Page 1
-1-
للمرة الأولى فقط، فتح عينيه على عالم جديد·كانت الأشياء، في لحظات الزمن تلك، في مكانها الأول، فالضفة الكربونية الملتصقة بصفحة وجهه، أخذت تناديه بلسان الماء، ورطوبة الضفة راحت تتغلغل في مسامات ساعديه المتعرقتين، بينما كان جسده المتهالك على منحدر السدة لا يختلف كثيراً عنها إلا في مميزات صغيرة لا تكاد العين أن تدركها·
كان يذكر أن جانباً من الشمس قد استند على منكبيه حينما وصل إلى وضع النهايات الأخيرة لترميم السدة، وصفيح مياه النهر الحاد الممتد على مدى الأفق، صار رويداً رويداً يقضم وجهه الحنطي الأسمر، لكنه تابع تثبيت الصخرة الأخيرة على تلة السدة· فكان يئن ويلهث في تركين تلك الصخرة البيضاء المسننة· وفي البداية راح صفيح الماء إلى دوائر ذبابية باهتة لم تقتحم عينيه فقط، بل تناولت أيضاً ذاكرة الحب لديه· فطيف فاطمة، حين رفـع رأسه، تصدع في مخيلته وزال، وتشكلت بدلاً منه خيوط ذباب، وسع مقلة العين المخضبة، كما خامر إحساسه شـعوراً أن جبهته ستندلق على العالم ساخنة مريرة، ومن يافوخه سيصعد دخان، وأدرك بغموض أن قلبـه قـد هـرم في الثواني الأخيرة من سنواته السبع عشرة، وروحه تريد أن تمزق شغاف صدره فتطير· غير أن مشاعره تجانست بعد ذلك مع العلوة كلها، لقد اختفى الصوت من حياته، وصارت لغة أخرى تمتلكه لمصير تلك اللحظات الطويلة، فكلما اقتربت الشمس من مخيلته كان يزداد في فهم الجانب الآخر من العالم، عالم الإيماء والصمت السري·
لقد تحول جمع الرجال الذين كانوا ينادونه لتناول الطعام تحت شجرة زايد، إلى حلقات تطير في الفضاء وترتفع فوق أغصان الشجرة العارمة· استدار برأسه قليلاً إلى الخلف كي يقول لهم إن ضفة النهر وتراكمات السدة وصخورها، شدف الأشجار المغروسة في مقدمة سطحها قد اختلفت عما كانت عليه، إنه يراها على غير سكونها المعهود، فشيء من الصدى كان يرفعها إلى الأعلى، وكانت السماء تغوص بتكوين الأرض، فأراد أن يرفع صوته ويصيح حتى الرحبة تكاد تحلق هي الأخرى في السماء·
لكن والده عبد الله الرحبي، تحت الشجرة البعيدة، غلبه شعور أمومي أن هدلة ستهبط كالهبوب باتجاه ولدها الذي ستأخذه ( حربة النجم )(*)، فاستدار بجذعه ناحية العلوة المحروقةبشمس ومطر وفمه ممتلئ بلقم العصيدة الساخنة·
كانت الطريق الهابطة إليهم من سفح العلوة فارغة، حتى من النسمات التي احتساها عبد الله الرحبي صباحاً، حينما استيقظ على صياح ديكة أبي فاطمة، فرغم التعب الذي شعر به من عمل البارحة، إلا أنه أمل في الانتهاء من بناء السدة، ومع شروق الشمس من الضفة الأخرى، ازدادت عزيمته، وتوثقت حينما نظر الى عمله الكبير الذي دخل يومه التاسع· وقال في نفسه: لولا جملي محمد ما خلص بالسرعة هذه·
وقد توقع عبد الله الرحبي، السليل السادس لأسرة انحدرت من قلعـة الرحبة، بعد انحسار مياه النهر من جانبها الشرقي، بأن ترميم السدة العجوز لهذا العام سيكون صعباً· فالأمطار التي لم تنقطع في السماء، والثلوج المتساقطة في مرتفعات آرارات، كما علم من القوافل الآتية من عينتاب والقسطنطينية، جعلته يخمن الحد الذي سيبلغه النهر في فيضانه لهذا العام· كان منظر البستان، جانب النهر، الذي سيغمره الفيضان يفزعه بأسى، فالأشجار ستحرقها المياه، ونبات الفول الأخضر سيختنق في ظلمات الطمي العكر، والمياه ستطم عنق شجرة زايد· هذا إذا وقفت عند ذلك، مثلما حدث منذ ثماني سنوات، وذهبت ظنونه الى أن الطمي سيدخل البيوت ويجتاح الدروب، ثم يطاردهم إلى مكانهم الأول في قلعة الرحبة· النهر سيعود من جديد إلى الإتساع والعظمة، إلى مكانه الأول منذ نهاية الطوفان·
حدث ذلك منذ زمن بعيد، حين بنى الأجداد البناء الشامخ على شاطئ النهر· في عصر الآجر والطوب أشاد الجد الأول مع أبنائه معبد الرحبة، فوق الجبل الممتد نحو الشرق· ولم تنحدر سلالته إلى العلوة إلا بعد انحسار النهر عن قلعة الرحبة، ثم ابتعاده عنها· وبتقدير ملهم من قبل كاهن العائلة قرؤوا مياه الطوفان يغمر العلوة ثماني مرات، يطاردهم فيها النهر المارد كل مرة إلى رحبتهم من جديد· وما يعرفه عبد الله الرحبي بسبع مرات حتى الآن، كل مرة تغوص العلوة في قاع النهر وترتج جدران الرحبةبقسوة النهر الهائج· سبع مرات غابت العلوة في الأرض، وبقيت المرة الأخيرة، فالثامنة قادمة، وقد ظن عبد الله أنها في هذه السنة، موسم الربيع والموت معاً· ثم جال في فكره، فتذكر حلم النبوءة الذي ألهم جده ناصر في بناء سفينة تحميهم من الفيضان، لم يكن لذلك الزمن، إنما لا ريب لهذا اليوم والسنة·
ولعله تردد حين رأى أن الأراضي الجافة والنهر الميت لا يملكان القوةلحمل الطوفان الهائل، واعتبر من سيرة جده ناصر فعدل عن موقفه إلى بناء السدة فقط من دون السفينة التي بناها جده في فناء الدار تحسـباً للفيضان القادم، والتي تحولت مع السنين إلى مصطبة كبيرة يغمرها التراب والنفايات·
Page 2
عبد الله الرحبي أدرك ذلك، حين أوضح قبل تسعة أيام أن ترميم السدة ضرورة لاجتناب المصير الأسود الذي حل بهم قبل ثماني سنوات، لأن مستوى النهرأخذ ينداح عن ضفته ويقترب قليلاً فقليلاً من أراضي البستان القائم على سفح العلوة، من طرفها الشرقي· غير أنه أكثر بطئاً من أن يحمل الدمار والطوفان· قرر مع تراك الناصر أبي فاطمة ورداد الزغير ابن عمته أن يتولوا أمر الترميم، وأبنائهم الثلاثة عشر، في صباح العاشر من آذار·
