Page 1
الفصل الأول
نظرت بحذر من فتحة شباك صغيرة في غرفتي المعتمة· كنت خائفاً من جذب الانتباه رغم أنني تعوّدت على مثل هذا الخوف الدائم، الذي لم يعد يزعجني، أو حتى يقلقني· كان باستطاعتي أن أسمع أصواتاً لإطلاق نار من عمارتين متقابلتين· ثمّة شخصان كانا يطلقان النار بعضهما على بعض· أحدهما كان يستخدم رشّاشاً والآخر بندقيّة· ثمّ سمعت صوتاً كالهدير، لكنّي لم أقدر أن أميّز ما إذا كان هذا صوت آليّة عسكرية متوجّهة نحو عمارتنا، أو لربّما أنّ أنطون كان يستعمل خلاطة الطعام كما كان يفعل عادةً· من بعيد بانت دبّابة· كانت تهدر وهي تسير على الطريق· راقبتُ الدبّابة حتى اختفت عن الأنظار· وبينما كنت أراقبها، سمعت امرأة عجوزاً تصرخ على كلبها في قاع الدرج· “إنك لا تصلح لشيء”، صاحت· “أنت بندوق قبيح”
فتح أنطون الباب فولج ضوء النهار إلى داخل الغرفة، ثمّ دخل ببطء، وهو ينادي: “يا صائب”
- “أهلاً أنطون، لم أكن أعلم أنّك هنا فلم أسمعك تدخل·”
- “لقد وصلت قبل نصف ساعة· كنت في غرفتي· ربّما لم تسمعني أدخل لأنّك كنت تضع سمّاعات المسجّل·”
نظرتُ إلى “الديسكمان” الذي كان إلى جانبي، وبشبه ابتسامة قلت: “نعم، صحيح”
جال أنطون الغرفة في لحظة، ثم توجّه نحوي قائلا: “أين السلاح··· السلاح··· هل حصلت على السلاح؟”
نعم، إنه في الصندوق تحت التلفزيون·
خطا أنطون بهمّة باتّجاه الصندوق وركع على الأرض كما لو كان ينوي الصلاة لأدوات الموت هذه· ومن ثم فتح الصندوق· كانت فيه بندقيتان ومدفع رشّاش ومسدّس·
وقف أنطون والتفت نحوي قائلا: “عظيم، يا رجل!! إذاً فقد تمّت الصفقة بنجاح·”
- “نعم، سارت على خير ما يرام·”
- “أرى أنك قد أحضرت مسدّساً للاريسا كما وعدت·”
قلت: “نعم، يجب أن تكون مسلّحة” وأضفت: “نحن لا نعرف ما قد يحدث·”
- “هل تحدّثت معها في الموضوع؟”
- أجبت: “لا، ولكنني غداً سأفعل· يجب أن يكون معها شيء ما تدافع به عن نفسها·”
- “نعم يا صاحبي، ولكنك تعرفها· إنّها ملاك· لن توافق أبداً على حمل سلاح·”
بقينا صامتين لبعض الوقت، ثمّ قلت: “سوف أحدّثها بلغة المنطق·”
قهقه أنطون ونظرنا الواحد إلى الآخر عدّة ثوانٍ· حاولتُ أن أخمّن مزاجه في تلك اللحظة· وفكّرت في نفسي: “لا أعتقد أنه يستطيع أن يعرف أنني كنتُ سكرانَ بعض الشيء·”
قال أنطون وقد اتّسعت عيناه: “إذاً، البنادق الرشاشة لك ولنديم·”
Page 2
- “نعم·”
- “إذاً، أكون مديناً لك بثلاثة آلاف·”
- “نعم·”
إقتربت منه وانحنيت نحو الصندوق وأنا أحدّق بالأسلحة، وقلت: “ياه، مدفعك هذا آلة قتل لعينة·”
إبتسم أنطون وقال: “نعم، إنّه رائع·”
- “إنّها ليست للدفاع عن النّفس بالضّبط، أليس كذلك؟”
- “إنّها تخدم أية غاية تريدها منها يا رجل، إنها من أجل البقاء·”
إستيقظتُ في اليوم التّالي وأنا أحاول أن أتذكّر الحلم الذي حلمته· كلّ ما استطعتُ أن أتذكّره هو أنّني كنت مستلقياً في سريري أشاهد فيلماً على شاشة كبيرة، وإلى جانبي كان يرقد مخرج الفيلم مع صاحبته ذات المظهر الباهت بعض الشيء· أتذكّر أنّني كنتُ أعلّق على الفيلم في محاولة لإثارة إعجاب المخرج وصاحبته·
بعد أن شربت القهوة ودخّنت ثلاث سجائر، قرّرت أن أزور جيراني نديم ولاريسا· لهذا أخذت بندقية ومسدّساً وطرقت بابهما· إستغرق نديم بعض الوقت ليفتح الباب· شربنا معا فنجان قهوة آخر· ثمّ شكرني لأنّني جلبت له البندقية في حين أن وجهه لم يكن يدلّ على مشاعره· فنديم ليس من النوع الذي يظهر لك مشاعره· لقد كان يأخذ الأمور بنوع من الرضا· وبعد محادثة طويلة حول ما إذا كانت ستأتي قوّات عسكرية دولية، أخذ البندقية وخبّأها في خزانته· ثمّ طرقت باب لاريسا·
“أدخل”، قالت·
دخلت وأنا أنظر إلى الأسفل وقد خبّأت المسدّس في جيب البنطلون·
وضعت لاريسا الكتاب الذي كانت تقرأه جانباً·
- قلتُ لها: “آسف على إزعاجك”
- “لا يهمّ”، أجابت· ثمّ نظرت إليّ بحنان وسألت: “ألن تجلس؟”
جلستُ على مقعدها الذي كانت تغطّيه طبقة سميكة من شعر القطّة· ثم لمحتُ قطتها سوسي إلى جانب المكتب· كانت القطّة تنظر إليّ نظرة عدوانية كما لو كانت تقول لي “إنك تقتحم المنطقة المخصّصة لي أيّها البشريّ الذكر·” إبتسمت لها· لعقت القطّة ذيلها، ثم تجاهلتني تماماً·
قالت لاريسا: “هل أنت جائع؟”
- “لا، لستُ جائعاً تماماً·”
- “لقد ذهبت إلى الدكّان أمس واشتريت بعض الخضروات واللحوم الجيّدة لنديم· لقد مرّ يوم البارحة بسلام·”
- قلت: “كان هناك إطلاق للنار قريب منّا في الليل· هل سمعته؟”
- أجابت بالنفي وسألت: “في أيّ وقت كان هذا؟”
- قلت: “حوالى منتصف الليل·”
Page 3
- “لا بدّ أنّي كنت نائمة·”
صمتنا بعض الوقت· نظرتُ إليها محاولاً أن أجد طريقةً تمكّنني من إخبارها بالسبب الحقيقيّ لقدومي· كانت تتفادى النظر إلى عينيّ، مشيحةً بنظرها إلى ملابسي وإلى كل ما كان حولي·
- “هل تريد أن تعرف ما هو الكتاب الذي كنت أطالعه الآن؟”
- “بالتأكيد، لم لا، حدّثيني عنه!”
