eKtab
EN ع
سأقذف نفسي أمامك
Read free sample

سأقذف نفسي أمامك

by ديهية لويز

Page 1

الفصل الأول

ما جدوى البقاء في حياة ليست لنا أية سلطة عليها؟

لماذا نتمسك بكل هذا الخراب الذي يستوطن بداخلنا أعوامًا طويلة ويتراكم مع كل يوم يمضي؟ كيف أفسر علاقتي بالوجود؟ هذا إن كنت موجودة أصلاً!

طبعًا.. ما معنى وجود بلا معنى؟ وجود وكفى؟ ألا يساوي هذا الوجود في النهاية العدم؟!

لم أتصور أني سأبدأ الكتابة بهذه الأسئلة الصعبة والمقلقة في الآن ذاته، لكن لا بد من طرحها؛ فعليّ أن أجد جوابًا يقنعني، أو يرضيني لأستمر. لكن أستمر في ماذا؟ في الوجود وكفى؟!

بل في الحياة، إن تمكنت عبر هذا المتنفس الجديد الذي اكتشفته للتوّ (أنا وهو الكتابة) من حلّ هذا اللغز المحيّر لمعضلة وجودي، أو بالأحرى إثبات هذا الوجود بأية طريقة؛ علّني بعد ذلك أتمكن من الخروج من هذه القوقعة الداخلية العميقة التي أدخلني فيها هذا الوطن بخيباته المتكررة، وأمراضه المستعصية.

أكيد.. لا بد من إيجاد مسؤول عن هذه الفوضى التي تعيش بداخلي أو أعيش وسطها، لا أدري أيّ منهما الأصح ولا يهم كثيرًا. لا بد أن ألقي اللوم على الوطن، على الآخرين، على اللعنة التي أصابتني من القدر من يوم قرر أن يتفنن في رسم لوحته الكئيبة على حياتي.

لكن سؤالاً آخر يلح عليّ في هذه اللحظة: لماذا أكتب؟ ألا يمكن للكتابة أن تورّطني أكثر في الدهاليز الخفية بداخلي، وتحملني إلى تلك المتاهات المعقدة أين لا عودة منها ولا شفاء يرجى؟!


وماذا يهم ما دمت في كل الأحوال فانية؟ طبعًا، الموت واحد وإن اختلفت أشكاله وألوانه. على الأقل سأجرّب هذه المحاولة الأخيرة في التحدي أو التهرب من الواقع ومعطياته التي تؤكد لي حتى هذه اللحظة، حتى هذه الساعة الأولى من الفجر الذي يصارع الظلام في الخارج، حتى هذا الزمن الثابت من جلوسي أمام جهاز الكومبيوتر لأكتب، تؤكد لي أن لا معنى لبقائي على قيد هذه الحياة..

Page 2

لكني سأكتب، وعبر الكتابة سأجد بالتأكيد ذلك السر في معنى وجود الإنسان على وجه الأرض.. تحدٍّ أكبر مني على ما يبدو، لكني سأحاول، فلا ضير في ذلك سوى المزيد من الألم، لكن لا يهم بما أنه في كل الأحوال يسكن يومياتي منذ تلك الليلة الباردة التي بدأت بقبلة، قبل أن تنتهي بالدمار الشامل..

أجل.. كانت البداية من هنا، من القبلة الأولى التي شعرت بها على شفتي، من الرعشة الأولى التي سرت في جسدي ذات مساء من شهر جانفي 2000، تلك القبلة التي أعلنت كل الحروب الممكنة على السكينة والطمأنينة في حياتي. واليوم، بعد مضيّ أكثر من اثني عشر عامًا، لا بد أن أخلّدها أو أقتلها بالكتابة، ولا بد أن تكون فاتحة هذا الكتاب الذي تورطتم في قراءته دونما عِلم مسبق إلى أين يمكن أن يأخذكم. أنا نفسي لا أملك الجواب الذي يمكن أن يرضيكم؛ لأني أكتشف معكم هذه التجربة، لذلك فلنمضِ معًا حتى نصل إلى تلك النقطة المبهمة أو الواضحة لمعنى هذه الكلمات، التي تتكبدون عناء قراءتها والتمعن في تفاصيلها، بعدما تكبدت من العناء ما يكفي ويزيد لجمعها في نصّ منظّم جاهز للتقديم.

إذن البداية كانت قبلة.. أجل، على ما أظن، أو بالأحرى حسب ما تجود به ذاكرتي من المعلومات المرتبة بالتسلسل الزمني، فحتى الذاكرة لم تسلم من كل الفوضى التي حدثت في حياتي.


كيف لي أن أعود إلى تلك اللحظة الآن؛ لأوفيها حقها من الكلمات اللازمة لتعبّر عن نفسها، ويتّضح لكم نفس المشهد الذي كنت ألعب فيه دور البطولة؟ قرار صعب هذا الذي اتخذته في التعري أمام الورق على ما يبدو، حتى إنني بدأت أتراجع فيه..

لكني سأكمل وأكتب وأتعرى، رغمًا عني، وبإرادتي.. فلم يعد هناك غير الكتابة كملجأ أخير لهذا الكم الهائل من الخراب الداخلي.

اليوم وأنا أظن أن القدر اكتفى من رسم لوحته الكئيبة على وجهي، أستطيع أن أكتب وأنتقم منه بالنسيان. لكن هل يمكن أن أنسى؟!

