Page 1
..هذه ليست مقدّمة
هذه رواية ناجحة··
و هذه روائية ناجحة جداً··
و بين الرواية والروائية عالمٌ فائضٌ بأسئلته الحارقة، لا يستحق أكثر من خلودٍ ما في لجّةِ الكتابة وسحرها الإنساني المغامر في منتهى الموهبة، حين تصير الموهبة، هي السؤال، وهي الإجابة، وهي المحرض على الآتي من الأسئلة والإجابات في علاقة مشتبكة مع كل ما نؤمن به من قيم، وما نتوارى وراءة من ضرورات، وما نمنح وجودنا تحت وطأته المستمرّة من شرعية الغياب المفترضة لكينونتنا المفترضة·
تشتبك بثينة العيسى في هذه الرواية، إذن، مع العالم بأكمله، عبر لغة مفرطة في رهافتها إلى حد أن تكون أغنية موزعة في معمار موسيقي يتراكم تدريجياً ما بين المتن والهامش، فتفيض العذوبة ذهولاً وبكاء، ولكنها قاسية أيضاً إلى حدّ الوجع المقيم في تلافيف الروح منذ أزمان سحيقة لا بدّ أن بثينة عاشتها بتفاصيلها الدقيقة، قبل أن تصير تاريخاً مشاعاً بين نساء الكرة الأرضية وهوية سرّية لرجالها·
هنا إذن امرأة باهية تكتشف بداياتها مرسومة على هامش من نسغ الكون بكل تجلياته، وروائية عريقة الخبرة بحرفتها، رغم أنها لم تغادر بعد الثانية والعشرين من عمرها (لا أدري بالضبط ما العلاقة المفترضة بين حجم الموهبة وعمر الموهوب؟!!)، وهي بهذه الخبرة تحاول أن تعيد صياغة العالم كله وفقاً لما ترتب لديها من علائق جديدة بين الكائنات في معنى الكتابة وتاريخها أيضاً، وهي تنجحُ كثيراً في تلك المهمة ليس لأنها تملك أدواتها، كما يقول النقاد، وحسب، ولكن لأنها تجيد اكتشاف الحياة عبر اكتشافها لذاتها الذاهبة إلى منتهى الشغف الروائي بجلد كتابي واثق من تفاصيل سيره وصيرورته، وحيل أنثوية موروثة في سبيل رسم نهاية للبقاء خلوداً في الدهشة وما تؤدي إليه·
(سعار) نص روائي لا يريد أن يكتمل، لأنه نص مفتوح على أسئلة تدور في فضاءٍ من القلق الوجودي الفادح في سوداويته، ولكن الفاضح في تعريته لكل ما نحاول أن نخبئه تحت ركام من الإرث الإنساني النفسيّ·
و رغم أن (سعـار) هو النص الروائي الثاني لكاتبته بعـد نصها الأول، الجميـل والمدهش بدوره، (ارتطامٌ·· لم يسمع له دويّ!)(1) إلا أنني، وقد كنت على تواصل مع الكاتبة وهي تكتبهما واحداً بعد الآخر، وقرأتهما، بعد ذلك، مخطوطين، أرى أنها في (سعار) بالذات تضع سؤالها الروائي الأول بحكمة مكتسبة وذكاء فطري·· وموهبة تتألق بينهما اطراداً عبر أحداث تتنامى في أجواء خالية من الحدث التقليدي، وهي تسجل كل ذلك برصانة لغوية رغم السخرية السوداء التي نادراً ما تلجأ إليها الروائيات في ثقافة الرواية العربية الراهنة، مما أكسب هذا النص إضافة لصالح المتعة في القراءة واللذة في تتابعهما·
هذه ليست مقدّمة، ولكنها إشارة إلى هذه الرواية الناجحة·· وهذه الروائية الناجحة جداً·
سعدية مفرّح
ديسمبر 2004
Page 2
1
لو ضمّ ركبتيه لتقلّص خوفه إلى النصف! كان متأكداً من فكرته كما لو أنه يتلقاها من حتميةٍ مقدسةٍ، ولكنه لم يضمّهما، وأحس بحُكّةٍ في ساقه ولكنه لم يحكّها، كان خوفه أكبر من رغبته بالتعبير عن الخوف·· الشاخص في صمتهِ، بساقين مرتعشتين مثل كومة أسئلة، لا يميز معالم المكان من حوله / المكانُ الذي يزوره للمرة الأولى، أو يتساءل على أقل تقدير : ما معنى هذا؟
الأيام الأخيرة مرّت على نحوٍ غريب بالنسبة إلى الرتم الذي كانت تمضي إليه حياته·· رتم؟ أي رتم؟! الحكة تتضاعف، شعر بها تصعد حتى ظهره، حتى شحمة أذنه، استقرّت هناك، لم يحرك ساكناً، لن يستعجل، لن يحك أذنيه، رغم علمه بأن أي شيء سيكون ممكناً، كأن تصله الآن رسالة بهاتفه النقال تنهي الأمر برمّته، ولكنها لا تعرف رقمه، أم تراها تقدر على التكهن به إضافة إلى ما تملك من خوارق؟ لا، ستأتي هذه المرة، ستأتي لأنها تريد ذلك، عندما ترغب هي في شيء فإنه يحدث·· لا يستطيع التفكير بالأمر، ولا بغيره! ولا أن يلعب لعبة snake في هاتفه، خمس سنوات إذاً!؟ خمس سنوات عجاف، خمس سنوات باردات، لماذا - إذاً - تجري الأمور بهذا التسارع·· الآن؟ وكأن الأمر محض تعويضٍ للخواء الشاسع الذي اكتسح أيامه، وماذا يعني - يا إله السماء - أنها جسورةٌ بما يكفي لتطلبَ أن تراه، بعد كل الذي بدر؟ وهذا المكان·· هل تجيء إليه كثيرا؟ إنه فارغ، مقهى فارغ! يلائمها، يلائمها أن تكون وحدها، هي التي تشغل العالم (هكذا يفكر فيها)، يلائمها أن تحلق خارج الفوضى التي تحدِثها، يلائمها أن تدهن يديها بالكريمات وتفكر بالأشياء التي بلا معنى، وتترك للآخرينَ لذة اختلاسِها في أحاديث الليل الأخير··