استغرق تدعيم نواة السدة بوحل الغضار والتراب الكتيم الأحمر (الحرى) أربعة أيام حتى ارتفعت في اليوم الرابع إلى نصف قامة محمد عبد الله الرحبي الذي ألح على تدعيمها قبل إقامة جسم السدة وبدنتها· وبيّن لهم أن النواة أساس السدة فإذا هزلت تبددت السدة ولم تعد ذات نفع، مثل جذور النخيل فكلما علت رؤوسها تغلغلت جذورها عميقاً في باطن الأرض· أما الأيام الخمسة الباقية فكانت لإشادة جسم السدة المكون من غطاء من الحصى والحجر وشوك العاقول ومن ثم ردم كل ذلك بالتراب والرمل، وظلت المهمة الأخيرة بعد غرس شدف وجذوع شجر الحور والكينا عند مصد السدة، تدعيم سطحها بالحجارة البيضاء الكبيرة·
مع محمد الرحبي كان أيضاً خليل، الابن الأكبر وأخوه حامد ولدا ردادالزغير، فاقتلعوا شدف الحور وجذوعها من دغلة الحويجة القابعةوسط النهر· وتمت النقلات الخمس على طرادة محمد الرحبي المزودة بحبلين طويلين من الكتان وفؤوس التحطيب الثلاث· وفي أول نقلة تحطيب على ظهر الطرادة قام بها محمد وحيداً، دون خليل وأخيه اللذين انشغلا في صيد سمك الشبوط لعشاء ذلك اليوم·
وكانت نشوة غريبة على قلبه، مضى وحيداً، وهمـه الوصول إلى الضفة، ضفة الحويجةالمحاطة بمياه النهر· وكانت فاطمة في فستانها النيلي، ترقبه من بعيد، على سفح العلوة، حين هبط إلى الحويجة وتوغل بين أشجارها الكثيفة، حيث نمت الأشـجار وتشابكت كلما تقدم داخل الدغلة· وعلى بعد أقدام يسيرة منه في مركز الجزرة، كانت شجرة مترهلة عجوز من أشجار الكينا الكبيرة تستند على أرضها بوهن، ربما كان سيهتدي إليها فيما إذا طلب شدف التدفئة لأيام الشتاء الباردة· وكان يذكرأن الشمس أمامه على سطح النهر وهوفي طريقه إلى الحويجة، وداعبته بين آونة وأخرى نسمات رقيقةفنسي أن يلتفت إلى الوراء، إلى طيف فاطمة حين زم كلابيته وقفز من الطرادة إلى ضفة الحويجة، واقفة هناك في ثوبها النيلي، تحفر آمالها في جسده المبتعد· فاطمة بعد أيام تذكرت أيضاً أن محمداً حين أصبح في وسط النهر، تمايل مرتين وكاد أن يسقط من الطرادة، لكنه تمالك نفسه· وكانت الشجرة واقفة هي الأخرى، ورأسها يتمايل من السنين التي قضتها في مكانها، فمنذ زمن طويل كانت نبتة صغيرة زرعتها عجوز أمضت نصف عمرها الأخير في قلب الحويجة توزع التعاويذ وصور الأرواح والكامات على القوافل والأجيال· وظنّ محمد أن فأسه تهمّ بفتح ثقب كبير في بطن الكينة الميتة· والفأس التي ستهوي بصمت دفين على لحاء الشجرة الجاف عجلت في هجرة النمل والدود الطيني بترك الشجرة وقد آثر الابتعاد عن المصـير المحتوم· وكانت الشجرة تقشعر مع كل ضربة فأس، فهبط سكانها الطينيون ليتحلقوا حول محمد الرحبي، لكنه أبعدهم بضربات أقدامه الهائجة، وتخيل أن الشمس تتقمر في سماء الدغلة، وتنزل على إحدى الشجرات· وسمع صوتا فلم يقدر فيما إذا كان الصوت صادراً عن القمر الهابط أم عن أعماقه الغريبة، شيء ما راح يئز في مسامعه، حول رأسه المعفر بأوراق الشجرة الخريفية، ظل يتقدم ويعلو كدخان حطب، اقترب منه الصوت كأفعى، راح يدوركدوامة مصراع، سدّ أذنيه براحتيه الخشنتين، لكن الصوت صار يدوّم كالطاحون، ورأى الشجرة المتكئة على مفصل جذعهاتتمايل بتثاقل، فبقي في مكانه، وعيناه المشدوهتان تسمرتا في محجريهما، ولم يع نفسه إلا حين أيقظه حامد الذي تبعه سباحة، من فوق جسم الشجرة الأبيض قال: إيش بك نايم، نأخذ الشدف من الضفة أخير·
بقي في صباح اليوم التاسع، دك سطح السـدة بالحجـارة البيضاء الكبيرة، لذا قام عبد الله في بث الأمل في نفسه رغم التعب في الأيام الثمانية الماضية· استيقظ على صياح ديكة تراك الناصر واستطاع أن يستحث رئتيه على استنشاق النسمات البكر، شرب القهوة المرة وأنعش نفسه بمنظر السماء الغض·
غير أن أعماقه كان فيها خوف آخر· فسدة العلوة بانت واتضحت متوازية مع شريط النهر· لم يبق منها حتى تكتمل سوى دبكة الرقص التي ستلفها فرحاً وبهجة· كل شيء انتهى، وإذا كان الأمر كذلك فإن هذه السدة تحميهم من كل هيجان محتمل للنهر، قوية ونواتها متينة، لا يستطيع النهر أن يبلغ ذراها بسهولة، وعايد الخضر نفسه إذا وقف خلفها، على طول قامته، فلن يتمكن أحد من رؤيته· وقد أدرك محمد الرحبي الخواطر الغامضة التي دارت في رأس والده، عندما رأى من بعيد عيني كدرية تلمعان في وجهها طرباً· كان الصبح قد دنا وتراجع الليل عن أركان العالم، ومن خلف الحائط ناداه تراك الناصر، قال له: (تحدّر يا أبو محمد، لزوم ما نبطي اليوم وكاد نخلص إنشاء الله )· وسمع ابنته فاطمة تهمس في أذن والدها: العصيدة علينا يابا ظهر اليوم·
Page 3
لم يكن بناء السدة لحماية بيوت العلوة فقط، بل لحماية البستان المنبسط على سفحها· ترتفع العلوة ببطء من ناحية النهر، وبعد البستان هناك حوش عبد الله الرحبي ذو الباب المطل على البستان، وفي طرف البستان الآخر شجرة التوت الكبيرة، شجرة زايد جد ناصر زايد الرحبي، الذي قال مرة حين زرعها: ستكون هذه الشجرة شاهداً على العلوة· وحين كان يتذكر ملامح العلوة كان يقول: إنها في وسط المياه، كانت تصعد كحويجة خالية من الأشجار، يابسة بور· وذلك قبل تراجع المياه عن جدران الرحبة·
أما الطرف الجنوبي للعلوة، فينحدر سفحاً مطمئناً ثم يمس النهر بجرف، يزداد عمقاً كلما ابتعد عن العلوة، حتى ليبدو على بعدوادي يحته النهر كل ساعة وكل يوم· وهذا ما كان يشغل تفكير عدا زايد الرحبي والد ناصر، لمدى طويل، حتى وجد الحل، بإقامة لسان صخري( هواشة ) في منحدر السفح، يمتد إلى داخل الماء ليمنع تآكل الجرف وانهدامه· وفي هذه الأيام بدأت المياه تقترب من سطح اللسان القديم، فتوقع صالح الساير أنها ستلقى ذراه في الأيام القادمة، وستصل يوماً ما إلى بساتينه وبيته الكبير( سرايا الجوبة ) كما كانوا يسمونه·