- “إنّها رواية بعنوان “نهاية علاقة غراميّة” وقد بدأت لتوّي قراءتها· يبدو الكتاب مشوّقاً للغاية·”
- قلت: “نعم، إنّه كذلك بالتأكيد·”
تناولتْ لاريسا الكتاب ونظرت إليه برهةً ثم قالت: “هل ترغب في إلقاء نظرة عليه؟”
“لا، ليس الآن·” صمتُّ لحظةً ثم قلتُ: “لاريسا، إسمعيني، لقد أتيت إلى هنا لغاية ما· لديّ شيء أعتقد أنّ عليك أن تأخذيه·”
إبتسمت لاريسا: “هديّة، ياه، لم يكن هناك داعٍ لها يا صائب· إنك لطيف جدّاً، إنني أتذكّر آخر هدية قدّمتها لي، أنظر، لقد وضعتها هنا·”، قالت وهي تشير الى الزهرية على الرفّ·
سدّدت نظري نحوها وقلت: “لا، إنها ليست هدية، بل معي مسدّس لك يا لاريسا، إنّه مسدّس·”
ثم أخرجت المسدس· رمقتني لاريسا بنظرة عدم رضا وأنا أمشي لأضع المسدّس على المكتب بين كل الأوراق المبعثرة· جلست من جديد وقلت: “إستمعي إليّ، قد تحتاجين إلى المسدّس لكي تحمي نفسك، وإنني أتمنّى، صدّقيني، إنني أتمنّى ألا تضطري لاستخدامه أبداً طوال حياتك، ولكن نظراً لواقع الحال الذي نعيش فيه، يجب أن يكون دائماً على مقربة منك، خاصةً عندما تذهبين إلى السوبر- ماركت أو إلى أيّ مكان خارج هذا البيت·”
تجمدت لاريسا في حالة صمت مطبق· ظلّت تنظر إلي بطريقة غريبة فيها مزيج من الخوف والحزن والكره والبراءة· لقد جعلتني نظرتها أشعر بأنّني وحش يحاول أن يقنع هذا الملاك بأن يكون عضواً في عصابته الإجراميّة·
جلتُ بناظريّ بينها وبين النافذة، ثمّ تركّزت عيناي على المسدّس· كان يرقد هناك بين كل تلك الأوراق والمقالات العلمية حول علم الاجتماع وعلم الأجناس، وهي التخصّصات التي كانت لاريسا تدرسها في جامعة حيفا قبل اندلاع الحرب الأهليّة· لقد كان المسدّس صغيراً جدّاً· كان أنيقاً وأنثويّ الشّكل·
لم تحرّك لاريسا ساكناً· فواصلتُ حديثي: “عليك أن تحمي نفسك، لا يمكنك أن تعرفي ما قد يحدث، يمكن أن يهاجمك مجرم فارّ بسكّين، أو أن يشهر مسدّساً بوجهك؛ أنت تعرفين كيف أصبح الحال هنا· إنها فوضى عارمة، الحرب اندلعت وأصبح الجميع مستهدفين، رجالاً ونساء، الكلّ مسلّح، والناس يموتون كل يوم في الشّوارع وحتى في منازلهم؛ أنا لا أقترح عليك أن تقاتلي في هذه الحرب المريعة، ولكن فقط أن تصبحي قادرةً على الدفاع عن نفسك· لاريسا، هل تصغين إليّ؟ قولي شيئاً بالله عليك”
جلست وأنا أنظر إليها· نهضت القطّة ببطء وخرجت من الغرفة· نظرت لاريسا خارج النافذة ثم نهضت من سريرها والتقطت الكتاب، وجلست ثمّ فتحت الكتاب وبدأت تحملق فيه،
- “لاريسا، هل ستتغاضين عن هذا الموضوع هكذا؟”
- “دعني وشأني!”، صرخت في وجهي: “أخرج من هنا!”
