eKtab
EN ع
ساعة زوال
Read free sample

ساعة زوال

by محمود الرحبي

Page 1
ساعة زوال
 
1
 
وقفت طويلاً أرقب المشهد، وقد ملأ الهدوء الثقيل المكان حولي بالسأم والترقب، السيارات تهوي على عيني بأضوائها، وأنا ما زلت أرقب كل ذلك وحيدا، وقد تصاعد الفتور إلى رأسي بعد أن يئست من إيقاف أي منها، فقد رفض أصحابها الاستكانة في مثل تلك الساعة من الليل في مكان منزو وبعيد، ثم أسلمت ظهري للشارع وأمعنت نظري في جدار أمامي تحولت فيه السيارات إلى مجرد ظلال هاربة.
 
صفعات رشيقة تتلاطم على الجدار دون أن تخدشه، ضربات لا تجني أثرا الواحدة تلو الأخرى وفي أعداد بدت لا نهائية، شرعت في عدها إلى أن داعب النعاس أهدابي، ثم رأيتني أحني الكرسي ورائي وأغوص في بطن سيارتي، رفعت زجاج النوافذ وأكملت مسترخياً النظر في المشهد الظلّي على شاشة الجدار.
 
كان الأمر شبيهاً بصفعات تحدث في حلم لا تلبث آثارها أن تنمحي....
Page 2
2
 
سمعت طرقات على زجاج النافذة، فذهنت والنعاس يطوق جسدي بحبله الثقيل..
 
- لماذا تنام في بطن سيارتك وبيوتنا قريبة؟ لو طرقت بابي القريب منك وفي أي وقت من الليل لوجدتني صاحيا وفي استقبالك، ولقضيت وقتا ممتعاً معي، عوض النوم وحيدا في قلب الظلام، بلا أنيس أو غطاء.
 
- لم يقف لي أحد، طوال الليل وسيارتي معطلة وأنا متصلب كالخشبة في وجه الهواء، لذلك اخترت النوم في جوف سيارتي منتظرا الصباح.
 
- لا عليك، اهبط من سيارتك وأغلقها جيدا، ثم اتبعني إلى بيتي، ثم إنني أحتاجك في أمر.
 
دخلنا.. كان بيتا شعبيا وبسيطا في قسماته وتوزيع غرفه، ورغم ذلك بدا منظما ونظيفا بسبب خلو أرضه من الغبار ونتف الأوساخ الخفيفة التي تستقر على العتبات في مثل هذه البيوت العتيقة المفتوح بهوها على الشمس وما تأتي به الرياح.
 
- كما ترى فأنا أعيش وحيداً. كنت في البحرين، أعمل خبّازا، وحين رجعت اشتريت هذا البيت، وهو خاو، وفي البحرين لم أجد زوجة ولم أفكر بها، ولكني الآن أحتاج إليها في وحدتي، ولأني غريب وغير معروف عند أحد ولأني أصبحت عجوزاً أيضا ونصف فقير لم أجد زوجة، لذلك فإني أحتاج إليك في أمر.
 
كان من أولئك الناس الذين يجيدون الكلام، حديثه المتسلسل يسيل عذوبة في مجرى حلقه الضعيف الذي تعكس تفاحته القلقة نحول بنيته، الأمر الذي قطع تأملي في تفاصيل البيت، فأنا حتى هذه اللحظة لم أكن قد نطقت سوى بكلمات يسيرة، خرجت خافتة ومعتمة من بين شفتي، فالهدوء المسالم كان يسيطر عليّ ويصدّني عن الكلام، ولكنه حين كرّر عبارته (أحتاجك في أمر) أحسستُ رغم التعب الذي أحدثته تلك النومة العوجاء والقلقة في جوف سيارتي، بحيرة تخز رأسي، ما فتئت وأن توهجت وكأنما جسد ضرير يرفس في دخيلتي، لأجدني أركز نظرات مستغربة على عينيه وأتابع سيرهما وعلى أي شيء ستسقطان من جسدي، وحين أوشكت - وقد اعترتني مسحة من اطمئنان- على تحريك لساني المضغوط بالصمت، بادرني بالنهوض ليختفي طويلا في إحدى الغرف.
Page 3
أكملت تأملي للبيت، مداخل الغرف التي بلا أبواب، السلم الحجري الصاعد طوليا بلا انحناءات والذي يفرض على من يصعده – حتى لا يسقط هاويا على ظهره – بأن يصعده مربوعاً مستعينا بيديه ورجليه أو متشبثا بأغصان شجرة غاف تداعب الريح رأسها المشرع للسماء.
 