وسؤال آخر قبل أن أجيب عن الأول: من أين سأبدأ لأنتقم وأعيد لجسدي الحياة رغمًا عنه؟ أية هزة أنشر على أوراقي كي أشفى منها؟ من أين سأفتح أبواب حزني لترسم لوحة أخرى للنسيان، أو ربما التناسي؟ وأي منهما أرحم بـي؟!

يبدو أن أسئلتي أكبر مني، ومن حلمي بالشفاء من ذاكرتي..

مازلت أحتفظ بمذاق شفتيه على فمي في تلك القبلة الأولى التي رسمت لحياتي منعرجًا لا نهائيًّا، وسمحت للقدر والبشر أن يجعلوا مني وطنًا للخراب، حتى وأنا أكتبها الآن، أضع أصابعي على شفتي فقط لأتأكد أن كلّ ذلك أصبح من الماضي.

ها هي الذاكرة تسخر مني وتفرض حضورها كل مرة أكثر إصرارًا..

Page 3

وكلما زاد عنادي بالنسيان، أتت الذاكرة أقوى من أي وقت مضى. يذكرني هذا بقصة يهودي بولوني بعث بابنه إلى عاصمة البلاد ليدرس الفيزياء والكيمياء، وقد أنفق في تعليمه مالاً كثيرًا. وبعد انتهاء تعليمه وحصوله على شهادته، عاد الابن إلى أبيه الذي أصبح فخورًا به ليقول له: "لقد أنفقت في تعليمك الشيء الكثير، ولابد أنك تعلمت في الجامعة كيف تصنع لي ذهبًا". تنهد الابن وقال: "خذ هذا الخليط من الإسمنت والرمل وقطعة الخشب وحرّكه خلال ثلاث ساعات، خلال هذه الفترة إن لم تفكر مرة واحدة في التماسيح، فإنك ستجد بقاع الإناء ذهبًا. بعد نصف ساعة ترك الرجل عمله قائلاً: "أنا في الأيام العادية لا أفكر أبدًا في التماسيح، الآن لا أفكر إلا فيها".


أفقت على صوت الباب وضجيج في الغرفة المجاورة لغرفة نومي. كنت أعرف أنه هو، فلا أحد غيره يدخل في الثانية صباحًا ليزعج الجميع؛ لأنه لا يرى الطريق إلى سريره من كثرة ما شرب. ألقيت بجسدي من السرير وذهبت إليه أساعده؛ كي لا أوقظ أخي نسيم، فقد كان يومه مرهقًا، وليتني فقط لم أتحرك من مكاني..

اتجهت إليه، وجدته على الأرض يستمتع ببرودتها في عزّ الشتاء، لم يكن عاجزًا عن النهوض، لكنه يتكاسل بفعل الخمر الذي أذهب عقله.

- أنت بخير؟

- مريم.. تعالي وساعديني.

أمسكت بذراعه واتكأ عليّ ليقف أخيرًا على قدميه، لكنه تمايل وأخذني معه، ليلتصق ظهري بالجدار وجسده يقارب جسدي. كانت أنفاسه مع رائحة البيرة تلفح وجهي. ظللت لحظة مسمرة بتلك الوضعية أنتظر أن يبتعد عني، لكن بدل ذلك ترك ذراعه تحيط بخصري بهدوء، قبل أن يجذبني إليه بقوة تكاد تكسر عظامي، وضع شفتيه على فمي ورائحته تخنقني، يده كانت تتسلل في جسدي لتبعث فيه رعشة لم أعرفها قبل تلك اللحظة.


طالت قبلته وهو يتلذذ باحتواء جسدي النحيل بين ذراعيه، للحظة نسيت الرائحة ورحت أستمتع باكتشافي لسحر لم أعرفه، قبل أن تعود إليّ صورة تجعلني أدفعه بكل قوتي وأفلتُ من ذراعيه، ثم أدخل إلى غرفتي وأغلق الباب بالمفتاح قبل أن يقتفي أثري.

دخلت إلى فراشي أتشبث بالغطاء الصوفي، وكأنني عائدة من معركة خاسرة ضد شخص لم يكن في موقع حرب. كانت قدماي ترتجفان من الخوف، وقلبـي ينبض بسرعة وكأنه يحاول الخروج من صدري.

ما الذي حدث؟ ماذا فعل؟ أكان الخمر السبب في أنه لم يعرف أنني ابنته؟ أم إن غبائي بالخروج من غرفتي كان السبب في ذلك؟ ما الذي كان سيحدث لو بقيت بأسر ذراعيه؟ كيف سمحت لنفسي أن أشعر بالمتعة في قبلته ولمساته؟ كيف نسيت أنه أبـي؟!

لكني حينها لم أعرف ماذا كانت تعني قبلة ولمسة، كنت في التاسعة عشرة من عمري ولم يلمسني رجل قبل تلك اللحظة، لم أشعر أبدًا بتلك الرعشة التي سرت في جسدي، فهل كان ذنبـي أن أعرف معنى كلّ ذلك مع رجل كان والدي؟ مَن كان عليه في النهاية أن يدرك أنّ ما كان يفعله ليس صوابًا؟ لكن ماذا يفعل إن كان الخمر قد احتسى كلّ إدراكه؟

كنت ألتف بغطائي ليس من البرد فقط، لكن من الخوف أيضًا، شعرت بخطواته متثاقلة أمام الباب لحظة، قبل أن يدخل إلى غرفته ويرمي بثقل جسده على السرير غير آبه بالمرأة المنهكة المستلقية عليه.

