eKtab
EN ع
رسائل خربر
Read free sample

رسائل خربر

by سي. أس. لويس

Page 1

سي. أس. لِويس (C. S. Lewis)

1898-1963م

كان كلايڤ ستايپلز لِويس (Clive Staples Lewis)، أحدَ عمالقة الفكر في القرن العشرين، وأحدَ أكثر كُتَّاب عصره تأثيرًا. عملَ مدرِّسًا للأدب الإنكليزيِّ في جامعة أكسفورد حتَّى عام 1954م حين اختيرَ في جامعة كامبردج بالتَّزكية لمنصب الأستاذيَّة في الأدب الإنكليزيِّ في فترتَي العصور الوسطى وعصر النهضة، وهو منصبٌ شغلَه حتَّى تقاعُدِه. كتبَ لِويس أكثرَ من ثلاثين كتابًا، واصلًا بها إلى عددٍ كبير من القُرَّاء، وما تزال أعماله تجدُ ألوفًا جُدُدًا من القُرَّاء سنويًّا. من أهمِّ أعماله ‘‘روايات عالم نارنيا’’ (The Chronicles of Narnia)، و‘‘المحبَّات الأربع’’ (The Four Loves)، و‘‘المسيحيَّة المجرَّدة’’ (Mere Christianity)، وجميعها متوفِّرة في العربيَّة من أوفير للطِّباعة والنشر.

Page 2

“أفضل طريقة لطرد إبليس، إذا لم يُذعِن لآيات الكتاب المقدَّس، هي أن تسخر منه وتهزأ به، لأنَّه لا يُطيق الازدراء”.

لـوثـر

 

“إبليس، ذلك الروح المتكبِّر، لا يمكنه تقبُّل السُّخرية”.

ثوماس مور

Page 3

مقدِّمة

لستُ أنوي أن أُفسِّر كيف وقعَت في يدي مجموعةُ الرسائل هذه التي أُقدِّمها الآن لجمهور القُرّاء.

ثمَّة خطأان متعادلان ومتعارضان يقع فيهما جنسُنا البشريُّ بشأن إبليس وأرواحه الشرِّيرة. أحدُهما عدم تصديق وجودهم. والآخر أن نُصدِّق وجودهم وأن يكون لدينا اهتمام زائد وغير سليم بهم. وهم أنفسُهم يَسرُّهم بشكل متساوٍ كِلا هذين الخطأين، ويهتفون للمادّيِّ وللساحر بالابتهاج عينه. أمَّا نوع الكتابة المُستخدَم في هذا الكتاب فمن السهل جدًّا أن يُحرِزه أيُّ شخص تعلَّم المهنة. ولكنَّ سيئي النيّةِ وسريعي الاهتياج الذين قد يسيئُون استخدام هذا الأُسلوب لا ينبغي لهم أن يتعلَّموه منّي.

يُنصَح القُرّاء بأن يتذكَّروا أنَّ إبليس كذَّاب. فليس كلُّ ما يقوله خُربُر ينبغي أن يُعتبر صحيحًا على البديهة، ولو من زاوية نظره الخاصَّة. ولم أقُم بأيَّة محاولة للتعريف بأيٍّ من الكائنات البشريَّة المذكورة في الرسائل. إلَّا أنَّني أحسبه أمرًا غير مُرجَّح جدًّا أن تكون أوصاف الأخ شُوَيك أو أُمِّ المريض، على سبيل المثل، صائبةً كلِّيًّا. ففي الجحيم، كما على الأرض، تفكيرٌ تُملِيه الرغبات.

ختامًا، أودُّ أَن أُضيف أنَّني لم أبذل أيَّ جهد لتوضيح تسلسُل الرسائل زمنيًّا. فيبدو أنَّ الرسالة السابعة عَشْرةَ قد أُلِّفت قبل صيرورة التوزيع جدِّيًّا. ولكنْ على العموم، يبدو أنَّ أُسلوبَ التأريخِ الشيطانيَّ لا يمتُّ بأيَّة صلة إلى التوقيت الأرضيِّ، وأنا لم أُحاوِل إعادة ترتيبه. فمن الواضح أنَّ تاريخ الحرب الأُوروپيَّة لم يلقَ أيَّ اهتمامٍ عند خُربُر، إلَّا حيث يصدف بين الفينة والأُخرى أن يكون لها مساسٌ بالحالة الروحيَّة لدى كائنٍ بشريًّ معيَّن.