يرسمها·· تغطس في الأريكة البنية الفسيحة، تستغرق بالتفكير بشكل يجعلها تبدو·· جميلة، ومغلفة بالمغازي، إنها جميلة! وكأنه يراها الآن! إنه يراها : جميلة! أصابعها دقيقة، و·· شفتها وردية، ورموشها·· لا! لا يمكن أن يتوقف الأمر على ذلك، ليس اللحم هو ما يمنحها السحر، إنه الإحساس الفادح بالعمق، العميق كالسر، السرّانيّ كالغموض، شيءٌ من روحها يطفو فوق تلكم الأعين، إنه لو نظر إليها بطريقة أخرى، لو جرّب أن يشّرط قسماتها منفصلة عن بعضها لوجدها عادية، أقل من عادية! ولكنه الكلّ المهيب الذي يكوّنها ما يجعل منها·· غواية! إنه لا يستطيع أن يقول بأنها جميلة، سيكون ذلك ظلماً، ربما تسطحا فكرياً، ولكنه لا يعرفُ كلمةً أفضل، أليس الجمال هو المنتهى؟ هي·· الكل المتكامل الذي لا يشبهُ سواه، الفوضى التي يتساءل من أي أودية جهنم تجمّعت لتتمخض تلك الأنثى، حاول أن يبحث في أفكاره عن امرأة تشبهها، لم يعثر على واحدة، عثر على مزيج نساءٍ أعجبنه ذات يوم، عقد غير متجانس يربط بين سعاد حسني وبرتني سبيرز وجميلة بوحريد ومارغريت تاتشر، وفكّر·· إنها امرأة تتحرّك في جميع الجهات، مثل السديم، هذا هو السرّ، إنها كثيرةٌ بشكلٍ يجعل من الصعب محاصرتها، مثل لوحةٍ تتمدد خارج البراويز، تستطيل وتتقلص بمزاجية الظلالِ، خارج كل ما يمكن أن تفترض من قوالب·· انتابه تعبٌ غريبٌ كما لو أنه يركض·· إنه يتذكر كل شيء، كل شيء! يتذكر أشياء لا تخطر على البالِ، الحلزون الذي كان ملتصقا بجذع الشجرة يوم تسلقا جبال مونتانا، التلافيف البنية في قوقعته، التواء العشب أسفل القوقعة، يذكر كل هذا، ولكن ماذا عنها؟ هل تذكر ذلك الحلزون؟
المفروض أنه ربيع آذار الشفيف، ولكن لا قداسة للفرضيات في الكويت، بدا الشارع وكأنه يجأرُ ألماً من التمدد الثقيل للظهيرة فوق ظهره، فكر : لحسن الحظ أن الشمس باذخة السطوع هنا، شيءٌ يبرر ارتداء نظارات شمسية داكنة، شيءٌ يبرر للعشاقِ أن يتأملوا حبيباتهم·· دون أن تقتلع أعينهم·
ارتباكه يبث نوعاً من الكهرباء الفاضحة في المكان، نظرات النادل تشي بذلك، يكادُ يقسمُ إنه يسخر منه، إن هذا الوجه المصمت يخفي أكثر النكات حموضة، سرعان ما سيتحول المشهد إلى حكاية تنتقل في السديم الإلكتروني، نكتة عن شاب يأتي لموعده مع امرأة ببقع ماء تحت إبطيه، سينشرها بالبساطة الفادحة الكريهة النتنة التي تجري بها الأشياء هذه الأيام، كم يشعر بالضعف! وكأنه جاء إلى هنا بالضبط لكي يتصارع مع العالم، مع امرأة تملك العالم! لو كان هو من قرر مكان اللقاء لجاء الموقف أكثر بساطة، ولكنه لن يكون سهلا على أي حال، كان كمن يلعب على أرضِ خصمه، وتساءل - بغباء - ترى·· أي فريق قدمٍ تشجّع؟
Page 3
2
ثلث ساعة من التعرّق، ثلث ساعة من الكهرباء، خفقانٌ مفجوع / و··
·· أراد أن يهرب! ولكنه تأخر كثيراً·
أربكه التفاتها، عندما خيّل إليه (لم يكن واثقا) بأنها تبحث عنه، لعله كان يحتاج أن يمتص وجهها على دفعاتٍ صغيرة، وجهها الكثير في وجوهه، وكأن هذا الكمّ الهائل الذي تضخه (من الجاذبية أو الحقد أو الفوضى أو أي شيء لا يستطيع تسميته) سيصرعه، رفعت كفها تحييه (هل تخيل ذلك؟)، لا يذكر أنها ابتسمت، أشارت له بأنها ستكون معه بعد دقائق، اختفت في محل بيع فرش الأسرة، American Mattress ، إنها لا تبدو قلقة، وكأنهما يلتقيانِ طوال الوقت·· خرجت تحمل كتابا، نظراتها مثبتة إلى الأرض بمسامير، بتلك الظلال الداكنة أسفل عينيها، ألا تنام؟! عينها فضيحة! تنظر إلى الأرض وحسب، إلى البلاطات، أو إلى شقوق البلاطات، إلى الأرضِ وحسب، فتح النادل الباب، تبادلا وشوشاتٍ ودودة، هل تربطهما معرفة؟ شعر بأن النادل يشير إليه بهزة رأسهِ تلك، عندما رفعت عينيها - أخيراً! - كانت تبتسم·
حرارةٌ / حكة في الساق اليمنى / لزوجة تحت إبطيه، وينتبه لتوه فقط بأن أظافره متسخة، وبأنه يرتدي البنطلون الذي ألحّت عليه أمه أن يتخلص منه، ترى·· أي تحية ينبغي أن يستخدم؟
- ريحة البحر فظيعة!
