eKtab
EN ع
ساعة ظهور الأرواح
Read free sample

ساعة ظهور الأرواح

by عبد الله خليفة

Page 1
(1)
 
الظهيرةُ رهيبة، أرضُ السبخ الواسعة تئزُ بالنار، والبخار، والمستنقعاتُ المتناثرة تغلي، والبحرُ القريب يتوهج وتنبعث روائحٌ فظيعة من المقصب حيث تـُذبح الأغنام والثيران والإبل·
 
أكواخُ السعف تضطجع فوق تنكة شوي السمك، والخوص المتماسك يقترب من الحريق، والجريد منفتح قليلاً للهواء القليل، الذي لا يدخل الغرف حيث ترقد الأجسام بمحاذاة الجريد، أو في الأحواش ذات المظلات المبنية من السعف أو القماش الرقيق، والقريبة من جرات الماء الكبيرة الملأى والملفوفة بالخيش المبلل··
 
الأرضُ تطلق بخاراً وفحيحاً، والبحرُ يمدُ لها لسانه المشتعل، والصبيةُ يلعبون بين هدفين، ويجرون بسرعة ويصرخون على بعضهم البعض، والكرة تنطلق بين أقدامهم، ويبدو يوسف، الفتى الأبيض الحلو، أكثرهم اندفاعاً وصراخاً وتسللاً، ويستطيع أن يقتحم الهدف ويسجل ويقفز فرحاً، ويعترضه جوهر، الفتى الأسمر النحيف، الذي يبدو متخثراً ومتحللاً من العرق والحر، ويتشاجران، ويترنحان على الأرض، وحينئذٍ بدأ نزاعٌ طويل··
 
الشيخُ درويش كان في مهمة خطيرة، رغم القيظ الشديد الذي فضح وجوه النسوة، وهد حيل الرجال، وأوقف الحمالين عن الذهاب إلى السوق، فقد بدا درويش خارج التضاريس، محلقاً في ملكوت من حبات البردى، وروائح الزعتر والقرنفل، كان يتمتم بنشوة، وبدا إنه يتحدث مع أحد ما، وراح قليلاً قليلاً ينتقل إلى طقس مروع، كانت عروقهُ تتشنج وتظهر كأسياف مشتعلة، وثوبه الأبيض النقي يمتلئ بالهواء، وبدا إنه يطير ويحلق فوق الحضور المأخوذ، ويحل ظلامٌ دامس، وأصابعه غدت طويلة مشعة، تسربُ حبات من الكهرمان وأوراق الدفلى الميتة والدود الحي المتقافز والعصافير الكثيرة الملأى بالغبطة التي تخترق السعف الكثيف··
 
الصبية الذين يتشاجرون أُخذوا بالطقس المتغير المتلبد، ودهشوا من الغيم الذي ظهر بغتة، غيومٌ غريبة، حادة، طويلة، كأنها جلود ثعابين مسلوخة، ملونة بالبَرَد والبرق والظلام، وفي معيتها ريحٌ باردة تنفثُ حرارةً وامضة لاسعة، ولكنهم لم يتركوا الشجار، مصطفين في فريقين متصادمين، وكان يوسف يحاول أن يؤجج الآخرين ضد جوهر الذي أحاط به الكثيرون، وكان ساقطاً على الوحل وقميصه وجلده متحدين بالتراب··
 
في تلك اللحظة الغريبة كان جوهر يشاهد رؤوس الصبية متداخلة بنيران السماء، ويرى أقنعة الفضاء تثرثر مع الغيم والهواء، وثمة أصابع طويلة من الضؤ والَبَرد والحلوى تتغلغل في ثيابهم وأجسادهم، ولكن الصبية راحوا يقحمون أحذيتهم في خاصرته··
 
ثم أخذوا ينتبهون إلى الجو الغاضب، وشعروا كأنهم أحدثوا جرماً ما، ومدوا أيديهم إلى جوهر فأمسكوا وحلاً ودماً·
 
لكن السماء كانت قد أثيرت كثيراً، فجاءت رقعٌ كبيرة من السحب والضباب البارد، وقرقع برقٌ كأنه صارية مشتعلة على وجه البحر، فارتعشت الأسماك ميتةً، وصاحت الغنمُ في زريبة المقصب بذعر شديد، فما كان من الأولاد سوى أن أطلقوا ضلوعهم للريح، وبدت صرخاتهم تعلو على نحيب الخراف، ودهش الأولادُ وهم يصطدمون بأجسام رهيفة، شفافة، كانت تدخل جيوبهم وآذانهم وأفواههم، وتثير ضجةً في خلاياهم، ثم راحت هذه الأجساد الرهيفة تستوي وجوهاً، ملأى بعيون وابتسامات وأفواه متفجرة باللغة، وبأقنعة من ورق الزهر سرعان ما تتمزق لتتشكل، وحلق يوسف مع أحدها، رأى رجليه ترتفعان عن الأرض فأطلق أول صرخاته، ثم راح يصعد ويصعد حتى رأى أفق البحر البعيد، حيث تبدو الجزيرة التي يجدفون إليها، ثم رأى غابة الأكواخ الواسعة، وميز الدخان الذي يتلون بين تلالها، والشارع الصغير الضيق الذي يحدها من الغرب، وكانت أولى الأضواء الخافتة تظهرُ فيه الآن··
 