سي. أس. لويس

كليَّة مجدالين

5 تمّوز (يوليو) 1941

Page 4

1

عزيزي عَلقَم،

أخذتُ علمًا بما تقوله عن توجيه قراءات مريضك والاعتناء بأن يُكثِر من مخالطة صديقه المادِّيّ. ولكنْ ألستَ في هذا ساذجًا بعضَ الشيء؟ يبدو أنَّك قد افترضتَ أنَّ الجدال وتقديم الحجج هو السبيل إلى إبقائه بعيدًا عن براثن العدوّ. وكان ممكنًا أن يكون الأمر كذلك لو أنَّه عاش قبل قرونٍ قليلة. ففي ذلك الزمان كان البشر ما زالوا يعرفون جيِّدًا إلى حدٍّ بعيد متى يُبرهَن على شيءٍ ومتى لا يبرهَن عليه، حتّى إذا تبرهن صدَّقوه حقًّا. وكانوا ما يزالون يربطون التفكير بالتصرُّف، وكانوا مستعدِّين لتغيير نمط حياتهم نتيجة سلسلة من التعليل والتفسير والتفكير. ولكنْ بوجود الصُّحف الأُسبوعيَّة، وغيرها من الأسلحة نظيرها، غيَّرنا ذلك على أوسع نطاق. فإنَّ زبونك قد تعوَّد، منذ نعومة أظفاره، أن يحوز دزِّينةً من الفلسفات المتضاربة مُتراقِصةً داخل رأسه. وهو لا يُفكِّر في العقائد من حيث كونُها بشكل أساسي“صحيحة” أو “خاطئة”، بل بوصفها “أكاديميَّة” أو “عمليَّة”، “بائدة” أو “معاصرة”، “تقليديَّة” أو “متحجِّرة”. فالجَعجعة والكلام غير المُفضي إلى نتيجةٍ، لا المُحاجَّة والتفكير المنطقي، خيرُ حليفٍ لك في إبعاده عن الكنيسة. فلا تُبدِّد وقتك في دفعه إلى التفكير في أنَّ المادِّيَّة صحيحة! اِجعله يُفكِّر أنَّها قويَّة، أو باهرة، أو جريئة: أنَّها فلسفة المستقبل. ذلك هو نوع الشيء الذي يستهويه ويهتم به.

إنَّ المشكلة في المحاجَّة والتفكير المنطقي الذي يتضمن تقديم البراهين تكمن في كونها تنقل الصراع كلَّه إلى أرض العدوِّ الخاصَّة. وفي وسعه هو أيضًا أن يُحاجَّ، في حين أنَّه في مجال الدعاية العمليَّة من النوع الذي أقترحه[1] قد تبيَّن على مدى قرونٍ طويلة أنَّه إلى أبعدِ حدٍّ أقل قدرةً من أبينا الذي في الأسفل. فبفعل المحاجَّة والنقاش المنطقي، توقظ أنت عقل المريض؛ وإذا استيقظ فمن يستطيع التكهُّن بالنتيجة؟ حتَّى لو استطعنا أن نحرف حبلًا من الأفكار بحيث يؤول إلى مصلحتنا، فسيتبيَّن لك أنَّك كنتَ تُشدِّد لدى مريضك تلك العادة المهلكة المتمثِّلة في التَّصدِّي للقضايا الكونيَّة ومعالجتها والسعي لفهمها، وتصرف انتباهه عن مجرى الاختبارات الحسِّيَّة المباشرة. فمهمَّتك هي أن تركِّز انتباهه على ذلك المجرى. وعلِّمه أن يدعو ذلك “الحياة الحقيقيَّة”، بغير أن تدعه يسأل عمَّا يعنيه بصفة “الحقيقيَّة”.

Page 5

تذكَّر أنَّه ليس روحًا محضًا، كحالك أنت. فإذ لم تكن قطُّ آدميًّا (وهي مَزيَّة بغيضة اتصف بها العدوُّ!) لا تُدرِكُ إلى أيِّ مدًى يستعبدهم ضغطُ المألوف والمعتاد. كان لي ذاتَ مرَّة مريض، وهو مُلحِد راسخ، اعتاد أن يقرأ في المُتحَف البريطانيّ. وبينما هو جالسٌ يقرأ في أحد الأيَّام، رأيتُ في رأسه حَبل أفكارٍ بدأ يتَّجه في الوجهة الخطأ[2]. وبالطبع، حضر العدوُّ إلى جواره بلمح البصر. وقبل أن أتبيَّن موقعي، رأيتُ العمل الذي أنجزتُه طوال عشرين سنة يكاد ينهار. ولو فقدتُ صوابي وشرعتُ في محاولةٍ للدفاع من طريق المُحاجَّة والبرهنة، لذهب كلُّ جهدي أدراج الرياح. غير أنَّني لم أكن بهذه الغباوة. ففي الحال وجَّهتُ ضرباتي إلى جزء الرجُل الذي أُسيطر عليه أفضلَ سيطرة، فأوحيتُ إليه بأنَّ وقت الغداء قد حان. وقد أوحى إليه العدوُّ، على وجه الاحتمال، الإيحاءَ المضادَّ بأنَّ ما يقوم به أهمُّ من الغداء (وأنت تعرف كيف لا يستطيع الواحدُ منَّا البتَّة أن يَسترِق بسهولة سَمْع ما يقولُه عدوُّنا لهم!). على الأقلّ، أظنُّ أنَّ ذلك كان نَهجَهُ، لأنَّني حين قلتُ لمريضي: “كفى الآن! إنَّ سدَّ جوعك أهمُّ بكثير بعدما ولَّى الصباح وحلَّ الظُّهر،” انفرجت أساريرُه على نحوٍ لافت. وما إن أضفتُ: “أفضلُ جدًّا أن تعود بعد الغداء وتُقبِل على القراءة بذهنٍ مُنشَّط،” حتَّى كان قد بلغ الباب تقريبًا. وحالما وصل إلى الشارع، تحقَّق لي الفوز في المعركة. فقد أريتُه بائع صُحف يُنادي بصحيفة نصف النهار، وحافلةً رقمُها 73 مُقبلةً نحوه. وقبل بلوغه أسفل الدرج، كنتُ قد أدخلتُ في رأسه قناعةً راسخة بأنَّه مهما خطر في بال المرء من أفكار غريبة وهو في خَلوةٍ مع كُتبه فإنَّ جُرعةً سليمةً من “الحياة الحقيقيَّة” (وهو يعني بها الحافلة وبائع الصُّحف) كافية لأن تُريَه أنَّ “ما فكَّر فيه وخطر على باله” لا يُعقَل أن يكون صحيحًا. وقد علم أنَّه نجا بصعوبة، وفي سنين لاحقة شُغِف بالتحدُّث عن “ذلك الشعور الغامض والمُبهَم بالحقيقة، الذي هو حامينا الأسمى من ضلالات المنطق المجرَّد النقي”. وهو سالمٌ الآن في بيت أبينا.