- آه·· نـ (سعل) نعم! (حاول أن يبتسم)
- ريحة بيض!
- آها·· (كح!)
- بيض خايس!
- إيه (ابتسم ببلاهة)
- ممتاز·
اختلس وجهها بعينيه، تساءل إن كانت جادة أم تراها·· تسخر من العالم كشأنها؟ لا يستطيع ترجيح احتمال على آخر عندما يتعلق الأمر بها، إنها تجعل كل شيء وارداً ومنطقياً، وكأنها وطنٌ للأفكار الشاذة، مثل قديسة نذرت نفسها لإيواء الآراء التي لا يقتنيها أحد، نعم·· كانت تعني ما تقول! جلست - بشكلٍ فوضويّ - على الأريكة، تماما كما تخيلها قبل لحظات، رمت بحقيبتها أرضاً، نظرت إليه وابتسمت، بدت لطيفةً فجأة، وقبل دقائق كانت تبث فيه الرعب، وحدس بألم بأنه لن يفهمها أبداًَ·
سألته·· بدا صوتها مزيجاً مشوشاً من الأنوثة البضةِ والطفولة المتطرّفة :
- شخبارك؟
- بخير·
أحسّ - وهو يشعرُ بغبائه - بأن اللزوجة تحت إبطيه تتضاعف، هل قال بخير؟! سألها :
- إنتي شخبارك؟
- مثل أي مواطن كويتي إلخ·· إلخ!
Page 4
ماذا يمكن أن يعني ذلك؟ فتحت حقيبتها وأخرجت علبة علك أبو سهم، تناولت واحداً ثم مدّت له بالعلبة، كما لو أنها تقدم له سيجارة وقالت :
- مريح هالمكان، صح؟
- وايد تيين هنيه؟ (قالها وهو يتناول منها العلكة)
- ساعات·
حدس بأنها لا تريدُ إخباره بأنها تجيء إلى هنا كي لا يباغتها بحضوره يوماً، خمن ذلك بمرارة ذكية، ولكنها أردفت فوراً :
- ساعات أيي أقرا·
- تدرسين؟
- لا ما أدرس، قلت لك أقرا!
- شتقرين؟
- يعني لازم أقرا شي معيّن؟
- لا·· بس··
- أقرا أشياء سخيفة لأني وحدة سخيفة، هاو إز ذات؟
كم هو صعب أن تقول الشيء الصحيح معها، ومهما كان الشيء الذي تقوله فلن يكون مناسباً، شعر بأنه جُرح من خلال جرحها لنفسها بهذا الشكل، إنها تسخر منه عبرها هي، تلك القاسية! لفرط ما شعر بالحيرة بدد نظراته في معالم المكان، في ما وراء الزجاج، كان يحاول أن يصنع حواراً فقط!!
سألتهُ وهي تلفظ العلك في منديل :
- شتفكّر فيه؟
- ولا شيء·
- ما ودّك تعرف ليش ناديتك؟
- بلى·
- شنو تتوقع؟
- ما أدري·
- ما تبي تسألني عن السبب؟
- بلى·
- عيل ليش ما تسأل!
- لأن·· لـ·· ما أدري!
Page 5
أطلقت ضحكة وقحة، حادة ومدببة كنصل، إنها تجعل منه مهرجاً، تجعله في مواجهة سافرة مع رغباته التي تعرفها جيداً ويعرفها·· السافلة! قال وقد اكتسى صوته برعشةٍ مزعجة :
- ممكن أعرف ليش بغيتي تشوفيني؟
- ليش لا؟!
إنها تتذاكى، تناوره بخبث·· اللئيمة!
شعر بإحباطٍ وكأن روحه تهبطُ إلى قاع ما، تذبلُ في غربةٍ باردة، شعر بغباء بأنه قد زج نفسه في موقف موغل في تفاهته، هل أحضرته هنا لتجعل منه أضحوكة؟ ذابت ملامحه في تقطيبة، غمزت بعينها وهي تقبض على الفنجان بكلتا يديها الصغيرتين، المرارة تتفاقم، تتسرطن، علقمٌ في الصدر والحلق والـ·· قالت :
- اشرب قهوتك·
- أبي أعرف ليش طلبتي تشوفيني·
- ليش إنت ما تبي تشوفني؟
تباً! إنها تعي أبعاد سطوتها جيداً، تعرف بأنها فاتنة وتتصرف على هذا الأساس، تدجج كل أسلحتها في وقتٍ واحد، الخبث والدلال والدناءة والشغف، كلها معاً، أمامه، هو الأعزل الواضح في نواياه!