لكن عبارته الملتبسة (أحتاجك في أمر) ما فتئت تتوهج وتخفت في رأسي لتقطع علي أي تأمل هادئ تترجمه عيناي، فأي أمر مهم يحتاجني إليه رجل أراه لأول مرة؟
 
هل أرادني فراشا تحت جسده؟ أم غطاءً فوق ظهره؟ فهو يعيش وحيدا.
 
و هل علي الهرب أم انتظاره قليلا لأتيقن من شكوكي؟ كان جسدي يستجيب لنقرات تلك الأسئلة في هيئة توثبات خافتة تحفزني على الهروب ثم على الثبات مطمئنا في مكاني، وقد ظللت صريع حيرتي تلك، إلى أن برق تسبقه ابتسامة وادعة تحوم كفراشة بيضاء حول وجهه، وصحن به طعام وإبريق شاي وكأسان:
 
- لقد تعودتُ على فعل كل شيء بمفردي، كانوا يسمونني في البحرين بالطّباخ الأعمى، هل جربت أن تطبخ وأنت مغمض العينين طوال الوقت، أنا كنتُ أفعل ذلك أحيانا لأتسلى، فحين تعيش وحيدا عليك أن تبتكر أشياء تبعثر بها وحدتك، لذلك أشتاق كثيرا أن يكون لي أبناء رغم خوفي من ذلك في هذا العمر، فكل يوم يخرج فيه عشرات الأطفال تتبعهم عشرات الأسامي، ولكن من يهتم؟.. إن الآباء وحدهم من يحملون وزر كل ذلك، وكان هذا أكثر ما جعلني لا أفكر في الزواج. ولكن لا بد في النهاية من ذلك ولابدَّ كذلك من أطفال، فمهما صبرنا عنهم فإنهم سيتبعوننا حتى ونحن غاربون إلى القبور. ألم تسمع قصة الصياد وذئبة البحر؟ إنها قصة حقيقية، مازال بعض أصحابها يعيشون بيننا.
 
صَبَّ لي كأسا ساخنا ثم عدّل من جلسته وأفرد وركيه ونبس كلامه باسترخاء، مسرحاً عينيه وكأنما يملأ حديثه من بركة غائرة في النسيان:
 
كان هناك صياد أفنى حياته في البحر، ولكنه حين كبر ألحّتْ عليه رغبة الزواج، فتزوج من ابنة صديقه، وبعد ذلك ألحّتْ عليه رغبة في أن يكون له ولد، انتظر طويلا حدوث ذلك، إلى أن جاءه اليوم الذي حبلت فيه امرأته، فأحس حينها بأنه بدأ يعود للوراء، إلى سنيّه الغاربة، فملأت القوة جسده والأمل بحياة أطول.
Page 4
ملأ لي كأسي الذي بدأ يفرغ، ورفع إلى فمه قطعة خبز مملوءة بالعدس:
 
- أنا أفطر بالعدس كل يوم، لقد تعودت ذلك.
 
مضغ اللقمة وبلعها متمهلاً، ثم رفع رمشين شاردين، وأكمل:
 
وحين بدأ الطفل يمد رجليه ويتعلم المشي، أخذه والده في رحلاته إلى الصيد وكان برفقتهما أحد أصحابه، ثم أحنى رأسه متأملا وأغمض عينيه قبل أن يفتحهما في وجهي على سؤال مفاجئ:
 
- هل تعرف القرش الأبيض؟ (لم ينتظر إجابة مني حين أكمل حديثه فجأة):
 
- إنها سمكة مفترسة، يسميها الصيادون بالذئبة، وهي تخيفهم، وتوصف بالمكر وحِدَّة الذكاء في افتراس ضحيتها، وحين تجوع فإنها لا تنثني عن أكل بني جلدتها وأحيانا عائلتها، هذه الذئبة حين تقترب من قوارب الصيادين فإن الحيلة الوحيدة التي يحتالونها للنجاة من مخالبها القاتلة، هو أن يتجمدوا في أماكنهم، فلا يحركون ساكنا لأن أي نأمة ستجعلها تهجم على القارب وتفترس كل لحمة نية تتحرك بالقرب من فكّها.
 
