Page 1
عقوبة
- قذر···، وتلي صرختي صفعةٌ مدويّةٌ تدير رأسه جانبًا· أشعل سيجارةً بيدٍ مرتجفةٍ، أمتصّ دخانها بشراهةٍ قلقةٍ، تقترب من نهايتها فلا أطفئها، أتركها تحترق وتتآكل حتى تصل نار جمرتها إلى أصابعي، تلسعها·· فأهدأ·
Page 2
وردة
وردةٌ حمراء تخطف قلبي، أمدّ يدي لأقطفها، تدميني أشواكها، فأتراجع· تنحني الوردة على ساقها حزينة، تخترق الأشواك بتلاتها، فأفزع·
·· تريدني··، وأهبّ إليها، لا أبالي بوجع الوخز، أقطفها وأشبكها بشعري، تغرز الوردة أشواكها في رأسي، تثقبه وتمدّ ساقها عميقًا داخله·· وتنتشي· أمسح الدم عن وجهي وأمضي، صار تفكيري مختلفًا جدًا فأكاد لا أعرف حتى نفسي·
Page 3
وصفة
أقطف بضع جماجم من الشجرة التي أثمرت مؤخّرًا، أقوم بطهيها جيّدًا، أتذوّق حساءَها لأختبره فتعلق قطعةٌ معدنيّةٌ صغيرةٌ في فمي، أخرجها، أتفحّصها مليّاً، حشوة سنٍّ ذهبيّةٍ، أهرع إلى كتاب الطبخ الذي أقوم بتأليفه، أضيف إلى حاشيته ملاحظةً هامّةً،
·· جماجم نخرها الذهب لا تصنع حساءً طيّبًا·
Page 4
بيتي
بيتي المسحور كلّ شيءٍ فيه يطير!·· حين أغلق بابه ونوافذه على نفسي، تنفلت أشياؤه من عقالها، وتبدأ التحليق في سمائه بفرحٍ مجنونٍ يشملني، مثلاً·· يتهادى فنجان القهوة فوق صحنه في فضائه راقصًا، سطح القهوة فيه يتمايل متناغمًا معه، وحين أرغب في رشفةٍ منه، أرتفع إليه، أمدّ شفتيّ فينحني نحوي ويسقيني، ثم أعود إلى مقعدي الذي بدوره يرتفع بي، يدور في أنحاء المنزل طرِبًا، ينخفض قليلاً لأتناول غرضًا ما، ثم يعاود التحليق إلى الوجهة التي أريد، فأشيائي تفهم تمامًا مبتغاي· لكن حين يُقرع جرس الباب، يموت السحر ويرجع البيت إلى سكونه من جديد·
ما زلتُ أنتظر رفيقًا حين يدقّ بابي، لا يبطل السحر·
Page 5
سيطرة
سماءٌ زرقاء تمتدّ في الأعالي إلى أقصى مدىً، وبحرٌ أزرق رائقٌ يترقرق ماؤه حتى الأفق البعيد· بهدوءٍ يتواءَم مع سكون الكون حولي، أنقلب لأقف ثابتةً على رأسي ويديّ، وأعيد صياغة الرؤية، أزرق فوق·· أزرق تحت·· أزرق في كلّ مكان، لا فرق إذًا· فجأةً تهمي السماء سمكًا ظريفًا يسبح خفيفًا في الفضاء المنفتح إلى ما لا نهاية، وتحجب الزرقة في الأسفل غيماتٌ بيضاء رشيقةٌ تنساب بخفةٍ، تستكشف عالمها الجديد·
يطول الوقت، يهتزّ ثباتي، أتأرجح متعبةً، أسأل الكون على أيّ طرفٍ يريدني أن أقف الآن كي يستقرّ ويعتدل·
Page 6
دمىً
يعلن قائد الطائرة حالة الطوارىء، تنفتح طاقاتٌ من السقف، تتدلّى منها أقنعة الأوكسجين، يمسك كلّ واحدٍ من الركّاب بالحبل الذي ينتهي به القناع، يلفّه حول رقبته ويحكم ربطه· بانتهاء حالة الطوارىء، ترتفع الأقنعة عاليًا، معها ترتفع الأجساد التي تعلّقت بها، فتغدو مشانق لها· أنتظر منهم أن يمدّوا سيقانهم ويقفوا عليها كي ينقذوا أنفسهم، إلا أنّهم جميعًا يحافظون على وضع الجلوس، كأنهم دمىً معلّقةً، تتأرجح أجسادهم بتناغمٍ، منسجمةً مع اهتزاز الطائرة الطفيف، ومن أعينهم تطلّ نظرة اطمئنانٍ وادعةٍ تنبئني أنهم بذلك، إنّما، ينقذون أرواحهم من الهلاك·