التمعت عينا كدرية لما رآها محمد الرحبي وهي بجانب السدة، أدرك أنها تطوّف عينيها الساحرتين على ذلك العمل الذي أنهك قواه، فالتفت من فوق السدة إلى اللسان الصخري البعيد، فوجده منخفضاً عنها، لا يقاوم دفقات نهر أواسط نيسان، وأيقن أن صالح الساير سيقوم بتدعيمه ورفع قامته· وفي اليوم الثامن من عملهم كان رجال صالح الساير يقومون فعلاً برفع قامة اللسان، ولم يخطر في بال محمد أنهم سيصلون إلى سدتهم نفسها، بوصل المسافة الفاصلة بين اللسان والسدة بسدة أخرى· وذلك ما كان يؤرق حقيقة عبد الله الرحبي· فاللسان سيدفع قسماً من المياه إلى سدة الرحبي·
وفي اليوم التاسع قال عبد الله الرحبي لابنه، موضحاً مشروع صالح الساير· قال له: يا ولدي هذا ملعون، يريد يهدم بستاننا قبل بستانه، شنو ! ومرت الساعات ثقيلة، ولم تكن تبارحه عينا كدرية القمريتان، لاحقتاه في كل دقيقة، وظن أن فاطمة في حيز من الآنات تكاد تهرب منه وتنفلت مبتعدة·
ولم يكن هناك تحت شجرة زايد سوى خمسة رجال، تفرق الآخرون، ذهبوا، ولم يبق إلا محمد فوق السدة يركن الصخرة الأخيرة على سطحها· ومن بعيد تناهى إلى مسامعه أصوات رجال صالح الساير يبنون السدة، ويكاد يميز من بينهم صوت كدرية يعلو أحياناً ثم يغيب· الطريق المنحدرة كانت فارغة، فاطمة التي صعدت قبل قليل إلى العلوة بعد أن جلبت لهم فرش العصيدة لم تترك على الدرب أي أثر، حتى النسمات الرقيقة التي بعثها سطح النهر في أثر فاطمة تراك الناصر اختفت وزالت، جف الجو في دقائق قليلة، وسرى في النفوس ضيق من جديد، ولم يستطع عبد الله الرحبي أن يبعث لقم العصيدة الساخنة إلى سقف فمه، كانت يده ترتعش وهو ينظر إلى ولـده المترنح· ولم يشأ أن يصدق تعليق فاطمة الطيب على ابنه يوم أمس، لما زعمت أنه يخيفها متقصداً عندما كان داخل الطرادة، قالت له وهي تجلجل ضاحكة: تخوفني·· ول·· ما لي قلب، والله حسبتك·· بعيد الشر يا محمد· نظر من فوق جذعه المستدير إلى منحدر العلوة وتساءل: هدلة ! لحظات الزمن كانت تقيده من حلقه، فرمى عينيه الجاحظتين إلى دائرة الرجال الذاهلين، ولم يرد أن يصدق أن خليل فزّ كالمخبول باتجاه السدة دونما صوت، قفز كالطير وتبعه بقية الرجال، وصاح عبد الله حين خانه التحفز: يا ولدي·· الشر عليك·· يا ولّي حربة النجم·
Page 4
-2-
تنخفض الجوبة عن العلوة، فيبدأ حدها العلوي من وراء ظهر بستان عبد الله، ثم تتكاثر البيوت في الجهة القبلية من البستان، تمتد إلى نهاية السور القديم الذي دافع عن البلدة ضدحملات تيمورلنك، حيث هناك تنهار البسيطة مشكّلة ودياناً وأجفاراً واسعة تتراكم فيها نفايات البلدة· وسكان الجوبة من المالكين الأكثر غنى، تركوا العلوة لما طفرت بمواليدها، ونزحوا إلى البسيطة وراء مزارعهم التي كانت محدودةبداية الأمر ثم ما لبثوا أن وسعوها فامتدت إلى خلف السور، مجتازة بذلك الوديان والأجفار· لقد زرعواالقمح والسمسم والذرة، وكانت أراضي القطن تمتد إلى ما وراء الأفق·
وكان غناوي الساير المالك الأكثر غنى في زمنه· قدم لقائد العسكر في البلدة بيته الكبير عربون محبة وولاء· وأقام إلى جانبه منزلاً لا يقل عنه فخامة، كان يطلق عليه اسم سرايا الساير· وراحت أراضيه الواسعة تتقلص بشح السماء المتزايد، وهجمات الأعراب المكرورة على البلدة· فمن الطرفين كانت البلدة تتقلص وتنكمش، من طرف السماء ومن طرف الأعراب، إلى حد خمّن بعضهم أن نهايتها سيكون جفافاً وموتاً، لا طوفاناً وغرقاً·
ويتطاول بستان الساير بأشجار التوت والنخيل والرمان المتناسقة على طول الضفة إلى حد السور الغربي، لقد أطلق عليه في أوج انتعاشه اسم جنة العلوة·
وكان صالح غناوي الساير أيام شبابه لا يترك البستان، لا يرغب الحب إلا هناك· في الأصيل وعند الغروب تزدحم نفسه طرباً، وكثيراً ما كان يلعب الاستغمامة مع الشمس الحمراء، أو مع وجه نورا الحمد التي ولدت له كدرية، بزواج سري شهد عليه ضوء القمر الفضي· ولقد حنق والده حين علم بالأمر، لاحظ انتفاخ بطن نورا يتزايد مع الأيام، فانتظر الفرصة بصبر وأناة حتى واتته، فألقى بنورا الحمد من فوق الهواشة قبل الولادة المكتومة بدقائق وثواني· وكانت المياه التي راحت تلتهم نورا الحمد تدفع بالمولود إلى الأعلى، حتى جاء على صوت الوليد من يُظن أنه على علم بكل ما كان يدور في خيال غناوي الساير، فبادره الأخير إلى لعلعة صوته في الفضاء صائحاً: يا ناس غرقت نورا، يا ناس نورا غرقت، يا أهل المروءة· وقد عاهد صالح أباه قبل موته بأنه لن يعترف بأبوته لكدريةأبداً· غير أن قلبه لان لها وطرى عند شبوببتها ويناعتها، فرضى أن تبقى إلى جانبه، خادمة في البيت وابنة غير معلنة·
وكان غناوي الساير، بأبهة ملاك مخاتلة، فحضوره آسر يتزعم المواقف ببراعة، أما ابنه فكان كما حزرت أمه يوم قالت أن ابنها صالح يشبه جده لأبيه رداد الساير الذي باع أرض الحويجة من أجل قصعة ثريد· لذلك اهتم غناوي في مسألة زواج ابنه، فاختار له دلة الغانم التي عاشت في أحضان أمهـا نبهـة الغـانم بالقرب من مضارب شيخ الزور، في ضفة النهر المقابلة· قالت دلة الغانم في وسط الحوش وهي تجلس القرفصاء، تشير بعصا أمسكتها بحكمة إلى خطوط رسمتها على الأرض، وإلى جانبـها صالح الساير: ( من هين نبدأ، زين تكون متينة من هالطرف ومن أذيال الطرف الثاني، يا أبو خليل·· ما منها مهرب، تسمع هوسات زلم عبد الله ! راحوا يخلصونوباكر جاي النهر· وطيب نصل إلى سدتهم، سـأل صالح، فردت: ( اي شنو ! وبستاننا يا أبو خليل ! )·
