إهداء
إلى ماما في عليائها،
إلى مُصلِح، وزَين، وغِيْد.
شهلا
-1-
اجتمع القائد سعدٌ بمعاونَيه في استراحة الوالي المقامة على مشارف المدينة، التي تَرْقُبُ قدَرَها الوشيك. بادَر سعدٌ:
يا صاحبيَّ، إذا ما أراد قائد دخول قرية، فعليه أن يستبطن ثلاثة: ماءَها، وهواءَها، ونساءَها.
ردّ حارثة: فأمّا الماء، فوفير قراح، وأمّا الهواء، فنمير، يطيب تحته اللّقاح، وأمّا النساء، فعربيّات قحاح، بدا لي منهنّ نظافةُ الحلّة، وحسن الخلّة، وفيهنّ عهر محبّب! فقاطعه وائل: هي الفتنةُ ياحارثة، فتنة... فالفتنة أصلٌ، والعهر مجلوب.
ابتسم سعد حتّى غار أسفل وجنتيه من الغبطة، وصاح: إذن، فلندخل الرَقَّةَ على بركة اللّه، ولتكن أبيات سهيل بن عديّ نقشاً في بابها الغربيّ، باب الجنان:
وصادمنا الفراتَ غداةَ سرنا
إلى أهل الجزيرة بالعوالي
أخذنا الرقّة البيضاء لمّا
رأينا الشهر لوّح بالهلالِ
حينما أقبل القادة الثلاثة من علٍ، وجدوا مدينة من الطين المخبوز، تظلّله خضرة وارفة من الزيتون، والحور، والصفصاف. البيوت الواطئة تتباعد، لتفسح مجالاً لجنائن صغيرة ترتاح بينها، والبيوت في الأعلى تتلاصق، وكأنّ بعضها يمسك بعضاً خيفة السقوط، تتدلّى من الأسوار والشرفات أغصان منقوشة بالليلك الذي قيل إنّه لا يعيش إلاّ هنا، حيث تصل دروب المدينة كلّها إلى الفرات.
كان الناس مشغولين بما ستكون عليه قادمات أيّامهم، وبينما هم في هَرَجٍ ومَرَج، جلست (خَودٌ) إلى نافذة حجرتها المشرفة على غدوّ أهل الحيّ ورواحهم، من غير أن تبصر أحداً! كانت (ريّا) قد دخلت عليها مرّات، لتجدها على وجومها، تحدّق في المشهد أمامها، وعقلها في مكان آخر، فما كان منها إلاّ أن أيقظتها:
- هل ستبقين طويلاً على هذه الحال ياخود؟!
ردّت بتثاقل:
- وماذا عساي أفعل؟
- تثوبين إلى رشدك.
- ولمَ لا يسعفكِ رشدك لاقتلاعه من فؤادك! عمر لا يريدك، ولم يكن يوماً لكِ، لقد علق الرجل أمّ الصبيّ، وذهب في أثرها. انظري حولك، انظري إلى شباب الرقّة من أزكى بطون العرب، يرتجون ردّة طرفك، أو تلويحة ردنك!
- أوّاه ياريّا! إنّه هوى أبناء العمومة، الحلال الحرام، باللّه عليك، هل هذا عدل؟ كيف يجري دمه في عروقي، ولا أجد إلى قلبه سبيلاً!
- وكلّ ما يفعله بكِ؟ هذا الصدّ وذاك الهجر، أليسا برادع؟
- ما تزالين غضّة ياريّا، أما علمتِ أنْ ليس في الهوى رادعٌ، عمر نارٌ ياخلّتي، إن اقتربت منها أحترق، وإن ابتعدتُ عنها أموت من البرد!
-2-
لم يكن أهل المدينة يعلمون بالموعد المضروب لوصول الوالي الجديد، الذي سُبق بفرقة عسكريّة مشّطت المكان، وبكلٍّ من قائد الشرطة، وقائد الجند ومساعدَيه، وصاحب الحسبة، وقد بدؤوا جميعاً بتسلّم مهامّهم ممّن سبقهم.