Page 7
فريسة
جثّةٌ ملقاةٌ في الدَّغَل على جانب النهر، تتناوب على نتش لحمها بضع حيواناتٍ ضاريةٍ، تنتهي منها وتبتعد، فتقترب أخرى، تترمرم عليها، فيما أسراب الذباب وطيورٌ جارحةٌ تتساقط عليها، وديدان لا عدّ لها تتلوّى زاحفةً كي تأتي على ما تبقّى منها·
حين يغادرها الجميع، تنهض الجثّة التي كانت من رقادها، تترنّح نحو ضفّة النهر، تغرف من وحله طينًا تغطّي به هيكل عظمها المكشوف، تبني لها جسدًا جديدًا، تحاول جهدها أن يبدو بملامح أقرب إلى ما كانت عليه حين كانت·
ومثل كلّ مرّةٍ، بعد أن يسري الدم في اللحم، وينبض القلب بالحياة، تجرّ ذاتها من جديد، إلى حيث أُكِلَتْ·
Page 8
قصّة
كلّما همّ الطبيب بإعلان وفاتها تململتْ قليلاً، أو أتتْ بحركةٍ ما، أو غمغمتْ بصوتٍ واهنٍ خفيض، فيعمد إلى ركنها جانبًا، ويجلس قربها متأفّفًا، منتظرًا موتها النهائي· أمّا هي، فقد ظلّت حتّى اللحظة الأخيرة تعتقد أن من كتب قصّة الأمير الذي أعاد بقبلته الحياة إلى محبوبته المسجّاة، إنّما قصدها هي بالذات، وأن أميرها، دون أدنى شكٍّ، على وصول، لكن حين ينفد صبر طبيبها، يهوي على فمها بشفتيه، يكتم مجرى نفسها إلى أن تهمد تمامًا، ثم ينتحي جانبًا، ليعيد صياغة أحداث قصّتها المفضّلة من جديد·
Page 9
أنفاق
اختلفتْ أرحام النساء، فما عدن ينجبن سوى التوائم المتطابقة، وعلى مرّ العقود، صار على أرضنا لكلّ إنسانٍ شبيهٌ يماثله تمامًا، ممّا أدّى إلى التباساتٍ وإشكالاتٍ دفعت أولي الأمر إلى أن يقسموا الأرض نصفين بين الناس، واحدهم هنا وشبيهه هناك، فأصبح لدينا عالمان مثاليّان متماثلان تمامًا في كلّ شيءٍ· إلا أنّ حركةً دؤوبةً، بعد زمنٍ، بدأتْ تسري في جوف الليل، علم الجميع بها ولم يتحدّث عنها أحدٌ، أنفاقٌ سريّةٌ كانت تُحفر في كلا الطرفين، تصل العالمين، سمحتْ بالتنقّل خفيةً بينهما، فغدا لكلّ ساكنٍ في إحدى الجهتين حياةٌ أخرى يحياها في الجهة المقابلة، وبتواطىءٍ مسبقٍ مع الشبيه على تبادل الأدوار·
Page 10
الساعة
ساعاتٌ·· ساعاتٌ·· ساعاتٌ تدقّ في كلّ مكان، وفي كلّ وقت، مئات المئات منها تشغل أيّ حيّزٍ من الممكن أن يخطر في البال، تفترش الأرض، تغطّي المناضد·· والمقاعد·· والأسرّة، تصطفّ على الأرفف، تملأ الخزائن، تلتصق بالحيطان، تتدلّى من الأسقف·
ومع كلّ ثانيةٍ من الوقت، تبدأ إحداها الرنين، في الثانية التي تليها، تبدأ الأخرى·· وهكذا، ليغدو المكان ساعة منبّه، والزمن رنين، والبيت المقفل علينا، صندوق ضجيج·
وأنا، العارية دائمًا، كما رأتني الدنيا لحظة أنْ جئتُ إليها، في منزلي، أتوقّف فجأة، أُنصتُ ذاهلةً للصمت المباغت، فأفزع ·· اقتربتْ الساعة إذًا··، أرتدي ملابسي على عجل، أحمل حقيبتي، وبالباب أقف منتظرة·
ويهبّ الرنين، تدقّ الساعات الآن كلّها معًا، يفيض الضجيج فلا يعود لي مكان بينها، أصفق الباب خلفي·· وأبتديء·