Page 5
كانت كدرية في زاوية الحوش عندما أكدت لها ملامح دلة وجوب البدء بالعمل، فاندفعت إلى أبيها، تقول: باكر هو الزين، أي نعم، اليوم اجمعوا زلمكم واتفقوا يا أبو خليل· ثم مضت كدرية، خرجت من دار السرايا، بعينيها الكحيلتين، تسمع الأصوات المنهكة في البناء، فتوجهت إلى بستان عبد الله، وقفت هناك برهة، وتجولت في خواطر شجرة زايد الصامتة، وكانت وحيدة في وسط البستان، رأت فاطمة تنزل من العلوة وفي يدها طاسة اللبن الطازج، وهمست الظنون في نفسها أن خليل يتلصص وراءها، سمعت حركته المتخفية خلف أول شجرة عبرتها لتدخل بستان عبد الله، التفتت إلى الوراء، فانخطف خليل الساير الى الخلف، تراجع إلى شجرة نخيل قريبة، ولم تنتظر، تجاوزت البستان، واقتربت من الضفة ثم جاورتها متجهة إلى بناء سدة الرحبي غير المكتملة بعد· رأت محمد يعيد الطاسة إلى فاطمة المنتشية فرحاً· فدارت حول السدة، ومن طرفها الثاني بالقرب من محمد، رفعت رأسها ونظرت إليه بإمعان، وذكرت عيناها البراقتان محمد بخيال ذكرى ما زال ملحاً في جانب من حياته· جلس فوق السدة وباعد ساقيه، وراح يتذكركدرية حين كانت أيام الطفولة تلعب معهم لعبة الضائع والضميمة، وكانوا يلقبونها بالحريبة، لأنها ولدت في بطن المـاء بالقرب من مسكن الجنية حربة النجم· وكانت تهوى لعبة الضائع، وللبحث عنها ينقسمون إلى جماعتين، الأولى تفتش عنها في طول الضفة، وفي منحدرات الوديان القريبة من النهر، والثانية تقتحم المقبرة والتلال المحيطة بها، بعضهم كان يتوغل متجاوزاً سور البلدة، إلى الأجفار حتى وكر حية السلطان الكبير· كانت تنسل كظل السحر إلى المحج، كي تعيد الكرة ويعيدون التفتيش· ولم ينس محمد أبداً ذلك اليوم عندما جددوا لعبة الضائع وانتظروا إلى أن غابت عن أنظارهم·قام أربعة أولاد بالبحث عنـها، ذهب اثنان ناحية النهر، فيما ذهب محمد وحامد تجاه المقبرة· كانت حينها السماء معتمة· وتلعب الأصوات الناجمة عن الحركة أو التململ في الكشف عن المخبأ· كانا يصيخان السمع، فهمس محمد وأشار بيده إلى الخيال خلف قبر حمد الطعان، بينما كانا يهبطان إلى المقبرة الغارقة في شبح المساء، فوافقه حامد بصوت خفيض، وقال: نتقرب وندكّها· ويذكر محمد أيضاً أن كتم الأنفاس أخفى فزع قلبه، لكن عثرته بشاهدة أحد القبور المائلة، قلبت السكون والحرص إلى ضجة، مما جعل الكلب المتلصلص خلف قبر ابن طعّان يفر نابحاً·· وحين عادا إلى المحج، وجدا زميليهما عائدين دون نتيجة· وانتظروا حتى تظهر كدرية بنفسها· فوقفوا على المنافذ الأربعة للمحج· سدوا الطرقات، رصدهم الخوف وهم يتحسبون، سمعوا أذان العشاء والرجال الذين يهمهمون مارين بهم متضرعين ( يا الله )· ودارت في نفس محمد فكرة الصعود أعلى المئذنة، مئذنة العلوة المطلة على البلدة، ليرى ظل كدرية، أو يصيحها· فقد بدا الملل يتسرب إليهم، فكّر بعضهم بترك اللعبة والعودة إلى البيت، ولكن محمد لم ينه اللعبة، فما زالت كدرية متوارية· وانتظروا·· فخرج المصلون من المسجد، وراحت الدروب تفرغ من المارة· وأخذوا يفقدون الصبر، فتراجعوا إلى المحج وجلسوا إلى بعضهم، مرت لحظات نسوا أنهم يلعبون، فتداعت أفكارهم إلى قصص سيف بن ذي يزن، وراح حامد يقارن بينه وبين عنترة، فبيّن أن عنتر بن شداد الذي كان يحب ابنة عمه عبلة هو أقوى رجل على هذه الأرض، لا يمكن لأي بطل أن يقوى عليه، كان يسكن قلعة الرحبة، ثم استدعاه الملك النعمان إلى حيرة العراق، وهناك عاش مع عبلة يدافع عن الملك ولم يمت إلا حزناً على موت ملكه النعمان، وما زال قبره جانب قبر الملك في العراق· وكادوا ينسون كدرية لولا خالتها خود الحمد سألتهم عنها، فتذكروا أنهم ما زالوافي لعبة الضائع، لم تنته اللعبة بعد· وترامت إلى مسامعهم أصوات كلاب نابحة بعيدة، قالوا لخود: إنها يمكن وراء السور، بحثوا عنها في المقبرة ولم يجدوها، وهي ليست على أطراف النهر، ولا في البساتين المحاذية، رأوها تنزل من العلوة تجاه المقبرة، وإذا كانت قد دارت في طريقها عائدة إلى النهر، فإنها لن تستطيع إخفاء نفسها بهذه السرعة، كانا سيكشفانها حين بحثا عنها جانب الضفة، فهما الأسرع بكل تأكيد· وقرر محمد أنها خلف السور، ربما في جفر حية السلطان· وهبط الليل وعلا نباح الكلاب، ثم اقترب صداه، حتى أوجس الفتية أن قدر الفتاة سيتقرر بين لحظة وأخرى· يأتي مرمى الصوت من الفتحة المشرفة على الوادي، منها كانت الضباع الجائعة تتسلل لتداهم البلدة، وكانت عينا خود الحمد تدوران ببله في محجريهما، طار صوابها إذ سمعت نباح الكلاب يقترب، يتجاوز السور، ربما الآن في وسط المقبرة، وهجست مسامعها بعواء جريح، تتخيل أن الضبع يطحن بأسنانه الكلب الذي دافع عن كدرية، لا مناص سيضبعها كي يأخذها رهينة· وتدحرجت الكلمات بطيئة، ثم انفجرت، ملأت العلوة كلها، وصرخت خود باستغاثة يائس للفرصة الأخيرة: يا أهل المروة·· وتابعت في جوف الليل المترامي: كدرية ية ية ية ية ية ية· ويذكر محمد الرحبي أن خاله عايد الخضر، قفز عليهم من سطح بيت مجاور، واستفهم منهم بصعوبة أن كدرية غائبة في لعبة الضائع، ويخشون عليها من الضبع المتحلقة حوله الكلاب· فصاح بصوت كالطوب: أنا أخو هدلة· ولم يمض وقت حتى رجع عايد الخضر على فرسه الهيلوان وأمامه كدرية تختلج من الرعب· لقد كانت مختبئة في المقبرة وقد قالت فيما بعد أشياء لا تصدق، قالت أيضاً أن خوفها من خسارة اللعبة، وصورة الضبع في خيال الليل أفقدها الجسارة كي تعود، فجمدت في مكانها تنتظر عايد الخضر·
