إهداء
لك أيتها العابثة بأفكاري،
المتزعمة لاعتصام الشخصيات ببوابة ذاكرتي،
المطالبةِ بحقها في كلمات النقاد وتصفيق القراء وغير القراء،
المتمردة علي حتى النهاية.
لكِ وحدكِ أعترف بهزيمتي.
بسبق الإصرار والترصد أقرر فتح الرسالة دون أدنى إحساس بتأنيب الضمير، فالرسالة قادمة من مجهول وموجهة لامرأة غيري، ومع ذلك اقتحمت خلوة حروفها بشغفٍ كبير وبانتظار أقل ما يقال عنه أنه شوق متخفّ في زي حب استطلاع، فهي ليست الرسالة الأولى التي تقتحم بريدي، فقد سبقتها أخريات، وبما أنني القاطنة في الطابق الأرضي، فأنا أول من تتوصل بالرسائل البريدية، ونظراً لكون العمارة السكنية شبه فارغة إلا من رجل عجوز أجنبي، وأسرة حديثة العهد بالزواج والإقامة، وأن باقي الشقق لم تعمر قط، فالبريد صار يوزع بشكل آلي، أَختار منه ما يخصني وأضع الباقي على عتبة السلم ليتسلمه الباقون، كنوع من التواصل غير المرئي وغير المباشر بين أناس جمعت بينهم وحدة المكان فقط لا غير.
في المرة الأولى بقيت الرسالة اليتيمة على السلم ليومين لأجدها في اليوم الثالث تحت عتبة بابي، ولا أدري أي يد تجرأت لتورطني بها؛ ربما لأني السيدة الوحيدة هنا، رغم أن الاسم كان مختلفاً تماماً.. أخذتها وقلبتها كثيراً، وربما تركتها على طاولتي لأيام وأنا متوجسة من فضها، رغم أن رائحتها وشكلها كثيراً ما كانا يغرياني؛ فهي تختلف جذرياً عن الرسائل البيضاء المستطيلة والشبه آلية التي تنبئني بتأخري عن دفع فاتورة ما أو بحساب متوقع لرصيدي البنكي، لكن لا أدري: متى وكيف وجدتُني أحملها بين يديّ وأقرأ حروفها المتسلسلة ربما لأبحث فيها عن دليل للجهة الموجهة إليها أو القادمة منها، لكنني لم أجد إلا كلمات يائسة لشخص يبحث عن ليلاه، ويستجديها للعودة ويعترف لها بما كان يتردد دوماً في البوح به.
حياتي شبه الجافة جعلتني أنـسى الرسالة أو ربما أتناساها، لكن وصول رسائل أخرى ورطني فيها، وكل واحدة تجعلني أجد مبرراً لفتحها عدا هذه الرابعة، فلا مبرر لي غير إدماني عليها وإحساسي بأني صرت عنـصراً فعالاً في قصة لا أعرف أصحابها، وربما شاهدة إثبات على وقعة الحب هذه واغتراب الطرفين عن بعضهما البعض؛ فالحروف حتى الآن ما زالت حبراً على ورق دون موعد على أرض الواقع، أو عنوان يشهد على أصحابه، ومع ذلك منحتني فرصة أكبر للتخيل والتوقع، والأهم أنها حررتني من حياة رتيبة أعيشها، وجعلت الأنثى بداخلي تنتفض وتعود لتتودد لمرآتها وتجدد علاقتها بأشياء تناستها منذ زمن، لأجدني في لحظة ما متشوقة لمقابلة المرأة التي تتغنى بها الرسائل، حتى وإن قضيت ساعات طويلة في نافذتي لعلها تكون قاطنة بالجوار.
أي نوع من الجنون هذا، الذي جعلني أقارن نفسي بطيف امرأة، ودعاني لكي أعبر واجهات المحلات، بحثا عن لمسات أنثوية افتقدتها كثيراً، الرسالة الرابعة كانت مختلفة نسبياً، إذ لاح فيها بصيص من مكان لا يعرفه غيرهما، جملة اعتراضية عن مكان جمعهما يوماً ما وشهد على علاقتهما، وأثبت من جديد اغترابي عنهما، وجهلي لمخططاتهما العاطفية، مما جعلني أحس بالامتعاض.. نوع من الخيانة للمكانة التي تبوأتها في هذه القصة.
