eKtab
EN ع
ساق العرش
Read free sample

ساق العرش

by محمد هشام المغربي

Page 1
(1)
 
-كلاّ، لن آتي على الغداء
 
قلتُها بلا حبيبتي ولا أسباب ملفقة· خرجتُ مسرعًا نحو السيارة بعدما تلقيت رسالة عزيز على هاتفي النقال·
 
العاشرة ولم أنم البارحة، منذ أن تكلمت وجدتي وأنا في ضياع الرؤى وتماهي المسلّمات· جلستُ وعبلة طول الليل لم يلفح فستانها الأحمر الفاقع في شد انتباهي· هل كان أحمر؟ فتناولتِ الغطاء وغابتْ في الفراش· لم أحس بالساعات وهي تراوغني وتمر عليّ خفيفةً تضحك·
 
العاشرة· يا له من نهار! كثير بهاؤه على مدينة تكره النهارات، مدينة تطأ المطر وتملأ فاهها بالكمأ· مدينة لا تعرفني، لا تفهم ألمي ولا تختصر دموعي بين يديها· لم تحتضني يومًا ولم تهدهدني طفلاً· قالت في وجهي: أنتَ ضيف· مدينة أُلصقتُ بها بفعل أبي، أبي الذي عاش ومات يخفي أصله وينسب نفسه إلى الصحراء·
 
فتحت باب السيارة واعتدلت في جلستي·
 
ما كنت لأسأل بادئ الأمر إلا أن الشرخ ازداد بيني وبين أقراني، لم تصافحني هذه الأرض ولا عرفتُ لقلبها طريقًا· في المدرسة اعتزلني الصبية· كان مخططًا غبيًا أن تُسكن حَضَريًا في الدوحة· وأيَّ حضريٍّ!
 
في البداية انطلت حيلة أبي عليَّ وصدّقتُ نفسي حتى رأيتني أبتعد والناس تبتعد، أحسستُ بداخلي جذوة ملعونة محرمة ولكنها تكبر فيّ وتتجذّر·
 
السيارات تمر قربي في جنونٍ، وانفعالُ السائقين جليّ· كأنني لمحتُ (الأستاذ مطلكَ) مستحيل أن يبقى على هيئته بعد أكثر من عشرين عامًا، لا بد أنه شاخ، وأراهن لو رآني اليوم لقال كلماته بعراقيته المفتعلة جدًا المحفورة في قلبي جدًا· عندما أتيت آخذ باقي أوراقي بعد إنهائي الصف الثامن استقبلني صوته:
 
- هلو يابه!
Page 2
- هلا والله
 
- ها يابه، شتريد، تريد شهااااده···؟
 
وقتها لم يكن صدام قد دخل الكويت· الكل يحبه ويمجد حراسته لبوابتنا الشرقية·
 
أخذتُ أوراقي، كانت أول مرة أُصعق كصعقتي هذه· فضضت المغلّف وأنا في طريقي للسيارة، رأيت شهاداتي وأوراق أخرى· تأمّلت سمرة وجه أبي في الجنسية: شارباه كثيفان بعض الشيء ولحيته حليقة وعقاله يميل قليلاً·هل بدا مائلا أم أن ميلان (عراق) أمام مكان الولادة أضفى على صورته أبعادًا متخيلة؟
 
كيف لا أسأله بعدها·
 
لاحظ أبي امتقاع لوني وصدمتي، عرف ما قرأتُ· شبح بنظره، ابتلع ريقه ثم قال بنبرة لا حادة ولا ضعيفة··· مسروقة :
 
- سأحكي لك القصة··· لاحقًا
 
***
 
كان يوم جمعة كهذا عندما جلست بين يدي أبي لكي يحوك قصتنا فوق رأسي ويعمّدني بنبيذ الأصل· قال في البدء كأنه يطمئنني:
 
- نحن من نجد···
 
كان وجهي يقول: أكمل···
 
- جدك الكبير وُلد في إحدى قرى نجد وعاش ومات هناك ثم إن ابنه نزح من قحط البادية إلى···
 
كان يجفف كلماته ببدويةٍ مفتعلةٍ جدًا· أكملَ:
 
- فولدتُ أنا··· هناك
 
رماها كتهمةٍ وأكمل:
 
