروغوس الفرانكوية مغطاتين بالثلوج، ولم تتوفّر التدفئة في أيٍّ من المشفيين. فألم يكن السجن خيرٌ لهما؟..
لقد تراءى "نادجا" للسرياليين، ليعلّمهم ما هو أساسيّ، ولأن أحداً لم يعلّمه لهم: علاقة الشعر بالحياة والنرد، وهذا ما نقله لي أبي من خلال غيابه.
مع أنني لا أحمل في ذاكرتي أية صورةٍ له ماعدا صورة يديه وهما تطمران قدميَّ برمال شواطئ "مليلية"([3])، حين لم أكن أبلغ الرابعة من عمري. لذلك فإن "نادجا" ووالدي يمكن اعتبارهما أرواحاً متجوّلة، أو ككبشي فداء ببساطة.
ودون الحاجة إلى مقارنة ما لا يمكن مقارنته، أذكر جيداً كيف كان والدي محبوساً من قبل أصدقائه في ثكنةٍ في مليليه وكيف بعد ذلك بيوم وفي 17 تموز 1936 اندلعت الحرب الأهلية رسمياً، حينها نقلوه إلى زنزانةٍ ليفكّر ويقرر، وأعلموه بأنه سيتمّ إعدامه بتهمة التمرّد العسكري إن لم يعلن ولاءه (للانقلاب). بعدها بساعةٍ واحدة نادى الملازم الشاب (فراناندو أرّابال) زملاءه ليقول لهم أن الأمر قد حُسِم وأنه لا يحتاج إلى مزيدٍ من التفكير.
حاولت تقليده مراراً، ولكني كنت أنا الشاهد والمثال، وكنت رمزا من العيار الثّقيل.
أنا لست سوى منفيٍّ مشوّش خارج أرضي، بعيدٍ عمّا أحب وأرغب.
لذا فلا لن أكون كبش الفداء، كوالدي.
أنا فقط أريد الحياة، إلى حين ترغب آلهة الخبز.
السيد فرانسيسكو فرانكو
باريس 18/آذار/1971
قصر البرادو- إسبانيا
فخامة الرئيس:
أكتب لك هذه الرسالة مع الحب، دون أدنى درجات الكره أو الحقد، رغم أنه عليّ القول أنك الرجل الذي تسبب لي بالأذى كما لم يفعل أحدٌ قط.
أخاف أن أشرع لك بالكتابة، وأخشى أن تكون رسالتي المتواضعة هشّةً فلا تصل إلى حضرتك ولا تقع بين يديك.
أعتقد أنك معذّبٌ بلا حدود، ففقط الإنسان المقهور يستطيع فرض القهر من حوله.
الألم يتملكك، ليس كرجلٍ سياسيٍ وعسكريٍ فحسب، بل وفي انحرافك أيضاً: أنت ترسم حطام السّفن ولعبتك المفضّلة هي قتل الأرانب والحمام وسمك التّونة.
كم من جثّةٍ في سجلّك؟.. في "أستوريا"([4]) وأفريقيا وفي الحرب الأهلية ومابعدها!....
حياتك متّشحةٌ بالحداد. أتخيّلك محاطاً بحمام بلا أرجل، بأكاليل سوداء، بأحلامٍ تطحن الدم والموت.
أتمنى أن تتحوّل، تتغيّر، أن تنقذ نفسك. أن تكون بالأحرى سعيداً في النهاية، أن تهجر عالم القمع والضغينة، وتقلع عن السّجن وعمّن حولك من أشرارٍ وأخيار.
ربما هناك أملٌ ضئيلٌ بأن تسمعني. عندما كنت صغيراً اصطحبوني إلى حدثٍ رسميٍّ كنت تترأسه، وصلت يومها بين التصفيقات والهتافات وخرجت فتاةٌ صغيرةٌ طيّعةٌ لتقدّم لك الزهور، ثم بدأت بإلقاء قصيدةٍ كانت قد تدرّبت عليها ألف مرّة، وفجأةً أجهشت الفتاة بالبكاء، فداعبت وجنتها وقلت لها: لا تبكِ لا صغيرتي فأنا رجلٌ ككلِّ الرّجال.
فهل يعقل أن هناك ما يثير السّخرية أكثر من كلماتك؟..