أبَدأتَ ترى بيت القصيد؟ بفضل عمليَّاتٍ بدأناها فيهم منذ قُرون، يجدون من المستحيل تقريبًا أن يؤمنوا باللامألوف فيما المألوفُ نُصبَ أعيُنهم. شدِّد له دائمًا على اعتياديَّة الأُمور. وقبل كلِّ شيء، لا تحاول أن تستخدم العِلم (أعني العلوم الحقيقيَّة) كدفاعٍ في مواجهة المسيحيَّة. فمن شأن العلوم أن تُشجِّعه حتمًا على التفكير في حقائق لا يستطيع لمسها ورؤيتها. وقد حصلت حالات مؤسفة بين الفيزيائيِّين المُحدَثين. وإن كان لا بدَّ له أن يشتغل في العلوم على سبيل الهواية، فاحصره في مجال الاقتصاديَّات أو الاجتماعيّات، ولا تدعْه يبتعد عن تلك الحياة “الحقيقيَّة” التي لا تُقدَّر بثمن. ولكنَّ أفضلَ كلِّ شيء ألَّا تدعَه يقرأ شيئًا من العلوم، بل أن تغرس في ذهنِهِ فكرةً عامَّة عظيمة بأنَّه يعلم كلَّ علم، وأنَّ كلَّ ما قد التقطه بالصِّدفة خلال الأحاديث العابرة والقراءة العَرَضيَّة هو “نتائج البحث الحديث”. هلَّا تتذكَّرُ أنَّك موجودٌ هناك كي تُربِكه وتُشوِّشه! فمن الطريقة التي بها يتكلَّم بعضُكم، أنتم الشياطين الصغار، لا بدَّ لأيِّ شخصٍ من أن يفترض أنَّ عملنا هو أن نُعلِّم!

عمُّك المُحِبُّ

خُربُر

Page 6

2

عزيزي عَلقَم،

علمتُ بمزيدٍ من الاستياء أنَّ مريضك قد آمن بالمسيح. فلا تُعلِّلِ النفسَ بأمل الإفلات من العقوبات المعتادة. وبالحقيقة، في أحسن حالاتك، أثق بأنَّك لا تكاد ترغب في ذلك مجرَّد رغبة. إنَّما في هذه الأثناء علينا أن نستغلَّ الوضع أحسنَ استغلال ونبذُل أقصى ما نستطيع من جهد. لا داعيَ لليأس، فإنَّ مئاتٍ من هؤلاء المهتدين البالغين قد تمَّ استردادُهم بعد إقامة وجيزة في معسكر العدوّ، وهم معنا الآن. وجميعُ عادات المريض، العقليَّة والبدنيَّة، ما تزال في مصلحتنا وفي صفِّنا.