أعدت قراءة الجملة الخاصة بالمكان، كانت مبهمة كما حقائق عدة، لكنها رسمت في داخلي بصيص أمل، بأن القصة حقيقية ولها وجود على أرض الواقع، وربما الرسائل القادمة تزيح الستار عن أمور أخرى، لكن لا أدري، لمَ هذه الجملة جعلتني أتحرر من لباسي المعتاد: السروال الضيق، والحذاء الرياضي، وتدعوني لارتداء فساتين خاصمتُها لسنين، وأحذية عالية نسبياً، لأمتطي أقصر السبل إلى الحديقة المجاورة للمبنى، أتمشى قليلاً وأراقب نوعاً من الناس منذ زمن لم أصادفهم، أشخاص مثلنا لكنهم مبتسمون أكثر، ممارسون لإنسانيتهم حتى من خلال لعب كنت أراه ساذجاً رفقة أطفالهم، وعشاق مستلقين تحت ظلال الأشجار في حوار يختلس سكون المكان...
في البداية أحسست أن العيون ترقبني، لكنني قررت الانشغال عنها بها، ومن خلالها البحث عن شبح الرجل الخفي في رسائلي، فهي عادة تأتي دون طابع بريدي، مما يوحي أن صاحبها يضعها بنفسه في صندوق البريد.
كان في المكان أناس كثرٌ، ولا أحد منهم تنطبق عليه الصفات التي رسمتها حروفه وأكملتها مخيلتي، لكن مع ذلك، لم يكن هاجسي أن أراه أو أتعرف عليه وإن كان ذلك أمراً مستحيلاً تقريباً، فقد كانت هناك أمور أخرى اكتسبت أهميتها من وجودي هنا أرقبها: ابتسامات الصغار، وفرح الكبار، ومزح المراهقين، عالم جديد كنت أفتقده دون أن أحس، إذ لم أدر حتى متى انغمست في حياتي العملية، لدرجة أفقدتني إنسانيتي لفترة، عدت مساء للبيت أتأبط تعباً جميلاً وإحساساً رائعاً، يدعوني للبحث في مكتبتي عن رواية قديمة لنجيب محفوظ، كان لحروفها مذاق سحري علق بذاكرتي ومنحني فسحة جميلة من التخيّل، تصفحتها بحنين زائد لزمن جميل استعدته للتو..
كان بطل الرواية شاباً مكتمل الرجولة، فارساً لأحلام كل فتاة في سني يوم قرأتها لأول مرة، جعلني أسافر رفقة طيفه ممسكة بيديه مخترقة شوارع مدينتي، أشاركه تفاصيل حياته. تيمات الرواية كانت ترسم خيطا رفيعا بينها وبين الرسائل اليتيمة، كنت أحس أنها تكمل بعضها البعض، وأنها اخترقت جدار الزمان والمكان، لتؤسس عالماً وأحداً أنا مركز الكون فيه، والآخر هو بطل الرواية مجسداً لحروف الرسالة.. عالم جميل يسكرني فيه حتى الثمالة، فأغمض عيني وأنا أحلم بتفاصيل أكبر وأصحو على نشاط غريب، لم يعتده العاملون معي، لكن همهماتهم ما كانت لتربكني، إذ ليس ثمة من سر معين أخفيه والتفاصيل التي حدثت معي لا تهم أحداً غيري، ومن الصعب أن يتوقعوا أن سعادتي كلها من رسائل لم تكتب لي، وإنما من رجل لا أعرفه لامرأة أتمنى أن أقابلها يوماً ما فقط، لأبحث عن وجه الشبه بيني وبينها؛ فهذه الرسائل المجهولة المصدر، قد أذابت الجليد بداخلي وأشعلت شموع أمل انطفأت منذ زمن، ولم أكن أحس قط بانطفائها ولا حتى باحتياجي لها إلا يوم طرقت بابي هذه الحروف الوردية.
صرت أغادر عملي بلهفة مثيرة لملاقاة الشارع، تماماً كطفل ينتظر صفارة الخروج، لينطلق من ساعة الدرس نحو فضاء أرحب ولعب منتظر، سوى أن ليس لي من مُنتَظر إلا إحساساً جميلاً بداخلي بحب خفي للحياة...