نهضتُ متباطئاً· ثمّ فجأة، وبينما كانت لاريسا ما تزال تمعن النظر في الكتاب، جحظت عيناها، وهمست: “لقد أصبحتَ واحداً منهم، أليس كذلك؟·”
كانت الإضاءة الجانبية من فوقها موجّهة إلى ظهر رأسها· بدا الظلّ المنعكس على الأرض كما لو أنه شكل مكبّر لوجه رجل عجوز ذي بشرة مجعّدة وأنف طويل ومدبّب· دُرتُ حول نفسي ونظرت إليها بينما واصلت هي حديثها: “إنّك مجرّد واحد مثلهم، أنت مثلهم تماماً الآن· لم أكن أعتقد أبداً أنّك ستصبح واحداً منهم· لقد بدوتَ مختلفاً، بدوت كإنسان·”
جلستُ على الكرسيّ، وقلت: “نحن كلّنا مختلفون، كلّنا بنو آدم، لكن علينا أن نحافظ على حياتنا في هذه الظروف الصعبة·”
Page 4
لم ترفع لاريسا عينيها عن الكتاب: “لا، كلّكم حيَوانات، أنتم لستم بشراً، أنتم حيوانات، إنّكم تتلذّذون بمنظر الدم، إنكم تستمتعون بقدرتكم على القتل، ولهذا تريدون حمل السلاح·”
رغم أنّي كنت هناك أحاول إقناعها بأن تحمل سلاحاً لتدافع عن نفسها، ورغم أنّي كنت أنطلق من نظرة واقعية وعملية أكثر، فقد خطر ببالي أنّ بعضَ ما تقوله كان صحيحاً· لقد تمتّعت أحياناً بالعنف الذي شهدته· لا أعرف ما معنى أن يكون المرء “آدميّاً”، وإذا ما كنّا نستطيع أن نميّز أنفسنا عن الحيوانات أم لا، أو إذا ما كان في إمكاننا ادّعاء امتلاك الروح الأخلاقية التي ترفعنا درجةً عنهم· ولكنني فهمتُ قصدها من كلمتي بشر وحيوانات، وفهمت ما كانت تعنيه بكلمة مختلف·
عندها قلت: “أنا آسف جدّاً يا لاريسا·”
- “أتركني وحدي فقط وخذ هذا الشيء بعيداً عن هنا”، قالت دون أن تنظر إليّ·
- “أنا ذاهب، ولكنني لن آخذ المسدّس· ربّما ستغيّرين رأيك وتعترفين بأهميّة حماية النفس·”
نهضت وأنا أشعر بحاجة للتفوّه بشيء ذي مدلول فلسفيّ، لكن أقصى ما تمكنت من قوله كان: “لاريسا، ليس المسدّس بحدّ ذاته هو السيء، بل الحرب هي السيئة، ويجب أن تعرفي أنّ الحروب تحتوي على مسدّسات، وأنّ المسدّسات لا تجلس لتناقش، هي فقط تطيع الأوامر، وعندما يضغط شخص ما على الزناد، فإنّه عادة ما يفعل قاصداً القتل، وعندما يقوم شخص مهووس بشحن مسدّسه والضّغط على الزناد، فإنّني سأشعر أفضل إذا ما عرفت أنّ الإنسان المثقف والمسالم الواقف أمامه يتمتع بقدرة الدفاع عن نفسه، وأنّ لديه الفرصة في الحياة·”
توقّفت دقيقةً وأنا أتطلّع إليها بينما استمرّت هي بالتركيز في الكتاب، ثمّ قلتُ: “إذا كنت تريدين الحديث معي عن هذا الموضوع، الرجاء أن تقومي بذلك، تعالي إليّ وسوف نتحدّث عن الموضوع، لكن أرجو أن تأخذي في بالك ما قلته·”
عرض نديم عليّ فنجان قهوة آخر وجلسنا في المطبخ· كان المطبخ حسن الترتيب والديكور، وقد امتلأ بمختلف المجسّمات الزجاجيّة الصّغيرة التي تمثّل في غالبها صوراً لحيوانات· لقد بدا مطبخه كما لو كان صورة في فيلم لبيتر غرينواي·
أخذ نديم رشفةً من القهوة وبدأ الحديث: “اليسار، جيش اليسار هو حقا القوّة التي تقف إلى جانبنا ولديهم طيارون أفضل، ولديهم···”
“لكن لدى جيش اليمين كتائب جند برية ودبّابات أكثر·” قاطعته·
- نعم، لكن القوّة الجوّية هي التي تكسب الحروب هذه الأيام· ونحن، العرب، علينا أن ننضمّ للحرب·
- لكننا انضممنا إليها بالفعل·
- لا، ليس كميليشيات، يجب علينا أن ننظّم أنفسنا·
- لن يوافقوا أبداً على إعطائنا أسلحة جديّة·
- بل سيوافقون، سوف ترى، يتوجّب عليهم أن يسلّحوا أكبر عدد ممكن من الرجال·
- نعم، لكنهم لا يريدوننا شركاء في نصرهم، ولو حصل ذلك فسوف يتوجّب عليهم منحنا حقوقاً متساوية بعدما تنتهي هذه الحالة· زد على هذا أنّهم لا يقومون فعلاً بحمايتنا من هجمات متطرّفي اليمين الذين يتصيّدوننا في الشوارع·
صمتَ نديم برهة ثمّ قال: هذا لأننا غير منظّمين، ولم نكن أبداً منظّمين، إننا مجرّد زمرة متشرذمة··· مجرد···
- “هذا صحيح”، قلت مقاطعاً، “لقد بتنا نحارب بعضنا البعض في سبيل الله· ألم تسمع· في الناصرة يقتل المسلمون والمسيحيون بعضهم بعضاً”
Page 5
- “الناصرة حكاية أخرى·”
- “هل يقوم جيش اليسار بحماية الناصرة ضدّ هجمات اليمين؟” سألته، ثمّ أضفت “هل ترى الوضع إذاً، إنّنا لا نساوي عندهم بصلة”