عادت الأفكار والأحاسيس تتصارع بداخلي دون أن ينهزم طرف معيّن. لا أسترجع تلك الرعشة في جسدي، حتى يأتي صوت آخر يذكرني أن ما حدث كان خطأ، وكل منّا يتحمل جزءًا من المسؤولية. لكن أية مسؤولية كانت تقع عليّ إن كنت لم أنهض من مكاني إلا بحسن نيّة؟ وكيف لي أن أعرف حينها ما كان الخمر قادرًا على إحداثه؟


لم أستطع النوم ليلتها من ترقب باب غرفتي، ومن الأفكار التي كانت تخوض معركة بداخلي لا نهاية لها. في الصباح أيقظت أخي نسيم باكرًا على غير العادة لأصطحبه معي إلى المدرسة. كنت أريد الخروج من المنـزل قبل أن يستيقظ والدي، لكن صراخه سبقني.

- ألا تسمعين يا امرأة؟ أين القهوة؟

- إنها على الطاولة في المطبخ، انهض واشربها هناك.

Page 4

قبل أن تتمّ أمي كلمتها الأخيرة، انهال عليها أبـي بالضرب، وصوت الكدمات على جسدها يصلني إلى غرفتي.

- حرام عليك يا واحد "الحقار"..

وكلما ازداد صوت أمي ألمًا، ازدادت متعته في ضربها. لم أخرج من غرفتي، كنت أنتظر أن ينتهي فيلم الرعب الذي بدأ في السابعة صباحًا، في يوم 24 جانفي 2000.. ماذا أفعل بعناد الذاكرة؟

ساد صمت مخيف بعد تلك العاصفة، فكرت أن أبـي ملّ من ذلك فخرج إلى عمله. خرجت من الغرفة ووجدته أمام الباب، رمقني بنظرة قاسية لم أفهم معناها، قبل أن يخرج أخيرًا ليسود بعض الهدوء.

- أمي، أنت بخير؟

- لا تقلقي حبيبتي، أنا بخير. عليك الذهاب إلى المدرسة واصطحبـي نسيم معك.


- طبعًا، ما الذي حدث؟

- لا شيء.. اهتمي فقط بأخيك، سمع شيئًا؟

- لم أستطع منعه من سماع كل ذلك الصراخ.

- ماذا أفعل يا ربـي؟! لقد تعبت، تعبت..

انهارت أمي أمامي للمرة الأولى ودموعها خانتها. لم أعرف بالتحديد من أواسي، هي أم نفسي؟ كيف أخبرها بما حدث ليلة البارحة؟ وبأية طريقة؟ لا، لن أزيد عليها همًّا آخر. لكن يجب أن تعرف، ماذا لو عاد ليفعلها مجددًا؟ حينها من سينقذني منه؟

لكني لم أملك الشجاعة لأخبرها، ليس فقط لأني لا أريد أن أزيد من ألمها، لكني شعرت أنّ لي يدًا فيما حدث، وأنني متواطئة معه في خطئه. لكن ما الذي كان سيتغير لو أني أخبرتها؟ أكان ذلك لينقذني من الجحيم الذي رأيته؟

متيقنة أني لن أجد أجوبة لأسئلتي الكثيرة، لكن لا ضير في طرحها ما دامت لا تزيد إلا من تعذيبـي بوجود احتمالات أخرى. أزيد من شقائي بالكتابة ولا أشفى..

اصطحبت نسيم معي إلى مدرسته في طريقي إلى الثانوية، وكنت أتساءل في الطريق: ما ذنب طفل في الثامنة من عمره لترميه الأقدار في هذه البقعة من الأرض، أين لا يجد سوى الخراب؟ كيف سيكون رجلاً سويًّا حين يكبر؟ أية عقدة ستتركها هذه المآسي فيه؟!

أمضيت يومي في استعادة ما حدث خلال دقيقتين بالتحديد، قبلة ولمسة ورعشة. تُرى هل كان أبـي يستوعب لحظتها من أكون؟ أم إنه اكتفى برؤية جسد امرأة وهو في حالة اللاوعي التام؟ لماذا رمقني بتلك النظرة القاسية وهو على وشك الخروج هذا الصباح؟ أكان يحذرني أن لا أخبر أمي؟ إذن فهو يعرف تمامًا ما فعله الليلة الماضية. إن كان يتذكر فذلك يعني أن وعيه لم يكن غائبًا تمامًا!


مررت على مدرسة نسيم في الثالثة بعد الظهر لأصطحبه معي إلى المنـزل مثل العادة. في الطريق سألني سؤالاً لم أتوقعه.

- مريم، لماذا كان أبـي يقبّلك البارحة؟

- ماذا؟ لا، لم يكن كذلك.. كان فقط متوعكًا فساعدته على الدخول إلى غرفته. ثمّ ألم تكن نائمًا؟

- أيقظني صوتكما، كنت وراء الباب ورأيت ما حدث.

Page 5

- نسيم حبيبـي، لقد أوضحت لك الأمر الآن، وسأطلب منك أن لا تخبر أمي بما رأيته، تعلم أنها مريضة هذه الأيام وتحتاج إلى الراحة.. تعدني؟

- حسنًا.. كما تريدين.