رصيدي حتى الآن أربع رسائل وباقة انتظار وحلم متقد في تربع مكان تلك المرأة ولو في الحلم، حلم وُلد بداخلي ونماه إحساس جميل امتزج بشوق الانتظار وعتاب التأخير، للحظات كنت أنا هي.. ما دام هناك مقعد فارغ فلمَ لا أستمتع بالجلوس عليه، وأنا الواقفة خارج مدار الحب لسنين، ما الجرم في ذلك وأنا وحدي في خلوتي التي اقتحمتها رسائله عنوة وأرغمتني على اقتفاء خطواتها، هم المذنبون لا أنا، ومن حقي عليهم أن يتحملوا اختراقي لحكايتهم كما فعلوا هم بحياتي.
فمنذ فضي لأول رسالة، وهدفي الوحيد أن أوجههما إلى بعضهما، البعض المرسل والمرسل إليه، لكن الآن انتفى ذلك الإحساس وصار مجرد رغبة جامحة في أن يستمر شلال الرسائل هذا، عله يمنحني القدرة على تصور نفسي مكان تلك الأنثى المرتسمة في خياله والتي كانت كل أوصافها انطباعات.. انطباعات رجل قابلها يوماً ما صدفة، فجعلته عاشقاً لاهثاً وراء طيفها، جريئاً لدرجة أن يرسل إليها رسائل إلى عنوان خاطئ، دون التحري عن مدى صحته أو إن كانت تتوصل هي بكلماته الحارقة.. أي امرأة هذه وكيف هي؟؟.. تساؤلات ما فتئت تشغل بالي، حتى خلتني للحظة مستعدة لتزوير الوقائع ولأكون أنا هي ولو في الحلم، ولمَ لا في الواقع أيضاً، فأنا أحق منها في أن أعيش هذه القصة، لأني أنا من اخترقَتْها كلماته، وأنا من استمتعت ببوحه واعترافاته الأولى.
ماذا لو كنت أنا المقصودة بتلك الرسائل، فليس هناك دليل على تلك المرأة إلا بعض التفاصيل التي قد تعني أية امرأة؟
ماذا لو كنت أنا والرسائل، منذ البدء، هي موجهة لي وهو الذي تعمد أن يتركها تحت عتبة بابي، وماذا لو كان الاسم مجرد تخمين ليوقظ ثورة المرأة المحبة للاستطلاع بداخلي؟
كيف لكلمات غامضة على الورق، أن توقظني من غيبوبتي وأن تخرجني من شرنقتي، عزلتي التي اخترتها عن قناعة وعن سبق إصرار، كما فتحي لهذه الرسائل، أتراها رسائل من قدري الذي خلته لزمن قد تخلى عني وأرغمني أن أغلق كل النوافذ الحياتية كما أغلقت القنوات التلفزيونية، التي صارت تكرر مشاهدها كنوع من التعذيب والتعتيم الإعلامي، والتي كانت تعبيراً صادقاً وصارخاً لغبائنا، كلما حاولنا البحث عن فهم ما يحدث أو التصديق بأنه قد يكون هناك حل لكل هذه الحروب، التي تخترق حياتنا عنوة والتي لم تكن سوى آخر مسمار يطرق في نعش ضمائرنا حتى وديان الدماء، التي تستعرضها أمامنا وأشلاء الجثث المترامية على الأرصفة، والتي نجحت في أن تجعلنا نتعود عليها بشكل أو بآخر، والتي لم تستطع إلا أن تجعلني أقرر دون أن أدري أن أنعزل عن هذا العالم، فلا توقظني لا القنابل الموجهة ضد أطفاله ولا الصرخات ولا حتى أشلاء رصدت لمسلمي بلد لا أدري موقعه على الخريطة والذي ينفر فضولي لمعرفته.
لا أدري حتى لمَ خضت في هذا الحوار، الذي رغم أهميته لا أريده بأي شكل من الأشكال، أن يكون تأريخا لزمن عشته فأفقدني الإحساس به، فأقسى درجات الألم أن تفقد الإحساس به، وأن تجد نفسك بمعزل عن الآخر، على هامش عالم لا يمت لك بصلة، لا تعرفه ولا يعرفك أو بالأحرى لا يتعرف إليك، في نفس الوقت الذي لو تصرخ في الناس لتعلمهم بأن ما يعيشوه ويرسم على وجوههم أشكالاً معينة، مما قد يصطلح على تسميته بالفرح أو الحزن أو الامتعاض حتى، ليست عدا وسيلة مظللة لتصنع العيش ومحاولة إيحاء للآخر، بأنه لولاك لما اكتملت الصورة الاجتماعية رغم اقتناعك، أنك لا تملك من مكان إلا بقعة ترابية صغيرة بحجم جسمك، تساعد أشلاءك على التحلل، ولتصبح نقشاً على صخرة تطؤها الأقدام يوماً ما دون حسرة.