هزّ نديم رأسه: “هذا ليس صحيحاً· هناك شيء يقومون به· في الأسبوع الماضي فقط أعاقوا هجوماً بالدبّابات على النّاصرة·”
- “نعم، ولكنهم قاموا بهذا العمل لأنّه وفر لهم فرصة جيدة لتدمير دبابات اليمين، وليس لأنهم يهتمون بالأقلية العربية”
- “ما هو الفرق؟”
نظرت إليه لحظةً· وكرّر عبارته: “ما هو الفرق؟”
- “لا أعرف”، قلت·
إبتسم ملء شدقيه ابتسامة رضا، كما يفعل عادةً عندما يكسب النقاش· بالنسبة إليه فإنّ النقاشات وجدت لكي يكسبها·
بعدما تحدّثنا لوقت إضافيّ، عدت إلى غرفتي· كنا قد صرنا في منتصف النهار، وكنت أقول لنفسي مراراً وتكراراً إنّني لن أشرب حتى يحلّ الظلام· حتى ذلك الحين، أقنعت نفسي بأنّ عليّ أن أقرأ كتاباً أو أن أقوم بأداء عمل مفيد في المنزل· لكن، بدلاً من ذلك، جلست على سريري واستمعت لأغنية قديمة لعبد الحليم· كانت كلمات الأغنية تقول: بيع قلبك·
وزحف الليل، وشربتُ كأساً بعد كأس من العرق· لم أستطع إلا أن أستسلم لذلك الشعور بالبساطة، والذي كساني كما تُكسى جثث الموتى· ما كانت لديّ شكاوى ولا طموحات في رأسي· لقد كان كل شيء واضحاً· إرتسمت ابتسامة على وجهي دون سبب أو غاية، وشعرت بمزيج من الانتصار والندم، وعندما حاولت التخلّص من ابتسامتي، زادت حدّتها لتذكّرني بهباء الأمور· لقد ضحكتُ من مجرّد التفكير بالجدّية· وجعلني الشعور بالفراغ منتعشاً ومنحني معنى لاستسلامي· وإذ لم تكن لديّ نيّة في الشرب مجدّداً، فقد اكتفيت بالنّظر إلى زجاجة العرق ووضعت أغنية عبد الحليم، التي ظللتُ أستمع إليها طوال تلك الليلة· كان يغنّي: “بيع قلبك، بيع حبّك شوف الشاري مين·”
Page 6
الفصل الثاني
صبيحة اليوم التالي سمعت في الراديو أنّ المواصلات العامة ستعود للعمل· قرّرت أن أزور جدّي في مستشفى رامبام· فقد تعافى لتوّه من عملية جراحية بعد جلطة في القلب· لبست ملابسي وحملت بندقيتي ومشيت حتى محطة الباص· لقد قررت أن أحمل بندقية وليس مسدّساً صغيراً حتى أخيف أيّ شخص يرغب في اقتناصي، إذ كنت أبدو أكثر خطورةً مع السلاح الكبير· لقد كان الباص فارغاً تقريباً باستثناء بعض المسنّين الذين جلسوا أمامي· كانوا يتمازحون وهم يستذكرون سكيتشات لفرقة “زيهو- زي”، وهي فرقة يهودية ساخرة مشهورة·
وصلت إلى ذلك المبنى العالي الرمادي الكئيب، مستشفى رامبام· لم يكن هناك حرّاس أمن على البوابة· منذ بداية الحرب تعرض الحرس للقتل على يد الميليشيات التي كانت تحاول مهاجمة المبنى أو على يد لصوص مسلحين، ولم يعد أحد تقريباً يجرؤ على العمل كحارس·
كان الميدان المقابل للمستشفى يعجّ بالناس الذين كانوا يثرثرون، وقد ظهرت علامات القلق على بعضهم، بينما كان بعضهم الآخر يبدو مرتاحاً· قبل أن أدخل، جلست على مقعد إلى جانب رجل كان يدخّن سيجارة· كان يرتدي واحدة من بيجامات المستشفى ذات اللون الأزرق والأبيض، ولم أستطع التخلّص من فكرة أن علم البلاد أيضاً لونه أبيض وأزرق· لقد كان الرجل ينظر إلى السماء الملبدة بالغيوم· كان يتمتم بكلمات وجمل قصيرة بلغة الييديش· لم أفهم شيئا بخلاف كلمة “فايغال” التي معناها لوطي· أنهيت سيجارتي ودخلت· كانت هناك دماء على الأرض تؤدي إلى حجرة الطوارئ· دخلت إلى المصعد، الذي كان مزدحماً بالناس، والذين كانوا بغالبيتهم نساء مسنّات، وأخيراً وصلت إلى الطابق الخامس· كانت الإضاءة في الغرفة التي كان ينام فيها جدّي فوزي خفيفة وكئيبة بعض الشيء· الطلاء على الجدران كان متآكلاً ومن ورائه برز طوب البناء البنيّ· كانت الغرفة مليئة بأجهزة المتابعة، وكان فيها مريضان آخران، وقد استلقى كل منهما في سريره· لقد كان كلاهما كبيراً في السنّ وشاحب الوجه· لم يكن جدّي هناك، وحين نظرت عبر زجاج النافذة المطلّة على ميناء حيفا، رأيته وهو يقف في شرفة صغيرة إلى جانب غرفته· كان يقف بمواجهة الميناء، وكان يحمل قلما بيده، ويكتب على قصاصة ورق· خطر ببالي أنّه لربما كان يكتب شعراً، فقد كان يفعل مثل هذا الأمر من وقت إلى آخر· وضعتُ بندقيّتي على طاولة جانبيّة وخرجت لأنضمّ إليه· لم يكن جدّي يكتب شعراً، بل كان يحلّ لغز كلمات متقاطعة على ورقة يبدو أنه اقتطعها من مجلّة للتسلية الرخيصة· نظر إليّ برهةً ثمّ قال: “صائب، حبيبي، ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