- يمكن مابي أشوفك؟
- عيل شكو ياي؟
كيف يمكن أن لا يحب رؤيتها؟ كيف يمكن أن لا يجيء حبواً أو زحفاً لمجرد أنها ستكون هنا وستجلس أمامه وتنفخ العلكة وتشرب القهوة بعد أن تذيب فيها أربعة أكياس من السكّر ويراقب·· طقوسها بافتتانٍ وخشوع؟! هل ستبدأ الآن بإذلاله والادعاء بأنه هو الذي أراد رؤيتها، وبعد·· خمس سنوات؟ عبأ صدره بالهواء، بدا وكأنه يرتب في رأسه الكلمات التي يريد قولها، تنفس مراراً أمام عينيها وبدا جلياً لها أنها تفهمه، تقرؤه·· تعرفه أكثر مما يريد، قال أخيراً :
- حسبت عندك موضوع مهم بغيتيني فيه، بس مدام ما عندك سالفة أنا أستأذن··
- لا·· لا·· لا تروح! إنت ليش جذي؟!
قطبت وجهها بطفولة، مدهشٌ أن يحمل وجه تلك الأنثى النزقة هذا الكم الهائل من البراءة الفجائية! توسّلت :
- أزعجتك أدري، أنا سخيفة أدري، مادري شفيني، يمكن مقهورة منك·· يمكن؟ أنا بس شوي·· أعصابي تعبانة، وأحس·· إني·· خلك قاعد عفية! عندي موضوع مهم والله··
بدت أكثر توتراً، حدس بذلك لأنها راحت تفتش في حقيبتها عن شيءٍ ما، حبتي بنادول إكسترا :
- تعبانة؟
- الشمس·
- شفيها؟
لم ترد، ماذا تقصد بالشمس على أي حال؟ ارتاب في الأمر، تذكر أن بوسع المرء أن يبتلع ست حبات بنادول دون أن يخشى شيئا، رمقها بحذر·· ولكنها شاحبة، شاحبة بشكلٍ مخيف، أطاح بشكوكه وغمره فيض من الشفقة الفجائية، لابدّ أنها مرّت بالكثير منذ آخر عهده بها، إنها - على أي حال - ليست فتاة السابعة عشرة التي يعرف، أو ظن أنه يعرف·
عندما فرغ من فنجانه وجد نفسه محاصراً بعينين مرعبتين، أشبه بعينيّ حيوان تنضحان بالخبث والخوف، أشياء كثيرة، لم يجد بينها ما كان يبحث عنه، لا، لم يجد حباً، إنها تحدق إليه كما لو أنها لا تراه، وكما لو أنها لا تفكر بما تقول، مثل آلةٍ مسجلة انفرجت شفتاها وسألته بهدوء :
- تحبني؟
Page 6
3
·· ابتسمت بخفوت إذ ماجت ملامحه بهلع وغبطة، إنها مباغتة، مدوّية حتى في الطريقة التي تسكنُ فيها وتحدق إلى الخلاء بشعور عارم باللا جدوى، كانت تتألم في تلك الابتسامة، تقبض على الفنجان بقوة،كما لو أنها تستمدّ منه قوةً ما، هل دعته إلى هنا بعد خمس سنواتٍ من أجل إحياءِ بذورِ ذاكرة متيبسة؟
عاصفٌ·· سؤالها، ينسف كل ما خطط له، النسيان العميق التام، البياض الأخرق البليدُ عندما يلتهمُ تفاصيل الذاكرة ويصبغ الألوان بالحيادِ، الطرد والخزي وليالي الانتظار التي تركتها ليجابهها وحيداً، هل جاءت لتوقظ فيه كل هذا مرة أخرى، وهو ما لن يسمح بحدوثه! أم جاءت تخبره ببساطة : لقد انتصرت! بوسعك أن تنالني الآن!؟ انحشرَ في فوهة السؤال، يتأرجحُ بين الاحتمالين، ويتساءل - بسذاجة - إن كان عليه أن يبتهج أو يتألم، حتى المشاعر تغدو معها وبها إما معطّلة أو غامضة، رمقها بارتياب، تنظر إلى الشارع وكأنها نسيت وجوده، ونسيت على نحوٍ تام السؤال الهائل الذي قذفته في وجهه، وكأنها تشعر بأنها فعلت ما يجب، وانتهى دورها عند ذلك المفصلِ الحالكِ، لقد كانت تغوص في غفوةٍ عميقة·· كانت ترتاح·
تتخاطفهُ الأسئلة : لماذا لبى رغبتها بلقائهِ إن لم يكن يحبها؟ الحقائق واضحة·· حد الإغماض، حد الجهل! ألم يكن يضع احتمالا لاستئناف علاقة من هذا النوع؟ لم يجسر على الإجابة، يطرق برأسه / يردد (ينبغي ضمان النتائج!)، ينبغي أن يتأكد أين يضع قدمه، وأين يمضي، وهو أكثر من يعرف بأنه ماثل في حضرة أنثى يسهل الانجراف إليها، وليس بالضرورة معها! ولكنه مجروحٌ بسبب هذه الأنثى، وسيجعل - هذه المرة - من جرحه سلاحاً، سيستثمر ألمه البائت، ستلعب وفق شروطه، مبدئيا على الأقل··
- تبين أجاوب ألحين؟
- إيه·
- ليش؟
- ما أحب أنطر·
- بس أنا نطرتك خمس سنين·
- إنت إلي يبته لنفسك·
- أنا يبته لنفسي؟
- أنا كنتُ صريحة معاك مشعل، قلت لك إني ما أحبك·
- وألحين، شنو إلي تغير؟
- مو مهم، أنا موافقة·
- موافقة على شنو؟
- على الزواج·
Page 7
يا لهذا السقوط نحو السحيق اللا نهائي من اللا فهم! بُهتَ، إنه لم يتوقع أن تكون بهذه الصراحة المرعبة، أليس من المفترض أن تجري الأمور بطريقةٍ عكسية؟ ألا ينص على ذلك الناموس الكوني للأنوثة؟ ولكن : ما الذي تقصده بـ (لا يهم)، إن كانت تحبه فلماذا لا تصرّح بذلك، وهي لا تبدو من النوع الذي يواجه مشكلات أمام اعترافات بهذه الحساسية، ولكن الأمر يبدو مثل جلسة تحقيق، أو ربما لقاء مديري عمل، أكثر من كونه لقاء عاشقين قديمين، بدت له تعيسةً جداً، تزداد تعاسة مع كل كلمةٍ تقولها·
- ماني قادر أفهمك سعاد!