أنا لا أنتمي إلى فيلق الإسبان الذين عبروا بعد الحرب جبال "البيرينيه" المغطاة بالثلوج، كصديقي إنريكي الذي بلغ آنذاك أحد عشر شهراً.
بطونٌ جافّةٌ تبحث بلا كللٍ عن طفراتٍ ترفعهم فوق، هرباً من قاع الذّعر، بطولاتٌ ضائعةٌ وأمهاتٌ واقفات تحملن أولادهن...
مرّت السنين ورحلوا. كم منهم هرب؟.. وكم هجِّر؟..
منذ قرون وفي عهد التّعسّف الكنسيّ عاشت فتاة في مدينة آفيلا كانت في الثامنة من العمر عندما أخذت أخاها الصّغير من يده وهربت من المنزل، تعبر حقولاً وجبالاً معه.
وعندما قابلها أبوها ذات يومٍ سألها لماذا هربت؟..
قالت: كنت أريد الرحيل عن إسبانيا.
وحين سألها عن السبب، قالت: لأبلغ المجد!..
نفسها تلك الكلمات التي قالتها هذه الفتاة “سانتا تيريزا" كان يمكن أن يقولها مئات الألوف ممن رحلوا و أيضاً، عائلات "غويا، بيكاسو، بونويل".
نحن من رحل في عام 1955 من إسبانيا السّوداء أيضاً كان يمكن لنا القول: كنا نريد بلوغ المجد بكل ما تحمله الكلمة من سحرٍ، هذه الفتاة التي هربت باحثةً عن الألوهة كانت ستلقى العذاب في لحمها وروحها من صفعات التّعصب في زمن (التّعسّف الدينيّ).
لا يظننن الرئيس بأنني فخورٌ أبداً، فأنا لست فوق أحد، وخصوصاً أنت. نحن جميعاً سواسية.
ينبغي أن تسمع هذا الصّوت الذي يفيض بالعاطفة والذي يطير فوق أوروبا ليصل إليك.
إن كلماتي في هذه الرسالة كانت لتأتيك من أغلبية الإسبان لو لم تكن أفواههم مقفلة.
هذا ما يتداوله الشعراء في الخفاء لكنّهم لا يفصحون عمّا تصرخ به قلوبهم.
يجازفون بالسجن ومن أجل هذا رحل الكثيرون .
نظامك هو حلقة خاصةٌ من مسلسل التّعصب الذي بدأ في إسبانيا منذ قرون.
أتمنّى أن تدرك الوضع وتنزع الأصفاد التي تحبس معظم الإسبان. فهدف رسالتي: أن تتغيّر، أن تستحق النجاة ككلّ الرّجال من ستالين إلى غاندي، أن تستحق السّعادة.
كيف لك السّعادة وأنت تعرف مدى الإرهاب الذي فرضه ويفرضه نظام حكمك، لابد أنّك تعاني لتنشر العقاب حولك، ولهذا أنقذ نفسك وكن سعيداً فإنه لابد لإسبانيا في النهاية أن تحبس السّم عن شعبها.
كم من رمادٍ وكم من دموع، وكم من موتٍ بطيء في جنازات الخردة على وقع الأجراس المتعفّنة.
قرونٌ مرّت على بلدٍ كان الفلاسفة العرب فيه يبنون فكراً أصيلاً وعلى بعد شوارع قليلةٍ منهم شيّد اليهود صرح " الكابالا"([5]) وأتى المسيحيون في الوقت نفسه برائعة الإنجيل المترجم وهذا البلد كان إسبانيا.
كان يُطلق على ملوكهم أسماءً مثل ألفونسو العاشر (الحكيم)، أو فرناندو الثالث (المقدّس) ونصّب كلٍّ منهم ملكاً على الأديان الثلاثة. أشعر بالفخر ربما لأنني أحمل اسمه!..
تخيّل حضرتك أن إسبانيا اليوم تستوعب الأنماط الثلاثة السّائدة من التفكير وترعاهم بكل حريّة. ( الديمقراطية، الشيوعية، التّديّن).
إذا أنت سيدي الرئيس انتدبت سلطتك للشّعب، فيا للسعادة، ياللسعادة لك أولاً ويا للسّعادة لكلّ الإسبان.
لكنّ ذاك التّسامح البنّاء الذي تشرّبته العصور الوسطى كان مصيره الزوال بوحشية.