وأحس بغيمة الضؤ والضباب تضغط عليه بقوة، وتلحس جلده، وتكاد تمص دمه، وبدأ يصرخ، وإذا بماء حلو غريب، وإذا بسقوط من شاهق، وثمة إبر تغوص في جسمه، وإذا به يتخثر، ويرى أشياء غريبة كثيفة، وأحس بغيبوبة··
 
وكان الأولاد يسابقون الأثير ويمتطون الريح للوصول إلى بيوتهم، ولكن لسعات المطر المفاجئ كانت تخترق سيقانهم وتباعد بين أقدامهم، وأمسكت قبضتان قويتان جوهراً· كان قد استحال إلى كتلة من الطين والتراب وبدا كشبح، أو كجسم غير مرئي يناديه رفاقه ويعرفون موقعه من أصواته، وفجأة تحول إلى عمود من نار، أو شعلة ضؤ طويلة كمسمار راح يحفر الأرض والسماء، وهو كان يراهم كأنه في طائرة محلقة بعيداً وهم يركضون تحته كدبابيس صدئة··
 
بعد ذلك صُب عليه بئر من ماء·
Page 2
(2)
 
لم ينتبه جوهر إلا وهو مرمي عند الأكواخ، وبدت السماء كغلالة شفافة نُثرت عليها فصوصٌ من الماس، وأبصرَ عاصفة الرؤوس وهي تمضي كنيزك من الضؤ والضحك، وشعر بجسمه جافاً دافئاً، وثمة طوق من الريش يحيط قلبه·
 
لم تزل اهتزازاتُ عمودِ النار تصطخبُ في جسده وروحه، ولا تزال كلمات الشبح تتغلغل في سمعه، وتتدفق في جريان مائي··كان الكوخ يتململ ويتنفس كلاماً، وإذا بالجريد يُظهر ثلة من الأشباح، ولكنها ذات أصوات آدمية، وسمع امرأة تلهج بالشكر:
 
ــ الله يعطيه العمر والصحة··
 
وإذا بصوت رجل يتصاعد:
 
ــ معجزة من الله··يد درويش بركة·· من يصدق إن أبنتي الراقدة شهوراً طوالاً متيبسة تمشي فجأة·· سبحانك يا رب!
 
ــ عندما نشرَ البخور وطار ارتعبتُ وكدت أموت··ومريم التي أهالها المنظر ارتعشت أول ارتعاشاتها··
 
ــ سبحانه على كل شيء قدير·· بفضل الله يا امرأة··
 
ــ ولكن ما بال أبنه يبكي··؟!
 
ــ أبن من·· الشيخ درويش ؟·· لعله خاف من انقلاب الدنيا··انظري الغيوم والمياه التي ملأت الأرض··!
 
واقتربوا تماماً من جوهر ولكنهم لم يروه، وفي أول الصف رأى مريم بوجهها المنير، وتطلعت فيه عيناها الواسعتان لكنهما لم ترياه، وخشى أن يتحرك من اتكائه على الخوص، فيصابون بالذعر، وسمع الأم تقول بوضوح:
 
ــ أحسستُ بأصابع تدغدغني يا أبا مريم·· واشتقت إلى الفراش فجأة!
 
ضحك الرجل:
 
ــ كفي يا امرأة··
 
ثم قال شيئاً لم يسمعه، ولكنهم ضحكوا ثم تعوذوا من الشيطان الرجيم بصوت مرتفع·
 
أنتبه إلى خطوات شاردة أخيرة من رفاقه، وابصر كأن نعالهم تطفح فوق المياه وأصواتهم وصورهم، ورأى يوسف معلقاً في الهواء كأنه يُمسك بيده طائرة ورقية، ثم شاهده وهو يترنح على كتف عملاقة، ويسقط على تل من الريش، وينهض ويجري فزعاً صارخاً··
 
ها هو يمزق الظلام والهواء ويقترب منه، فينهض لملاقاته، لكن يوسف حين أبصره استمر في إطلاق انفجاراته الصوتية المخيفة، ولاذ بالفرار·
 
سار نحو بيته·
 
ما زالت الأكواخ في أمكنتها، والنجوم بعدُ في السماء باقيةً تنثر سائلها الضوئي الشحيح، والأطفال بعد يبكون من نقص الحليب والحب، ودكان بوسمرة وحده الذي أشعل الضؤ وأطلق سراح الحكايات، وطريق العدامة الوحيد الذي يوصل إلى البيوت والبحر والموت، لم يزل ماشياً في ارتفاعاته ومنخفضاته المباغتة، وهو وحده يقوده إلى منزله··
 
عريشٌ ناءٍ تحت ثقل المساء، والمياه، وأبوه وأمه يغرفان السائل ويعصران الثياب، ويحدقان فيه متعجبين من هيئته·
Page 3
(3)
 