- “لقد أتيت لأطمئنَّ عليك·”
قال: “أنا بخير، إنّهم يعاملونني جيّداً وقلبي يتعافى·”
قلت: “الجو بارد في الخارج، تعال ندخل·”
أخرج جدّي سيجارة من جيبه وأشعلها· قمت بالشيء ذاته·
- “يسرني أن أعرف أنك ما زلت هنا، كيف حالك؟” قال·
- “أنا بخير·”
- “لقد سمعت أنّ الوضع يتدهور·”
- “إنه متأرجح على الدوام· فأنت تعرف كيف تسير الأمور· لكن دعنا لا نتحدّث عن السياسة الآن· قل لي، هل أتى أصدقاؤك لزيارتك·”
أومأ جدّي برأسه: “لقد أتى بعضهم· إنني لست وحيداً إذا كان هذا ما يقلقك·”
سألته: “هل أتت أم فهمي لزيارتك؟”
- “نعم، أتت· هذه الشمطاء المملّة· أتمنّى لو لم تأت·”
Page 7
- “لماذا؟ لقد كنت تستمتع بقضاء الوقت معها·”
- “إنها كثيرة الإعجاب بنفسها· عندما أتت، ظلّت تتباهى بمدى نجاح أحفادها، من محامين ومحاسبين وأطباء، وأنا أجلس مستمعاً إليها كالأحمق· فكلّ ما لديّ هو أنت وخالد· أنت مع شهادة الفلسفة هذه، قم بدراسة موضوع حقيقي، بالله عليك، ما هذه الفلسفة! أين سيؤدّي هذا بك في الحياة، ستكون محظوظاً إن وجدت عملاً، أنت الولد الوحيد لأبويك وأملهما الوحيد· لا تخذلهما· إنهما يعتمدان عليك، يجب أن تثبت لهما أنك قادر على العناية بهما عندما يكبران، ويجب أن تتمكّن من الاعتماد على نفسك· وخالد، المراهق الذي يسبّب المتاعب، إنه يحصل على أسوأ علامات في المدرسة وهو أحمق، لا يفعل أيّ شيء كما يجب، إنه···”
- قاطعته: “هل شاهدته وهو يعزف على الطبول يا جدّي، إنه يعزف جيداً، وهو موهوب حقّاً·”
- “الطبول! إنّها مجرّد آلات سخيفة ومزعجة· أين سيوصله هذا في حياته، سوف يتحوّل إلى شخص عديم الفائدة مثل هؤلاء الأغبياء الذين نشاهدهم على شاشة التلفاز، يرتدون السراويل الجلدية ويصبغون شعورهم بالأخضر أو الأحمر، يجب أن يعيده أحد ما إلى رشده· إنّه عار على أبويه وعائلته كلّها· إنّه عار على الإنسانية· وأنت، أنت لست مراهقاً، هل ستؤمّن قوت يومك؟ كيف؟ من خلال العمل في وظائف مهينة مثل التي تعملها الآن”
- “لا أعرف يا جدّي، سوف أتدبر أمري·”
طالت المحادثة وشعرت خلالها أكثر فأكثر بالإهانة وبأنّني عديم القيمة· وبعد فترة، ذهبنا إلى قاعة الطعام· كانت مضاءة بأضواء نيون برّاقة للغاية وقد طليت جدرانها حديثاً وبدت شديدة البياض· في كلّ مكان كانت هناك صور معلّقة لسيّارات سباق· كانت القاعة مكتظّة وصاخبة· كانت هناك عائلتان عربيتان ترافقان أحبّاءَهما المقيمين في المستشفى· لقد جلبوا غذاءهم في أوعية كبيرة وجلسوا يأكلون بشهيّة وهم يتجاذبون أطراف الحديث بلهجة قرى الجنوب، وبصوت مرتفع، وكانت هناك عائلتان من الأشكناز هادئتان نسبيّاً، وكان أفرادهما يجلسون إلى طاولة قريبة، ويأكلون طعام المستشفى بطريقة آلية· وكانت هناك أيضاً عائلة يهودية متدينة من خمسة أفراد، بقبعاتها وملابسها السوداء، تجلس على طاولة أخرى· جلست قبالة جدّي، وكانت المصاعد أمامي تدقّ كلما جاء قادم جديد إلى الطابق· في لحظة ما، دخل رجل يهودي يلبس “الكيبا” من غرفة مجاورة وبدأ يجادل الطبيب· إشتدّ النقاش حدّةً أكثر فأكثر· وكان الرجل ذو “الكيبا” ضخم البنية وله مظهر لا يمكن أن تغفل عنه· لقد كان يجادل ويشكو من المعاملة· كان صوته ينمّ على غضب تحوّل شيئاً فشيئاً إلى حنق شديد· وكأنّما في منافسة لهذا العرض الدائر أمامنا، فإن ثمّة أصوات رجال يغنّون على أنغام قيثارة انبعثت من الداخل· زاد صخب الأصوات، وعندما ظهر المغنون، تبيّن أنّهم مجموعة من الرجال اليهود المتديّنين بقبعاتهم وملابسهم السوداء· كان أحدهم يحمل قيثارة بينما كان الباقون ينشدون ترانيم دينية· جلسوا مع العائلة المتدينة وهم ينشدون بهياج هستيري· ثمّ رنّت أبواب المصاعد، وبحركة بطيئة كشفت الأبواب النقاب عن أربعة رجال دين مسيحيين يرتدون أرواباً بيضاء· كانت الصلبان الكبيرة تتدلى من أعناقهم، وحين تقدّموا داخلين، لم