أتمنى ألا أخيفك بحكايتي هذه، فنهايتها حزينة كالموت الذي يتبعنا، فجميع هذه البشرية كما تعلم ستنتهي إلى نفس المصير، وهم فوق ذلك يتصارعون! أليس في النهاية ذلك القبر اللعين هو من سيحصد كل شيء؟ ثم طير شروده فجأة، كمن ينكش ذبابا يحوم حول وجهه، وتفرس في وجهي متمعناً وكأنما ليتثبت من انعكاسات كلامه عليه، قبل أن يكمل:
 
ولكن ذات يوم حين كان الصياد وصديقه وابنه يجوبون بالقارب، أحس الطفل برغبة في التبول، فرفعه الأب على حافة القارب وسحب له ثوبه، وفجأة فطن صديق الصياد لقدوم الذئبة، فأمر صاحبه أن يتجمد مكانه رافعا الطفل، وكان لحظتها وجه الطفل يقابل وجه أبيه، حين حدثت الفاجعة وهجمت الذئبة وسحبت النصف السفلي لجسد الطفل، فتجمدت إلى الأبد نظرات الأب، أمام ذلك المشهد العنيف.
 
"قصة مؤذية".. أخرجت عبارتي تلك فبدت كالصرخة بسبب صمتي الطويل فاستقبلها العجوز بارتباك محرج:
 
- انْسَها أرجوك أو اعتبرها واحدة من القصص التي نسمعها كل يوم في النشرات الليلية.
 
– لا عليك أكمل، يهمني متابعة ما سيحدث.
Page 5
ما حدث بعد ذلك هو أن الصياد بعد أن رأى مشهد ابنه ذاك، أصيب بالخرس، وصعقته نوبة من الجنون الصامت، فلم يعد يُرى في البلدة إلا هائما على وجهه، لا يلوي على شيء، ولكنها لم تمض إلا أيام قليلة حتى علم الناس أن قاربه اختفى من أمام البحر، بحثت عنه عائلته وأهل قريته ولم يجدوه، فأيقنوا أنه قد ضاع في البحر أو رمى نفسه فيه واضعا حدّا لعذاباته، ولكنه ما لبث وأن ظهر بعد أيام رافعا الذئبة بين يديه، وقد نهش بأسنانه الغاضبة لحمها نيا، ولم يعش بعد تلك الحادثة أكثر من يومين، لقد انتقم لموت ابنه قبل أن يتبعه.
 
- قصة مؤلمة وعجيبة.
 
- ألا ترى معي بأن الصّياد انتظر الطفل كثيرا وحين جاءه متأخرا، كان سببا في جنونه وموته، رغم ذلك فهي كائنات لا بدَّ منها، لتملأ علينا هذه الحياة القاحلة.
 
والآن سأخبرك في ماذا أحتاجك، ولكني أطلب منك أن تخدمني، ربما ستتهيب لأنك لا تعرفني، ولكن صدقني فإنَّ جميلك لن أنساه، فكما ترى فإني وحيد، وغيابي الطويل في البحرين حرمني العائلة والأصدقاء، ولا أظنّ بأنني سأجد امرأة تقبلني بسهولة ولم يبق من أسناني إلا كما ترى..
 
فتح في وجهي الصفين الأماميين لبيت أسنانه، كان خاويا بالفعل فلم أرَ سوى ما يشبه كهفا ضيقا تنبو منه صخور صغيرة ولسان.. سألته:
 
- هل بحثت جيدا؟
 
- نعم، وجدت فتاة صغيرة، وجهها يغار منه القمر وهي مستعدة للزواج مني.
 
شعرت في تلك اللحظة بعدم جدية وجودي أمام هذا الرجل، وأني أضيع وقتا طويلا تاركا سيارتي المعطلة تغرق وحيدة في الشمس، ولكنه ما لبث وأن بادرني بكلام حاسم مبددا كل ذرة شكَّ من شعوري الفاتر.
 
- لا يذهب بك الظن بأنني أمزح، فما أقوله قد حدث. لم أجد إلا هذه الفتاة، ووالدها مستعد أن يزوجني بها وبأقل المهور، وأريد منك فقط أن تكون شاهدا على ذلك، إنها من قرية طيبة وأهلها كذلك، ولكن الشياطين لا يتركون أحداً وشأنه.
Page 6
صمت فجأة، وتفرس في وجهي وكأنه يبحث عن زاوية مطمئنة يمكنه أن يفرغ فيها سرّه، وحين اطمأنَّ، نبس بنبرة حذرة:
 
- لا أعرف إن كنت ستوافق على مرافقتي إلى السجن.
 
- إلى السجن؟!
 