اتحد رأسُ يوسف بالفراش والأحلام والأصوات طويلاً· يهربُ من الوجه ذي القرنين الكبيرين، فيمتطي صهوة كبش، ويرفرف بأجنحة فراشة، والرجل العملاق يطارده في ممرات الشهوة والسكر والمال، ينحشر في كيس ويسقط في مياه تروح تطلق الفقاقيع والأسماك، وهو يفقد صوته وأنفاسه·· ويصحو على سريره الوثير، قربه إناء الحليب وإناء العصير، ونافذةٌ تطلُ على حديقة ملأى بالشجر والعصافير، ويهز رأسه مبعثراً حبيبات النوم وأجنحة الأشباح·
 
أمه تحدق به:
 
ــ ماذا بك يا حبيبي؟
 
يصرخ:
 
ــ قرفٌ من هذه المدرسة، ألا تسقط وتنهار أبداً؟
 
تجلس قربه، وتسرح شعره، وتهمس:
 
ــ بضع سنين وتصبح طبيباً··
 
ــ الليلة البارحة أخذتني الملائكة إلى السماء، أعطتني نوراً وكلاماً يا أمي·· ماذا أفعل بأوراق هؤلاء الأساتذة الحشرات؟!
 
يشرق وجهها، وتبتسم، تقول:
 
ــ يبدو انك حلمت كثيراً، العاصفة الغريبة البارحة··
 
ــ كنتُ في قلبها يا أمي، أخذني ماردٌ إلى قصر كبير مليء بالذهب والزمرد، أحجاره كبيرة مضيئة، انظري إلى أصابعي··
 
كان خيطٌ من رمل فضي متوهج يتساقط على كفها الممدودة، وتحدق فيه بانبهار وخوف، وتنهض صاخبة مرعوبة، وتتحسس جبينه، ثم تجري نحو الخارج عائدة بقرآن ومبخرة وتقوم بكنس العفاريت والجان عبر الدخان المتقلقل والآيات، فيشرب العصير بمهل ولذة·
 
في حشود الأضلاع والجدران والسبورات السوداء والطباشير وحشرجة اللغة جمع طابوراً من الصغار راح يروي لهم مغامرته في القصر المسحور:
 
ــ قال لي المارد أنت لا تحتاج إلى المدرسة، خذ هذه الكنوز من الزمرد وأصنع القوارب والبيوت والدكاكين واشتر النساء، هيا أنزل إلى الأرض التي مكنا لك فيها، أنت ونسلك إلى أبد الآبدين··
 
صاح طفلٌ بطول ذراع:
 
ــ ماذا يعني أبد الآبدين؟
 
أجابه آخر :
 
ــ يعني حتى الموت يا غشيم!
 
قال يوسف بغضب:
 
ــ خذوا هذه العملات الذهبية واشتروا السندويشات وإجابات أسئلة الامتحانات وصمت المعلمين إذا نمتم في الفصول، وشعر البنات، وغضب الأمهات··!
Page 4
(4)
 
صحا جوهر وذراع أبيه تمتد في خصره، فلم يستطع مسح عرق الحلم ولا تفجير فقاعات الكابوس، وأسرع بإلقاء قبضة ماء على وجهه، فتساقطت ألواحُ الملح، وروائح عمود النار، لم يكن في سمعه سوى هسهسة بعيدة غامضة لرفيف أجنحة، وأصداء انفجار وصراخ، وتحول رملُ الفضة الشاسع إلى تراب، وحديقة الذهب إلى نمل يقرص ساقه··
 
أسرع بركوب عربة أبيه ومضغ قطعة الخبز التي أعطتها له أمه، وكانت بها كرة صغيرة من الحلوى، وواجه عينَ الشمسِ المحدق فيه، والدروب المهتزة، ولسعات فالتة من سوط أبيه الموجهة للحمار، وتساءل: ماذا كان ذلك السحر كله، أين ذهبت النساءُ الحوريات، والسرير الواسع، ومخزن أكياس الأرز، ولمسات مريم؟
 
وكان الكون كله يتثاءب وينفض النعاس من عينيه، وتمتلئ المقاهي بطرطشة البيض، والدخان، واللغو، وراح يحمل الأكياس في العربة مع ساعدي أبيه المفتولين القويين، فينغمران في حشد السوق بين الثياب وصناديق الفاكهة، وراحا يزيحان الجمع صانعين خطاً متعرجاً من الفراغ الصعب·
 
وعند بيت كبير، في أزقة مختبئة في الصمت والسكون، أنزلا الأكياس ودخلا البيت، راحا يجمعان الروث من تحت الأبقار·كانت الرائحة العطنة هي هدية الصباح، تملؤه بقوة غريبة، ويجد في القمامة أوراقاً يحشرها بين ضلوعه، ويصنع هرماً من السواد والخضرة المتحدين، ويندفع في الأزقة محولاً الحمار إلى فرس، ويقذف المدينة وراءه مستقبلاً الحقول الجافة الميتة، يدس هدايا الثيران تحت أشجار الرمان، ويغذي أنساغ النخل المتيبس، ويعطي للبلابل بدلات الربيع··
 
لا يعرف كيف ظهرت وراءه خطوط الأولاد بفؤوسهم وأغانيهم وكراساتهم وبخيوط أحلامهم المقطوعة، وبأسمالهم التي يخجلون من الذهاب بها إلى المدارس، وبشظايا سبوراتهم المكسورة على رؤوسهم، وبتمائمهم التي تعدهم بالمراكز وبنات السلاطين وبفقء عيون الشياطين، وببول العفاريت المرسوم على أعناقهم··
 