وكانت كدرية تحن في طفولتها إلى بيت عبد الله، وإلى هدلة وأخيها عايد، الى محمد الذي شاطرته الزعامة على أولاد الحارة، فدوماً يطفح قلبها بصور تتمناها لابن عبد الله، يقف كخاله عايد الخضـر فارس الهيلوان، وينتزعها من يد أبيها، يعود بها إلى الطفولة·
أخذها أبوها صالح الساير من خالتها خود الحمد، التي لم تبارح هدلة، لا في صغيرة ولا في كبيرة· ولأن خود أكدت لعايد الخضر أنها ابنته الحقيقية، وليست ابنة مواس الذي وصل معها إلى البلدة في نهاية القرن الماضي في قافلة شركة الهند السريعة القادمة من بغداد، فإنه التزم الصمت ولم يقم بأي محاولة لاسترجاع الفتاة·
Page 6
وحاولت كدرية مرات التقرب من محمد أثناء وجودها في سرايا الساير، وفي السنة الماضية حملت إلى خالتها خود، إلى بيت هدلة، القطفة الأولى من ثمر الرمان، وكانت تريد أن تفصح عما انطوى عليه قلبها، وقالت في نفسها أن محمد ينتظر هذه الكلمة منذ زمن، حين أراد تقبيلها في النهر بينما كانا يستحمان في الطرف الآخر من الحويجة، قالت تختبره: ابعد قلبي مه لك·
ولما راحت تذكره بهذا ادعى أنه لا يذكر شيئاً·· لكن خود أخبرتها أن محمد ينـوي خطبة فاطمة في الربيع· ولم تتراجع عن مقصدها، وقفت أمامه، قبل أن تخرج، قالت: يا محمد قلبي نصفين، نصف لك وهذا راح البارحة، وقت كنا صغار، ونصفه هسّع طلع، ما أدري·· خوفي عليك منه·
وعادت كدرية· تركت وراءها ذكرى لا تمحى من محمد الرحبي، تركت زخم الأصوات والصياح: همّوا يا جماعة·· وَلْ من هين مهُ من هناك·· خطوة خطوة بس·· إي عندك·· وينها فاطمة·· فاطمة يا فاطمة·· تراها رجعت·· خَلي تقول لجاسر يعجل·· حامد قرب جاي·· تراها تسمعك·· علّي صوتك·· هدلة·
تغلغلت وسط البستان، كانت طويلة مثل أمها· من يرها من الخلف يظن أنها أحد الرجال، فمنكباها العريضان يدلان على ذلك· كانت وسط البستان، في ثوبها الناري، تلقي جدائلها على صدرها الناضح، ومن يرها يظن انها أنثى لعاجز عنين·
ولم يجرؤ على الالتفات، لقد دفعته بعينيها الرصاصيتين، قالت له: تفو عليك·· روح سوي مثل الزلم·· عجي· غير أن أعماقها كان يختلج رغبـة، لقد سمعت لهاثه خلف شجرة النخيل القريبة من الحائط، ورأته زائغاً في جذعها·
حينما عادت كدرية، كان صالح مجتمعاً مع الرجال في ديوانه، اقترحوا ما قررته دلّة: نرفع الهواشة ثلاثة أذرع، ونصل منبت الهواشة بسدتنا، ثم نرفع هالسدة بطول يوازي الهواشة، هيك نصون البساتين والبيوت، باكر بإذن الله نبدأ·
وبدؤوا في أحد صباحات آذار، كان رجال صالح الساير بأعدادهم التي تجاوزت العشرين يقومون نشطين، يرفعون قامة اللسان، بالصخر والجص والحصى الكبيرة· وكانت هناك عربتان تنقلان الصخر من مقلع الطوب وراء جفر حية السلطان إلى الجوبة، لتدعيم اللسان، أدى كسر عجلة إحدى العربتين حين أرادت الصعود الى مدخل البلدة، وهي مثقلة بحمولة الحجر، إلى تأخر العمل في اليوم الأول، وتذمر صالح الساير الذي أكد للسائس بأنه لا يتقن السيطرة والتوجيه، قال للسائس: تلف·· أي تلف·· ما تجي شق رأساً·· تلوح بيدك حتى تشوف حالك صرت بسد الباب· رد عليه السائق: إيش كار يدي، هي خشبها تعبان ومحاورها هتيانة بعدين قلت لك ما تحمل كل هالشيء، قلت لي روح إيش بها !
وأخذت السدة المقامة عند منبت اللسان ترتفع وتزداد عرضاً مع الوقت· وفي اليوم الخامس غنت كدرية بصوتها الأجش( إن هلهلتي هلهلنا لك )، وكانت تريد أن تبعث صوتها إلى أعلى قمة في البلدة، تريد أن تؤذن بصوتها حتى يسمعها إسماعيل الذي فقد سمعه من قتاله مع ولد الهذال في شمال العراق (طقينا البارود قبالك)، ثم راحت نجود العلي تصعد صوتها المطعم برائحة البراري، هذا الصوت الذي جعل محمد يحس أن الإغماءات التي انتابته في المدة الأخيرة، من دون طيف فاطمة، لها مذاق مر حزين·
استدار وهو ما يزال في وسط الحوش، إلى باب الحائط الفاصل بينهم وبين تراك الناصر· طلب من الله أن تكون فاطمة بين يديه حتى يعانقها، يتخلل في رنة أساور يديها، أو أن يدنو بخفة من عنقها حين يهتز قراط الذهب·
وأحس بحرارة تقصم أضلاعه فتملكه الحيار في وسط الحوش· نظر إلى هدلة التي دخلت المطبخ دون أن تعيره انتباهاً· ثم أدار رأسه المتصلب، إلى جهة الباب المطل على الدرب، فرأى من بعيد ظل أخيه الصغير، ناداه بعينيه الزائغتين، أحنى ظهره وتقاعس على قدميه الرخوتين، وسمع فاطمة تنادي أخاها الصغير، سمع صوتها المتباعد: مشهور·· يا مشهور··يفصله الحائط ذو الباب المغلق (مشهور ) يفصله مقدار من الزمن الآخر·· وكحلم وخيال، ظن أن العالم يتقد نحوه، الظلال المتراصة تعدوا باتجاهه، ولم يدرك سوى أن صدى آخر يتقدم اليه، رغم أنه بكاه كجبان منذ ثلاثة أيام· قال له أبوه: ابعد يا جاسر، مثل البنية تبكي·· قال له أبوه: يا ول·· ترى أخوك قدامك·· أها ما به شيء· قال أبوه: دوخة بسيطة ما به شيء· كان يقترب منه·
Page 7
في السنين القادمة· وبعدها·· طويلاً· سيذكر الطيف الذي كان يناديه: لقد التصق به· يتشبه بها·· ففوق السد الذي سيغمره الطمي·· لا يملك قلباً لكي ينظر من مرتفعه· لا يملك·· يلتصق به، ومساماته الساخنة تلتذ برطوبة النسج·· فينظر إلى الاسفل·· يبدو أن التنين ذا الرؤوس الثمانية يمد ألسنته إلى دخان ونار··إنهما سيخافان· فيرجعان خلف السد الذي سيغمره الطمي، يموت الماء، وكان يقترب منه·