- ثم نزحتُ إلى هنا·· ولذلك سمونا النازح
 
لم أسأل من هم؟
 
وأين تلك القرية وما كان لقبه الأصلي؟
 
لا أحد يعرف!
Page 3
ككل الصبية سألتُ لماذا لا أعمام لي هنا! وحتى اسم عائلتي النازح بدا مفبركًا للناس· لم أكن أرتبك وأنا أقول ببساطة: لا أعرف حين أُسْأَلُ عن مصدره· فجواب أبي المعلّب لم يقنعني البتة· رفضتُ فكرك يا أبتِ، لا تستغرب أنني لا أنتمي لمن ولدت عليها·· الولد سر أبيه أبدًا·
 
لكم كانت تبدو هذه أجوبته السخيفة مقنعةً لأمس فقط، قبل أن تُسْقِطَ جدتي كارثتها على رأسي في الذكرى الثانية لوفاته·
 
لاحظتُ أن عداّد السرعة تخطى الـ 021 وصافرة التنبيه تقطع ذهني· سحبتُ هاتفي النقال، طلبت رقم بيت أهلي، ثم محوته ؛ اجتراري الموضوع لن يوقف نزفي·
 
أفتح المذياع: ··· صرّح الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض أن صدام حسين يقود المنطقة إلى مرحلة نتائجها وخيمة وقال في···· أقفله·
 
أتخمتُ دماغي· وحدي من يحس بالوخز وتقطيع الأوصال· قبل أسبوع في بيت العائلة الذي أخذته أختي الكبرى وزوجها· صحت بهم:
 
- بوش سيحرق العراق
 
نظر الجميع إلي باستغراب وكانت في أفواههم كلمة· لو كان أبي حيًا لقالها· يتراءى لي الآن، يتريث قليلا ثم يشبح بنظره، يبتلع ريقه ويقول بنبرة واحدة لا ضعيفة ولا قوية······ مسروقة: عسى أن يحرقوهم، كما أحرقوا قلوبنا·
 
إلى متى الحرق!
 
أمسِ كنا ندعو أن يحرق صدام -ظلُّ الله في الأرض- الإيرانيين المجوس ويحمي بوابتنا الشرقية· ووقت الغزو دعا عرب الزيتون علينا أن نُحرق بنفطنا· هل أثرّت جهنم كثيرا في أفكارنا· موقنٌ أن الله لم يخلقها لنحبها ونعشقها، ولعمري لا أراها إلا نبتت في دواخلنا أتونًا تحرق جهنم الكبرى·
 
أحيانا أسأل: ألا يمكن أن يموت ابن عمٍ لي جراء دعاء والدي على الناس الـ هناك
 
وإذا ما سألته:
 
- ما لنا هناك أهل··؟
 
جاء جوابه البلاستيكي:
 
- نحن من نجد!
Page 4
كل العرب من نجد·· ألا يعقل أن يكون في الـ هناك شريف!
 
وألوذ بصمتي ويحسَّ هو بفقدان الجدوى من إقناعي·
 
***
 
سيدمرون العراق
 
إشارة حمراء·
 
لماذا أنا؟! لي أربع أخوات أرى كيف يعشن حياتهن بعاديّتها متآلفات منصهرات بعالمهن، إلاي أنتفض كلما مر ذكره، إلاي أشعر بالغربة والوحشة· مؤكد ثَمَّ خلل في دماغي!
 
أُمْسِكُ المقود بكِلْتا يديّ لم أُحسنْ أن أتخشّب رقمًا ميتًا على سجلاتهم بصورة مبتسمة، خطئي أن ملامحي لم تثبت على وريقاتهم ماذا حدث لي!
 
أشج شارع دمشق بسيارتي نحو الدائري الخامس، أحاول أن أتقدم على الخلق، أمر مرور المجنون تشيعني أبواق السيارات وسباب سائقيها·
 
أفتح المذياع فيخلخلني ما يدور· أصل السالمية، أتخذ طريقي لمجمع الثريا، أُهَلْوِسُ بأغان في ثنايا الذاكرة وأنا أدحرج سيارتي بحثًا عن موقف·
 
وصلت· ضجيجُ الشارع أخذ يتلاشى وأنا أَلِجُ بوابة المجمّع الحديدية· صعدت إلى الطابق الأول، جلستُ كيفما اتفق، طلبتُ كأسي المعتادة وهمت في وردة بلاستيكية وُضِعَتْ وسط طاولتي·
Page 5
(2)
 
لم تكنْ عبلة تعرف أني ما أزال أجيء لـرتز، أول مكان اصطحبتها له في الكويت بعد زواجنا·· والذي أصبح مكان لقاءاتنا الأولى· أيام كانتْ علاقتنا مورقة وشهية· أذكر كان يوم جمعة كهذا عندما جلسنا وقالت:
 
- لم تبق مِن بنات جيراننا مَن هي بلا زوج··· ولكن تأخري كان فأل خير ؛ فقد تزوجتك يا روحي·
 
استغربتُ كلمة تأخري·· أكملتْ :
 
- آه·· ليت لبنى تأتي وتراني الآن·
 
ارتسمت على وجهي علامة استفهام كبيرة ماذا تريد بابنة جارنا أبي حمزة!!
 