لا يعرف كيف أخذه وهج السماد إلى المدارس السرية في الأزقة، ولجلسات النار حول حكمة الشيوخ وللكتب القديمة ولدكان بوسمرة ولطب الأعشاب وللجوع الصابر، ويعود في منتصف الليالي لمرقده، وللنهوض المبكر وذراع أبيه تتغلغل في ضلوعه، ويلتقط كسرة الخبز وليس فيها كرة الحلوى الصغيرة، وينطلق مع أبيه في دروب السوق، يضعان صناديق الدهن والسكر والشاي وأكياس الأرز ويوصلانها إلى تلك البيوت النائمة في السكينة·
 
وهو يحاول أن يقبض على تلك الحبال التي صعّّدته إلى السماء ويمسك أصوات السعادة وجبال الذهب، وليرقد مع الجنية أو حتى مع مريم التي شفيت من تيبس العظام، ويمضي في ليل العدامة الغارق في فحم الظلام، علّ حبلاً آخر حقيقياً يتدلى، وروحاً طيبة تأخذه إلى الحقول السرمدية للفضة، أو حتى إلى كهوف البحر الملأى باللآلئ، ولكن ذلك الدرب المعوج الذي يشق بطن الأكواخ إلى كتلتين مشويتين بالنار والسخام، ينتزعه من كثيب الحلم إلى فراشه اليابس··
Page 5
(5)
 
جلس الشيخ درويش في كبره بالكوخ محاطاً بضيوف متوارين كثيرين وبأصحاب وبرؤى، حتى أزدحم المكان· سمع أنيناً مؤلماً في غابة الأكواخ، وتخيل الخطى الواهنة نحوه في دروب المياه والحصى والنعال التي ستتقطع والولد المحمول فتأوه بحرقة·
 
تأمل: كيف احتملتُ كل هذه الحياة بجنب التراخوما والجدري والجواثيم التي تطبق على صدور النسوة، وتحيل نهارهن إلى هذيان من أجل الرجال، وصبرتُ في عريش مفتوح على جنون المطر وعرس الأرواح؟ لم أفز من الدنيا سوى بولد أُصيب البارحة في النشاط الغريب للسماء والأرض؟ أكانت الزوبعة وليدة صبوة شديدة من الأعالي لعناق أرض جافة ماكرة؟
 
نهض وهو شبه منحن من أثر الاتكاء على مساند منبعجة خاذلة، ودارت يده على مواعين الأعشاب، انتقت بضع زهرات، وقرأ آية ثم قصيدة حب، وخرج إلى السماء المفتوحة فرأى أصحاباً كثيرين يطيرون ونجوماً هي كرات من نار تتجنبها الأجنحة الشفافة لسكان الأكوان البعيدة·
 
قالت امرأته:
 
ــ لا يزال عدنان يرتجف·· لم يفد مرهمك يا شيخ!
 
قال في قلبه:
 
ــ بل لم يزهر حبك يا امرأة!
 
سمع الدبيب للمجموعة العائلية المتلاصقة التي تقـترب من بيته، فتح الباب مستقبلاً الصغير، ملتقطاً إياه من أذرع دافئة، وكان كرة من نار، سقاه الدواء· وصد قفص الدجاج الذي كان يقاقئ مذعوراً· وضع الرجل قطعة نقد صغيرة، فتقبلها شاكراً، وانحنت العائلة تحت أصابعه فسحبها خجلاً·
 
ما أن تجاوزت الأقدام العتبة، حتى هبت زوجته بغضب:
 
ــ ماذا بك يا شيخ تدوس النعمة، كانت الدجاجات سترمم عظام ولدنا!
 
ــ بل سوف تقتله وتملأك شحماً!
 
ــ تريد أن تقول أنك تفهم كل شيء وتعلم الغيب؟ ما أشد كفرك يا رجل!
 
ــ بل ما أشد طمعك!
 
ــ ظلْ هكذا في الفقر·· أنظر أين وصل تلميذك عبدون، هو الآن موظف مهم في الأوقاف·· وأنت مع هؤلاء وبين كل هذه الأكواخ!
 
ابتعد متألماً، صاح في روحه الوحيدة الهائمة في الصحراء:
 
ــ لا تذكريني بالتلاميذ والأصدقاء·· قبضُ ريح كانوا، خرقٌ ومواعين وخواتم، وليس ثمة لمسة من معنى أو جذر من فكرة، لا ترينهم في الحرائق والطوفان، كل الأيام التي زرعتُ فيها دمي في حدائقهم ذهبت هباء··!
 
سار في الدروب المعتمة، رأى كيف عاث المطر المجنون خراباً في الأكواخ، وفتح المستور من العشش التي تفترش الأرض، وهاهم غابة من الأولاد يتحلقون حول صحن واحد· وها هو بيت الغانية المهدم وقد هرب منه الزبائن!كيف يمكن أن يقضوا حاجة البهائم في هذا الخلاء، ستكون فرجة··؟!
 