كان يقترب منه·· فانتبهت هدلة الخضر إلى ولدها في وسط الحوش، لم تصرخ هذه المرة، ساعدتها خود الحمد، فحملا محمد إلى فراشه في الغرفة الكبيرة· قالت هدلة: يُما خود سوّي بابونج، أو تراك تريد نعناع، اسم الله·· ما بك·
آخر يوم تم فيه بناء اللسان وبناء السدة، أقام صالح الساير غداءً دعا إليه ساكني الجوبة· وصباح ذلك اليوم استيقظت كدرية على حلم: كانت مع إحداهن تغسل أطباق الثريد عند شاطئ النهر، وهناك من يغرق في النهر، واستيقظت حين قدف محمد نفسه في الماء لينقذ الغريق· كان حلماً قوياً هز كدرية· وراحت ترويه لدلة فقالت الأخيرة: خير والصلاة على النبي·· هذا لأننا نريد أن نعزم الناس·
نحر صالح الساير للوليمة جملاً بحاله· قدمه على أطباق الزودياك الهندية، هدية حاكم العلوة إلى أبيه أيام بنائه لسرايته الأخيرة· وامتلأت عند الصباح أطراف الحوش بالأثافي والقدور والماء وأكياس الرز والبرغل·· راحت النار تتصعد مع الضحى وتلمس أطراف القدور· وكان صالح يرى أن توزيع شرائح اللحم على البيوت بدلاً من الوليمة أفضل للناس، فقالت دلة الغانم: شقفة اللحمة تنتسى يا صالح أما العزيمة تدوم·
صالح الذي لا يملك حيلة للاشتراك في خلية النشاط، التي قام بتحريكها أكثر الرجال والنساء المتوافدين من الصباح إلى سرايا الجوبة، وقف يتأمل خود الحمد وهي تنحني إلى أثافي القدر، تفضي يديها فتميل جديلتها الفاحمة عن ظهرها، تلمس رماد الأرض، تسجد لتذكي نار الحطب·
Page 8
-3-
الرجال الذين يأكلون العصيدة تحت شجرة زايد، هرعوا يتراكضون إلى الصريع، قبل أبيه الخائر القوى· وراء حامد كان خليل ثم حسن بن عبد الله وأخيراً رداد الزغير، وظل عبد الله في مكانه يحدق إلى منحدر العلوة، وقد اعترته حالةجمود· وحين استطاع التغلب على الوهن المفاجئ، رأى هدلة وخلفها جاسر ينظران من أعلى العلوة بتساؤل، ثم ينطلقان: جاسر وتتبعه هدلة، وخلفها بعد زمن قصير فاطمة، تريد أن تطير وهي تحمل طاسة الخرعة·
هبطا العلوة، يعتريهما شعور الخراب· سمع جاسر همهمات أمه الفزعة وراءه: يا ويلي يا ابني، انهدم بيتك يا هدلة· وشعر وعيناه تكاد تثقبان السدة، لتريا ما حل بأخيه، أن هدلة على علم بمصاب ابنها· أخذته إلى الشيخ مزعل، حين عادت نوبته مرة ثانية، كان هناك عايد وعبد الله ومعهما جاسر، قال الشيخ مزعل بتحفظ: إذا تكررت هالشهر أكثر من ثلاث مرات·· أخاف على الوليد· وتذكر جاسر أيضاً تعابير وجه أخيه عصر ذلك اليوم، حين خرجوا من البيت، وقطعا الدربة الأولى، عندها حاول محمد أن يتجه بمفرده إلى الخان بعد أن أومأ لأخيه بالذهاب إلى بيت خاله عايد كما أوصته هدلة، أدار جاسر ظهره إلى حيث تنحدر الطريق قليلاً، إلا أن النظرات الأخيرة التي ارتسم بها وجه أخيه جعلته يعود إليه بعد خطوة أو خطوتين· كان محمد شاحباً مغمض العينين، وبدأ يتهاوى ويده على قذاله، وقد استطاع جاسر أن يسنده قبل أن يسقط، مندفعاً بقوته، أشار محمد بيده إلى الحائط، فعادا قليلاً إلى الوراء، وأمعن النظر في وجهه الأسمر المشرب بلون الفضة، ودّ وقتها لو أن عينيه تشعان شفاء وحياة، كما سمع مرة من جدته وزنة الخضر عن أحد المتعبدبن الذين وهبهم الله قوة الشفاء بالعين· وكانت عيناه مزمومتين وهو يهبط العلوة، ضمهما بقوة حتى يفتح بهما حجاب السدة· واستمر يجري، خلّف هـدلة وراءه، بعيدة، قفزاته تطاولت· وهو يهبط لمح وجه كدرية ممتلئاً في قبة الأفق، شارداً متسائلاً، كأن عينيها مخضلتان· وسمع صوت أبيه: اتركوه·· وسّعوا للهواء·· ابعدوا·· محمد! ثم وصلت هدلة، وبعدها فاطمة تحمل طاسة الخرعةالمزركشة بسورة الإخلاص، فأخذها رداد وملأها من ماء النهر، ثم وضع رأس محمد بين يديه وراح يقول: اشرب·· بسم الله شفاء·· الشر بعيد بعيد بإذن الله· وارتجف جاسر، خنقته العبرة ثم انطلق يعوي كحمل جريح· قال أبوه: ابعد·· وتبكي مثل البنية !
عصر ذلك اليوم سألته فاطمة، فقال لها: لا إنشاء الله زين، يمكن شفيت، إني هسّع أحسن يا فاطمة· ثم تابعت بعد صمت، عندما لحظت حمرة تفور في وجنتيه: تراك قطعت قلوبنا· وهمست: خوفتني يا محمد·
في المساء غص البيت· جاءت الجدة وزنة، وكان عايد الخضر هناك أيضاً، ورداد وأمـه عطشة الذياب عمة عبد الله، والرجال الذين بنوا السدة، وكان حسن ودحام يتهيآن، بعد أن اصطادا عشر سمكات كبيرات، للعودة· فجهزت هدلة قدر النحاس الكبير، وساعدتها خود، أما النساء الباقيات فقد عجن طحين القمح لخبزه في تنور في زاوية الحوش اليمنى·
أفاق محمد ضحى اليوم الثاني، مشرقاً فواحاً، أمامه العالم منفتحاً متكاملاً· وداخله رغبة في إتمام ما بدأه في الماضي، الماضي البعيد، فالتراب الذي فصله عن آخر أوصال الطفولة ومنحدرات الملاعب رآه يعود· أحس أن ليله يصل نهاره· النهار قادم مجهول ذلك ما كان يراه في ساعات التفكر واليقظة· حين كان، يعد السنوات ( الآتية ) يظن في قرارة نفسه أنها سنوات بلا زمن، فلعلها من طينة أخرى، السنة القادمة بعيدة وغريبة·· بعيدة بالقدر الذي يستطيع فيه أن يخلق العالم مرات ومرات قبل أن تأتي السنة الجديدة، وغريبة طوال الوقت الذي يعيش فيها أيامه ودقائقه· ومع كل هذا كانت أيامه متشابهة متجانسة، لا تختلف كثيراً عن بعضها، وإذا اختلفت فإنها تكون أحداثاً متميزة يذكرها الصغير والكبير·
استيقظ صباحاً وخياله ينمو في أرض قريبة من صدره· وألحّت عليه فكرة أن فاطمة من روحه، بها يمسك الليل والنهار، كف الحياة بالزمان - أغمض عينيه فناولته زجاجة مسك، وتدفقت أشعة الشمس من فرجة الباب·
