Page 1
سهل وأميرة الظلال
وجدتها تجلس على بساط ممتد ما رأت عيني قط، أحسن من هذا البساط، وأجمل من تلك الفتاة·
كان البساط مختلف الألوان، دائم التجدد، فلا يصيبك ملل من طول تأمله، ولا من تأمل تلك الفتاة والنظر إليها، لغرابة البساط، ولتمام حسن الفتاة··· ولملاحة في عينيها·
لكن، ما شدني أكثر كان وشمة حزن معلقة كنجمة متلألئة بين العين والوجنة·
دمعة··· دمعة تشـع نورا وكأنها من الجوهر·
تعجبت لتلك الدمعة أقصى العجب ! وكأنه لم يكن فيما رأيت من حالها وحال هذه المدينة أعجب من تلك الدمعة، فعلى الرغم من صغرها قلت في نفسي: إن هذه الدمعة هي المفتاح الذي سيكشف لي عن أسرار هذا المكان الفاتن بمن فيه وما فيه·
خطوت نحو تلك الفتاة الساكنة الصامتة، وقد أنساني شدة العجب أن أحييها بما هو لائق، لعلو مقامها وبهاء مكانها·
أقبلت عليها وسألتها عن دمعتها المعلقة :
ــ لم لم تسقط؟
فقالت دون تردد، ودون أن تحرك أكثر من مبسمها الذي سحر دون ابتسام:
ــ لأني أريد···
تعجبت لجوابها أكثر من عجبي من دمعتها تلك، فقد بدا لي من حالها أنها رفيعة المكانة عزيزة القدر، فكيف لمثلها أن تريد!؟
قلت لها في الحال:
- يا سيدتي، وما عسى مثلك تريد؟
كان صوتها أقرب إلى نغم هادئ، يُسمع وكأنه يأتي من بعيد، ومع ذلك فقد أحاط هذا المكان الجليل الفارغ كالعطر، الذي يفوح ثم يهيمن على مجامع من يناله، فتألفه الألباب قبل أن تعيه العقول·
Page 2
فكرت في سكون حالها وثبات نظرتها، فكأنها يوم أن نطقت هيكل بديع الصنع، يخرج من جوفه طيب لا كلام··· أجابت:
- إن قُلْتُ وسُمِعْتُ، ولم تأتني بما أريد فهو الموت المحقق··· في تلك اللحظة لا أدري ما الذي انتابني، إلا أنني وجدت نفسي متجها نحو بساطها العجيب، أحاول أن أقترب منها لأرى هل محدثتي من الإنس أم من الجان !!
حاولت الاقتراب منها مراراً فلم أتمكن، وكأن ذلك البساط صار سراباً لا يظهر إلا من بعيد·
خطر في نفسي: لعل البعد حالها !
عدت إلى مكاني متأدباً، وقد أسفت أن دفعني الفضول إلى مثل هذا الفعل ، وقلت:
ــ معذرة سيدتي··· فما كان اقترابي منك تطاولاً، فأنا لست برجل مغامر، وإنما أنا رجل خرجت أبحث عن (مدينة العلم)
وقد أخطأت دربي···
ثم سألتها:
ــ هل أنت من بنات حواء؟
أجابت:
ــ هي أمي·
فقلت:
ــ حمدا لله ! وما حزنك هذا وأنت منعمة محفوظة؟
فأعادت نبرة الصوت نفسها الذي كان يملأ بهو القصر الفارغ، بأصداء أرق من وقع الريش على الأرض:
ــ لأني أريد···
لا أدري هل كان ردي هذا شطحة مجنون، أم غاشية من فضول أحمق؟ فقد أجبتها في الحال:
ــ وما الذي تريدين سيدتي؟
Page 3
قالت:
ــ أريد··· قصر ماء···
عندما سمعت ذلك شهقت ، وخطر في نفسي: أنت ميت !