وصاحت امرأتان دفعة واحدة:
 
ــ يا رجل·· هلا ساعدتنا قليلاً؟
 
اقـترب منهما، وأمسك كتلة الخوص والجريد المتشابكة وراح يرفع وساعده رجلٌ كان مع المرأتين، وحين غُرزت الكتلة في التراب، شاهدوا وجهه بوضوح، فقالت إحداهن بكسوف حقيقي:
 
ــ الشيخ··درويش ؟ معذرة··
 
رأى وجهاً حفرته السنون بمناجل الأخاديد وقد أطفأت قناديله ولم تبق سوى ذبالة تهتز من ريح الشهوات، ولم تستبقانه أو تعطيانه شيئاً بل دخلتا بسرعة وهن تتأوهان من الخجل·
Page 6
(6)
 
هو ربيعُ العدامة، بضعة غيوم حقيقية تجري في السماء نحو المجهول، وهواءٌ من الشمال النقي : لمساتٌ من الحقول البعيدة المتوارية، وبعوضٌ ينشطُ ويسافر من مستنقعاته، ورائحة عطنة مدوخة تتصاعد من تلك المياه الملونة الزنخة، والأكواخ مفتوحة، والساحات عامرة بالطبالين والراقصين والنافخين في الأبواق، والحلقات المنتشية تدور وتدور وتغني وتلف السماء معها، والزجاجات مغطاة بالورق وتندس بين الثياب وفي الجيوب وتنساب في الأكواخ وغرفها الملأى باللاعبين والمسامرين ومغنيي الأعواد الذين اتسعت عيونهم وصارت كفناجين القهوة، وبالبائعات اللاتي افترشن الأرض ورتبن بضاعاتهن وغدت الذبابات والأولاد زبائنهن الدائمين، وحشود النسوة والرجال الذين اصطفوا وتحلقوا حول الفرق··
 
يمشي بوسمرة كملك متوج بين اتباعه، تنفرج الصفوفُ حالما يقـترب، يتدافع الرجالُ والصبية لأخذ نعاله وأوامره، واعطائه كأساً من الماء أو سماع تعليماته لابعاد هذا الرجل عن صف النساء أو لجعل تلك المرأة تتستر· كل الطيور التي تحلق في المكان تأخذ الأذن منه، وكل الفرق التي تدندن وتعصف بطبولها تنتظر كلماته لتنشرها بين المغنين الراقصين والجمهور··
 
هيئته العملاقة، بطوله الفارع وجسده المفتول، ورأسه التي تتّوج عليها غترة ملفوفة بشكل غريب ملفت، تُشاهد من أول الحشد كحمامة مقلوبة، وهو يختار فرقته الخاصة، ويجلس على مقعده الوثير، تاركاً اتباعه ينطلقون في التفافاتهم التي لا تنتهي، وتمايلهم الشجي، هادئاً هدوءً كأنه في ملكوت، وسيجارته بدخانها المريب، تطلق أضواءً من عيونه التي تتكاثر، ومن جلده الذي يتسع ويتعدد كقشرة ثعبان تتهيأ للانسلاخ، ويكاد الناس يسمعون الطبول التي تصطخب في روحه، تتدافع منها آلافُ الطيور ويرهفون السمع إلى تدفق الشلالات الحارة القادمة من أفريقيا، وقوافل الجمال والرجال والنساء التي تشعل الصحراء بالحداء··
 
ينهض الحاج بوسمرة متجهاً بخطوات هادئة نحو الطبل الكبير، هذا الطبل الذي لا يستطيع أن يحيطَ به أو يتطاول إلى هامته الرجال، يحتضنه بوسمرة كولد صغير، محدقاً في الجموع بلا مبالاة، ومتناولاً عصاه، والجمهور كله يشد أنفاسه، والراقصون يخففون الوطء منتظرين صاحب الإيقاع الكبير، وتتعالى ضربات بوسمرة على ذلك الجلد المشدود، الذي تجري في حمرته وسمرته وبياضه قطعانُ الثيران المندفعة نحو الزرع والماء، تضجُ بالشهوة، رافسة تماسيح النهر الناهشة، معبدةً بجثثها الأراضي اللزقة الموحلة لحشود وسيول الكائنات آكلة العشب··
 
العصا واليدان والجسم وخلايا الروح كلها تهز ذلك الطبل، الجلدُ والطين والهواء والماء كلها تنتشي، ويتكاثر الناس وتصغر الأرض تحتهم، وتتحد سماءُ الربيع بالخوص والشفاه، ويمتلئُ الميدانُ بالراقصين الذين يكتشفون كثيراً من الأجساد الشفافة التي تحتضنهم، فيندفعون وراءها ويضعونها بين ثيابهم، وسيقانهم، فتأخذهم النشوات الكبرى، ويغتسلون بالعرق، وباللهب، فيرون أنفسهم في السماء وقرب خدود النسوة اللواتي تساقطت براقعهن، وانفجرت شهواتهن، ودخلن الحلقات متضمخات بعرق الرجال وبالعطور··
 
لم يواصل بوسمرة ذلك الاستدعاء الكثيف للجن، ولإيقاعات الطبول المجنونة ولنداء الأقاصي المشبوبة، ملتفتاً وراءه إلى الضجة التي أخذت تتصاعد في الصفوف الخلفية··
 