تمطى وباعد يديه، ثم فتح صدره للهواء والصباح· ومع أنه سمع من يبنون ويعملون في سدة الساير، فتذكر غمرة المشاعر التي استغرق فيها يوم أمس، لكن ذاكرته ظلت طيبة حنوناً· والسريان الطيب في نفسه جعله يغفر لكدرية أيضاً، رغم طبيعته· الإنسان دمية مفتوحة يلعب في جوفها هواء وذرات طين· وكيف لا؟! تصور في استحالة أخرى فاطمة· وراح يسير خلفها بتوجس، ذلك حين تركت السدة وغابت في بستان عبد الله· وكانت بهمة ضبع وقلبها يعزف· وتساءل قبل أن يدخل البستان، لماذا عادت قليلاً إلى الخلف ثم توارت خلف شجرة النخيل ؟ فخلع نعليه المصنوعين من جلد الماعز، وكتم انفاس صدره ثم لوى طريقه بين الشجر· كان كالهمسة فلم تسمعه كدرية، فأصاخ سمعه وراح يتنصت: تذكر يوم قالت له كدرية: قلبي مه لك·· ابعد· عندها ابتعد ونأى، أسرع إلى الحويجة، فرمى عليه لباسه، ثم تظاهر بعدم الغضب· راح يسمع من خلال الأشجار وقلبه حنق، وكانت الساعة تسعى، فقد أبصر في صباح اليوم إلهام نبوءة، أنه لا محال منطفئ يوماً بعد يوم·· سمع صوتاً خفيضاً، بينما كان وراء البستان ثم آهات، وأخذ يحدق في جذع الشجرة الملتوي· من ؟ سأل نفسه، من ؟! لو لم يكن هذا الوقت في هذه السنة، ولو كان الوقت منذ سنتين، ولو كان المتلصص غيره، حينها لقال: إنه محمد·· ومن غيرهمها، في هذا الوقت، تحت شجرة النخيل المهتزة·
Page 9
لكنها انتبهت، رأت بعيني قلبها أحاسيسه وهي ترقبها، فتملصت من يديه، دفعته في صدره، فارتمى خليل على الأرض· قالت بصوت عال: تفو عليك·· عجي· إلا أن محمد كان قد مضى· لقد تراجع والغضب يتوزع فيه، في نفسه قال: وَلْ هذه مثل أمها·· تعطي مَيها لكل سابح، عوذة منها عوذة· عاد إلى السدة·
ونفض عنه النوم· أبعد اللحاف عن جسده الرطب، وقف بباب الغرفة يتأمل النهار يرتفع، نظيفاً ناصعاً، وكل شيء كان يقول: ياللا·· من الأول·
هـذا التحول في قريرته لم يكن فقط من الحوادث التي وقعت في البستان، أو على السدة، بل ذهب إلى أيام الطفولة، يوم كان ولداً، عندما نهره أبوه حين كـان مـع تاضي ابنـة رداد الزغير وهـما يلعبان ( بيت بيوت ) تحت قبة غرفة المؤونة في طرف الحوش· أرادا في ظهيرة ذاك اليوم أن يمثلا دور العريس والعروس، كهجان وسروة اللذين تزوجا منذ أسبوع· لقد سأل أمه ليلتها عن الزواج وعن هجان، ولماذا تترك سروة أهلها وتذهب إلى بيت أهل هجان· فبينت له هدلة وهي تمسد حاجبيه، ان الرجل يتزوج لأنه يحب زوجته، ولكي ينجب الأطفال· وفي الغرفة المغلقة، حين دخل هجان على عروسه، تخيل محمد الرحبي أن أول ما يقوم به هجان هو تقبيل سروة، يحبها من خدها ومن يديها، قال لتاضي ذلك داخل غرفة المؤونة، ثم ينام إلى جنبها في فراش واحد، لينجبا أولاداً· وقد نهره أبوه إذ رآه مستلقيا بجانب تاضي داخل الغرفة، قال له أبوه: يا ول·· قليل الحياء، اطلع· وأردف: إيش تسوي بالبنية، شنو·· يا ما تستحي، عيب· وفي إحدى الليالي، نام محمد متأخراً، في ضوء القمر، وسمع أباه وهو يندلس في فراش أمه، بعد انحلال جمع الرجال على الأسطحة المجاورة، وافترض بمضي الوقت أن الصوت الذي سمعه جاء من والدي فاطمة، عن نومهما العميق وما يرافقه من أصوات عديدة، كان يسمعها أحياناً من عبد الله أثناء نومه، كأن ينادي أو يدمدم·· يتأوه بوجع وحرقة· لم تطل مدة الصوت الخافت، ما لبث أن زال، فظل وحده يوزع ناظريه في قبة السماء المضيئة إلى أن سمع همهمة ثم حركة صادرة عن أبيه في الفراش· أصاخ السمع وأرهفه على الحركة القريبة منه، فالتقطت أذنه ضحكة جنين لهدلة، ثم أعقبها صوت كفرقعة بالون صغير، أغمض عينيه وانكمش على وسطه، وعلم من فحيح اللحاف أنهما غير نائمين، هدلة وعبد الله يتجارزان، فأطل بعينه اليمنى على اللحاف الآخذ شكل قبة، واستطاع تمييز يد هدلة تضغط على رأس أبيه، ثم تشد اللـحاف قليلاً إلى الأعلى· استدار بجسده إلى الجهة البعيدة ضغط بظهره على الفراش وغاص حتى سقف السطح، تمنى لو أن الفراش عتمة ليل·
ظلت هذه الواقعة وما تلاها، تلاحقه حتى السنين القريبة· وإذ يذكرها تخرج دخيلته السوداء فيزحر بحرقة، وصمم في آونة الشباب أن يبتعد بفراشه عنهما، إلى المكان لا يسمع منه شيئاً أو يرى· ولقد كره القمر ولياليه المضـيئة· كان ينظر إلى وجهه في وسط السماء، فيجده بعين واحدة، يسطع بخرق على العالم· وتحدث مرة إلى نفسه: لماذا يقوم النهار إذا كان الليل هكذا مضيئاً ؟ شعاع الشمس ينطمس في النهر ويغيب كي يخرج منـه القمر النائم· وإن خرج القمر من النهر فإن خروجه لسبب وحيد· كل سنة يأخذ النهرمن العلوة شاباً أو أكثر· السنة الماضية غرق فيه صياح الزغير وغرقت فيه أيضاً خنساء الساير· كل عام يبتلع· فهو لا يقنع ولا يرضى· وفي الليل يخرج بلاياه: يبعث القمر إلى كبد السماء، ليتجول كالنسناس، دون حس، كي يختار ضحية النهر· إنه شمس الشيطان·
ضحى اليوم انفرط البغض القديم، تبعثرت حباته السوداء، مر شريطاً من صدى في ذاكرته· خرج من باب الغرفة إلى وسط الحوش· فرقع فقرات ظهره الشاحب، وخمن الحقيقة التي افترضها حلماً: لم يستيقظ على طيف عبد الله، لقد كان حقيقة فوق رأسه، يتفحصه بدقة، وقد عاد عبد الله قبل أن يستيقظ ابنه بقليل، عاد ليقول لهدلة: إن ابنها ما زال نائماً، وجهه مثل ورد الختمية· وأثارت الحركة في المطبخ سمعه· هنالك عبد الله يطلب من هدلة، نسمات الصباح واللواقح· وارتفع صوت هدلة المبتهج: ابعد يا بو محمد·· لا يجي أحد· ثم تنامى إلى سمعه الاضطراب والمشاركة، مزيج الخلق: دير بالك·· الباب مفتوح· لا تخافي· كان أبوه مطمئناً، فلم يكن أحد في البيت، جاسر خرج مع حسن، وخود تسللت إلى سدة الساير، وكان الباب مغلقاً، أغلقه عبد الله· فعاد محمد وقلبه يخفق بشدة، ابتسم لصوت عبد الله، أحب هدلة المختلطة مع زوجها، ود لو يقف هناك ويتمثل الصورةفي الحياة· عاد على رؤوس أصابعه، دخل الغرفة، اندس في الفراش وأغمض عينيه ينتظر عبد الله الرحبي·