مِن حُلفائنا العظام، في الوقت الحاضر، الكنيسةُ نفسُها. لا تُسئ فهم ما أقول. لستُ أعني الكنيسة كما نراها مُنتشرةً عبر كلِّ زمانٍ ومكان ومتجذِّرةً في الأزل، مُرهِبةً كجيشٍ ذي رايات. فإنِّي لأعترفُ بأنَّ ذلك مشهدٌ يُقلِق أجرأ مَن لدينا مِنْ مُجرِّبين. ولكنْ مِن سعدنا أنَّ هذا غير مرئيٍّ تمامًا لدى الآدميِّين. فكلُّ ما يراه مريضُك هو المبنى القُوطيُّ المزخرف نصفُ المكتمِل على موقع البناء الجديد. وعندما يدخل إلى الداخل، يرى البقَّال المحلِّيَّ، وعلى وجهه تعابيرُ أميَل إلى المُداهنة والنفاق، يهبُّ واقفًا ليُقدِّم إليه كتابًا لمّاعًا صغيرًا يحتوي على طقوسٍ دينيَّة لا يفهمانها كِلاهما، وكتابًا صغيرًا باليًا فيه نصوصٌ مشوَّهة لعدد من التراتيل الدينيَّة، الرديئة في معظمها، والمطبوعة بخطٍّ صغير جدًّا. وحين يصل إلى مقعده وينظر حوالَيه، لا يرى سوى تلك المجموعة من جيرانه التي طالما تجنَّبها حتَّى ذلك الحين. فينبغي أن تعتمد جيِّدًا على أولئك الجيران. اِجعل ذهنه يشرد جيئةً وذهوبًا بين تعبيرٍ مثل “جسد المسيح” والوجوه الفعليَّة على المقعد الطويل التالي. طبعًا، لا أهميَّة بالغة لنوع الأشخاص الذين يجلسون في المقعدِ التالي. قد تعرف واحدًا منهم بصفته محاربًا شُجاعًا في صفِّ العدوّ. فلا يهمَّك ذلك. إنَّ مريضك، بفضل أبينا الدنيّ، غبيّ. فإذا صدف أنَّ واحدًا من أولئك الجيران خالف النغم عند الترتيل، أو كان ينتعل حذاءً له صريرٌ وصريف، أو كان تحت ذقنِه لُغد[3]، أو ثيابُه غريبة الطراز، فإنَّ المريض سيعتقد بكلِّ يُسر أنَّ ديانتهم لا بدَّ أن تكون سخيفةً على نحوٍ ما. فأنت ترى أنَّه في مرحلته الحاليَّة، لديه في ذهنه فكرةٌ عن “المؤمنين بالمسيح” يَفترِض أنَّها روحيَّة، ولكنَّها بالحقيقة رسميزيتيَّة[4] إلى أبعد حدّ. ذلك أنَّ ذهنه زاخرٌ بالأثواب الفضفاضة والصَّنادل والدروع والسيقان المكشوفة، ومجرَّدُ حقيقة كون الآخرين في الكنيسة لابسين ثيابًا حديثة هي عنده صعوبة فعليَّة، وإن كانت بالطبع لاواعية. فلا تدعَنَّ الأمر يطفُ على السَّطح؛ لا تدعنَّه يسأل أبدًا عمَّا توقَّع لهم أن يبدوا عليه. أبقِ كلَّ شيء مشوَّشًا في ذهنه الآن، وستكون لديك الأبديَّةُ بطولها لتتسلَّى بأن تُنتِج فيه ذلك النوع الغريب من الوضوح الذي يعطيهِ الجحيم.

Page 7

فركِّز كلَّ جهدك إذًا على الخيبة أو الهبوط المُفاجئ اللذين سيُصيبان المريض حتمًا في أثناء أسابيعه الأولى بوصفه مُرتادًا للكنيسة. إنَّ العدوَّ يسمح بحصول هذه الخيبة على عتبة كلِّ مسعًى بشريّ. فهي تحصل عندما ينكبُّ على تعلُّم اللغة اليونانيَّة بجدّيَّة ذلك الصبيُّ الذي سبق أن سحرَته في دار الحضانة حكاياتٌ من ملحمة الأُوديسَّة. كما أنَّها تحصل عندما يتزوَّج الحبيبان ويُباشِران المهمَّة الواقعيَّة المتمثِّلة في تعلّم العيش معًا. وهي في كلِّ دائرة من دوائر الحياة تُميِّز الانتقال من الطموح الحالِم إلى التحرُّك العمليّ والواقعي. والعدوُّ يقوم بهذه المغامرة لأنَّ لديه نزوةً غريبة في تحويل هؤلاء الطُّفيليِّين البشريِّين الصغار المُنفِّرين إلى ما يدعوه أحبّاء وخُدّامًا “أحرارًا” – “أبناء” حسب الكلمة التي يستخدمها – بحبِّه الذي لا يلين لإهانة العالَم الروحيِّ كلِّه بإقامة علائق غير طبيعيَّة بالحيوانات التي تنتصب على قَدَمين. فرغبةً منه في ممارستهم لحرِّيَّتهم، يرفض تاليًا أن يَحمِلَهم حَملًا، بمجرَّد عواطفهم وعاداتهم، إلى أيٍّ من الغايات التي يضعها أمامهم: إذ يدعهم يفعلون ذلك “بمحض إرادتهم”. وهَهُنا تكمن فرصتنا. إنَّما تذكَّر أيضًا أنَّه هَهُنا يكمن الخطر الذي يتهدَّدنا. فما إن يجتازون هذا الجفاف الأوَّليَّ بنجاح، حتَّى يُصبِحوا أقلَّ اتِّكالًا بكثير على العواطف، ومن ثمَّ أصعبَ كثيرًا أن يُغوَوا ويقعون فريسةً للتجارب.