أكان يجب أن يكون هناك شاهد آخر على ما حدث؟ كيف سأقنعه بعكس ما فهمه؟ كيف أفسر له أمرًا أكبر منه ومني؟ ماذا أفعل لو أنه أخبر أمي؟ كيف سأبرر لها إخفائي لأمر مهم كهذا؟

كنت أعرف أن نسيم لن يخذلني، ولم يخذلني ليس فقط لأنه وعدني، لكن لأن القدر لم يترك له الفرصة ليفعل.

عدت إلى المنـزل مع نسيم، وجدت أمي تجمع بعض أغراضها وكأنها ستذهب إلى مكان ما. شعرت بالخوف، ليس لأنها ستذهب وربما لن تعود، فأنا أعرف أمي كلما ضاق بها منـزلها تلجأ إلى بيت خالي حامد وجدتي وردية، تُفرغ ما في جعبتها من هموم وتعود بعد يومين أو ثلاثة؛ لأنها اشتاقت إلينا وإلى زوجها، فبالرغم من قسوته فهي تحبه، أو على الأقل متمسكة به. لكن هذه المرة الأمر مختلف، ستتركني وحدي مع ذلك الرجل الذي أصبح غريبًا عني بعد ما حدث. كيف يمكنني إقناعها بالبقاء دون أن أضطر لإخبارها بكل شيء؟


- أمي، هل ستذهبين إلى مكان ما؟

- أجل مريم، كنت أنتظرك. سأصطحب نسيم معي إلى منـزل خالك.

- ولماذا تريدين الذهاب اليوم؟ ثم إن نسيم لديه مدرسة غدًا.

- آه، نسيت ذلك.. أخبرت والدك أني سأذهب وقد أقنعته بصعوبة، اعتن بنفسك وبأخيك.

قبل أن تتم جملتها الأخيرة، وصلتْ إلى الباب مسرعة وكأنها تهرب من مكان تختنق فيه. لم تترك لي الفرصة لأقنعها بالبقاء هذه الليلة بالتحديد، أن تبقى من أجلي ولو لمرة. أكانت بقيت لو أني أخبرتها؟ لكني لم أخبرها، وهي ذهبت لتنسى آلامها وتتركني أكتشف جحيمي وحدي.

كنت أتابع أمي وهي تغلق الباب بسرعة خلفها، والأفكار بدأت تهاجم رأسي. ما الذي سأفعله الآن وحدي معه؟ ماذا لو عاد إلى ما قام به ليلة البارحة؟ كيف سأتصرف هذه المرة؟ عليّ فقط أن أختفي عن نظره هذا المساء وأدّعي النوم، في انتظار الغد الذي سيكون يومًا جديدًا، وربما يكون أجمل، من يدري؟! ثم ماذا لو نسي ما حدث البارحة وعاد الرجل الذي أعرفه منذ سنوات؟ لا يحدّثني سوى ليأمرني بشيء، وما عدا ذلك ينسى تمامًا وجودي في المنـزل. ماذا لو أنه كان فقط ثملاً ولم يدرك ما كان يفعله؟ لا بد أنه نسي، وسيدخل مثل عادته ليطلب مني أن أسخّن له العشاء، يأكل ويشاهد الأخبار ثم يعود إلى عمله في المقهى، وكأن شيئًا لم يكن. أكيد لن يحدث شيء..

استولت عليّ هذه الفكرة الأخيرة، طردت المخاوف التي اجتاحتني، وسخرت من نفسي ومن غبائي وخوفي الزائد من أبـي،فقط لأن أمي غادرت المنـزل وتركتني وحدي معه. في النهاية هو والدي، ربما ليس الأب المثالي بالنسبة لي، ولا الزوج الصالح لأمي، لكنه الرّجل الذي بدأ وجودي من نطافه على ما أعتقد، أعيش تحت سقفه منذ تسعة عشر عامًا، فما الذي سيتغير الآن؟ أكيد لن يتغير شيء..


- مريم، أين العشاء؟

- آتية.. أمي غادرت إلى منـزل خالي حامد.

- أعلم ذلك.. أخبريني، كيف تسير أمور الدراسة؟

قبل اليوم لم يسألني عن دراستي، حتى إنه لا يدري أية سنة أدرس، فما الذي تغيّر الآن؟ أكانت قبلته السبب في أنّه انتبه فجأة إلى وجودي؟ ربما يكون مجرد فضول فقط، أو لمجرد كسر الصمت المربك الذي كان يحتل المطبخ. لكني كنت أشعر بنظراته المريبة تتفحص جسدي من الرأس حتى أخمص الأقدام، أم إنه هذيان رأسي المتعب الذي يصور لي أي شيء؟

- جيدة..

Page 6

انصرفت إلى غرفتي وبداخلي فوضى الأحاسيس والأفكار المتعاركة. هاهو إذن نسي ما حدث وعاد أبـي، وليس الرّجل الذي أخافني حدّ الرعب. لكني لا أستطيع النسيان؛ لأني كنت بكامل إدراكي، جسدي هو الذي كان يعتصر بين ذراعيه من الرغبة والقرف في اللحظة ذاتها.

ألقيت نظرة على نسيم وهو يغط في نوم عميق، حسدته لأنه لا يعرف من الحياة الشيء الكثير، يكتفي بألعابه القليلة، وبمشاهدة أفلام الكرتون على التلفزيون، يبتسم من أعماقه دون أن يخالجه شك في صدق ما تشاهده عيناه. أحسده لأنه لا يحمل في قلبه سوى البراءة، ولأنه لم يعرف بعد الوجه المخيف للحياة، وربما من حسن الحظ أنه لم يتسنّ له الوقت الكافي لاكتشافه.