- اسمع. تستطيع أن تنسحب وبسهولة، وليس من داعٍ أن أكمل لك قصتي، وأعلم كذلك أن هذا لا شأن له بضيافتي لك، لقد رأيتُ رجلا ينام وحيدا أمام بيتي، ومن واجبي أن أساعده. تستطيع أن تنصرف في أي وقت تشاء وكذلك تستطيع أن تزورني في أي وقت.
 
- لا عليك يا عمي.. لا عليك، أنا مشوش قليلاً.. اعذرني، فمنذ أن دخلت بيتك وأنت تفاجئني بأمور غريبة، والآن تريدني أن أرافقك إلى السجن.
 
ذات يوم حين كنت في البحرين، وأنا منشغل بإلصاق العجين في فرني الملتهب، وكان الوقت يزحف بطيئا،اقترب مني ظلّ وغطى فوهة الفرن، وحين استدرت لأرى القادم، وجدت وجه فتاة تفور من سحنتها هالة من الضياء، كان جمالها لا يقاوم حتى إنَّ ريقي سال كثيرا في حلقي الجاف، بعد ذلك حدث الكثير، ولكن في ساحة الصمت وحدها، تصور معي أن يشرق يومك على وجه كالذي رأيت، لا بد وأنك ستصمت طويلاً متأملاً وحائراً، ثم اختفت فجأة ولم أرها بعد ذلك، ولكن وجهها ظلَّ يطاردني مثل صورة بقيت طويـلا معلقة أمام عينيّ فلم أستطع النوم، وظللت أنتظر أياما وفي الموعد نفسه، علّها تبرق فجأة، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، كنت حينها شاباً، ولكن الأمر العجيب والذي لم أتبينه إلا حين وطأت تراب بلادي، بأنها بإطلالتها المفاجئة تلك، قد أغنتني طويلا عن كل امرأة! كانت هي امرأتي، وكانت تأتيني كل ليلة بعد أن أغفو، وتنام إلى جانبي، ولكني حين أصحو في الصباح لا أجدها، لقد ظللت وفيا للقائنا الأول ذاك، ولم أصحُ من سحرها إلا حين تنفست هواء بلدي، حينها فقط اكتشفت أن أيامي قد عبرت طويلا ولكن في إثر حلم.
 
(ارتخت ملامح وجهي وانفرشت في داخلي مسحة باردة من الترقب والانتظار لما سيأتي من حديث).
 
- ستسألني عن علاقة كل ذلك بامرأة في السجن، وسأقول لك بأن الأمر لم يكن سهلا في بدايته، فقد واجهتني صعوبة في الاقتراب من السجن، وبالأخص سجن النساء، لقد بدا لي ذلك السجن شبيها بالقصر المنيع الذي لابد من حيلة لدخوله، ولكن قصة قديمة سمعتها في صغري سهلت لي المهمة كثيرا:
Page 7
3
 
يحكى عن حسناء يحيط بها حرس شديدو البأس، كانت تخطو يوما بجانب سور قصرها، رآها أحد الفتية فاستقر حُسنها في رأسه ملهبا قلبه بجذوة ما فتئت تشتعل كل يوم، فتاهت روحه وأدمنت عيناه الشرود، فرآه صديقه على هذه الحال وسأله وموجة من الحيرة تتلألأ في عينيه.
 
- أرى أن حالك يتغير وأخشى أن يحل بك الذبول.
 
- لقد أصبتُ يا صاح، أصبتُ في قلبي ورأسي وعيني.
 
حاول الشاب وصاحبه أن يقتربا من قصرها، ولكن شدة الحراسة ومنعة البناء لم تسمحا لعيونهما أن ترى سوى صورة الأسوار الصماء.
 
- يا صديقي سأجد لك حلاّ لا ريب، ولا بدَّ أن تراها وإلا حلَّ بك الجنون.
 
غاب عنه صاحبه أياما وهو يبحث ويسأل، ثم عاد إليه وبريق الحيلة يشتعل في عينيه.
 
- اسمعْ يا صديقي، وجدت حيلة تمكنك من رؤيتها، وما عليك سوى تنفيذ ما أطلبه منك، وأول ما أطلبه هو أن تنهض سريعا.
 
- إلى أين؟
 
- لنخطب لك أمها، فهي لن تقاوم إغراء الشباب، بعد أن تركها زوجها وحيدة ردحا من الزمن.
 
- هل جننت؟ أتريدني أن أتزوج من أمها وقلبي هائم بابنتها؟!
 