استمررتُ أكتبُ حتَّى الآن على افتراضِ أنَّ الجالسين على المقعد الطويل التالي لا يوفِّرون أيَّ أساس عقلانيّ لتلك الخيبة. وكان من شأن مهمَّتك أن تكون أسهل جدًّا بالطبع لو فعلوا ذلك: لو عرف مريضُك أنَّ المرأة المعتمرة تلك القبَّعة المضحكة لاعبةُ بريدج[5] مهووسة، أو أنَّ الرجل المُنتعِل الحذاءَ ذا الصرير والصريف بخيلٌ ومُبتزّ. فكلُّ ما عليك عندئذٍ أن تفعله هو أن تصرف ذهنه عن هذا السؤال التالي: “إذا استطعتُ، في حالتي التي أنا عليها، أن أعتبر نفسي مؤمنًا بالمسيح بمعنًى ما، فلماذا ينبغي أن تُثبِت مُختلِف رذائل هؤلاء الجالسين على المقعد التالي أنَّ ديانتهم مجرَّدُ رياء وتقليد؟”[6] ولعلَّك تتساءل عن إمكانيَّة الحيلولة دون ورود فكرةٍ بديهيَّة كهذه حتَّى في ذهنٍ بشريّ. إنَّ ذلك ممكن، يا علقم، نعم إنَّه ممكن! تولَّ أمره جيِّدًا، حتّى لا تخطر تلك الفكرة في باله على الإطلاق. فلم تمضِ على انضمامه إلى العدوِّ مدَّةٌ يكفي طولُها لحيازة أيِّ اتِّضاعٍ حقيقيٍّ بعد. وكلُّ ما يقوله، حتَّى وهو جاثٍ على ركبتيه، عن حالته الخاطئة هو كلام ببغائيٌّ بمجمله. ففي قرارة نفسه، ما يزال يعتقد أنَّه قد فتح حسابَ اعتمادٍ مُربِحًا جدًّا في الدفتر الأُستاذ لدى عدوِّنا إذ سمح لنفسه بأن يهتدي، ويحسب أنَّه يُبدي تواضعًا وتصاغُرًا عظيمَين بارتياده للكنيسة أصلًا مع هؤلاء الجيران العامِّيِّين “المتأنِّقين” “المغرورين”. فأبقِه في تلك الحالة الذهنيَّة ما دمتَ تستطيع ذلك.

عمُّك المُحِبُّ

خُربُر

Page 8

3

عزيزي عَلقَم،

أنا مسرورٌ جدًّا بما تقوله لي عن علاقات هذا الرجُل بأُمِّه. ولكنْ يجب عليك أن تُحسِن استغلال الوضع بكلِّ قواك. سوف يكون العدوُّ عاملًا من المركز نحو الخارج، مُخضِعًا أكثر فأكثر من تصرُّفات المريض للمعيار الجديد، وقد يُوصِل سلوكه إلى مستوى السيِّدة العجوز في أيَّة لحظة. وينبغي لك أن تتدخَّل أوّلًا. فابقَ على اتِّصالٍ وثيق بزميلنا غُلبوص المسؤول عن الأُمّ، وأنشئا بينكما في ذلك البيت علاقةً طيِّبة راسخة من الإزعاج المتبادل والمُضايقات اليوميَّة. والوسائل التالية نافعة.

1• أبقِ فكره مركَّزًا على الحياة الداخليَّة. فهو يعتقد أنَّ اهتداءه شيءٌ في داخله، ولذلك يصرف اهتمامه بشكل أساسي في الحاضر نحو أحوال ذهنه الخاصّ، أو بالأحرى نحو تلك النُّسخة المهذَّبة جدًّا منها والتي هي كلُّ ما ينبغي لك أن تدعه يراه. فعزِّز هذا وشجِّع عليه: اصرف ذهنه عن الواجبات الأوَّليَّة والأساسية أكثر من غيرها، بتوجيهك إيَّاه نحو تلك الأكثر تقدُّمًا وروحانيَّة. فاقِم تلك المزيَّة البشريَّة الأكثر نفعًا: هولَ البديهيِّ وإهماله. عليكَ أن تُوصِله إلى حالةٍ يستطيع فيها أن يمارس فحص الذات مدَّةَ ساعةٍ كاملة بغير أن يكتشف بشأن نفسه أيَّةً من تلك الحقائق الواضحة تمامًا في نظر أيِّ شخصٍ عاش معه في البيت نفسه أوِ اشتغل معه في المكتب عينه.