كم هي غريبة هذه التناقضات بداخلي، أمورٌ جعلتني أدفن نفسي في قبر أكبر، أتعامل مع أناس محاولة ألا أرتبط بهم بأي شكل من الأشكال، وحتى يكون تواصلي بهم بقدر أبسط ما يمكن أن يقال عنه موت من نوع آخر، حتى ليخيَّلُ إليّ أني قد قضيت أياماً كاملة دون أن أنبس بكلمة واحدة، وشهوراً دون إحساس أو حتى ردة فعل.. عزلة مطلقة، انفصال، أو بتعبير دقيق فصل... تماماً، كما يفصل جهاز عن الشحن فتراه ميتا لا ينبس بصوت ولا يعترف بالحياة، حتى الحروف التي تؤنسني والخيط الرفيع الذي يربطني بعالم الأحياء، كانت مجرد كلمات متجمدة على كفن الورق، لا تكاد تبوح بأية مشاعر غير جليد العبارات، ولكأنها تأكيد على قناعتي التامة بأن الموت يحيطني من كل الجوانب.
الجمل لا تعني شيئاً، سوى عادة دفينة لتقديس الورق الأبيض والقلم، الذي يتحرش به كمحاولة فاشلة لإضرام نار الحروف كنوع من الربط ما بين عصر حجري تحتك فيه الحجارة بالحجارة لتشعل ناراً، وعصر تحتك فيه الأقلام بالأوراق لتكتب الفشل في إشعال النيران أو حتى إطفائها، في زمن الكل صار فيه صاحب قلم ورأي، والكل صار كاتباً وشاعراً وإعلامياً، سخافة قدر تباع فيه الأقلام والكتب على الرصيف بأبخس الأثمان، والكل يخلق لنفسه وهماً بأنه قد يوجد الحلول بجرة قلم، حيث انتفى دور القلم الأحمر وحتى الخط الأحمر، وأصبحت العبارات تتسابق نحو المحظور لعلها تنال السبق.
لا أدري متى توقف الزمن بي، وبالتالي كيف صارت الصحف والمجلات والكتب متوقفة متشبثة برفوف مكتبتي، وكأنها قد كسبت سباق الكراسي، الذي كنا نلعبه ونحن صغار وترفض أن تغادر أماكنها إلا بثورة مني، والثورة - ربما- حانت بهذه الرسائل، التي كانت أقوى من كل الصور الشاذة على شاشة تلفازي، والعناوين المثيرة على الصحف ومجلات الرصيف بصورها المتعرية من كل شيء والمتحررة من التحرر ذاته، بضع أحرف بأسماء ربما مستعارة على ورق شفاف استطاعت ما لم يستطعه غيرها، وأجدني أستسلم لها، وأبتغي منها بعض الدفء والنبض أيضاً، انبعاثاً من نوع آخر، وإلا كيف استطاع أن يخرج هذه المومياء من أسمالها ويوقفها أمام المرآة من جديد، ويرغمها بأن تراقص خيالاً منبعثاً من حروف لم تكن لها أصلاً، كلمات عن الحب في زمن أجمع فيه الكل أن لا مكان للحب فيه، ثنائية صارخة للتضاد، تضاد لا يمكن أن يشبهه غيري أنا..
قررت أن أصالحها اليوم، أن أقتسم فنجان قهوتي معها، لنتذكر زمنا كنا لا نفترق فيه، وضعت قهوتي فوق الطاولة وجلست قبالتها التقت عينانا على غير موعد، اكتشفت الحزن المخيف المختبئ خلف عينيها، تنقلت عيناي لتفترسه في نفس الوقت الذي كانت هي ترقبني وهي مستغربة لتغير ملامح وجهي كلية.. كنا نلبس دوماً نفس اللباس ونتعمد نفس تسريحة الشعر، كانت اختياراتنا نوعاً من الديمقراطية المفرطة، تشابه تام أو لا شيء، كنت حزينة لشكلها وكانت ممتعضة من شكلي.