استلقيت على سريري، لأعود إلى عالمي الخاص مع رواية إحسان عبد القدوس التي أهدتني إياها صديقتي إيناس. قرأتها أكثر من مرة، لكني في كل مرة أكتشفها من جديد، فيها تلك القدرة الخفية لتُحدث بداخلي زوبعة رائعة، وتعلق بذاكرتي كل تلك التفاصيل التي كان يصفها بدقة متناهية، لا يمكن الريبة في أنها مجرّد أحداث منسوجة من خيال كاتب متميز. تبهرني قدرته على نسج الأحداث بكل تلك الدقة في الزمان والمكان والشخصيات.

كنت أحسده هو الآخر، على الأقل يستطيع أن يكتب ما يريد، بالطريقة التي تعجبه، يخلق أبطالاً من ورق ليرسم لكل واحد حياة وقدرًا على الشكل الذي يرضيه. حتى إنه يولد كل مرّة في كتبه الرجل الذي تمليه عليه لحظة الكتابة، يجعل من نفسه بطلاً إذا شاء، رجلاً لا يعترف بالهزائم، يكتب كل الجوانب التي تنقصه في الواقع ليكون الرجل المثالي، حتى وإن كان ذلك في كتاب.

ليتني أستطيع مثله أن أفصّل روايتي على النحو الذي أريده، وألغيَ منها كل الخيبات والانكسارات التي تملأ صفحاتها بالسواد! ليتني أكتب شيئًا غير الحقيقة لأولد من جديد على الأقل في هذه الصفحات!

لكني لا أملك من الخيال ما يكفي لأنسج قصة أخرى غير قصتي، تفاصيل أخرى غير تلك التي تركت حفرًا بداخلي. لا أملك موهبة الكتّاب في صنع الأحداث، لا أملك سوى الأحداث التي تصنعني كل مرة على النحو الذي يريده الآخرون وليس أنا. لا أملك القدرة على مراوغة القدر على الورق، فلم يترك مني سوى قصر حزين تعبره الرياح من كل الجهات.

لذلك لن أكتب سوى حقيقتي، لأنثرها على صفحات، أغتصب بياضها مثلما اغتصبوا ابتسامتي التي كانت جميلة مثلما كان يقول عمر. لن أكتب سوى نفسي، بكل خيباتها وانكساراتها الداخلية، بكل ضعفها وقوتها. ليس لأني لا أحتاج إلى شخصية جديدة على الورق، فليس هناك أحوج مني إلى شخصية أخرى، أكثر قوّة لتواجه عالمًا لا يرحم. لكن لأني لا يمكن أن أكون غيري، أن أصطنع صفات ليست لي، لا أملك سوى هذه المريم التائهة بين دهاليز الحياة دون أن تعرف وجهتها بالتحديد. لا أملك أكثر..


ها هي كلماتي تتحداني وتذكرني بحقيقةٍ لم أملك يومًا القدرة على مواجهتها. ياه.. ما هذا السحر الذي تملكه الكتابة؟ كيف أستطيع أن أتعرّى بالكتابة ولم أفعل ذلك يومًا حتى مع نفسي؟ كيف يمكن أن أقرّ هنا بحقيقتي التي أهرب منها كل مرة؟ لكن في النهاية، هل سيتغير شيء بالكتابة؟ هل سأشفى من حقيقتي الهشة ومن ذاكرتي العنيدة؟!

Page 7

الفصل الثاني

كم من الكلمات تلزمني لأفصّل كل الحقيقة، كل التفاصيل دون أن أغيّر شيئًا من لوحة القدر التي رسمها على وجهي الكئيب؟ كم يلزمني من الهذيان والأرق لأعيش تلك اللحظات من جديد، بكل الألم الذي ينخر قلبـي كل مرة، قبل أن تموت إلى الأبد هنا على أوراقي؟ لكن هل يمكن أن تموت؟ الذاكرة لا تموت، الذاكرة العنيدة لا تتشبث سوى باللحظات الأكثر ألمًا..

أجهد نفسي لأجد شيئًا جميلاً يعيد إليّ ابتسامتي فلا أجد سوى الدمار.. لا أدري منذ متى فقدت ابتسامتي، لم أنتبه لذلك إلاّ اللحظة، أأكون فقدتها يوم قرّر والدي قتل علاقة الأبوّة بقبلة ثم بـ...؟ ربما.. رغم إني وعدت عمر أن لا أمسح الابتسامة من وجهي، لكن الزمن لم يترك لي ما أبتسم له يا عمر، لم يترك لي سوى دموع أغرق فيها..

سمعت صوت الباب ينغلق بعنف، خرج والدي بعد عشائه ولم يحدث شيء.. ها هو إذن نسي ما فعله البارحة، ها هو نفس الرجل الذي عرفته منذ فتحت عينيّ على الدنيا، رجل غير مبال لا يهتم سوى بعمله وكأسه.

عاد إذن كل شيء كما كان، وكأن شيئًا لم يكن. تراني رأيت كابوسًا ليلة أمس، وأنّ الذي حدث كان من صنع خيالي فقط؟ معقول؟!

كنت دائمًا لا أفرّق بين الحقيقة والحلم، لطالما رأيت أحلامًا كانت تتحقق بكل التفاصيل وبالدقة نفسها، حتى عدت لا أعرف أية ذاكرة أملك بالتحديد؟ أهي ذاكرة الأحلام، أم ذاكرة واقع مرّ تمنيت أن يكون حلمًا أو كابوسًا ينتهي في لحظة ما؟!