2• لا شكَّ أنَّ من المستحيل منعَه أن يُصلِّي لأجل أُمِّه، ولكنَّ لدينا طُرقًا لجعل صلواته غير مؤذية. فتيقَّن أن تكون صلواته كلَّ حين “روحانيِّة” جدًّا، وأن يكون هو مَعنيًّا دائمًا بحالة نفسها وليس بداء مفاصلها أبدًا. وستلي ذلك حسنتان. فأوَّلًا، سيبقى اهتمامُه مُنصبًّا على خطاياها، وبفضل توجيهٍ يسيرٍ منك يمكن أن يُحفَز على اعتبار أيّ من أفعالها المُضايِقة أوِ المُغضِبة خطيةً. وعليه، يمكنك أن تحكَّ جراح اليوم حكًّا يؤلِمه أكثر قليلًا حتَّى وهو جاثٍ على ركبتيه. هذه العمليّة ليست صعبةً على الإطلاق، وستجد فيها تسليةً جمَّة. وثانيًا، بما أنَّ أفكاره بشأن نفسها ستكون فجَّةً جدًّا وغيرَ ناضجةٍ ومخطئةً في الغالب، فسيكون إلى حدٍّ ما مُصلِّيًا لأجل شخصٍ وهميّ. وستكون مهمَّتك أن تجعل ذلك الشخص الوهميَّ يوميًّا أقلَّ فأقلَّ شبهًا بأُمِّه الحقيقيَّة: السيِّدة العجوز الحَادَّةِ اللسان الجالسة إلى طاولة الفَطور. وعاجلًا أو آجلًا، قد تُصيِّر الشقَّ واسعًا جدًّا بحيث يُعيق سَرَيان أيِّ فكر أو شعور من صلواته لأجل الأُم المتوهَّمة إلى معالجته للأُمِّ الحقيقيَّة. ولطالما كانت لي على بعض مرضاي سيطرةٌ فعّالة بحيث أمكنني تحويلُهم في لُحَيظة عن الصلاة الحارَّة لأجل “نفسِ” زوجةٍ أو ابن إلى ضرب الزوجة أو الابن الحقيقيَّين أو إهانتهما بلا هوادة.

Page 9

3• حينما يعيش آدميّان معًا سنين طويلة، يحدثُ عادةً أن تكون لكلٍّ منهما نبراتُ صوت وتعابيرُ وجه تُغضِب الآخر على نحوٍ لا يكاد يُحتَمل. فاستغلَّ هذا الواقع جيِّدًا. استحضِر تمامًا إلى ذهن مريضك التقطيبةَ الخاصَّة في حاجبَي أُمَّه تلك التي تعلَّم أن يمقتها حين كان في دار الحضانة، ودعه يُفكِّر في مدى مقته لها. ودعْه يفترض أنَّها تعرف مدى مضايقتها له وأنَّها تقوم بها كي تُضايقه. وإذا أحسنتَ القيام بعملك هذا، فلن يلاحظ زبونك عدم احتماليَّة هذا الافتراض إلى أقصى الحدود. ثمَّ احرصْ بالطَّبع على ألَّا يشكَّ في أنَّ لديه هو نبراتٍ ونظراتٍ تُضايق أُمَّه بالمِثل. وبما أنَّه لا يستطيع أن يرى أو يسمع نفسه، فمن السهل تولِّي هذا الأمر.

4• إنَّ البغضاء العائليَّة، في الحياة المتمدِّنة، تُعبِّر عن نفسها عادةً بقول أشياءَ من شأنها أن تبدو على الورق غير مؤذيةٍ على الإطلاق (الكلمات لا تكون مُغضِبة)، ولكن حين تُقال بنبرة صوت معيَّنة أو في لحظةٍ محدَّدة لا تُقصِّر كثيرًا عن أن تكون أشبه بلكمةٍ على الوجه. ولكي تُبقيَ هذه اللعبة على أشُدِّها، عليكَ أن تُعنى أنت وغُلبوص بأن يكون لكلٍّ من هذين الغبيَّين نوعٌ من المعيار المزدوج. فيجب أن يطلب مريضُك أن تُفهَم جميع أقواله بمعناها الظاهريّ، وَأنْ يُحكَم عليها على أساس الكلمات الفعليَّة المجرَّدة، في حين يَحكم هو على جميع أقوال والدته بمقتضى التفسير الأكمل، والمفرط الحسَّاسيَّة إلى أبعد حدّ، لنبرة الصوت وقرينة الكلام والقصد المُتوهَّم. ويجب أن تُشجَّع هي على معاملته بالمِثل. وعندئذٍ يُتاح لكِلَيهما، بعد كلِّ مشاجرة، أن يمضي مُقتنِعًا – أو على وشك الاقتناع – بأنَّه بريءٌ إلى التمام. إنَّك تعرف نظير هذا القول: “يكفي أن أسألها متى موعد الغداء حتَّى تستشيط غضبًا عليّ!” فما إن تتأصَّل هذه العادةُ جيِّدًا حتَّى يغدوَ لديك الوضعُ المُبهج الذي فيه يقولُ الآدميُّ أقوالًا تهدف بوضوح إلى الإغضاب، ومع ذلك يتشكَّى حين يثور الغضب بسبب ما قاله.