- كلهنّ تزوّجنَ· تعرف؟ هناك كان الرتـز يعني أهل المال فقط ولا مكان لمثيلاتي· لبنى كانت تذكي نارنا بسهراتها هناك ونحن مغروسين في أوحال السلط· أتمنى أن أرى وجهها المتبجح دوما بمقاهي عمان··· سهراتها مع أبيها القواد وأصحابه··
 
كأنها وخزتني بشوكة ما··· امتعضتُ :
 
- ما بكِ!·· لا تنسي أن أبا حمزة ابن عم أبيك يعني في مقام عمك·· وإن كان أبعد نفسه عنكم بسبب المال··
 
- أي مال؟ أنا الآن أشتريه بـكِنْدَرْتي·
 
ازداد الوخز· لملمتُ الموقف بابتسامة بلهاء ومددت الوردة البلاستيكية - كانت حمراء وقتها- من فوق الطاولة نحو عبلة· أخذتها وهي تزفر بارتياح:
 
- أخيرًا·
 
كانتْ أجملَ ما يكون ذلك اليوم، جسمها امتلأَ أنوثةً ودفئًا، كدتُ أن أرتمي أمام الناس في حضنها· ووجهها ذو النمش البرتقالي اختفتْ منه مسحة التعب الصفراء وصار نابضًا بالحياة· وابتسامتها -التي ظننتها بلسمي أيامَ السلط- لا تضاهي هذه المرسومة برَوْقٍ على ثغرها· وخصلاتها الذهبية -التي كانت دوما معقودة مرفوعة- هاهي تنساب على الكتفين· جلستُ قبالتها أرقب حركات يديْها المغناجة وأسترق النظر لصدرها المكتنـز· كانت فتنة!
Page 6
لم أكن أشرب إلا عصير برتقال· ياه للآن أتذّكر رنة (orange) وهي تنطقها بإنكَليزيتها الخاصة· كنا مجنونين، نمرح مع الباعة، نعاكس الحيوانات في الشارع ونرشق المارة بابتساماتنا الصريحة·
 
كانت تحبني بعنف، بقوة وإصرار· عشقتْ شكلي وملامحي· ومرارًا كنا نختلف في ذلك! أعرف لست وسيمًا وهي تصر أنني أكثر من وسيم!
 
شبّانهم أجمل منا، ماذا فتنها بعذق نخلة مثلي!··أي نخل؟ أزهدي أم برحي·· من يحدد!!
 
ما الذي غيـّرها وكيف ومتى؟
 
تحديدًا لا أعرف! كانت الأيام تمر سِراعًا وأنا في بؤبؤ دهشتي : فزتُ بها!
 
حتى أراني بعيدًا وأراها أبعد· أو لا، كنتُ قريبا وكانت أقرب ولكن بوجه آخر وأحلام أخرى وبلا وردة حمراء!
 
ماذا جذبني لها؟ وجهها الطفولي بخديها الممتلئين حياة ونمشًا برتقاليًاَ؟ أم صوتها بغنته أم لكنتها البعيدة عن تصحر اللكنات هنا؟
 
أم وقفتها أمام الشباك التي خلبت لبي؟
 
لم تكن تتأنق أبدًا· مرتدية بنطال الجنيز وإحدى كنزات (أبو ليلى)(*) ممسكةً بممسحة أو فوطة تدور حول المنـزل تغسل باحته أو تنشر الغسيل على السطح وتتعارك مع إخوانها·
 
هل كانت عظيمة الردف أم فاتنة الصدر؟
 
لم ألحظ!
 