لكن ما حدث لم يكن حلمًا، ربما تلك الحقيقة الوحيدة التي أنا متأكدة منها، على الأقل نسبيًّا..

صوت المطر الذي يلتقي بالأرض، كأنه يعزف سيمفونية اللقاء بعد طول فراق، يغريني ويدعوني بصمت للخروج إلى باحة المنـزل، أرفع وجهي إلى السماء، تغازلني قطرات المطر، تنـزلق برفق على شفتي وتغسل وجهي المتعب. لكني أتذكّر أنّ أمطار جانفي لا ترحم، تسقط بقوة وكأنها تريد الانتقام من شيء ما. وأتذكر أنّ البرد في الخارج سينخر جسدي، لذلك سأكتفي بسماع أغاني لوناس معطوب، وأتشبث بغطائي الدافئ.

أغفيت على صوته الحزين، لكني فجأة شعرت بشيء يلمس قدمي. كنت في اللحظة التي تفصل الحلم بالحقيقة، جسدي كان مستسلمًا تمامًا لإغفاءة ناعمة. بدأ البرد يجتاحني من ظهري، فاستدرت لأرتّب الغطاء، لكن خيّل إليّ أن جسدًا يجلس على حافة السرير في ظلام الغرفة. انتفضت من مكاني وأنا أصرخ، أسرعت إلى النور أشعِله، فإذا به هو.. إنّه هو، أراه أمام عيناي، وهذه المرة لم أكن أحلم..

Page 8

- لا تخافي مريم.. هذا أنا.

- ماذا تريد؟

لوهلة تحوّل إلى رجل غريب بالنسبة لي، رجل تحركه الغريزة فلم يبق له من الإدراك ما يميّز به من أكون.. كانت عيناه ناعستين، يفتحهما بصعوبة، يرمقني بنظرات مخيفة. أنظر حولي علّني أجد مخرجًا، لكني اصطدمت بوجه نسيم الذي أيقظه صراخي، هرعت إليه أحتويه بين ذراعي لأطمئنه، لكن الحقيقة أني كنت أتخذه كخط دفاع بيني وبين ذلك الرجل الذي أرعبني، كنت أطَمْئِن نفسي عبره..


وأنا أنظر في عينيه، لا أرى سوى تلك النظرة الغامضة التي لم أكن أفهمها قبل ذلك اليوم. كان وجهه مثل لوحة متداخلة الألوان، لوحة لا يعرف صاحبها معناها، ولا لماذا رسمها ورماها في تلك البقعة من العالم.

شعرت بنسيم يرتجف بين ذراعي. ماذا أفعل؟ ماذا سيفعل؟ هل آخذ نسيم وأخرج؟ هل أبقى علّه يذهب وينسى الأمر؟ لا بدّ أن ذلك ما سيحدث، أعلم أنّه يحبّ نسيم كثيرًا ولن يفعل شيئًا. سأبقى وكفى، إنها مجرّد وساوس عقل مرهق من التفكير في أحداث رواية، عقل لم يسترجع تمامًا وعيه من إغفاءة كانت تجتاحه قبل لحظات. لكن صوته جاء ليهدّم الفكرة الجميلة التي وصلت إليها بعد جهد طويل..

- أريدكِ.. أنتِ فقط.

اقترب من السرير، انتشل نسيم من بين ذراعي وأبعده عني. بقيت مجمّدة لا أستوعب ما يحدث وما يمكن أن يحدث..

كنت دائمًا أتساءل ما إذا حملتُ رجليّ المتعبتين حينها وخرجت من المنـزل، هل كان سيتغير شيء؟ هل كان نسيم لينجو من الكابوس الذي وضع حدًّا لأفكاره البريئة إلى الأبد؟ ذلك هو الاحتمال الذي لا يمكن أن يحدث، وقد مضى من الزمن ما يكفي حتى لا يتغير شيء من خطوط الواقع الكئيب.

هذا عيب الكتابة إذن، ها أنا أكتشف عيبها قبل أن تتمّ فرحتي باكتشاف سحرها قبل لحظات. عيبُها أنها تضع لي احتمالات أخرى كان يمكن أن تكون لو.. هذه الكلمة المستفزة "لو".. لو أني من وضع قاموس اللّغة العربية لما كانت فيه، لكن ماذا أفعل إن كنت قد بدأت جملتي بهذه الكلمة بالتحديد؟!


في النهاية، الكلمات ليست سوى جسر نعبّر به عن كل ما يحمله القلب من كدمات أو مسرات؛ لنصل عبره إلى نقطة مبهمة لا نفهمها، ولا نعرف كيف وصلت بنا الجرأة لنتجاوز كلّ ذلك الكمّ الهائل من العواطف في كلمات!!

في طفولتي، كانت أمي تقول لي دائمًا إني أكثِر من طرح الأسئلة، لأني أريد أن أفهم كل شيء. لكن عليّ أن أقتنع في النهاية أن هناك أمورًا في الحياة لا يمكن فهمها، مهما طرحنا من الأسئلة الذكية أو الساذجة. ثم مع الوقت تأكدت لي حقيقة أخرى: أن الإنسان الذي لا يسعى وراء معرفة كثيرة في الحياة يكون سعيدًا، بينما الشقاء يلازم العلماء والمفكرين لأنهم يعرفون أكثر ممّا ينبغي، ما يجعلهم يبحثون دائمًا عن التالي.