لم تعتد الرقّة على تواتر تغيير الولاة، ذلك أنّ من يأتيها، يطيب له المقام فيها، فلا بلابل تنخر نهاراته، ولا قلاقل تؤرّق لياليه، فأهلها يميلون إلى دعة العيش، وحبّ السلم، إذ أدركوا منذ زمن أحوال مستقرّهم بين جمرتين، جمرة تحت رماد في الشام، وأخرى متّقدة في العراق، ثمّ إنّ الله أغدق عليهم من النعماء ما يكفيهم مشقّة سلوك دروب السياسة والعسكر، يمدّ الفرات لهم يديه بشراب هنيء، وطعام مريء، زراعتهم في نماء، وتجارتهم إلى رخاء، وبُيوعُهم تروج في أسواق نصّيبين وميّافارقين، ولا تعدم الوصول إلى قلب بغداد، جنباً إلى جنب نفائس ما يَقْدم من الهند والصين، وحولهم مراكز العلم في الرّها ودير زكّا، حيث يحصّل أبناؤهم أصول النسْخ والترجمة، وعلوم الطبّ واللّغة. لكنّ عزْلَ الخليفةِ واليَه الذي لم يمضِ على ولايته حجّة، وإبداله برجل يلهج بالسيف قبل اللّسان، أثار ريبة أهل الجزيرة والفرات، وقبلهم أهل الشام وبغداد، فذلك ما لا يستدعيه إلاّ خطبٌ جلل، مثل ذلك الذي شاع طلوعه مؤخّراً، وقد يوقد الفتنة بين المسلمين، وليس ذلك عموم الفساد، الذي شاع في حواضر دار الإسلام كلّها، ولا هو بقلّة خراج قصّر عن أن يملأ أكياس أهل الحَلّ والعقد في بغداد، ولا بنقص حيلة الوالي في سياسة القبائل وناسها من مسلمين، وذميّين، ومجوس.
كان كلٌّ من سعد، وحارثة، ووائل، يحدّث نفسه بالأمر عينه: هل سيطيب هذا الشطر من الزمن في الرقّة، أم أنّ هذا التراب الأثير على قلب خليفة المسلمين، سيُحثى على جسده عمّا قريب!
أنجز القادة الثلاثة خلال أيّام مهامّ استطلاع مكانهم الجديد، وتفحّصوا السور والأبواب الأربعة، والمسجد الجامع، ودار الولاية، والقصر محلّ إقامة الوالي، وعبروا الفرات إلى الضفّة الأخرى حيث بساتين (الرقّة السوداء) تقابل عمران (الرقّة البيضاء)، وأقاموا ليلة في الرصافة جنوباً، وليلة في دير زكّا شمالاً، وطلعوا إلى البادية في ليال أخر قضوها في دير الزعفران، ودير العذارى، التقوا كبراء الناس، وجلسوا بين صُغارهم، يرمون إلى معرفة الطباع والجبلاّت. وحين دخل الوالي قصره ليل الخميس، كانت الأمور قد سوّيت ليصلّي الجمعة في الناس الذين ملؤوا صحن الجامع، وفاضوا إلى حدود السور، شاخصين بعيونهم، مصغين إلى كلمات الوالي الذي صلّى بهم صلاته الأولى، ثمّ وقف على المنبر خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه، ثمّ قال:
(أيّها الناس: ما نحن بأحسن منكم، لكنّا أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيئه الذي خوّلنا، فلنا عليكم السمع والطاعة، ولكم علينا العدل والإنصاف، فلا نغلق بابنا دونكم، فيأكل قويُّكم ضعيفَكم، ولا نحمل على أهل جزيتكم ما نجليهم به عن بلادهم، ونقطع نسلهم، ولكم أن يكون عندي أقصاكم كأدناكم، وأنا على ذلك، ما لم تَدَعوا الشيطان يستبطنكم، فيخالط منكم اللحم والدم، فيصل الشغاف، ليحشوكم نفاقاً وشقاقاً، فلا تصرّوا على الفتنة وأنتم لا تعرفون المخرج منها، وخاصموا الشيطان، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من يأتي بعدكم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.).
حينما نـزل الوالي ليغادر، كانت غمامة الدهشة قد حطّت على ألباب الناس، فتلك شدّة في غير موضعها، ومقال ليس في مقامه، وراحت نفوسهم إلى نفور من الوالي الجديد، إذ وجدوا وراء كلامه تلويحاً بالتهديد، ووعيداً بما لم يعهدوه من قبل. لكنّ كلاًّ من مالك بن عليّ الأشجعيّ، وعاصم أخيه، وأحمد ابن عمّه، ورهطهم، كانوا قد عرفوا تماماً كنه المسألة، فَقفلوا واجمين إلى مجلسهم في الحيّ، وكلّ منهم يقلّب في عقله وجوه ما هم مقبلون عليه.
-3-
- ما بال عمر ياسهيل؟
- امرأة، حلّت، أخذت قلبه، ثمّ ارتحلت.
- لابدّ من أنّها قادرة، فلم أره في حبّ امرأة قبلاً، على هذه الحال!
- ليست المرأة وحدها، بل معها طفلها.
- إذن، ربّة بعل هي، ويحك ياعمر! أفيذوق من الهوى مرَّهُ رَجُلٌ أذاق نساءَ الرقّة حلاوتَهُ! بالله خبّرني من هي؟
- امرأة كانت على سفينة قادمة من بغداد، نـزلت في المرفأ، وباتت ليلة في نُزِل (محبوبة)، ثمّ ظعنت فجراً مع أوّل قافلة إلى دير زكّا، ولا علم لنا غير ذلك بأمرها، حتّى عمر ذاته لا يعرف عنها سوى ما رآه منها في تلك اللحظات العابرة.