- أحسك غريبة بلباسك هذا.
كلماتها فجرت بداخلي إحساساً كنت واثقة منه وثقة كنت أحسها باقتناع تام، حروفها وحدها تملك كل هذه القدرة على إقناعي برأيها وتجريدي من قناعاتي، وحدها تستطيع أن تفهم ما أريد فتستسيغه أو ترفضه.
- أتغارين؟
بمزاح أداعبها وأستفزها لتعبر عن كل ما في داخلها، ولعلي حاولت إضحاكها كي تتحرر من تلك الشخصية الحزينة، التي تلبسها منذ سنين.. انتابني شعور بالبكاء لكنني تمالكت نفسي، ودون أن أقصد كانت نظراتي تلتهم كل جزء منها، اكتشفت إلى أية درجة كنت قاسية عليها وعلى نفسي، حاولت أن أكسر جدار الصمت، لعلها تكون بداية جديدة كما خططت للأمر؛ فقلت:
- ستبرد القهوة ...
لكنها ظلت جامدة متوجسة وظللت أرقبها، فيما عينيها ظلت مركزة على دموعي المتجمدة.. ازداد إحساسي بتأنيب الضمير، دمعت عينانا في شبه اعتراف من أننا قد تعبنا من لعبة القط والفأر، تلاشى الحزن ببطء لتتحول نظراتها إلى إشفاق على حالي وحالها: "توحشتك".
هذه الكلمة وحدها المختبئة بداخلي منذ سنين والمغرقة حتى النخاع في تاريخنا المشترك، وحدها تستطيع إذابة الجليد بيننا، لمحت ابتسامة خجلة تطل من شفتيها تحررت من جمودها، امتدت يدانا للقهوة ارتشفناها وأعدنا لعبة مارسناها مراراً: أن تتحرك أيدينا في وقت واحد وتحاول ملامسة الأشياء.
حاولت، كما كنت أفعل وأنا صغيرة، أن تكون حركتي أسرع من حركتها، لكنني فشلت كالعادة، ومع كل فشل كانت قهقهاتنا تعلو المكان، تجاهلنا القهوة وبدأنا نقلب في عدة التجميل.. لي زمن لم أضع أحمر شفاه، اخترت لوناً أحمر قاتماً، فسخرت مني وامتعضت، اللون الزهري أعجبها، ابتسمت له، وابتسمت لها..
فتحت دولابي، أريتها فستاناً ما رأته قبلاً إلا عندما اقتنيته.
- تذكرينه؟
كان فستاناً حريرياً لونه زهري، رسمت عليه ورود باردة بلون سماء صافية، نظراتها كانت تدفعني لارتدائه، فَردتُ شعري إلى الخلف متعمدة تقليد عارضات الأزياء.. كان طويلاً تعثرت قدمي به، وقعت، علت قهقهاتي في الغرفة، اقتربت منها من جديد وبكل الصمت الذي تعشقه وهمست لها:
- تصالحنا؟
حركت رأسها بالموافقة ولأول مرة أدرك أن حركتنا كانت مختلفة ...
أحبك مرآتي...
ماذا لو كنت أنا المرأة المقصودة فليس هناك من دليل على أنها لست أنا، قلبت الرسائل كثيراً، فلا دلائل إثبات ولا دلائل نفي، هذه الفكرة صالحتني مع الأنثى بداخلي وغفرت لذاك الغريب اقتحامه لي ولبريدي مما جعلني أجدد انتظاري للرسائل القادمة، رسائل تأخرت كثيراً لتزيد من شوقي لها حتى وإن تغير الإحساس ليصبح لوماً وعتاباً.
لذا قررت أن أكتب لذاك الغريب القريب، أن أجدد عناقي والورق الوردي لأتمم رسم دائرة الحب، ليس مهما ما سأكتبه فقط كان يكفي أن آخذ قلماً وورقة لأبداً، فبداخل كل امرأة منا رجل متهم لغيابه أو لخيانته، أو لتقصيره، فالحكايات المجتمعية جمعت لكل واحدة منا رصيداً متكاملاً عن هذا الكائن الآخر، ويكفي أن يحتك القلم بالبياض ليثير كل تلك الحكايات ويدمجها ليرصد لنا كائنا ظالماً.