بالرغم أني لم أصل إلى درجة العلماء ولا المفكرين، لكن حصل لي شرف معرفة الحياة بوجهها المرعب، الذي لا يترك سوى انشقاقات مرهِقة في القلب. لكني مثلهم أبحث عن التالي، عن الموجود في الضّفة الأخرى (أي ما بعد الموت)، أو في نفس الضّفة لكن بوجه مختلف. مثلهم أبحث عن حلٍّ لمعضلة حياتي، علّني أغيّر فيها شيئًا، من يدري؟!

Page 9

وقد وجدتُ وسيلة سلسة لأنثر جنون حياتي المجنون على الأوراق لأشفى منه. لكن لماذا أكتب؟ لأيّ شيء تصلح كتابتي في النهاية؟ وهل تعلمون أنتم بالذات لماذا تتابعون بعينين قلقتين تفاصيل قصّة مجنونة، رسمتها يد القدر بعبثية دون أن يلتفت وراءه ليرى ما خلّفته ألوانه الحزينة.


أعلم تمامًا في هذه اللحظة من الصّفاء أني أقول كل شيء، لكني لا أقول المهم.. أقول كلامًا فارغًا فقط لأجد لنفسي منفذًا من مواجهة ذاكرتي، رغم الإرادة الكبيرة التي تحلّيت بها لأكتبها.

بعدما أبعد نسيم عني، التفتَ إليّ لحظة قبل أن يأخذني من ذراعي بقوة، انتشلت جسدي من على السرير، كان يجرّني وراءه غير آبه بـي ولا بنسيم الذي بدأ يفهم أنّ هناك شيئًا غريبًا يحدث أمام عينيه، فبدأ بالبكاء.

لأوّل مرّة أشعر بأنّ غرفة أمي مخيفة حدّ الرعب، زجّ بـي داخلها دون أن يقفل الباب وراءه. اقترب مني وبدأ يبتسم مثل شخص عثر على كنـز كان يبحث عنه مدّة طويلة. أنفاسه بدأت تلفح وجهي، ورائحة الكحول القوية التي تنبعث منه تصيبني بالغثيان. فجأة تحوّلت ابتسامته إلى ضحك أو قهقهة هستيرية، وأنا قابعة في مكاني أشفِق عليه من نفسه، وأخاف على نفسي في الآن ذاته.

كانت لحظة غريبة بكل تناقضاتها بداخلي، لحظة تجمع الخوف والترقب، الامتعاض والغضب، لتتركني مجمدة تمامًا. رغم بداخلي بركانًا من الانفعالات كان يجب أن تنفجر في تلك اللحظة بالذات أو تسكت إلى الأبد. وقد خذلتني إرادتي في تلك المرّة، واختارت الحل الثاني..

انقلبت ملامح وجهه، ليتحول إلى وجه لا يرغب سوى بالعنف. انفلتت يداه إلى صدري ليمزق قميص نومي الأزرق، اجتاحني برد يعبر جسدي من صدري العاري، قبل أن أتفطّن للحظة - لم يكن الوقت مناسبًا لها - أن نهديّ قد بزغا أكثر، وأني بدأت أشعر بأنوثتي!!


لكنه لم يتركني أستمتع بذلك الاكتشاف طويلاً، أطبق شفتيه على فمي، ويده كانت تعصر بعنف نهدي الأيسر. كنت أهرب من شفتيه ولعابه الذي كان يملأ فمه ووجهي، لكنه ابتعد أخيرًا عني وبدأ يتأملني على بعد خطوتين. للحظة شككت في قواه العقلية، وتلك الانقلابات من حالة إلى نقيضها، لكن طبعًا لم أكن أملك من التركيز ما يكفي لأدرس حالته النفسية، كنت أحوج منه إلى المساعدة!

دفعني بكل قوته لأرتمي على السرير الذي يفوح منه عطر أمي، فكّرت فيها بتلك اللّحظة. المسكينة كيف كانت لتتخيل أنّ امرأة أخرى ستنام على سريرها، وأنها ستكون ابنتها؟! ليس هناك أسوأ من جريمة الخيانة، خاصة إذا كانت من الوزن الثقيل مثل هذه. لكن ما ذنبـي إن وجدت نفسي خطأ على سريرها؟ ثمّ ألم يكن ذنبها أن تتركني وحدي معه هذه الليلة بالتحديد؟ ألم تستطع تأجيل خيبتها منه إلى يوم آخر؟

ارتمى بجسده الضّخم عليّ، يداه كانتا تنتشلان ثيابـي بالعنف نفسه، وأنا أحاول أن أبعده بكل قوتي، لكن جسدي النحيل لا يسعفني. سمعت صوتًا من باب الغرفة، ولمحت نسيم يتقدّم بسرعة إلى السرير.

- اتركها.. دعها وشأنها.

- نسيم، ابتعد من هنا..

شعرت بعيني نسيم تملأهما الدموع، وهو يسحب أبـي من قميصه الكحلي. وقعتْ عيناه على صدري العاري، فأشاح بنظره بسرعة وألقى بوجهه البريء إلى الأرض. لم أتحرك من مكاني، وجسد والدي مازال يحاصرني، اكتفيت بتتبع حركات نسيم وتجرع الألم بصمت..


- قلت لك اتركها..