كانت نداءاتٌ غريبة وصرخات ، وبدأت تتميز أصواتُ الذعر النسائية الرهيبة ، التي أطلقت السيقان في الصدور، وفي أجواف الطبول، وفي أجساد الراقصين والمشاهدين، وراح البحرُ البشري يتداخل مع حطام السفن والسعف والجريد والعباءات والوجوه··
 
وقف بوسمرة بقوة أمام السيل المذعور، فأخذت الأجسام تتكسر على قامته، وراح الشيخ درويش يقرأ شيئاً ولكن عمامته ترنحت وماد جسدهُ مع قذيفة الأولاد القوية··
 
ورأى الناس يوسف يعتلي ظهوراً، ويلوح بسكين، وثمة صرخات عن ثور هائج رفض الموت في المقصب واندفع نحو الحياة والاحتفال، وفي غمرة الضجة المذعورة لمرآه كان يزداد انقضاضاً على الأجسام الرخوة الهاربة، ويلوح بها في الهواء، ويصطدم بالأشياء فتتهاوى وتتكسر···
Page 7
(7)
 
كانت ليلة الثور· العدامة كلها تضحك وتبكي وتأكل بنهم اللحم المجاني الذي كان يُشوى في الساحة، وقد خرجت الزجاجات بوفرة، وتسللت النسوة إلى الزوايا الخلفية للأكواخ، وواصلت الفرقُ الرقص والغناء في عمق الظلام وشحوب القناديل، وراح مخاوو الجن يتساقطون إنهاكاً من الرفقة الصعبة، وهم مغسولون بالعرق، تمتلئ أشداقهم بالزبد، وعيونهم سكرى بالحب والذهول والكشف·
 
يقف يوسف قرب الثور الذي صار ضحية للسكاكين والنار، ولجوع الفقراء الضاري، وحوله ثلة كبيرة من الأصدقاء الذين يتحدثون عنه للقادمين والآكلين، ويروون روايات مختلفة كيف أطبق على الثور في زقاق ضيق، واعتلى ظهره وغرز فيه سكينه واجتز رأسه، حينئذٍ كان الراوي يصرخ:
 
ــ لو رأيتم كيف تدفق الدم كأنه بئر··
 
كان آخر يقول :
 
ــ لم تكن سكيناً بل رمحاً، ولعلها سكين ولكنها بدت من الضؤ الذي يلمع في شفرتها الحادة كرمح عملاق، لقد كان الثور قادماً بكل رعونته وسرعته، بعد أن نثر وراءه الضحايا، و كأنه كان يبتسم وهو يرى هذا الشاب النحيف على رأس الزقاق، ساخراً من قدرته على صده، ولكن يوسف تركه يمر وكأنه مصارع ثيران ماهر، وأنقض على ظهره وغرز النصل في عنقه··حاول الثور أن يلقي بفارسه لكن الشق في العنق كان يتسع والألم يكبر، والخوار يتصاعد بحدة ورعب، وضربة أخرى كانت تُسدد وثالثة·· والثور يتهاوى ويترنح··معطياً لكم عمره··
 
لم يكن أحد يميز العظة والعظام بين كتل اللحم، وكان المشاهدون يتطلعون في الرواة لحظة وجيزة ويهمهمون بالإعجاب، وهم يقطعون قطعاً أخرى من اللحم، ويأتي آخرون ويحاولون زحزحة المستمعين الآكلين بصعوبة شديدة، حتى جاء بوسمرة وهمس في أذن يوسف ببضع كلمات استنفرت الثلة، فظهرت أطباق وامتلأت باللحم واندفعت إلى النساء والفقراء في البيوت والمقعدين والمرضى، وراحت الثلة تزحزح المتفرجين الفضوليين والشباب المتأنق اللاصق في النسوة·
 
لم يذق جوهر اللحم ومضى في منعطفات العدامة، محدقاً في القمر الكبير الذي صعد من وراء الخوص والبحر، سائراً في السماء بقرنيه الكبيرين ووراءه حشد من الأغنام والثغاء، وراح يتساءل لماذا لم يقم هو بقتل الثور، وذاب في المتفرجين البلداء؟
 
وحاذته مريم ورأى كم غدت جميلة مبهرة بوجهها، ورمقها بحزن وهي تسير نحو الثلة، وترنو إلى يوسف، الذي يلتفت إليها ويمضي في أحد الأزقة لتتبعه· أخذ حصاة وحين أراد أن يقذفها في وجه القمر، تعبت يده بغتة وسقط الحجر على قدمه!
Page 8
(8)
 
مشى الشيخ درويش على الساحل المتعرج المعتم· كان البحرُ لا آخر له، والحي يمتد إلى ما لانهاية، ورأى تلك الخطوط الضوئية المتكسرة ثانية وهي تمرق على شاشة الوجود، كتابة غريبة مرسومة بحروف لم يحلها بعد، وهي سهم ناري يتوجه إلى الأكواخ ثم ينشطر كنافورة من الفضة والريش·
 
تأمل أمعاء سمكة مرة فوجد ألواناً غريبة· كلم البحر طويلاً ففاضت المياه بجثث السرطانات والسمك·
 