- لا تتعجل، فليس هناك ما سنخسره، لدي خطة ربما ستمكنك من محادثة الفتاة، علينا فقط من أجل ذلك أن نطرق كل الأبواب، ونساعد القدر في مسيرته.
 
اقتربا من بوابة القصر، وأخبرا رئيس الحرس بأنهما يودان محادثة الأم في أمر لا يحتمل التأخير، تركهما الحارس بعد أن رشقهما بنظرتين جامدتين. وفي غيابه وجدا بساطا سانحا لرؤية كل شيء تقع عليه أحداقهما المتعجبة، تفحصا الألوان ومداخل الزوايا حيث ترتعش ظلال الأشجار والطيور الهاربة، ظلال مترددة تخادشها أصابع الضوء، وعلى حواف السواقي كانت بعض الفراشات تعارك أعشابا نائمة، وفي الأعلى حيث تشهق أعمدة سور القصر، رأيا حجم الرؤوس الحديدية المسننة في وجه الشمس.
Page 8
اقترب الحارس منهما وهو يرسم في وجهه علامات الترحيب المتكلفة، ثم قادهما إلى صالة ضخمة وأمرهما بالانتظار حتى تأتي سيدة القصر، كانت صالة عريضة جدرانها تنطق برسومات لطيور عملاقة، وتتدلى من السقف ثريات ترش المكان بانعكاسات أضواء الشمس المطلة عبر صفوف الأشجار التي تناطح فروعها وأوراقها زجاج النوافذ المصفوفة في جهات القاعة، ثم ظهر الحارس مرة أخرى ليخبرهم بأن سيدته تنتظرهما في البستان، ثم أشار إليهما أن يتبعاه، دخلا ممرا طويلا أرضه معشبة وتتدلى من جوانب سقفه رؤوس أزهار وأعواد خضراء تتسلق منها أعمدة القرميد مرسلة أطرافها بكسل جهة الشمس، ثم ظهرت بعد ذلك منعرجات البستان، فاستقبلت أعينهم صفة من الأطيار، ونافورة صيغت من المرمر الهادئ يعلو من جوفها قوس من الألوان مصبوغة بالمياه المتصاعدة بغنج، وفي مصطبة تقابل تلك النافورة، اقتعدت سيدة القصر فاقتربا منها وسلما عليها، حيَّتهما بدورها وأجلستهما بجانبها وانتظرت حديثهما، فبادرها صديق العاشق بحديث متتابع،خرج خافتا ومنتظما من بين شفتيه:
 
- سيدتي.. هذا صديقي، لقد رآك يوما في السوق فهام بك، أذبله الوجد فجئت به إليك لتنقذيه، إنه يريد الزواج منك.
 
كان العاشق لحظتها منكس الرأس وقد استقرت عيناه على نقطة في الأرض وغاصتا فيها.
 
- هل صاحبك متيم بي أم بشيء آخر؟
 
- ماذا تعنين سيدتي؟
 
- ألا يمكن أن يكون متيما بهذا القصر، وأرادني عتبة للدخول إليه؟ اعلما بأن ألاعيبكما هذه لن تنفع، وما أنتما إلا محتالان، وأطلب منكما الآن أن تخرجا سريعا من بيتي.
 
في تلك اللحظة ظهرت الفتاة، بقوامها وحسن طلعتها، هنا ارتفعت عينا العاشق، لتلتقيا بعيني الحسناء وتموجا طويلا وتبحرا، أمرت السيدة ابنتها أن تنسحب، وأومأت إلى الحارس بأن يخرجهما، لكن الشابين رغم ذلك، ظلا مرابطين أياما وأشهرا أمام القصر، و قد نصبا خيمة هناك، وفي كل مرة كانا يقتربان من القصر والحرس يطردونهما، إلى أن تعبوا وأخبروا سيدة القصر بأمرهما، فظلت تراقبهما أياما قبل أن تأمر بإحضارهما:
 
- قل لصديقك الخجول هذا بأن العشق قد غار عميقا في قلبه، وأن نحولا لا يتحمله الموت قد لعب به، قل له بأني لن أجد محبا لابنتي خيرا منه.
 