أخيرًا، أفِدني بشيءٍ عن الحالة الدينيَّة لدى السيِّدة العجوز. ألدَيها شيءٌ من الغيرة بشأن العنصر الفعَّال الجديد في حياة ابنها؟... شيءٌ من الاستياء لأنَّه تعلَّم من الآخرين، وبعد طول زمان، ما تعتبر أنَّها قد يسَّرت له في صغره فرصةً ممتازة لتعلُّمه؟ أم هي تشعر بأنَّه يصطنع كثيرًا من “الجَلَبة” بشأن هذا الأمر، أو بأنَّه داخلٌ بموجب شروطٍ وظروفٍ سهلة جدًّا؟ أما تذكر الأخ الأكبر في قصَّة الابن الضالِّ التي حكاها عدوُّنا؟

عمُّك المُحِبُّ

خُربُر

Page 10

4

عزيزي عَلقَم،

نبَّهَتني الاقتراحاتُ غير البارعة في رسالتك الماضية إلى أنَّ الأوان قد آن كي أكتب إليك بالتفصيل في موضوع الصلاة المؤلم. وقد كان في وسعك أن تُحجِم عن تعليقك بأنَّ نصيحتي لك بشأن صلوات زبونك لأجل أُمِّه “أثبتت فَشَلها على نحوٍ استثنائيّ”. فليس هذا من الأشياء التي يجدر بابن الأخ أن يكتبها إلى عمِّه، ولا بمُجرِّبٍ صغير إلى وكيل الدائرة. وهو ينمُّ أيضًا عن رغبةٍ بغيضة في التهرُّب من المسؤوليَّة وتحميلها لآخرين. فيجب عليك أن تتعلَّم دفع ثمن أخطائك الفادحة.

إنَّ أفضل شيء تفعله، حيث يكون ممكنًا، هو أن تَحُول كلِّيًّا بين مريضك والتصميم الجدِّيِّ على الصلاة. وحين يكون المريض بالغًا اهتدى مجدَّدًا منذ عهدٍ قريب إلى حزب العدوّ، مثله مثل زبونك، يتمُّ إنجاز ذلك على أفضل نحو بتشجيعه على أن يتذكَّر– أو يظنَّ أنَّه يتذكَّر– طبيعة صلواته الببغائيَّة في صِغَره. كردَّة فعلٍ على هذا، يمكن إقناعه باستهدافِ نوعٍ من الصلاة تلقائيٍّ كليًّا، داخليّ، غير رسميّ، غير منتظم. وما يعنيه هذا فعلًا بالنسبة إلى المبتدئ سيكون محاولةَ أن يُنتِج في ذات نفسه مزاجًا تعبُّديًّا غامضًا ليس من دورٍ فيه للتركيز الفعليِّ من جانب الإرادة والعقل. فإنَّ أحد شُعَرائهم، كُولِريدج (Coleridge)، كتب أنَّه لم يكن يُصلِّي “بشفتين متحرِّكتين وركبتين مَحنيَّتين” إنَّما كان “يُعِدُّ روحه للمحبَّة” ويستغرق في “إحساسِ ابتهال”. ذلك تمامًا هو نوع الصلاة الذي نريده. وبما أنَّه ينطوي على مشابهة سطحيَّة لصلاة الصَّمت كما يمارسها أولئك المتقدِّمون كثيرًا في خدمة عدوِّنا، فالمرضى الأذكياء والكُسالى يمكن أن يُخدَعوا به مدَّةً طويلة جدًّا. وعلى الأقلِّ الأقلّ، يمكن إقناعُهم بأنَّ الوضعيَّة الجسميَّة لا تُحدث فرقًا في صلواتهم، لأنَّهم دائمًا ينسَون ما يجب أن تتذكَّره أنت كلَّ حين، وهو أنَّهم حيوانات وأنَّ أيَّ شيء تفعله أجسامُهم يؤثِّر في نفوسهم فعلًا. وعجيبٌ كيف يُصوِّرنا البشر دائمًا مُدخِلين أُمورًا في عقولهم، في حين أنَّ عملنا الأفضل يتمُّ إنجازُه بإبقاء الأمور خارجها.