ليس مهما أن تراني أيها المتورط في حكايتي؛ فأنا أحب رسمك حبيباً خائناً، احتضنته يدي بدفء العشاق وباعها من أجل وهم حب في مكان ما، لا تهمني رسائلك التي صارت تطاردني من جديد، وهذا الحب الذي تبكيه ندما، لأنك لم تبح به يومها، فهو كان بداخلي منذ البدء حقيقة ثابتة.
الرسالة الأولى
ما عاد مهما أن تعود..
سأكتب لك كل يوم رسالة، أنسج تواريخها حسب ذاكرتي وأنت أعلم الناس أن ذاكرتي ضعيفة جداً.. ممكن. إلا فيما يخصك، أتذكر أصغر التفاصيل، لن أكلمك عن أول فنجان قهوة ارتشفناه معاً، كان أسوأ ما في المكان فنجان القهوة ذاك شاطئ جميل وصحبة تناسيناها ومقهى ووجبة غداء لا بأس بها وأنا وأنت، متقابلين فرحين من تخطي قدرنا وقف النادل وقال:
- من يريد قهوة؟
لمعت عينانا كأنما هدية القدر، توقيع اتفاق جديد، كان مذاقها سيئاً نوعاً ما، لكن تلاقينا كان يحلي كل شيء، ابتسمنا وارتشفناها وضحكنا حتى الثمالة، لا أحد يرفض هدية القدر.. تقاسمنا أشياء عدة، حتى حبة العنب.. ذاك كان هناك في غابة ليست كالغابات، أكاد أراك الآن تحصي كل ما اقتسمناه، الموزة.. سبقتك أين كان الأمر.. حاول التذكر..
أجل في السوق العتيقة بمدينتك، كانت ليلة حزينة دمعت عينانا معاً فيها، قرب الرحيل.. تذكرته الآن، مرارته ما زالت راسخة بذاكرتي وغصة ما زالت عالقة بقلبي إلى الآن.. أتساءل: متى أدركت أن ما عشناه كان حباً؟.. أَتذكُرُ لعبة القطار.. يوم كنت أتنقل من محطة لأخرى وكانت النافذة لا تحيد عنك، كنت أنت من أرحل منه إليه.. أهرب من كل من يقترب مني.. أتذكر؟
واليوم أراك أنت من يقرر ركوب القطار وأُطل أنا من النافذة أرقبك من بعيد، تماماً كحكاية بائعة الكبريت، أشعل ذكرياتي معك تباعاً، وشوقي ولحظاتنا، لتنطفئ وتبقى أنت محتضنا لطيف يشبهني، ممارساً طقوساً مارسناها قبلاً، مكرراً للحياة ذاتها التي عشناها معاً وواعداً إياه.. أتراك وعدت؟ وأقسمت؟.. ما زلت منبهرة بكل ما حصل.
وكيف نسجت خيوطك حولي على مهل ومحوت كل ما كان قبلك ورسمت حياتي من جديد، مولوداً لا يعرف سواك، لا ولن يدرك سوى أبعادك وما رسمته له، هل كنت أذكى مما تصورت، أم أنني كنت أغبى؟.. لا شك أن ما حصل هو قدر.. ألم تسمِّه كذلك، فحتى في قمة غضبي منك أعود لتعريفاتك وتصنيفاتك..
ابتساماتنا قدر
تصالحنا، خصامنا قدر
لقاؤنا، بعدنا قدر
حتى وأنت تكلمني لإلغاء الموعد الأخير كان قدراً..
غريب أمرك وأنت تلبس القدر وتـصبح أنت من يقرر..
الرسالة الثانية
هواجس
سيدي..
هل أبوح لك بهواجسي يومها حتى وأنا أبكي قرارك الجائر، كنت أبحث لك عن مبرر.. ربما لا يستطيع الإحساس بي، والأسوأ أن تكون قد أدركت مشاعري ومع ذلك تقرر ألا تأتي أو لا آتي أنا إليك، كيف استطعت أن تخلق مني هذا الكم الهائل من التناقض، غضب ورضاً.