نظر إلى نسيم، ودفَعه إلى الخلف بحركة عنيفة. تعثرت قدماه، ورأيته يتهاوى على الأرض ورأسه يصطدم بالطاولة الزجاجية.

دفعت جسد أبـي المرتمي عليّ بكل ما جادت به عليّ قوتي، وهرعت إليه، رفعت رأسه إلى حضني، وشعرت بشيء دافئ يسيل من رأسه على يديّ.

- نسيم.. استيقظ، ابق معي..

كنت أترقب عينيه المغمضتين، أنتظر أن يفتحهما، أضمّه إلى صدري العاري والدموع تخنق صوتي.

- افعل شيئًا، ولا تحدق به.. كيف يموت؟ أنت السبب..

Page 10

لم أستطع التحرك من مكاني، وأنا أشعر بكل ذلك الدم الذي يسيل منه ويملأ يديّ وثيابـي. التفتُّ إلى أبـي الذي ظلّ مسمّرًا في مكانه يتفرّج على المشهد دون أن يفعل شيئًا، وعيناه مفتوحتان عن آخرهما.

خرج دون أن ينطق ببنت شفة، تصوّرت أنه سينادي أحدًا لإسعاف نسيم. بعد لحظات أحسستها طويلة من ترقب الباب لم يعد.. ونسيم مرتمٍ في حضني دون حراك. تحركت أخيرًا من مكاني، ارتديت سترة والدي وخرجت بنسيم إلى الشارع.

كانت أوّل مرّة أمقت فيها منـزلنا، أول مرة أشعر أن موقعه في وسط غابة، قد يكون السبب في مصيبة. كنت أجري كالمجنونة تحت المطر، أحمل نسيم بين ذراعي وهو ينـزف بشدة. لأول مرة أشعر أنّ الطريق التي أسلكها كل يوم في ثوان معدودة، أعبرها في تلك اللحظات في دقائق كثيرة وثقيلة.

لم يكن الظلام ولا البرد ليمنعاني من الوصول إلى الطريق الرئيسي، أوقفت أول سيارة مرّت، ولم يكن يهمني كثيرًا ما قد يحدث أو يقال. دخلت بسرعة إلى السيارة، وبدأت أصرخ بالسائق وكأنه يعمل عندي.


- أسرع، ماذا تنتظر؟ انطلق بسرعة إلى أول مستشفى..

- ما الذي حدث؟ ما به؟

- أسرع أرجوك، ليس وقت الأسئلة.

- حسنًا.. اهدئي، سيكون بخير بإذن الله.

انطلق مثل الرصاصة، يقطع الطريق في ثوان. لم أكن أفكر في شيء، وكأن الصدمة جمدت لفترة من الزمن ذهني وجسدي. بعثت نظري إلى نافذة السيارة، المطر بدأ ينهمر على الزجاج بقوة وكأنه يردّ ثأرًا قديمًا.

ساعدني الرجل لندخل نسيم غرفة الاستعجالات في مستشفى "أقبو". جلست في ركن من الرواق الطويل، أدعو الله أن لا يحدث له مكروه.

- سيشفى بإذن الله، لا تقلقي..

نظرت إلى الصوت الذي يحدّثني، التقت عيناي بعينيه العسليتين، انـزلق نظري إلى شفتيه وملامح وجهه الهادئة، لم أستطع أن أنتشل عينيّ وهو يتفحصني كالمستغرب من نظراتي المريبة. لم أكن أدري بالتحديد إن كان نظري قد تخطى حدود وجهه الوسيم، ووصل إلى نقطة ثابتة منه لا يمكن الانفلات منها. للحظة نسيت الجسد المستلقي على سرير المستشفى في الخط الفاصل بين الحياة والموت. نسيت أين أنا. ولماذا أجلس على كرسي مهترئ الأطراف برفقة هذا الرجل، ننتظر خبرًا قد لا يأتي!

استفقت من غفوتي على يده التي تهزّ ذراعي، وهو يتمتم بكلمات لم أفهم منها الشيء الكثير. نظرت حولي فلم تلتق عيناي سوى بأشخاص متعبين ينتظرون دورهم للإسعاف. الآهات التي تملأ غرفة الانتظار تصمّ الآذان، وتبعث في النفس كربة مرهقة.


وقعت عيناي على امرأة تحمل طفلها الصغير بين ذراعيها، وفستانها الأسود ملطخ بالدماء. الدموع تنخر عينيها المنتفختين، تتوسل كلما رأت طبيبًا أو ممرضة. شعرها الأسود الذي يغطي كتفيها منكوش وكأنها خارجة من معركة، طفلها في الثالثة من عمره تقريبًا ينـزف من يده، ودموعه لا تريد أن تجف من الألم. تسمّرت عيناي على مشهد الأم وطفلها، شعرت بغصّة في قلبـي لكل ذلك الإهمال، لكني تذكرت نسيم، وقد مضت ساعة تقريبًا منذ دخوله إلى الاستعجالات. حملت رأسي بين يديّ، أتوسل الله خفية أن لا يدفع أخي ثمن أخطائنا، فقط لأنه تواجد في المكان والتوقيت الخطأ.

شعرت بالبرد يعبر جسدي، وقشعريرة تجتاحني لمجرد فكرة ماذا أفعل لو فقدت أخي الوحيد، سندي ومصدر سعادتي وسط خراب حياتي. انتبهت أني خرجت بقميص نومي الممزق، وسترة والدي ملطخة بالدماء، كأني هاربة من جريمة لم يكن لي يد فيها.