وجهها··· نعم هو! كجروٍ أليف مرقط بالبرتقالي ينفث وداعته فيّ في أوج دماري الداخلي·
 
ألم تكن لي عائلة؟!
Page 7
بلى، لكنني كنت بعيدًا· أراد أبي - ذو الأربع بنات- أن يتكئ عليّ كثيرًا لأصير···هُ· وأنا بعيدٌ جدًا·· قريب من نفسي غارقٌ في تأملي المشهد· رفضتُ أفكاره وصرتُ ندًا له في قرارة نفسي أعارض ما يقول بلا تفكير·
 
من هنا دخلت عبلة·
 
كنتُ في أوج انفصالي عنهم لماذا؟ لأنني سئمت أن ينسبني والدي لأصل أبعد ما يكون عن روحي! أنا لست من هنا· في أتون نقاشاتي معه لم يكن سلاحي إلا ورقة جنسيته التي تثبت محل الولادة·· وقد كان سلاحًا هشًا إلا أن رغبتي العظيمة في رفض أصولٍ مفتعلة جعلتني أَثبُتُ ولو أمام نفسي وأضمر شرخًا عميقًا في ذاتي· أيسَ مني وأيستُ منه· فكنتُ -حين أسافر- أعتزل في غرفتي فوق السطح، نديمي فيها إبريق شاي مُهَيَّلٍ و·· لا أحد
 
من هنا دخلت عبلة·
 
لم أكمل الخامسة عشر مصطخبًا بالمراهقة وبمشاكلي الأولى، رأيت أو تراءى لي حضنها بابًا تفتح لتلمَّ شتاتي وضياعي· دخلتُ وغبتُ هناك سنتين·
 
بلا كلمة، بلا اتصال، اقتصرت علاقتنا في شهور الصيف على نظراتٍ واستراق نظرات وإشاراتٍ وخيال إشارات· حتى أتى صيف 98·
 
ما الذي شجّعني؟
 
كنت سعيدًا بها؛ فلماذا خطوتُ تلك الخطوة وأسلمت رسالتي اليتيمة لأخيها سليم ذي الخمس سنات·
 
بعد مراوغة نفسي وجهادها، قلتُ له:
 
- قبّلها وسلّم عليها·
 
سنوات مرتّ ولا تزال رنة صوته الطفليّ بسَلْطِيَّتِها تصك مسامعي، ولا تزال نظراته البريئة تنفخ في وجهي وهو يسألني مؤكدًا (أسلّم عليها، كِثِير·· كِثِير السِّلام؟)، وأنا أهز رأسي كأبلهٍ بـ نعم!
 
بعد ساعة رن هاتفنا، رفعه أبي وقال لي :
 
- اذهب لبيت أبي خالد، يريدونك·
 
صعقتُ·
Page 8
هل كانت أطول مسافة قطعتها في حياتي تلك العشرين مترًا التي تفصل بيتنا عن بيتهم· النسيم يداعب وجهي ورائحة الخوخ الممتزجة بتينة جارنا أبي الطاهر تضّوع الأجواء· وجوههم الكالحة المتحفزة تطل من السور، الصالة·· كل مكان! عيونٌ نهمة وجائعة· الشارع الرملي يميد تحت قدميّ اللتين تسيران بثقل هائل·كيف نقّلتُ خطوي ووصلت! رأسي: اصطخابٌ مجنون وتساؤلات تجري في الدم·· دخلت بابهم·
 
كان أبوها يتصدر المجلس مع أخيها الأكبر وتلتف العائلة حلقة حولنا· اقتربت من الأب - ضخمًا كان، محمرَّ الوجه دائمًا، واليوم بدا وجهه قانيًا· صاح وتطاير زبدٌ من فمه:
 
- قبّلها وسلّم عليها؟؟···· شو هالمسخرة هاي؟
 
كنتُ صمتًا·
 
- ماذا تحسبنا نَوَرًا؟ تشتريهم بمال أبيك؟
 
لم أحاول التلعثم·· لساني معقود، ألمح وجه سليم يبتسم بخبث· كيف للطفولة أن تكون وضيعة هكذا!
 
يعود صوت أبي عبلة من جديد:
 
- إياك أن أرى وجهك قرب بيتي ثانية·
 
لم أفكر في ذلك أيضا، ما فكرتُ به : لن أرى الأردن ثانية
 
- امشِ عن وجهي·
 
وتسارعت أمشي وأشعر بعينيه الجاحظتين خلف يافوخي، وأحس لهاث أنفاسه وزبده واصطخاب أوداجه لصق أذني· سرتُ في وجوم وشرود·
 
وبعد أربع سنوات، يوم العرس، كان الوجه ذاته سيتفجر بابتسامة مأفونة وعيناه ستضيعان بين العيون· سيحبني فجأة!
 