سألتني:
ــ ما بك يا هذا؟
أجبت:
ــ سيدتي إن اسمي (سهل)، هذا اسمي كي تنسيه···
فلن يطول مقامي بينكم· فلعلك تذكرينني يوما فتقولين:
(رحم الله سهلاً )
ودون أن تلتفت إلى حيرتي تابعت:
ــ أريد···
سألتها همساً:
ــ سيدتي، ماذا تريدين بعد؟!
أكملت···
ــ أريد··· طوقا من رمال، ومداداً من دخان، ورسائل من هواء·
همست في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون ! الأولى كانت إخباراً، والتوالي إقراراً···
وتابعت سائلاً:
ــ أما تريدين شيئا آخر من صاحبك (سهل) رحمه الله؟
قالت :
ــ لا·
حدثت نفسي وفكرت، فقلت لعل هذه الفتاة اللطيفة المدللة لا تعي معنى الموت الذي نفهمه نحن، فسألتها:
Page 4
ــ وكيف أموت سيدتي؟
أجابت:
ــ تموت كما يموت الأحياء·
قلت في نفسي: إنها تعرف أكثر مما أعرف، وتابعت:
ــ لعلها تكون ميتة حسنة·
قالت:
- اسأل عن (هلباجة) وخالفها·
سألت متعجباً:
- وما هلباجة هذه؟
أجابتني:
ــ لا عليك هي تعرفك·
Page 5
الملك جبل والملكة سحابة
خرجت، وهمي يثقلني وكأني أحمل جبال السروات على كتف، وجبال العارض على الكتف الآخر، فكيف النجاة حيث لا نجاة···
بينما أنا غارق في تفكيري، وقد دارت بي تلك المدينة البهية، بقصورها وبساتينها وطرقها الفارغة من الناس، دون أن ألتفت إليها فقد تبين لي أنها ليست بمدينة العلم التي خرجت طالبا إياها···
إذ بي أسمع من يناديني:
ــ يا سهل ! يا سهل ! هون عليك، هون عليك···
جعلت ألتفت هنا وهناك ولم أر شيئا· خطر في نفسي:
هو الجنون يسبق الموت، هذه قسمة حياتي·
ثم سرت إلى ما لا أدري ! مع ما تريد سيدتي···
سرت حتى وصلت إلى قرية، قد خرج معظم أهلها لفلاحة الحقول، وجدتها قد بنيت كلها من طين، لا يظهر من منازلها إلا القباب، وجدران تحمل هذه القباب· لونت أبواب تلك البيوت الدائرية بأزهى الألوان، وعلى بساطتها خُطّت جدرانها الدائرية بأبيات من الشعر الرصين، لفتها كما تلف أغصان الخيزران الصحاف·
بعض المنازل كانت قد غطتها قصائد شعر كاملة، وبعضها الآخر لم يكتب عليها إلا بضعة أبيات، من أجمل ما خط على تلك الدور:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
قلت في نفسي كهذه الدور المستديرة يسكن الإنسان خلقه كحلقة لا يخرج منها حتى يعود إليها·
Page 6
بعدما تفحصت تلك الأبنية، واستأنست بما كتب عليها من شعر جميل، تذكرت بؤس حالي··· فجلست أستظل تحت شجرة كافور عظيمة، واضعا يدي على رأسي، وكأني بذلك أمنع عقلي ــ الذي أوشك على مفارقتي ــ من أن يطير·
لا أدري كم مكثت من عمر الزمان، ولكني سمعت بعد مدة الصوت نفسه الذي ناداني من قبل:
- يا سهل لقد أتعبتني باتباعك، يا رجل ! هون عليك···
تعوذت من إبليس الخسيس وقلت:
- وماذا بعد؟! ما هذا الصوت الذي يتبعني ويعاتبني؟
أجاب الصوت:
- هذا صوتي أنا يا سهل·
نظرت إلى أسفل عند قدمي لأجد سلحفاة تحدثني···
قلت:
- هذا كل ما بقي، ليت أمي لم تلدني، وما أنت؟
أجابت وكأني رأيتها مبتسمة:
- أنا ما ترى يا أخي، أنا (حسونة) السلحفاة·
همست في نفسي: ومتى أصبحت أخاً لسلحفاة ؟!!