أمَّا إذا أخفق هذا، فعليك أن تنكفئ إلى طريقةٍ أدهى في توجيه عزمه توجيهًا خاطئًا. فكلَّما كانوا مُصغين إلى العدوِّ نفسه نكون مهزومين، ولكنَّ لدينا طُرقًا لمنعهم أن يفعلوا ذلك؛ أسهلُها أن نحوِّل أنظارهم عنه إلى أنفسهم. فأبقِهم مُنشغِلين بأذهانهم بالذات، ومُحاوِلين أن يُنتِجوا مشاعر في داخلهم بفعل إراداتهم الخاصَّة. فحين يقصدون أن يطلبوا منه المحبَّة، دعهم عوضًا عن ذلك يُباشِروا محاولةَ اصطناع مشاعرَ محبَّة لأنفسهم بغير أن يُلاحِظوا أنَّهم فاعلون ذلك. وحين يقصدون أن يصلُّوا طالبين الشجاعة، دعهم يعكفوا في الواقع على محاولة الشعور بأنَّهم شجعان. وحين يقولون إنَّهم يُصلُّون لأجل المغفرة، دعهم ينصرفوا إلى محاولة الشعور بأنَّهم حاصلون على الغفران. علِّمهم أن يُخمِّنوا قيمة كلِّ صلاة بنجاحهم في إنتاج الشعور المرغوب، ولا تدعهم البتَّة يظنوا أن النجاح أو الفشل في إنتاج هذه المشاعر يتوقَّفان على كونهم أصحّاء أو مرضى، مرتاحين أو مُتعَبين، في اللحظة الحاضرة.

ولكنَّ العدوَّ بالطبع لن يكون متكاسلًا في هذه الأثناء. فكلَّما حصلت صلاة، يوجد خطر التصرُّف المباشر من قِبَله. إنَّه لامُبالٍ على نحوٍ ساخر بكرامةِ مَقامه، ومقامنا، كأراوحٍ محض؛ وللحيوانات البشريَّة الجاثية على رُكَبها يسكب معرفة الذات بطريقة مُخزية للغاية. ولكنْ حتَّى لو دحر محاولتك الأولى في التوجيه الخاطئ، فعندنا سلاحٌ أمضى وأمكر. ذلك أنَّ الآدميِّين لا ينطلقون من الإدراك الحسِّي المباشر لعدوِّنا، وهو، للأسف، ما لا نستطيع نحن تجنُّبه. فهم لم يعرفوا قطُّ ذلك الضياء الساطع المروِّع، ذلك الوهج السافع الخارق الذي يُشكِّل خلفيَّة الألم الدائم في حياتنا. فإذا نظرتَ داخل عقل مريضك وهو يصلِّي، فلن تجد ذلك. وإذا تفحَّصت الغرض الذي يَشخص إليه، فسيتبيَّن لك أنَّه غرض مركَّب يحتوي على عدَّة مُقوِّمات وعناصر سخيفة مُضحِكة للغاية. ستكون فيه صُوَر مُستوحاة من رسوم العدوِّ كما كانت هيئتُه في أثناء تلك الفترة البغيضة المعروفة بالتجسُّد. وستكون فيه صُوَر أكثرُ غموضًا– ربَّما فجَّة وطفولية جدًّا– مرتبطة بالأُقنومَين الآخرَين. بل سيكون أيضًا بعضٌ من مهابة الزَّبون الشخصيَّة (والأحاسيس الجسديَّة المُصاحِبة لها) ذا شكلٍ مُعيَّن ومنسوبًا إلى الغَرَض المهوب. وقد عرفتُ حالاتٍ فيها كان ما يدعوه المريض “إلهه” مستقِّرًا بالفعل في مكانٍ ما: فوقُ إلى اليسار عند زاوية سقف غرفة النوم، أو داخل رأسه هو، أو على صليبٍ مُعلَّق على الحائط. ولكنْ مهما كانت طبيعة ذلك الغَرَض المركَّب، ينبغي لك أن تُبقيَه مصلِّيًا إليه– إلى الشَّيء الذي صنعه هو، وليس إلى الشخص صانع ذلك الإنسانِ. حتَّى إنَّ لك أن تُشجِّعه على إضفاء أهميَّة بالغة على تصحيح غَرَضه المُركَّب وتحسينه، وعلى إبقائه دائمًا نُصبَ خياله في أثناء الصلاة كلِّها. فإن حصل مرَّةً أنه أراد أن يفرِّق بين الحقيقة وغرضه المُتخيَّل، إن حصل أنْ وجَّه صلواته ليس إلى ما يظنه الله بل إلى ما يعرفُهُ الله عن نفسه، فعندئذٍ يكون وضعُنا مُؤنِسًا. وما إنْ يتمُّ للرجل التخلّي عن جميع أفكاره وتصوُّراته، أو الإبقاءُ عليها– إذا بقيَت– بتمييزٍ تامٍّ لطبيعتها الذاتيَّة الصِّرف، ويعهد بنفسه إلى الحضرة[7] غير المرئيَّة، الخارجيَّة، الحقيقيَّة تمامًا، الموجودة معه هناك في الغرفة والتي لا يعرفها البتَّة كما تعرفه هي، حتَّى يمكنَ حدوثُ ما لم يكن في الحسبان. ففي تلافي هذا الوضع، أي تلا في التجرُّد الحقيقيِّ للنفس عند الصلاة، ستُساعِدُك حقيقةُ كون الآدميِّين أنفسِهم لا يرغبون في تلافيه بمقدار ما يفترضون. إذ إنَّ هذا يُشبِه حصولَهم على أكثرَ ممَّا توقَّعوه!

عمُّك المُحِبُّ

خُربُر