أتى ملوك الكاثوليك وطردوا اثنين من الأديان الثلاث، فرضوا اعتناق المسيحية بالدم والنار لإفناء اليهود والمسلمين.
بدأت الليلة الأكثر سواداً في تاريخ إسبانيا، اشتعلت محارق الاستبداد ولم ينطفئ تعصّبهم اليساريُّ وعمّ صمتٌ من زهورٍ متكلّسةٍ، من قضبانٍ لا نهائيةٍ وكأنها سرب من العناكب في أدمغتنا.
ومازال الناس في إسبانيا يتعفّنون في الزّنازين لأنهم أبدوا رأياً، وبسبب البوح بمثاليةٍ تحرق قلوبهم رغبةً صادقةً بنظامٍ مختلف.
عندما يتكلّم أحدٌ عن هذه الحقائق الموجعة والتي تسبب لي الألم في الرّوح يسارع جهازك الصّحفيّ لاعتبارها أساطير السّواد.
شكراً على التّوصيف... حُلّت المشكلة!..
لقد أخفيتم في إسبانيا جبالاً من البراز بمروحة يدٍ صغيرة.
كما أخفت الملكة خوانا (مجنونة الحب) جثة زوجها المتفسّخة (فيليب الجميل)..
على تروسهم، علّق ملوك الكاثوليك النير والرماح . وبعد قرون جاء الحزب الواحد الذي دعمك ليحمل التّرس ذاته، نيرٌ ورماحٌ متّحدين هذه المرّة (ترس الكتائب)([6]).
وهذا ما جعلني أفكّر ما إذا كان التّاريخ يرسل الإشارات لنفهمه أكثر أو إذا ما كانت النير والرماح مجرّد قوسين سجنا إسبانيا في ليلها اللاهوتيّ.
ربما، هي النهاية الآن.
ربما تبدأ النّهضة.
دعني أروي لك سيرة أحدهم: هو رجلٌ لم يعرف إسبانيا إلّا في ظلّ حكمك و(هناك الآلاف منهم)، خذ على سبيل المثال أصدقائي الأربعة الذين أسست معهم " أكاديميا".
هي أكاديميةٌ أعطتنا ونحن في العشرين من عمرنا في مدريد الخمسينيات إحساساً مبجّلاً بالحياة.
مع هؤلاء الأصدقاء كنت أذهب إلى ضريح "بيلاثكيث" نصف المهجور ونضع عليه أوراق الغار.
معهم كنت ألتقي لقراءة قصائد لوركا وميغيل إرنانديز، ومعهم خضت نقاشاتٍ حتى الفجر عن كيف يمكن للبلد أن تصل للعدل والمساواة والأربعة هم:
"خوسيه لويس" الذي خرج من الحرب الأهلية يتيماً، سقط والداه ضحايا لجيش معاليك.
والد وجدّ "إدواردو" حُكِما بالسجن المؤبّد ثمّ أُعدِما رمياً ببنادق رجالك.
وأُسِر والد "لويس" الذي كان ضابطاً في جيش الجمهوريين بعد سقوط مدريد وعلى الرّغم من كل الوعود، التي أُعطيت لزعيم الجمهوريين، حُكم بالسجن المؤبّد وقُتل.
والد "خوسيه" ووالديّ زوجته بعد أن ذاقوا المرّ في السّجون والأعمال الشّاقة، استطاعوا النجاة.
وأما في عائلتي فنظامك ومن خلفه كانوا مسؤولين عن إدانة والدي واختفائه لاحقاً في ظروفٍ غامضة، وتنفيذ الإعدام بحقّ أخيه في " مايورقا"([7]).
عوائل جيراني ورفاقي، وكل العوائل التي أعرفها عانت بالطريقة عينها.
بماذا تفكّر عندما يضجّ العالم اليوم بفضائح القوانين التنفيذية ذات الدوافع السياسية في أحد البلدان المتخلّفة؟..
في وقت السّلم وبعد مضيّ أسابيع وشهور وسنين على ذريعة الحرب الأهلية، إن جهازك القمعيّ وبإشارةٍ منك يستمر بإدانة وقتل آلاف الإسبان.
وكأن الجدران بحاجة إلى جرعات أكبر من الدماء، بما في ذلك هؤلاء الذين لجؤوا إلى الخارج وسلّمهم النّازيون.