كانت العدامة مستنقعات من السوائل والتلال الرملية والقبور القديمة، وحين جاء جده مرجان وجدته سارة، من الجزر الصغيرة المتناثرة، ومن المغاصات الضائعة في مياه الخليج، ومن الحقول الميتة والأودية المجدبة، ومعهما حشدٌ من الغاصة، جففوا المستنقعات من الحيوانات المتحللة و ملأوا المياه الزنخة بالرمال وغرسوا النخيل، واجتثوا التلال والقبور وزرعوا الأكواخ على مدى النظر··
 
غطسوا في المياه واحضروا الدانات والزجاجات والمياه الحلوة والأولاد· كانت العدامة كلها تمضي إلى البحر والسمك والموت والميلاد والبراري، وتتسلق النخل وتتقاسم الرطب والتمر والشاي والحليب والمرايا، ولا يزال يحتفظ بنقودها الحديدية والحجرية، وأوراق ذكرياتها وحكاياتها··
 
كان الطفلُ يُولدُ للأرض والبحر، وأثداءُ النساء تُعطي الحليب لغابة الأطفال كلها، وثمة الخزنة الكبرى في بيت جده التي توضع فيها كل ثمار النخل والبحر، وهناك الكوخ الملون الذي يحوي كل الورق الذي ألفه الأسلافُ، وينشأ عليه الصبي متفتحاً بين قراءة النجوم وقيادة الأشرعة في اليم وانتزاع الحصوات من الكلى والأرواح··
 
وكم حاولت قبائلُ الصحارى الضارية أن تقتحم الجزيرة، تحدوها تلك الأسطورة بالحصول على خاتم سليمان في تلك الخزنة الكبرى، والآن هو يسمع قذائف سفن البدو وهي تتساقط على الأكواخ والرؤوس، ويرى محاربي العدامة وهم يشقون المياه والأجساد والأطواف مقتحمين السفن والنيران··
 
الآن يبصـر البحـر وهـو مشتعـل وجثــث المحاربـين تطفــو والنـساء والرجال ينظفون المصائد من الرؤوس والأيدي المقطوعة، ويزيحون الأصابع البشرية من بطون السمك المشوي، ويضيفون إلى الورق حكايات جديدة، ويعلمون الصغار السباحة وسط النار، ومرجان وسارة يسلمان الخزنة إلى وجوه جديدة، ويأتي زمنٌ غامض وأناسٌ غريبون تتوارى فيها الخزنة ويندر الورقُ والحكاياتُ وتعود المستنقعات، ويبرز سلمان الميسري ولا أحد يعرف كيف أمتلك كل أرض العدامة وبساتينها وحقولها ومصائدها، وجفف الحليب من أثداء نسائها، وحشر بضعَ صغار في الكتاتيب، ونشر الدخانَ الغامض في غرفها··
 
يقول بعضُهم إن سلمان أخذ الرجال الكبار إلى رحلة وأسكرهم ثم قطع رؤوسهم، ويقول آخرون إنه أغراهم بلعب القمار فراح ينتزع أرض العدامة شيئاً فشيئاً··
 
حاول هو أن يبحث عن مكان الخزنة القديم والكوخ الملون، فراح يحفر في الأرض ويهيل التراب فجاءه حرسٌ وأشبعوه ضرباً·اكتفى بنقل ورق كثير من الناس وحفظه في بيته وقد غطى كوخاً بأكمله·· وذهل من الخرائط والرسوم والحبر الكثير المراق على الحكايات والشعر ورسم الأجساد والخلايا والعروق وطبقات الأرض الغريبة وجذور المستنقعات وأصول الأرواح··
 
الآن وهو يتجنب أجساد الحبارات التي أعطت الماضي دمه وحبره، يتساءل متألماً: من سيحفظ هذا الورق كله، ألم يحاول محمد الماس أن يضع كتلاً أخرى منه في صناديق حديدية ويخبئها تحت الأرض فوجد ميتاً وقيل إن الصناديق ملأى بالرماد؟
 
كان يتراسل معه عبر شهور، والرجل يسبح في مياه فسفورية محاطاً بقروش البحر، وبأسياخ صدئة أقامها القراصنة لحبس روحه عن أن تفيض، وكان محمد الماس يهذي ويصطخب ويفور مع غضب البحر، باعثاً له إشارات عن موقع الخزنة الكبرى والورق، لكنه تعب في فهمها··
 
يصلي ويملأ القارورات بالدم والمياه والألوان ويكتب في هطول المطر العاصف على السعف، وفي الحر المجنون الذي يوقظ كل البعوض والأشباح والجن في المستنقعات، ويجمع الصغار لفك طلاسم الورق، ويملأ علب الأدمغة المعدنية الفارغة، ولكنه يظل وحيداً في العدامة وروح الماس تفيض عليه مثل ومض النجوم المحتضرة··
 
ينظـر إلى أخطبـوط معدني هائل جاثم في المياه البعيدة، له عيون مضيئة، وألسنة ممتدة إلى المياه وأصوات مخيفة وهو يشرب البـحر··
Page 9
(9)
 