ثم نادت على ابنتها أن تتقدم، فرفع العاشق عينيه وقد أشرقتا حتى العظام الغائرة لوجهه وتصاعد الهواء إلى صدره ووجنتيه.
Page 9
4
 
وأنا استخدمت شيئا شبيها بهذه الحيلة، فلم يكن سبب تفكيري في امرأة من السجن مصادفة، لقد ساعدني في ذلك صديق من الذين جاءوا قبلي من البحرين، عرفت فيما بعد بأنه يعمل في السجن المركزي فزرته في بيته مرات كثيرة وكررت عليه الزيارات، وفي إحداها دار بيننا هذا الحديث:
 
- ماذا تنوي أن تفعل في حياتك؟
 
- بيتي خاوٍ كما تعلم ولا أحد يعرفني، فقد غدوت مسنّاً وغريباً، ولن يرضى أحد بتزويجي بسهولة، أريد أن أعوض ما فاتني، وأعيش بمتعة ما تبقى لي من حياة، لذلك فإنَّ ما أريده منك هو أن تبحث لي عن فتاة من عندكم.
 
- من السجن؟!
 
- نعم.
 
- الأمر ليس مستحيلا، فهناك من تزوج من عندنا، عموما سأرى ما يمكن أن أفعله في الأمر وسأختار لك فتاتك، ارجع إليَّ بداية الشهر المقبل، وستجد إجابة لطلبك.
 
وفي بداية الشهر رجعت إليه:
 
- هناك فتاة مسجونة بتهمة الحمل بدون زوج، وهي مستعدة للزواج بك، شريطة أن تخطبها من أبيها، ولحسن الحظ أن الجنين مات في بطنها، الأمر الذي سيغنيك عن تربية طفل جاء من صلب مجهول، وهي ابنة عائلة طيبة، وقد غرّر بها أحد الشباب ثم هرب عنها، وإذا قبلت سأعطيك عنوان أبيها.
 
- اعتبرني موافقا.
 
- حين تتفق أنت وأبوها، عليك بعد ذلك أن تحضر معك شاهدا، وتوقع بعض الأوراق، وأريد أن أخبرك بأنها فتاة جميلة، ربما لم أرَ فتاة في جمالها منذ أن أتيت للعمل في هذا السجن.
 
انصرفت عنه بعد ذلك، ولكني لا أخفي عليك، فقد كنت خائفا من أبيها، ومن ردة فعله، كان الأمر بالنسبة لي شبيها بمن يعبر طريقا في الظلام فإمّا أن يخرج سالما منه أو أن يصطدم بجسم لا يراه، ولكني فوجئت باستقباله، كان يصغرني في العمر، و قد وافق فورا على الفكرة وحضنني صامتا عدة مرات والدموع تزاحم عينيه، ثم اشترط عليَّ أمراً ترددت في قبوله.
Page 10
قال لي إن فعلتها سببت له فضيحة أثقلت على قلبه، وإنَّ الكثيرين لم يعودوا يزورونه بعد الحادثة، وفوق ذلك أخذ يتوارى من نظرات الناس، تمنى لو أنه قد قتلها، ولكنه لم يستطع.
 
أحسست بأنه يعيش عذاباً سببته له ابنته، وهو يريد مني أن أكمل معروفي وأساعده في إشاعة خبر بأنني هو من أوقع بها.
 
- أيريدك أن تلبس رداء جريمة لم تقترفها؟!
 
- لا.. أبدا هو لا يريد مني اعترافا بذنب لم أقترفه، فلا يوجد أي دليل ضدي في الأساس، قال لي فقط أنه ما عليك سوى أن تصمت عن أي إشاعة تسمعها ولا تكذبها، ولا ريب في أنَّ الناس سيصدقون ما يطلقونه إن لم يجدوا من صاحبها ردّا، وبما أنها ستصبح زوجتي فسيكون حينها أمر عدم قتلها أهون عليه بكثير، ففي نهاية الأمر سيقول الناس بأنَّ أباها استطاع أن يزوجها من الفاعل بها، هل فهمت ماذا كان يعني؟
 
- وماذا إذا عرف أبناؤك فيما بعد بحقيقة الأمر.. ألم تفكر في ذلك؟
 
- أذا فكرت كثيرا فلن أعيش، هذا قانون الحياة، ثم إنني لم أتركها وحيدة بل تزوجتها، حتى وإن سمع أبنائي بأنني من أوقع بها، فإنّ في موقفي خطوطا خضراء لا تخلو من نبل، ولن أكون إلا رجلاً غرّر بامرأة ثم ندم بعد ذلك فتزوجها، رغم أني أعلم بأنني سأكون ميتا حين يبدأ أطفالي بنطق أسمائهم، هل توافق الآن على مرافقتي بعد أن سمعت القصة كاملة.
 
- نعم وسأزفكما بسيارتي من السجن إلى البيت.
 
- قم بنا إذن لنصلحها.