- مو مهم·
- شنو المهم عيل؟
- قولي إذا تحبني أو لا·
إنها تصوّرُ الأمر مثل عرضٍ رخيص، أزعجه ذلك، ربما لأنها الأنثى الوحيدة التي انتظرها في حياته، وانتظرها جداً! وانتظرها أبداً، تبدو وكأنها مضطرة لفعل ما تفعله، وكأن قوة عظمى تملي عليها ما تقول، ألمٌ أعظم وأكبر من أي ألم آخر، إنه لا يثق بها، وحدهُ يعرفُ ما يمكن لأنثى مثلها أن تلحق به من أذى، لن تهزمه مرة أخرى، ولكن·· علامَ هذا الغرور؟ هل يحسبُ نفسه العاشق الوحيد؟ كفاكَ تفاؤلاً أيها الساذج!
- يحق لي أعرف ع الأقل شنو إلي تغير بالنسبة لك؟
- ما أدري·
- ما تدرين؟
- شفتك بالكلية ذاك اليوم·
- إيه؟
- حسيت إني أحتاجك··
- تحتاجيني؟
- إيه·
- وإذا بطلتي تحتاجيني في يوم سعاد، شتسوين؟
صعّرت خدها الأيمن بسخرية، عيناها تلمعان، هل كانت تبكي؟ تضحك؟ هل فوجئت من كمّ المقاومة الذي يبديه؟ راحت تتضاءل في المقعد، مثل نطفة ضامرة، آخذة في التقلص، بدت له - مرة ثانية - كحيوانٍ، جميل وخطر· زفر، نكّس رأسه بيأسٍ، وبصوتٍ مخنوق :
- إنتي فاجأتيني، ما أقدر أجاوبك·
- كذاب··
تقولها ببرود، في ثغرها ابتسامة موجوعة، حامضة!
- ما في منطقة وسط بين الإحساس واللا إحساس·
- بس أنا تألمت بسببك وايد·
- شتبي يعن؟ تعويض مالي؟!
إنها شيطانٌ موجوع! يا للشواش، لا يستطيع أن يفهم كيف بوسعه أن يتعاطف معها حتى عندما تلحق به الإهانة، شعر بأن عينيها تنبضان بكثير من الكره، يقسم إنها تشتمه في داخلها، كفت عن الابتسام و··
- انس الموضوع·
- وين رايحة؟
توجهت بخطوات ثقيلة نحو باب المقهى، أثقل من الخطوات التي دخلت بها فتحت الباب، غمرت المقهى ريحٌ حارةٌ وكريهة، تمتمت بما يشبه الـ : (ممتاز!) ومضت··
Page 8
1
هذه المرة ضمّ ركبتيه إلى صدره، تكوّر، تدحرج، اندسّ تحت الأغطية، وبوضعه الجنينيّ ذاك·· كان يحن إلى كثير من العتمة، يشتهي عدماً تاماً / انطفاءً خالصاً للحواس·
الأسئلة تفغر فاها، فاها كريه الرائحة، الأسئلة الفاحشة المتبرجة، شرذمةٌ من الساقطات! ترقصُ بكل لا نهائيتها من عهر، وهو، حتى اللحظةِ إياها·· لم يكن متأكداً من كونه تصرّف بشكلٍ صحيح، ولا يعرفُ إن كان عليه أن يعدّ نفسه ظافراً، أم أحمقَ، ضغط رأسهُ بين ركبتيهِ، أغراه خاطرٌ بشعٌ بأن مخه سيسيلُ من رأسه في سائلٍ مخاطيّ / سائل مخاطي فاقع الخضرة·· فتنه المشهد، سيلغي المخاط الأخضر كل آلامه، كل الأسئلة، خاصة : بأي شيءٍ تبرر أيها الغبي هذا المذاقَ المريع في فمك بعد أن نفذت ناجياً من فخاخ الغواية؟ همهمَ : امرأة شريرة! شريرة بقدر ما تبدو عذبة، لا·· إنها مزيج فوضوي من الاثنين، لا أدري، الأكيد أنها خطيرة، ولاسيما عندما تبتسم، لحظة يطفو على وجهها غمام الطفولة الملائكية، البراءة المتهافتة الرقراقة، شيء يستحيل استيعابه بكل النزق الطافحِ من عينيها، خطيرة! رغم أنها بدت وهي غاطسة في الأريكة في أكثر حالاتها ضعفاً، هل كانت ضئيلة حقاً أم أن الأريكة كبيرة؟ تراها الآن·· حزينة وبائسة، أم أنها مشغولةٌ ببردِ أظافرها·· وقد نسيت الموضوع تماماً؟ فكّر شاطحاً : لابدّ أنها تقرأ، إنني لم أرها يوماً إلا ومعها كتاب، ولهذا تبدو أكبر مما هي عليه، وكأنها عاشت حيوات أخرى كثيرة، حيوات في عوالم بعيدة تمتدّ فيها خارج جسدها، رغم أن عالمها لا يقل محدودية عن عالمي، الحياة في الكويت لا تهبك الكثير من الاتساع، ولكن بالنسبة إلى فتاةٍ مثلها، تبتكرُ الأمكنة / تضخ التفاصيل / تخلق المغازي، ترغب دائما فيما لا يخطرُ على البال، إنها قادرة على أن تصنع من حياتها شيئاً مثيراً، وفي أي مكان، حتى لو تركت في صحراء، ستجد طريقةً لملء فراغها بالزخمِ والامتلاء، ستصنع غابة! هي الذاهبة في الأشياء حتى منتهاها، هي المتطرفة في كلّ الحالات، إنها لا يمكن أن تكون مثلهُ أبداً، أن تشعر بالملل أو باللا معنى، إنها ليست مستعدة لتقديم تضحية من هذا النوع·· الطرق متاحة، واردة بشكلٍ متساوٍ، المساواة خبيثة! لا قول يرجح على حساب الآخر إلا إذا أردنا ذلك، رغبتنا الدفينة وحدها هي التي تمنح هذا الاحتمال ثقلا وذاك ضآلةً، يعرف بأنه من العبث التنبؤ بما تفعله، لذا فمن الحماقةِ أن يشعر بالأسى، أو يفكر بأنها لابدّ أن تكون قد مرت بظروف قاهرة جعلتها تحتاجه بإلحاح، وتصّرح له بذلك بهذا الشكل السافر، هي المعتدّة بنفسها أبداً، كيف يمكن أن تفعل شيئا كهذا؟ هل تمرّ أيضاً - هذه اللئيمة - بلحظاتِ ضعف؟
تضخم رأسه، مثل ورمٍ عملاق : كيف مضت بها تلك السنوات؟ هل كانت عامرة بالعشّاق والمتولّهين؟ ولماذا قامت بهذه الدورة الهائلة لخمس سنوات لتعود إليه في النهاية، هو الذي قرر إقصاءها عن الخارطة مؤخراً فقط، مؤخراً فقط؟ ولكنه ظل مخلصا لها دونما رغبة في ذلك، حتى مع احتمالات الحب التي أتيحت له، الوجوه الأنثوية الناعمة التي مرت بين أصابعه كدعوات عطرة ومناديل مطرزة ومزهريات، وكل ما يحلم به من هباتِ الأنثى، كانت تمزق صورة أي أخرى ممكنة غيرها، إنها من ذلك الصنف المستحيل من النساء الذي لا يمكن أن تحب بعده أبداً، وكأن لا شيء يوازي العمق واللذة والألم التي تهبها له بعفوية، إنها تأتي لتكون الأخيرة، ومهما كانت المرات التي عشقت فيها من قبل، تشعرك ببساطة بأنها الأولى، بأن الحب يبدأ بها ولا ينتهي أبداً·· تماماً مثل لعنة!
لقد رآها، عبأ بها صدره، تشّرب وجهها المشمشيّ الحلو، لطّخ روحهُ بالولهِ القديمِ الفاضح·· إنها متعبة، مثل شخص سئم الركض، أين كانت تمضي تلك المجنونة؟ ما الذي يجعلها تعاني، هذه الطاغية·· هل يمكن أن تعاني أيضاً؟ قالت بأنها تحتاجه، ما أروع ذلك! لماذا لم يشعر بروعته في حينه، بقدر ما تمنى أن يضم جسده مثل قنفذ عملاق؟ لقد أفلتت، لقد خسر / ربح المواجهة، لا يدري بعد، ولكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من الإحساس بالخسارة، يريدُ أن يبكي، لقد كان شديد التحفظ وكأنه لم يكن يحلم بما حدث، لماذا لم يترك الأمور تنساب على نحو أبسط؟ تركها تذهب بغباء، ماذا كان يريد من إعادة ضخ الماضي أمامها، قانياً حزينا·· كدم شهيد؟ تعويض مالي؟ هل توقع مثلاً - بغباء - أنها ستعتذر؟ أم أنه الخوف، المحرك الأكثر فاعلية لعلاقته بها مذ عرفها وحتى اللحظة، الآن تحديداً حيث يرزح تحت الأغطية ويحاول أن ينسى؟ في أي شيء تحتاجه، الحبيبة الوغدة! في أي شيء تحتاجه ولماذا·· تحتاجه هو؟ هل تحبّه؟ اجتاحه إحساسٌ فجائيّ بأن بوسعه أن يفعل أي شيء من أجلها، بأنه سيهبها العالم، كل العالم! سيقبّل يديها ويلثم وجهها ويخبرها بأنه لن يتركها أبداً، لن يتركها مهما حصل، إنها امرأة على أي حال، تحتاج إلى كثيرٍ من الأمان، ولكن المخيف في الأمر أنه يحتاج إلى الإحساس بالأمان من وجودها قربه، لقد خذلها·· المسكينة! يا له من جبان! تخلت عن غيابها وعنجهية سنوات ليخذلها، لقد ضيعت وقتها، لماذا تصرف على هذا النحو؟ أنثاه الحبيبة لجأت إليه أخيراً واعترفت بكونه جديراً بها، كيف سيرمم كل هذا العته؟ بأي شيء يبرر خوفه أمام من تذرعت به للإحساس بالأمان؟ جبان! جبان! كرّر وهو يصرف بأسنانه، لقد تركها! وكان بوسعه أن يمسك بيدها الصغيرة لو أراد·· ولكنه الماضي، الماضي اللعين من يقتله؟ لا يفارقه لحظة، وهي·· ما زال لا يفهمها، ما زالت تفاجئه في كل شيء، ما زالت شيطاناً وملاكا وطفولة وحيوانات أليفة ومخالب، أليس ممكنا أن ذلك اللقاء الغريب كان محض نزوة، هل تنفذ مشروعاً شيطانياً وتحاول استغلال شغفه بها؟ منذ ثلاث سنواتٍ وهو يراها في الكلية وتراه دون أن يجسرا على تبادل التحيات، أو حتى التبسم على سبيل الصدقة، رغم أن والديهما أبناء عمومة ويحدث أن يراها في المناسبات، وفي الصيفِ، هناك في مونتانا حيث تورّط بها للمرة الأولى، كم كانت رائعة تلك الأيام! ألهذا دفع الثمن غالياً؟!
Page 9
2
إنه يذكرُ ما حدث··
لم يكن ليصدّق بأنها انجذبت إليه، في بدايةِ·· تفتح البداية، عندما بادرته باهتمامها، هو الصموت الأكثر خفوتاً، يغلف نفسه بالغموض المفتعل لمجرد أنه يملكُ صوتا حامضاً وأعين ترمش طوال الوقت، أراد أن يصمت، أن يغيب أو يتلاشى في مكانٍ ما يستطيع معه أن يتشرب حضورها بالكامل دون أن تشعر به / دون هذه الرعدة الوقحة في أوصاله كلها عندما تلتقي عيونهما عن طريق الخطأ! ولم يخطر له أن غموضه يمكن أن يستفزها حتى أخمص قدميها، أن تجيئه هي، الرائعة التي تورّط الجميع بها، تشير بإصبعها الصغير إلى أنفه وتسأله (ما قصتك؟ لماذا لا تقتربُ مني)، فينجرف ببساطة، يفسح لها المجال الكامل لتعريته كما تشتهي، وعندما·· لا تجد فيه ما يلفت الانتباه تتركه وتمضي، وكأنها عملية تقشير بصلةٍ، على أمل أن تعثر في داخلها على سرّ مفحم، طلسم أبدي، ولكنها لم تجد سوى الخواء والنتانة، لنرجع القهقرى إذن! بدت دائماً محط الأضواء، كان في المجموعة الكثير من الشباب اللافتين، الساخرين الواثقين، فارهي الوسامة، محبي الضحك والغناء، الصاخبين الممتلئين عنفواناً، بدت له منسجمة معهم تماماً، تلائم كل واحدٍ منهم، كان يجري في عقلهِ مقارناتٍ تعيسة، في كل مرة يلصق صورتها مع صورة أحدهم ويقيّم المشهد بمرارة ليرى حد التواؤم بين الاثنين، لم يقاوم رغبته بأن يتخيلها إلى جانبه أيضاً، ولكنه ما لبث أن هز رأسه ذعراً، لم يكن يجسر أبداً، لولا أنها كانت تسترقُ إليه النظر في جلسته البعيدة ليجتاحه الارتباك والسكر والنشوة، كان يلتهمها بشبقٍ من خلف النظارات الشمسية، يجلسُ تحت مظلة باب المنزل ويراقبها ترتع بين ثلة من الشباب والفتيات يلعبون الكرة الطائرة، أو كرة الريشة، أو يثرثرون على أقل تقدير، بدت له شديدة الحضور حتى وهي في أشد لحظاتها صمتاً، وحيثما كانت·· كان الآخرون يتحلقون حولها وكأنها محورٌ أبدي، هي التي تمنحُ النكات التافهة كل هذا الدويّ، فلا شيء يهم عندما تنطق تانك الشفتان، لا شيء أبداً، لقد فتنت الجميع، وبالنسبة إليه، هو المغلوب على روعتها، لماذا ينبغي أن يكون مختلفاً / أن لا تخور قدماهُ؟ كان مأخوذاً بها، مأخوذاً بالكامل، ولفرط ما شعر بأنها رائعة في كل شيء، أنها التمام الأكيد في تمامه، وبأن لا شيء ينقصها، كان يدفنُ رأسه في صدره ويصمت، سيبدو أحمقَ - ولا شك - إذا فكر بالاقتراب، بالتقرّب منها، ماذا يملك - هو في هزاله وخوائه - من أدوات للتأثير فيها؟ لا يملك أية جرأة، أي شيء سيقوله سيبدو حماقة، لن يجعل من نفسه أضحوكة على الأقل، ولاسيما عندما بدا له أن الشباب في حالة تنافس خفي، حرب باردة تدور للظفر بإعجاب الفتاة الأكثر حضوراً، ماذا يملكُ هو من أسلحة، سوى وجهه الطفولي البريء و·· لا شيء!