كانت الظهيرةُ ساخنةً مشتعلة، لم تترك الشمسُ عصفوراً حياً في الظل، وتصاعدت أبخرةُ المستنقعات وشواظ لهبها المتواري، ووجد أبو سمرة نفسه في الدروب يكلم الحصى والجريد، وسرعان ما يلوذ الصبية المعسكرون في الظلال بالهرب حالما يرون قامته العملاقة على رؤوس الأزقة، ولكنه لم يكن يدري بهم، ولا يدري أين يذهب وماذا يفعل، وصورة مريم تناوشه كمجموعة من النحل الذي يصنع العسل والنار·
 
منذ أن رآها في ليلة الثور، أصيب بلعنة مراهق متأخر، فراح يدور حول بيتها، ويتساءل كيف أصبحت حلوة بهذا الشكل، أهو سحر الشيخ درويش الذي انتزعها من نومة العظام المتيبسة أم هي الأرواح التي زارتها؟
 
وكان يكلم أخوتها وهم يلعبون عن لعبة الخشب التي يجرون فيها متحدين الطيور والأنوار، وهم يتركونه ولا يزال يثرثر وحيداً، حتى عزم أن يحدث أباها بشأنها، ولكنه خجل أن يواجهه بسنه التي لا يعرف أحد في العدامة متى بدأت، وبهروب النساء المستمر منه، وأخرهن شماء التي هربت في ليلة العرس غير قادرة على تحمل ذكره·
 
كانت تصيح، وظن البعض إنها كانت تستمتع، ولكن حين كسرت الباب مندفعة بين ثلل الطبالين والمغنين شبه عارية وتنزف، مات الغناء على باب غرفة العرس·
 
رأى باب بيت الشيخ درويش يناديه، ورغم مشيه إليه كان الجلوس مع الذكور يضنيه ويصيب قلبه بالصدأ والحموضة·
 
قال للشيخ الذي أسرع باستقباله:
 
ــ أصابتني عينٌ··
 
تمعن الشيخ في جسد بوسمرة المتهاوي، ورأى كم شاخ الرجل دون أن يظهر شيءٌ على هيكله الحديدي، وحزن لأنهم كهول ويغرقون في مستنقع العدامة الخفي عائدين إلى أسلافهم تاركينه في لحظة شواء بشرية··
 
قال بوسمرة:
 
ــ يوسف·· يبدو إنه سيأخذ كل شيء··
 
كانا في غرفة الورق التي تئز بالأشباح والعيون، وصاح بوسمرة فجأة:
 
ــ ولكنني لا أستطيع أن أصبر!
 
قال درويش في نفسه: هل يظن إنني أستطيع أن أصنع حجاباً لأجعل زهرة تلتف بجذع؟!
 
حدس أبو سمرة بذلك وقال:
 
ــ يوسف يا شيخ يقوم بأعمال غريبة، حول أحد البيوت إلى خمارة، ويقوم بسحب سوائل المستنقع المتعفنة ويبيعها على الأغراب؟!
Page 10
لم يكن الشيخ يجهل شيئاً، إلا سر هذه المياه الغريبة، ومدى العشق المتطاول في روح الكهل، واندفع لسانه في درب غريب لم يرده:
 
ــ ماذا تريد من الحياة أيها العجوز المتصابي··؟ ألا تكف عن ملاحقة البنات الصغيرات؟!
 
تطلع فيه بوسمرة بذهول:
 
ــ ماذا تقول يا شيخ؟
 
وحاول درويش أن يجر اللغة إلى الدروب الرصينة المألوفة لكنها ككبش أحمق راحت تنطح الصخور:
 
ــ هذه فتاة جميلة يليق بها فتى ساحر، وأنت خطوة والقـبر··! يكفي إن ذكرك هرّب أربع نساء ومزق خامسة أصيبت بالجنون··! أنت حيوان!
 
كان جلد درويش ينتفض أكثر من انطفاء الشريط المعدني لوجه بوسمرة، ويشعر إن ثمة مساً أصابه، فكيف تلوذ الكلمات عن خيوط عقله الصارمة وتندفع في جهات غير مألوفة، وتنزلق إلى الحفر الملأى بالثعابين والعقارب!
 
قال بوسمرة وهو يكاد أن يبكي:
 
ــ جئتك لتحضنني أو تعزيني ولم أحضر لتذبحني!
 
راح الشيخ يصرخ:
 
ــ أصمت أيها العجوز ودع الرمل يهال عليك، ماذا فعلت لهذا الحي غير أن تضرب بطبلك وترقص وتجثم في ليالي الدكان تروي الحكايات قبل النوم!
 
كان يريد أن يضع يده على فمه، كان الشيخ يشعر إنه ليس هو الذي يتكلم، هناك أحدٌ ما أحتل جسده، وراح يشير لأبو سمرة إلى داخله، لكن الآخر نزلت على عينيه سحابات سوداء وطيور زاعقة، وراح يجمع شظاياه وبقاياه المتناثرة في الكوخ والدروب وعند الأولاد، ويقول بهمس أخذ يتصاعد:
 
ــ ماذا أذل الرجال غير··الجلد الملون الناعم·· والذهب··!
 
وهو يخرج بدا له إنه يرى شبح يوسف يدخل إلى الكوخ·