اليوم قررت أن أنهي كل شيء، وأن أفقد تلك الذاكرة التي تحملك وتلدك في تفاصيلي اليومية، بمخاض لا مخاض فيه إلا ألمي بتذكرك، تغازلني ابتساماتي وكأنك أنت المتربع فوق شفتي بكل شهوانيتك، ترسم عليها بأصابعك كل التقمصات: حزناً، فرحاً، اشمئزازاً، وامتعاضاً أحياناً، حتى رحيلي عنك كان بوحي منك، أي جبروت هذا...
وقفت بمكتبة الرصيف في المدينة الحارة، حيث الشمس تشرق ببريق خاص يكاد يشبهك، كنت أنت المطل من عيني، المتصفح لكم الكتب المعروضة، أدرك أنني مهما غصت في قراءة الكتاب، فهو لك في الأخير، لذا كان اختيارك لا اختياري. رشيد نيني كاتب المقالة المشهور ويوميات مهاجر سري.. توليفة ستعجبك، تشبهك في كل شيء الوجه المرسوم على الغلاف وجه مقسم لنصفين، جانب أبيض كطيبتك التي أسرتني، وجانب أسود لا تكاد تتعرف عليه تماماً، وكأنه يتستر على ذلك الجانب الخفي فيك والذي لم أكتشفه إلا فيما بعد..
الكتاب يروي قصة مهاجر سري بتنقلات غير واضحة المعالم (تماماً كما أنت).. أتدري حتى وأنا أجزم أنني أكتب صك التحرر منك.. رسائل لن تصل إليك أجدني أهاب الحروف التي قد تغضبك، ومع ذلك أحاول وضع بعضها كنوع من التقمص بقناع القوة أمامك..
أتدري.. الحروب في بلدي وكما توارثنا حكاويها كانت قمة الرجولة والنخوة، وربما عن كرامات لكن يكفي أن تتملك جواراً فضفِاضاً لتدرك حوارات خفية عن ضعف مستتر وخذلان، وحتى عن تراجع يجعلني أوقن أن التحرر هو قدر مقدر، تماماً كحكايتي معك، والتحرر منك ما هو إلا قدر ربما أسعى إليه بأقدام مرتجفة لعلي لا أصِل.
الرسالة الثالثة
رحيل الأسطورة
هل فكرت في أن تمحو تواريخ معينة، وهل تنجح؟.. أم أنك مثلي تكتشف أن ما حصل هو أخطبوط.. مادة لزجة متولدة بمجرد لمسها للهواء.. تتوالد لتغطيك ولتسيطر على حواسك ولتصبح نقطة البدء..
خطوت يومها في الشارع الذي يفصلني عن بيت والدتي وأنا أفكر ما السبيل لأمحوك من ذاكرتي، وكيف أخبر كل من حولي أنك قررت الرحيل الصامت، وأن الأسطورة قد انتهت؟
اليوم قررت أن أكتبك بكل الخطوط والألوان، مستعدة أن أتحرر من كل علامات الترقيم لأجلك وحتى تكون صفحاتي بلا عقبات.. كم أنت قوي وكلماتك تنطلق لتضع قوانين عسكرية لعلاقتنا، علامات مرور في شوارع الحب، ترسانات وتحديد إقامة.. على مساحتي البيضاء، أنا حرة؛ فكن حرباً.. وكُن عقيد جيش.. وكُن شرطي المرور.. عسكر الجامعة.. حدود وهمية لأوطاني، لكن هنا في مخبئي السري منك أنا حرة. هنا أراك بكل الألوان، أحمر كدمي المنسكب فوق كل ورود الحب، وأسود كقهوتنا المفضلة.. ماركة مسجلة.. أتدري وفي قمة غضبي، وكلما أحسست بحاجتي إليك أقرر أن أشرب فنجان قهوتي على طريقة اعتدناها معا.. بكل الهدوء آخذ فنجاني، وأضع ملعقة قهوة، ثم ملعقة سكر، وقطرة ماء، فأحركها بنشوة المتحرر مما غرسته بداخلي من قسوتك، وأتخيلك وأنت تهاتفني:
- آلو، السلام عليكم.
- وعليكم السلام.
- ما بك؟ كأنما تفاجأت .
- لا، فقط كنت منشغلة بتحضير القهوة.
- سأتأخر قليلاً.
- لا عليك تأخر كما تشاء.