أستطع الا أن ألاحظ المسدّسات الكبيرة التي كانوا يحملونها· مشى الأربعة بملابسهم البيضاء صوبنا وسدّدوا مسدّساتهم على الرجل المتدين الذي يلبس “الكيبا”، والذي كان يدير ظهره لهم· أطلقوا عليه النار من الخلف· سقط الرجل ذو “الكيبا” وضع الطبيب يديه على رأسه ودخل راكضاً· أصيب الجميع بالذعر· بدأ البعض يركضون إلى الغرف، ونزل آخرون تحت الطاولات· صرخت بجدّي وأنا آمره بالنزول تحت الطاولة، وهكذا نزلنا كلانا· عاد الرجال ذوو الملابس البيضاء على أعقابهم ودخلوا المصاعد· وفجأة، عاد الرجال اليهود المتدينون، الذين كانوا ينشدون قبل ذلك، إلى الغرفة، لكنهم كانوا يحملون مسدّسات هذه المرة· أطلقوا النيران صوب الرجال ذوي الملابس البيضاء· وتبادل الطرفان إطلاق النيران· كانت هناك صرخات فزع، وكانت أطباق الطعام تسقط والصحون تتطاير في الهواء· أصيب رجلان من لابسي السواد وكان أحدهما ينزف وهو يزحف نحونا· ثم تلقى رجل آخر من ذوي الملابس البيضاء رصاصة في صدره وخرّ ميّتاً· وبعد معركة دامت نحو نصف دقيقة، فتحت أبواب المصعد ودخل إليه الرجال ذوو الملابس البيضاء، أما الرجال ذوو الملابس السوداء فقد جلسوا على الأرض وهم ينظرون إلى المصعد وقد سدّدوا مسدّساتهم، ثم عادوا للعناية بجرحاهم·
بعد أن انتهى كلّ هذا، بدأت الأمور في المستشفى تعود إلى نصابها· عند الغروب غادرت المستشفى وتوجّهت إلى منزل عمي لزيارته· بعد أن جلسنا في الصالون، أعطاني عمي كسرة من خبز القربان· لم يكن طعمها جيداً لكن كان لها مذاق خاصّ· بعدها جلسنا لتناول القهوة· بدا عمّي هادئاً ومرتاحاً، وكانت عيناه تنمّان على الرضا والقبول· كنت ما أزال أرتجف بسبب المعركة التي شهدتها سابقاً، وبينما كنا نحتسي القهوة أخبرته بما حدث في المستشفى·
بقي يستمع إلي بآذان صاغية حتى أنهيت القصّة، ثمّ قال بصوت هادئ ورتيب:
“منذ أن تمأسس الدين أصبح قويّاً؛ تمتلك المؤسّسات الدينية السلطة فهي تمثل الشعب وتوحده·” إرتجف صوته وهو يواصل حديثه: “إنني أشعر بالعار عندما أسمع أن مثل هؤلاء الرجال، أهل العقيدة والإيمان، قادرون على قتل النفس البشرية· إنّ هذا يدنّس الكنيسة والمعاني التي يجب أن تمثّلها·” توقّف لحظة ليلتقط أنفاسه، ثمّ تابع: “يجب أن تتذكر أنّه طوال التاريخ ارتكب الناس أفظع الجرائم باسم الدين· أنظر محاكم التفتيش، مثلاً· لقد تمّ خوض الحروب باسم الدين مثل ما حدث في الحروب الصليبية والغزوات الإسلامية· لهذا فأنا لست متفاجئاً ممّا قلته·”
Page 8
- “وأنت، رجل الدين، كيف يمكنك أن تكون جزءاً من هذه المؤسّسة الفاسدة؟”
- نظر عمّي إليّ وقال: “أنا لست جزءاً من هذه المؤسّسة·” “إنني جزء ممّا هو أبعد منها، جزء مّما يفترض عليها أن تمثّله، من الأسس التي ترتكز إليها، من ال···”
- “أنت مثالي” قاطعته· “لا يمكنك أن تفصل الدين عما يرتكب باسمه· إنّ هذا كلّه نفس الـ··· كنت سأقول “الهراء”، لكنني تذكّرت أنني كنت أتحدّث إلى قسيس، ولهذا قلت “الفساد·” أخذ عمّي نفساً عميقاً ثمّ قال: “أنت مخطئ، أنظر حولك، كلّ ما يقوم به الناس وما قاموا به دائما كان الفصل بين المثاليّ والواقعيّ· هذه أكثر صفة إنسانية على الإطلاق· لقد فشلنا في تطبيق الأيديولوجيات على أفعالنا اليومية لأننا لا نستطيع إلا أن نفرّق· نحن لسنا سوى بشر· إنّنا مزيج من الطيّب والسيّئ· لم نتمكّن أن نكون قديسين أو كاملين مذ طُردنا من جنّات عدن·”
- قلت: “نعم”، “ولكن عندما نعطى المسؤوليّات فمن المفترض أن نكون على قدرها· يجب على العلماء أن يكتشفوا، وعلى الجنود أن يحاربوا، وأنت يجب أن ترتدي زيّ الكنيسة وأن تكون على مستوى القدسية···”