حل الليل وتوسعت السماء في ضياء القمر الغريب، انفتحت في سقفها أبواب كثيرة، حادة، كان جاسر يعلم أن أشياء جديدة ستحدث، فهدلة أكدت له ذلك· ووقف في وسط الحوش، وحيداً تحت السماء المضيئة، وأمعن النظر في سطوع القمر الغاوي· لأول مرةيرى مثل هذا الضياء، تذكر القمر وشكله في الليالي السالفة، فأيقن أن السماء وقمرها جديدان، لا مثيل لهما· نادى بصوته، فخرجت هدلة· قالت هدلة: ما هو سوى هالة، القمر مهيّل السنة يا جاسر·
Page 10
-4-
من يذكر تلك الأيام، فإنه سيذكر سنة الجراد، سنة الماسيس(1): ما يره فورتوتيس باجانومين(2)· وسيذكر أيضاً هالة القمر·
فبعد أيام من بناء السدة·· ومن هالة القمر، أخذ النهر يرتفع ويعلو، ولاحظ جاسر في أول يوم أن النهر قد ارتفع عن الضفة، ولامس قاعدة السدة· قال له أبوه بينما كان جالساً فوق السدة ينظر إلى النهر بتحد: يعني دأبه يصل إلى نصف بدنة السدة، وما يتجاوزها يا جاسر· لكن النهر في اليومين التاليين اتسع أكثر، وأخذت المياه تتصاعد· وفي عصر اليوم الثالث، بلغت المياه نصف قامة السدة، وراحت تتمرغ وتتلوى، ترتطم بجدارها دون هوادة· ظلت تصعد كل يوم، حتى اليوم الذي بلغت فيه ذرى السدة، ونشأت تتجوز قممها باضطراب· ومن بعيد رأى جاسر الرحبي أن لون المياه أخذ يتغير، وبدأ النهر يحمل في أحشائه الغثاء والمغرة، جذعان الشجر، وبين الفينة والأخرى تمر من جانبهم قطع الخشب، أو أثاث يحمل في جوانيته الدمار الذي حل، قبل هذه المسافة، وامتلأ البستان بـروث البقر، والطمي·· ثم جاء الهلاك·ماسيس لم يبعث الطمي والمغرة··· كانـت تـمر من أمامهم مفاجآت الهلاك مسرعة· أجساد لحيوانات منتفخة، شـدف الخشب المحترق، آواني مهشـمة، أدوات المطابخ، القدور وفدادين الحراثة، سقوف البيوت، الأفنية، الجدران والأروقة، ساحات اللعب والدروب، السمك بأعين جاحظة، أجساد وأرواح ميتة، أصابع بخور وأثواب زفاف، اللعنة ثم الأغلال الممسوحة(3)·· وكان يرسل كل الذين فروا بأرواحهم عبر الحدود···
وكان اليوم السادس، فوصلت المياه إلى جذع شجرة زايد· استيقظت هدلة مضطرمة، قبل أن يرفع أحمد الذيب أذان الفجر، فتوجست أن المياه تدنو، وصوت دوامانها قريب من أذن منصتة خلف جدار، كما أن النداء يأتي من السقف أو من الناحية الأخرى· خمنت وعيناها ما زالتا تتحسسان اليقظة، أن الأمواه الراكضة سوف تسيل عليها من نافذة السقف المغطاة بحجر الطوب، ستدخل من السجوف أو من تلك الأنحاء التي تتسلل منها أشـعة الشمس، من الفتحات العميقة في قلبها· أرادت هدلة أن تنهض، لقد استيقظت، حاولت أن ترفع عنها اللحاف الصوفي، تبتعد عن أبي محمد·تلمس الأرض بأطراف أقدامها السريعة، فتحت الباب المغلق، ولم تدرك مسامعها أن محمد في نومه يستنطق الهواء النائم· مضت مشدودة إلى الحائط المطل على النهر، ووقفت هناك تستجلي الظلمة· استطاعت أن تميز شجرة زايد في الظلمة، لكنها لم تستطع أن تدرك: أين الظلام وأين الماء ؟ كان العالم ظلمة وماءً، حفيف ثـقيل لأوراق تشربت الخراب· وكان النهر يحمل على سطحه يباس الأيام الماضية· إن الأيام الموغلةتجلت في لحظات جعلت هدلة تتوهم أن النهر لا ينسى أبداً ما حل في هذا العالم، يعرض مرسحه الكبير قبل دقائق من صلاة الفجر، أمام عينيها، في الظلمة ومن وراء الجدار المطل على الهواء والريح·
في تلك الساعة، ساعة السحر، أطل محمد الرحبي، بنفس الهاجس، على العالم ثانية· رأى هدلة من فرجة الباب المفتوح، في ثوبها الخمري ملقى على جسدها اللدن، شعرها المشوش خلف ظهرها المستوي· وراح يقترب منها بسرانية، فاستمع بحنين إلى رائحتها البرية، كما رأى بكلتا عينيه بحة الصباح، طارت من صدرها الواسع· في الصباح قال: يا هدلة اشوف النهر يريد يطوف· تراه يا بني أخذ يدك الشجرة· قالت: اسمع· قالت: باكر الغوالة تصل للحوش· قالت: اسمع، تدك شجرة الزايد· فخرجت سمكتان شاحبتان من النهر ثم قمستا ثانية في بطنه، انتفخ حلق محمد غضباً·
بداية النهار كانت بطيئة، حملت الترقب والفزع، فبين الحين والآخر يعود جاسر راكضاً ليقول، إن الماء لم يهدأ بعد، وهو يرتفع، سيصل شجرة زايد ( يا أمي ) - انظري ان السحاب ينز - فتقول له أمه: ما شأن السماء ؟ إن الأمر في الأرض· وصاح أبوه:اخفض عينيك·· قال: تبكي مثل البنية· فنظر إلى السماء ونظر إلى الماء، وكان أبوه يظن أن جاسر ينظر إلى الماء وأن الماء يهم في الدخول إلى الأرض·
/سيغمر· من فوق السد نظر إلى الألسنة الثمانية، قبلها كانت عيناه تجولان في عينيها زورقي سماء، فنظرا إلى ألسنة التنين تصطاد الزور، مساماتها تخللت في مساماته، فجذبته وجذبها، وابتعدا··فالطمي سيغمر السد، لسنين طويلة قادمة·/
والفكرة التي دارت في خلجات محمدقبل أيام، استيقظت اليوم وتوهجت· عيناه الدمويتان: عيناه الدمويتان لأن الدماء كانت كثيرة وسارحة كالغنم في أرض الخليقة، لذا عيناه الدمويتان، كانتا تنظران إلى المشهد غاضبتين· وعند الظهيرة أدرك الأب ما يفكر فيه الابن، فأعطاه عينيه بينما كان يدرج لفافته قائلاً: يكفينا·· مشكلات، محمد· فرد عليه: يا با تراني ما أقبل الظلم·· فرد أبوه: وحده الله يا ابني يمسك الماء·· وما نريد مشكلات·