ثم رفعت صوتي عالياً وقلت :
- لا والله ! ما أنت بحسونة، بل هلباجة·
ضحكت السلحفاة، وأجابت متعجبة:
- هلباجة؟ ثم أردفت برفق:
- أنا حسونة يا سهل، رأيتك وأنت خارج من بلاط سيدتي···
Page 7
قاطعتها وأنا أحدق فيها النظر:
- آه ! أخبريني إذا، ما هي قصة سيدتك هذه··· إن كنت حقاً حسونة؟
بدأت السلحفاة المتحدثة بقول:
- باسم الله متمم النقص، سيدتي يا أخي سهل، هي (أميرة الظلال) ولا يدري أحد كم عاشت من عمر الزمان· يروي بعضهم أن أباها الملك وأمها الملكة أحب كل منهما الآخر، حباً لا مثيل له بين بني الإنس أو الجان· وشغف كل منهما بالآخر شغفاً لم يرد على أحد·
وقد أتت إلى الدنيا هذه الأميرة الحزينة، لأمر تخفى حكمته علينا، فقد أنبتها الكمال··· والكمال كما تعلم يا أخي ليس لدنيانا، وإن عرفناه·
أما عن أهلها فقد ذاع صيت ذلك الحب حتى ملأ المشرق
والمغرب، إلى أن وصل خبر حبهما إلى ساحر حاقد، عرف باسم يدل على طبع، فقد كان الناس ينادونه (شريسن) امتلأ قلبه الأصم ضغنا عليهما، لتمام وكمال عشقهما، فأراد أن يكسر فؤاديهما العامرين، ويسقيهما مر الحرمان وحسرة البعد···
فكر وفكر هذا الشقي، حتى راق له ما أوعز إليه أحد شياطينه ؛ وهو أن يحوِّل أباها الملك إلى جبل رهيب عظيم ساكن على الأرض وأمها الملكة إلى سحابة لطيفة خفيفة تدفع بها الرياح فتهيم أبداً في السماء· فلا يأنسا معاً، إلا مرة واحدة في كل عام، بحيث تكون لحظات التلاقي مليئة دائما بحسرة الحرمان، وحزن الفراق·
كانا كلما تلاقيا وتذكرا طول الشوق وقسوة البعد، تنهمر دموعهما مطرا يملأ الأودية والآبار·
هذا كله حدث يا سهل منذ أول الزمان، ولا يزال حبهما يُحْيي الحقول والأودية، وأحياناً، ينزل سقيا عذاب تفسد البلاد كلما زاد تحسرهما·
أما ابنتهما الساكنة، فهي تعيش وحدها في هذه المدينة البديعة، لا تسأل إلا عما تريد···
وأحيانا تغني، وفيما تغني:
يا غافلا عما تُجِنُّ ضلوعي
أنسيت ويحك عبرتي ودموعي
Page 8
يقولون إنها تعني عبرات والديها وحسرتهما التي نسيها الناس ممن سئموا شدة حزنهما·
فعندما عَرَفتُ بأن رجلا شجاعا قد أخذ على نفسه العزيزة أن يبحث لأميرتنا عما تريد، أردت مصاحبتك···
بعد أن أتمت حسونة كلامها، خطر في نفسي أنه لا ضير إن كنت أخا لمثل هذه السلحفاة، ثم قلت لها ناصحاً:
- وما تفعلين بمصاحبة شقي، حاله حال الواقف على وتد؟
أجابت حسونة بحزم:
- تركت اليأس يملأ قلبك يا سهل ! أتخشى الموت وأنت تعلم أن (نَفَسَ المرء خطاه إلى أجله) ؟ لن تترك وقد دفعتك شهامة في نفسك، وهمّة في طبعك إلى النهوض بمثل هذا العمل···
قلت في الحال، خشية أن تُنسب إلي محاسن لا أملكها:
- والله لم يدفعني سوى فضولي يا حسونة، وسوء تقديري لعواقب الأمور·
هزت السلحفاة الطيبة رأسها وقالت:
- الفضول في ما هو حسن تحمد عقباه يا سهل·
تنهدت ثم أضفت:
- وما الحَسَن في قصر من ماء، وطوق من رمال، ومداد من دخان، ورسائل من هواء؟ قد تركت البحث عما أرغب (مدينة العلم) وجهتي وأملي، لأبحث عما لا يوجد···
وتقولين هذا حسن ! ما الخير في ذلك ! سبحان الله !