- قال: “يجب أن تفهم أن الزي هو فقط ما ترتديه في الخارج؛ إنّ الزي الحقيقي الوحيد لنا هو جلدنا· فالرّوح لا ترتدي أيّة أثواب· هذا ما يجب أن نصبو إليه، أن نتخلّص من أثوابنا المادية التي تغطي أجسادنا· عندما ارتكب آدم وحوّاء الخطيئة وأكلا من الشجرة المحرّمة، شعرا بالاستحياء، وبغياب الأمن، ولهذا لبسا أوراق الشّجر ليخبّئا روحهما الحقيقية، لقد ارتديا زيّاً، والقصد من كل الأزياء هو الخداع، الاختباء من الحقيقة، تقليد الكمال، تقليد الله· ولكن ما يثير السخرية هو أن الله لا يُقلَد، ومن خلال تقليد الكمال فإنك تفقد الشبه مع الكمال نفسه عندما تفصل ذاتك عن روحك· عندها تصبح مخلوقاً محدوداً ونحن لم نخلق لنكون محدودين· يصبح بالإمكان تعريفك من خلال مظهرك الذي تختاره ولكنك تفقد حرّيتك· أنت تفقد حرّيتك لأنّه لحظة تقوم بالاختيار فإنّك تفقد حرّيتك باختيار بديل ما، وتصبح رهين خيارك· تصبح جزءاً من شيء غير ذاتك·”
نظرت إليه بعد أن حاولت تفادي النظر إلى عينيه للحظة، ثم قلت: “لكننا جميعاً جزء من شيء أكبر منّا، إنّنا جزء من الطبيعة، من البشرية، من المجتمع، وإذا كان هناك إله، فإنّني أعتقد أنّنا جزء منه· إنّنا مرغمون على الاختيار وعلى الالتزام بخياراتنا· نحن نختار أن نلتزم بها لأننا على وعي بهذا منذ البداية· إننا أحرار لأننا قادرون على الاختيار·”
هزّ رأسه بالموافقة وقال: “إنّنا كذلك، أنت على حقّ، إننا جزء من الله، ولكنك مخطئ عندما تعتقد بأنّ القدرة على الاختيار هي حرية· إن القدرة على الاختيار هي في الواقع ما يكبلنا ويفسدنا، ذلك أننا نختار لأسباب ودوافع خاطئة، فنحن مجرّد بشر· بإمكانك أن تسميها حرية اختيار، لكن لكوننا مجرّد بشر فإنّني أسميها عبودية·”
لم أجد ما أردّ به، لأنّني شعرت كما لو كنت سأجادل من أجل الجدال وليس لأنّني كنتُ فعلاً غير متّفق مع ما قاله· وفكّرتُ بأنّ بعض ما قاله كان صحيحاً· ولكنني لم أستطع أن أوافقه الرأي تماماً لأنّه كان ذا مواقف قاطعة بالنسبة للأمور، وأنا ما كنت أبداً لأوافق على مواقف قاطعة·
Page 9
الفصل الثالث
في تلك الليلة فتحت زجاجة فودكا كنت اشتريتها من السوبر- ماركت وأنا في طريقي نحو البيت· كالعادة شربت كأس الفودكا مع العسل وعصير الليمون· وبينما أنا أشرب شعرت بإحساس يقترب من اليأس· ثمّ أدركت أنّ كلّ الفلسفة التي تعلّمتها قد فشلت في جعلي أفهم أقلّ القليل عن هذا العالم· ربّما لو كنت درست الإلكترونيّات لكنت فهمت كيف يعمل الراديو أو التلفزيون· كلّ ما أعرفه هو الجدال والجدال حتى يتمّ تفكيك كل عنصر من المحادثة إلى غبار فلسفيّ· إنّني في بؤس أكثر المزارعين على هذا الكوكب جهلاً· على الأقلّ هم يشعرون بالسّعادة من العمل مع الطبيعة، وبالرّضا عن عملهم الجسديّ· أمّا أنّا فإنّني أغوص في خضمّ صراعات الحياة ومشكلاتها في محاولة لالتقاط الغامض والتوصّل إلى استنتاج منطقيّ· هذا الانخراط في تحليل بعد تحليل يشعرني وكأنّي حصان سيرك يدور في دوائر، وبأنّ الشّخص الذي يحمل السّوط الجلديّ الطويل ويضربني لأسرع ليس شخصاً في الواقع· إنّه شخص خياليّ من كوكب آخر، شيء مجرّد، إنّه إله المعنى والعقل، أو ربّما شيطان التوازن العقلي· لقد شعرت كما لو أنّ هناك لحظات وضوح، لحظات غبطة وإنارة قد تمّ فقدانها، أو أنّني لم أعد قادراً على التعرّف عليها بمداركي، أو ربّما إنها قد ضاعت تحت سجادة البحث اليوميّ عن راحة البال وعن الحقيقة التي لا تكون دائماً بريئة أو هشّة· نعم إنّ الحقيقة تكون أحياناً شرّيرة وراغبة في الانتقام، وعندما تهاجمك بعد أن تكون قد تسلّلت من خلفك، فإنّك تسقط ضحية الواقع· تصبح الحقيقة مثل ألعاب تركيب الصور، فهي تتحوّل إلى أمر غير محدّد، هكذا فجأة، بعد أن تكون القطعة الرئيسية قد وضعت في مكانها·
رغم أنّني كنت قد سكرت قليلاً، إلا أنّ الأفكار المعقّدة ما انفكّت تتدفق في دماغي· ثمّة أنهار من الأفكار كانت تصخب في داخلي· ركنت الزجاجة في موضعها وقد أدركت أنّي ما عدت راغباً في الاستمرار بالشرب، فقد كنت راضياً عن حالتي على وضعها حيث ارتفعت معنوياتي بعض الشيء· ألقيت نظرة من النافذة ثم نظرت إلى الداخل فشعرت ببعض الخوف من الأماكن المغلقة· قرّرت أن أخرج لأتمشّى· ربّما كان الكحول هو الذي منحني هذه الشجاعة المباغتة للمشي في الشوارع ليلاً· كنت أشعر بشيء من الخدر إزاء مشاعر الخوف وبدرجة عالية من اللامبالاة· وهكذا مع تقبّل إمكانيّة الخطر وتجاهله في الوقت نفسه، خرجتُ للمشي·