حدادٌ عميقٌ من ضباعٍ تجهش قيحاً يسقط على رجال إسبانيا. ألم تكن من صرّح في تلك الأعوام: ( إذا تطلّب الأمر سنقتل نصف البلد)؟..
اقرأني :
ليس في ما أقول ضراوة حاقدٍ
إني أقول فقط ما أعتقد أنه الحقيقة .
وأكرر أنني أكتب لك مع الحب.
ولمَ أحقد عليك؟..
فأنت لست سوى نمرٌ من ورق... الشّعب هو الجبّار.
ولابد من لفت نظرك إلى المكان الذي جئت منه، الضرر الذي أحدثته، وإلى الألم الذي تسببت به مؤسساتك.
ذرائعك معروفة:
الجمهورية كانت تنزلق، من وسط الفوضى السّاحقة نحو الأناركية والماركسية. لم تكن حقوق الإنسان لتُضمن ولم يكن الأثرياء ليعيشوا بهدوء .
الاعتقالات الاعتباطية كانت لتتضاعف، الاعتداءات، الإضرابات الثّورية، وأخيراً الرصاصة في العنق. كحالة "كالبو سوتيلو"([8]) التي أزالت الضّباب عن الوضع.
مناخٌ من انعدام الأمن والفوضى كان يعصف بإسبانيا.
هذا كان ما برّرت به انقلابك العسكريّ وقلت حينها إن إسبانيا كانت بربريةً صرف.
إنك أنت من أتى بالبربرية، تلك التي كانت في عصر ملوك الكاثوليكيين والاستبداد الدينيّ.
فأنا لا أعتقد أن هناك أخياراً وأشراراً، هناك فقط عنفٌ أعمى وضحيةٌ مغمورةٌ بالرماد.
إسبانيا، تعجّ برجال "العدل المسلّحين" حتى الأسنان، وبالمحققين والزعماء الذين لا يقهرون والمدججين بالسلطة، وعلى وجه الخصوص (أصحاب الحق) والذين يريدون فرض هذا الحق بالدم والنار.
لو كنت شاباً ألمانياً في ثلاثينيات القرن، لكنت قد كتبت رسالةً كهذه إلى هتلر.
أما اليوم فإني أكتبها لك دون كبرياء.
والآن دعني أروي لك سيرةً أعرفها جيداً: سيرتي.
عندما أعلنت الهجوم على الجمهورية الإسبانية لم أكن قد بلغت سنيني الأربعة وخلال حياتي الواعية كانت إسبانيا دائماً في إدارتك.
يالتصحّر هذا البلد!.. ويالوحدة هؤلاء الرّجال!.. وما أطول هذا الكابوس.
خمسٌ وثلاثون عاماً مدفونون بين الأبواق.
الانقلاب العسكري (الانطلاقة) بدأت في 18 تموز عام 1936 وحيث كنت أسكن في مليليه مع عائلتي تقدّمت إلى يوم 17 وسط ذهولٍ مطلق.
وكنت وعائلتي سنعيش تراجيديا الحرب الأهلية ومأساة الأعوام اللاحقة، أي باختصار سننزل إلى مستوى الفقر.
يومها اعتقل والدي كسائر رجال مليليه وإسبانيا الذين يعرفون كليبراليين أو جمهوريين أو ماركسيين.
لم يستطع أبي فعل شيءٍ للدفاع عن أفكاره فجاءت صدمة الانقلاب العسكري ّ لتمنعه من اتّخاذ أي قرار.
لا يهم.
اعتقله المنقلبون، وألصقوا به مباشرةً التّهمة الدّامغة بالتمرّد العسكريّ، وحكموه بالسجن المؤبّد.
هي حالةٌ من بين الآلاف، بل مئات الآلاف.
كم من رجالٍ تفاجؤوا في أسرّتهم، في أشغالهم، أو على موائد طعامهم بنبأ الاعتقال؟..
قُتل العديد منهم دون أي إجراءات.
سأذكر أبرزهم:
الشاعر "فيديريكو غارثيا لوركا".
أُعدموا دون إجراءٍ يُذكر: رجالٌ، نساءٌ، أطفالٌ، طفلات.
هذه شهادة "فيالونغا"([9]) أحد جنود قوّاتك:
كان أكثرهم حظّاً يحظى بمهزلةٍ من إجراءاتٍ قضائية تنتهي غالباً بإعدامه.
كما في عصور الاستبداد الديني، الموت عقاباً لجريمة الرأي.