وجعلت أردد:
ليس لها من دون الله كاشفة !
ليس لها من دون الله كاشفة !
سكتت حسونة متحسبة لضيقي، وجلسنا سوياً لا يكلم أحدنا صاحبه·
Page 9
البئر السحري
عند الغروب عاد المزارعون إلى بيوتهم، وجلست أنظر إليهم وهم يغنون بصوت واحد:
ألا لا يذم الدهر من كان عاجزا
ولا يعذل الأقدار من كان وانيا
فمن لم تبلِّغه المعالي نفسه
فغير جدير أن ينال المعاليا
قلت: والله غريب أن يتغنى هؤلاء الفلاحون بمثل هذا الشعر!
سلموا عليَّ وأنا جالس تحت تلك الشجرة وقد ملئت بنغم العصافير العائدة إلى أعشاشها ثم سألت أحدهم:
- ما اسم قريتكم هذه يا أخي؟
أجابني الرجل:
- (دخان)
قلت:
- سبحان الله ! غريب هذا الاسم !
قالوا:
- ما غريب إلا أنت يا رجل· وما اسمك؟
أجبت:
ــ اسمي سهل،
قالوا:
- مرحبا بسهل، أنت بين إخوة وأهل·
استحسنت الرد وقلت:
ــ عال والله ! وماذا تفعلون هنا غير الفلاحة؟
Page 10
قالوا:
- نحن نفلح ستة أشهر من السنة، والستة الأخرى نقضيها في طلب العلم، هذا ما يفعله الشيخ منا والصغير···
ثم دعاني أحدهم إلى داره يقال له (سامح) أخذنا نتبعه أنا وحسونة، إلى حيث وجدنا منزلاً صغيراً له باب أزرق، يعلو هذا الباب نقش ورسم كأنه كتب منذ زمن بعيد، وبخط لم أستطع قراءته· فرفعت حسونة حتى ترى ما أرى، وسألتها:
- هل رأيت كتابة مثل هذه من قبل؟
أجابت:
- أجل، إنها تشبه كتابة توجد فوق عرش مولاي الملك·
سألت سامحاً:
- يا أخي سامح ماذا تعني هذه النقوش؟
هز رأسه قائلاً:
- لا أدري··· هذا البيت كان لرجل من بني سهوان·
يقال إن هذا الرجل كانت له لحية طويلة حمراء، وكان إذا مشى اهتزت الأرض لمشيته، وإذا تنحنح خُيل للبعض أنهم يسمعون رعداً·
عاش هذا الرجل في زمن جدي، وقد خرج من هذه الدار إلى حيث لا عودة· الله وحده أعلم بوجهته ومستقره· لم يستغرب أحد فعله، فقد كان غريبا، وكل غريب للغريب نسيب· بعد مرور زمن طويل بدأ جدي بترميم هذا البيت لما أصابه من بلى، وقد أخذ عهداً على نفسه أن يحافظ عليه لحين عودة صاحبه· وقد توارثنا هذا العهد منه أباً عن جد فقام أبي بالحفاظ على البيت، كما أقوم أنا الآن ومن بعدي ابني إن شاء الله· وسوف أنزلك فيه أنت وهذه السلحفاة ضيفين عزيزين، فبيتي لا يسعنا جميعاً·
قلت بدهشة:
- ما هذا العهدالغريب يا سامح ؟ تنفق على بيت لا تسكنه، ولرجل قد مات منذ زمن طويل !