مشيت في شارع يافيه - نوف حيث تقع شقّتي· ناظراً من أعلى جبل الكرمل، كان بإمكاني أن أرى تلال حيفا الخلابة، والميناء، والخليج، وخطّ الأضواء الكهربائية على جانبه المقابل ممدوداً حتى مدينة عكا وغيرها من المناطق المأهولة· صعدت التلّ حتى وصلت إلى مركز الكرمل· ظللت أمشى حتى وصلت إلى حديقة عامة فيها نافورة وبعض المقاعد· كان باستطاعتي أن أشمّ رائحة الكلور في الماء· إنها رائحة أستمتع بها دائماً فهي تذكّرني بأيّام الصبا عندما كنت أسبح في البركة القريبة من مركز الكرمل·
الإضاءة في الحديقة كانت خافتة تنبعث من لمبات عُلقت على أعمدة معدنية عالية· حين دخلت الحديقة، لمحت امرأة شابة تلاعب عصيّ البولنغ في الهواء· بدت كما لو اقتطعت من فيلم لفيليني· جلست على مقعد وبدأت أراقب تقاذفها للعصي· كانت النافورة إلى يساري وكنت ما زلت أشمّ رائحة الكلور وأسمع صوت طرطشة الماء· كانت الفتاة تتقاذف العصي بمهارة بالغة؛ بالكاد كانت العصي تقع من يدها· كان الطقس بارداً رغم أنّني لم أكن أشعر به لِما كنت قد شربته· أخرجت سيجارة وبدأت أدخّنها مستمتعاً بزهو بتلعيبها بين أصابعي· كانت المرأة نحيفة وشعرها أسود طويلاً يلوح برقّة مع النسيم· رغم المسافة التي كانت بيننا، إلا أنني تبينت جمال وجهها· راقبتها وهي تنظر إلى الأعلى نحو عصيّ البولنغ المتطايرة وشعرت بالراحة مما حولي· كانت ذراعاها تتحركان بينما ظل باقي جسدها ساكناً كالتمثال· عندما أنهيت سيجارتي شعرت بأنه لا يجوز أن ألقي بها على الأرض، ولهذا توجّهت نحو سلّة القمامة ورميتها فيها· ثم مشيت لأقترب من هذه المرأة وراقبتها عن مسافة أقرب· قرّرت أن أتحدث إليها، ورحت أستذكر ما تيسّر من افتتاحيّات التعارف· أخيراً، وقعت عصا من يدها على الحشيش بالقرب مني· رفعتها وناولتها إياها·
قلت لها باسماً: “إنك تجيدين هذا العمل” وأضفت: “سررت بمراقبتك تلاعبين العصي·”
أخذت المرأة العصا وقالت باللغة الانجليزية: “أعذرني· أنا لا أتكلم العبرية·”
كرّرت ما قلته باللغة الإنجليزية· قالت: “شكراً، هل كنت تراقبني منذ وقت طويل؟”
أدهشني أنها تحدثت إليّ باللغة الإنجليزية، فمن مظهرها كنت شبه متأكد من أنها إسرائيلية· قلت: “نعم، أظنّ ذلك· لقد جلست على المقعد نحو خمس دقائق· أين تعلّمت تنطيط العصيّ بهذه الطريقة؟”
- “لقد تدرّبت بنفسي·”
- عقبت: “يا سلام، رائع”
نططت المرأة العصي· “لقد اشتريت هذه العصي لتوّي وبدأت التدريب؛ يمكنك أن تقوم بأيّ عمل إذا ما تمرّنت عليه·”
Page 10
- “نعم، أعتقد ذلك، بالطبع يجب أن يكون العمل ممكناً من الناحية المادية·”
- أجابت: “ليس بالضرورة·”
- “إذا، أنت تؤمنين بالسحر”
استمرّت المرأة بالتنطيط· “أنا لا أسمّيه سحرا، بل قوّة إرادة·”
قهقهتُ لأنّني وجدت ما قالته سخيفاً، إلا أنّي حولت ضحكتي على الفور إلى ابتسامة لطيفة، فقد كانت في غاية الجمال، وكنت أحاول أن أثير لديها انطباعاً حسناً·
- “ربّما تعتقد أنّ كلّ شيء يتبع قوانين الفيزياء، صحيح؟”
- “نعم، هو كذلك” أجبت، “إنني أؤمن بالمادة·”
توقفت المرأة عن التنطيط وقالت: “تؤمن بالمادة!”
- “إنه مصطلح فلسفي لوصف ···”
- قاطعتني قائلة: “إنّني أعرف ما معناه أيها الغبيّ” “إذا أنت فيلسوف·”
- “إلى حدّ ما” قلت· إنّني أدرس الفلسفة في الجامعة· أو على الأقلّ كنت أدرسها حتى انقلب الوضع رأساً على عقب·”
- نظرت إليّ بحزن وقالت: “تقصد الحرب؟”
- “نعم” قلت ثم أردفت: “من أين أنت؟”
- “من الولايات المتحدة·”
- “وما الذي أتى بك إلى هنا؟”
- “جئت لزيارة أصدقاء·”
- “هل تمكثين هنا في حيفا؟”
أشارت إلى مبنى قريب وقالت: “نعم، أنا أقيم في ذلك المبنى، هل ترى الشقّة على اليمين، لقد استأجرت غرفة في منزل سيدة عجوز·”
- “كم مضى على وجودك هنا؟”
- “شهران تقريباً· لقد “علقت” هنا لأن المطار لم يعاود عمله حتى الآن·”
- “الكل عالق هنا” قلت· “إلا إذا كنت ترغبين بأخذ الطريق كلّه باتجاه الحدود إلى الأردن، لقد سمعت أنهم يسمحون للناس بالمرور”
- “نعم ولكن لا توجد مواصلات عامة·”
- “أحياناً هناك مواصلات·”
- “رائع، هذه فكرة جيّدة·” قالت بتنهيدة ارتياح·