لم يخطر له أنه استخدم السياسة الأشدّ فتكاً، سياسة السكون، اللا فعل، اللا حركة، اللا شيء·· العزلة المتطرفة، لم يتوقع أن يكون يُفهم نأيه كنوعٍ من التحدّي لفتنتها، التجاهل! التجاهل هو ما لا تستطيع مثلها أن تتحمّله، أن يتحلق حولها كل هؤلاء الوسيمين إلا هو، ما الذي يغيره عنهم؟ ما معنى هذا؟ يبدو الأمر كعصيان للقدر، تمرّد على المصير، مصير الوقوع في الفتنة التامّة! هي في تفتحها الأول، وتفاصيل أنوثتها تبزغ على السطح مثل فاكهة بضة، كيف بوسعها أن تقبل بهذا الوضع؟ صمته وقح! بذيء! صمته ليس أكثر من بصقة لزجة بين قدمي الأنثى الأجمل مع رسالة : لستِ جديرةً كفاية!
ما من قوة كانت لتمنعها من ثقب الغشاء الغبيّ الذي يفصل العالمين بينهما، تتساءل عن هذا الشيء الذي سيتدفق منه، خمر، عسلٌ، زلال؟ أم ماء آسن؟ تريدُ أن تتحدث إليه، تريد ذلك دون أن تدرك له سببا، من هو، أي شيء هو، هذا الوجه البريء البعيدُ في قربهِ، أي شيء يشغله هكذا ليجعله وحيداً حزيناً، مكتفياً بذاته، غنيا عن الجميع و·· عنها؟!
Page 10
·· ذلك اليوم
ركضت ولعبت بالكرةِ وخسرت وقهقهت وخرجت من الملعب وهي تنفخُ من التعب، لمحته! أقسمت بكل جوارحها بأنه يراقبها، ابتسمت، ليس ثمة أنثى لا تشعر بعيني رجل ! حدست بأنه يراقبها من خلف العدسات المظلمة الغبية، لم لا يقتربُ منها؟ أي نوعٍ من الرجال هذا الذي يريدُ من المرأة أن تقوم بالخطوة الأولى؟ سأريه! هكذا جاءته·· مصحوبة بنشوة كونها قادرة على أي شيء، عندما يدغدغُ صدرها إحساس بكونها الأجمل، لعلها - شأن أي امرأة - تريد أن تكون الأجمل، أو أنها فكّرت·· بأن شاباً وسيماً وصامتاً يبدو جديراً بالاكتشاف، عوضاً عن زمرة المملين الساخرين الذين يراجعون ما يحفظون من نكاتٍ طوال الليل ليسمعوها إياها في اليوم التالي، والذي يجعلها تضحك أكثر يخرجُ من اللعبة بنقاطٍ أكثر! يا للتفاهة، ثمّ ماذا؟ إنها لا تتحرك إلى أي مكان، وهذا يتعبها، إنها ليست مختلفة عن أي واحدة أخرى، وتريدُ شيئاً من الجدية، الجدية والحلم والصمت والجلوس على العتبات البعيدة·· ربما الحبّ، حسناً لم لا؟ كان قراراً سريعاً : مسحت جبينها بكمّها، نظرت إليه، هتفت من مكانها، بصوتها الفوضويّ : عندك ماي؟! تلطخ وجهه باحمرارٍ سافر، هل تحسبُ ذلك انتصاراً يا تُرى؟ لم يرد، لقد بوغت بها تماماً، كان سؤالها ذاك·· ضرباً تحت الحزام!
هتفت به : هيه!
بدا صوته مضغوطاً وكأنه يخرج من بطنه : لحظة!
ولم يخطر بباله للحظة أن تلك اللحظة ستكون مفصلا حاسماً في حياته، أنها التورط الكاملُ، هو الذي يملك كل مقومات ذلك، دخل المنزل على عجلٍ وعاد بكأس ماء، وجدها تنتظره عندالعتبة، جالسة بأريحية، وعندما خرجت أمّه من المنزل حيّتها ببشاشة وتمنّت لها يوماً سعيداً، فكّر لحظتها بأنها - على عكسه - تفعل كل شيء ببساطة، تناولت الكأس، تلامست أصابعهما (هل قصدا ذلك؟)، شربت شيئا منه ثمّ سكبت ما تبقى في الكأس بيدها، مسحت به وجهها المحمرّ الرطب لفرط ما تعرّقت، وبقعة عرقٍ كبيرة تجثم على ظهرها وأسفل عنقها تبلل بلوزتها الزرقاء الباهتة، بدت مثل ثمرة حلوة منداة، هكذا فكّر وهو يشعر بجفافٍ في حلقه، إذ يتأمل عذوبة وجهها عن قرب، إنها المرة الأولى التي يراها فيها بهذا القرب، كانت ساحرة! بشرتها عذبة البياض المشبعة بحمرة خجولة، عيناها الحاذقتان الممشوقتان، والشفتان وافرتا الدسامة·· هل شعرت بشروده؟ أعادت إليه الكأس ومضت دون أن تشكره، كان حريصا على أن لا تفوته أي من طقوس شربها، تابعها بإخلاص مستميت لدرجة أن عينه لم ترفّ، وعندما رحلت·· كان يتأمّل بصمة شفتيها على الكأس وينساب في خواطر شبقة··