لم أعِ كيف نقّلت خطاي حتى درج عتبة الباب· بِدِعَةٍ ارتقيتُ وقذفت بنفسي داخل البيت دون قدرةٍ على رفع بصري أو رؤية ملامح البيوت أمامي·
Page 9
أوصدتُ الباب وارتميت متكئًا على الدرجات· رفعت رأسي أرى ارتفاعها، في آخرها تينتنا الضخمة· بدا لي المشهد وقتذاك خرافيًا وأن المسافة لا نهائية·
 
لا أعرف بأية قوة تحرّكت قدماي ومشتا· فقط كنت أحس تَغَيُّرَ الصور على جانبيّ وأنا ارتقي أو يُرتقى بي· كنتُ مُهَدَّمًا بالكلية من الداخل، مَثلومَ الحلم·
 
فاجأتُ أبي وأمي بطلبي :
 
- أريد الرجوع إلى الكويت··· اليوم!·
 
كانت صدمة له· كان يريدني عضده وها أنا أخذله بلا سبب· انثنى لطلبي ورجعت مضمرًا ألا عَوْد·
 
وما اكتملت دورة السنة واقترب موعد سفرنا الاعتيادي للأردن إلا وأنا أقف عند الباب أودعهم، أقبّلهم قُبلاً - ظننتُها - بحجم ضياعي وانشداهي وحبي، لكنها جاءتْ قليلة· أراقب ابتعاد السيارة -التي كنتُ طوال سبعة عشر عاما داخلها- مثقلةً بهم·
 
وجاء مرأى الغزو صدفة غرائبية·
 
استغرب أبي قعودي عن السفر ومن ثم قرر أنه القدر أن أظل في الكويت وأرى الغزو لأحيد عن فكري الشاذ!
 
كان يتلذذ بتذكيري ما إن يقترب شهر أغسطس:
 
- كنتَ هنا وقت الغزو ورأيت أحبابك ماذا فعلوا·
 
لماذا هم أحبابي؟!
Page 10
(3)
 
أحسستُ بجفاف حلقي، رفعت كوب العصير، أكثر، أكثر ولا شيء· حققت النظر: فرغ الكوب وما فرغت رأسي·
 
رفعته وأومأت لأقرب نادل بأن يملأه ثانية·
 
لم أتفاجأ بالخبر، كان متوقعًا جدًا· ظل صدام يحشد ويهدد شهورًا· أستغرب ممن يروي الحدث اليوم ويطعّمه بـ فاجأنا على حين غفلة·
 
لكن الغزو هدمني من الداخل· بأي عين ترى سأقول أنا من هناك وأمام من؟! أبي سيقتلني لو مسستُ الموضوع ثانية· ربما أموت هنا·
 
يا ليت فأرتاح·
 
كان يوم جمعة كهذا· وحدي في البيت، أذرعه يمنة ويسرة· ليس لي من جيراننا إلا سالم· ركضت لديوانيتهم، فوجئتُ بقفلها أين ذهبوا؟ لم أكمل تساؤلي وإذا برأسه يطل كيقطينة من شباك إحدى الغرف· ابتسمَ بغباءٍ وركض يفتح لي·
 
جلست في صالتهم الداخلية مع أبيه وأخويه وعدنان ابن جارنا·
 
أتذكر كيف اعتدتُ أن أتنقل بشيرفروليه عدنان البيضاء· وفي طريقي لبيتنا أصل عند رأسي حاتم و علي، اللذين لولا وجود الضابط وبنادقهم لما سميتُ وقفتهم سيطرة· كانا يتضاحكان دائما، أستغرب ضحكهما وهما في مرمى الموت· عادة ما يتشاغل أحدهما بالإبريق ويعطيني ظهره· أقفُ، يحييني الواقف ويشير لي بالذهاب: (الله يساعدك··· حمودي)·
 
بعدها التحقت بالمقاومة، ولصغر سني وحداثة عهدهم بي لم أكن غير ساعٍ للسلاح والنقود· أبتلع ريقي بخوفٍ· كدتُ أموتُ يوم عدت محملا بمسدسين، كان حاتم وحده في استقبالي عند السيطرة، ابتسم بأسى وأشار لي·
 
انطلقت للبيت وأنا أسمع صياح الضابط يسأل عن علي شاركته السؤال في نفسي· عندما ركنت السيارة· بدا المكان هادئًا يغري بإخراج المسدسين وحشرهما في رغيفين·
 
نزلتُ، فتحت الباب وإذا بجندي ينتظرني في الصالة· وسط الدهشة والذهول تفتيش·· و الأسلحة··!!