- لا بأس عليه ياسهيل، فلا يضير الرجل حبّ امرأة لا يعرفها!
- لكنّه عقد العزم على معرفتها، فمن يومها الذي مضى عليه أسبوع، صاحب عمر الملاّح، يبحث بين حكاياته عن خبر المرأة التي سلبت لبّه.
رسا المركب القادم من بغداد على شاطئ الفرات، وبدأ ركّابه ينحدرون إلى سبلهم، وبعد حين أطلّ أحد العاملين ليناول عمر الذي وقف على الرصيف، صندوقاً من تلك الصناديق التي تحمل فيها الأمانات في البحر. وبينما كان عمر يحثّ مولاه على تناول الصندوق، برزت امرأة في يدها طفل، ربّما في السادسة من عمره، وقد أعياها إنـزاله والمتاع معاً، فما كان من عمر إلاّ أن أسرع نحوها ليساعدها، فمدّت له يدها بالولد، فتلقّاه، وسايره، ريثما أمّنت على بقيّة حملها. وما أن وضعت قدميها على اليابسة، حتّى انتصبت أمام عمر كالسارية، أدارت حولها الطرف، وهي تملأ رئتيها من الهواء بنشوة من يعتلّ كأساً حُرِمه زمناً، وقالت غير محدّثةٍ أحداً:
- طوبى لمن عاش حتّى يلقاكِ!
ردّت امرأة وراءها، كانت قد عرفتها على ظهر السفينة:
- أيقول ذلك من خلّف بغداد وراءه؟!
قالت المرأة وهي تحتضن طفلها:
- والله لا يَعدل هذا المنـزلَ سوى الجنّة!
بدت (لبانة) قد جاوزت العشرين بربيعين أو ثلاثة، عليها ثوب من الكتّان الأبيض، مطرّز عند الصدر بخيوط من القصب الأصفر، وقد لفّت شعرها بخمار فيروزيّ عقصته إلى الخلف، وثبتته بعصابة من نقش قصب الثوب ذاته، بحيث خفي على عمر لونه، فخمّن أن يكون أسود، مسايراً لوجهها الحنطيّ المشرّب بسمرة خفيفة من تلاويح الشمس، وقد تدلّى من أذنيها قرطُ ذهبٍ له شكل طارة كبيرة. وحينما كان عمر منهمكاً يجمع تلك التفاصيل، بادرته لبانة:
- شكراً لك أيها السيّد، هلاّ أكملت جميلك، فأرسلت إلينا من يحملنا إلى نـزل نرتاح فيه، أخشى أنّ حال الأماكن قد تحوّلت، وقد لقينا من سفرنا هذا نصبا.
- أمهليني، وأراد أن يقول لها ياأختاه، لكنّ الكلمة وقفت في حلقه، فواصل: ياسيّدة، ريثما أحضر مركبتي...
- لا، لا أرجوك، يكفي أن تدلّنا على الطريق والوسيلة.
- الوسيلة معي، وتعرف طريقها.
- لكنّ لبانة أصرّت على أن تترك عمر لشغله، وقبل أن يأخذ ومولاه فرصة للقيام بأيّ شيء، كانت دابّتا الكرّاء قد حملتا المتاع، والطفل، والمرأة التي شكرته بابتسامة، وسارت في طريقها إلى النـزل.
-4-
(محبوبة) امرأة حسناء، ذات غنى، تملك نُزُلاً بمغنى، ومطعم في (حيّ الرياحين)، يختلف إليه الأشراف وغيرهم من أهل المروءات في الرقّة. وهي ظريفة وعالمة بأمور النساء، وقد كانت قبل ذلك جارية لمالك الأشجعيّ، والد عمر وريّا، تجيد الغناء، والضرب على العود، فلمّا أعتقها، فتحت هذا النـزل، تستقبل فيه المسافرين، وطالبـي السهر والطرب، وتقوم وفتياتها وغلمانها على خدمتهم، فأثمر دأبها، وازدهر عملها، وصارت من ربّات المال في الرقّة، وهي صاحبة نخوة، تفكّ المدين، وتعطي المحتاج، وتصون السرّ.
حينما دخلت لبانة بهو النـزل كانت قد لفتت انتباه الجالسين بخطواتها الوئيدة، وهيئتها البهيّة التي أثارت فضول محبوبة، فهي لم تَعْتَدْ حضورَ نساء شابّات لهنّ هذا الحسن، وذلك الهندام، وليس برفقتهنّ أحد، لكنّها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتذكّر لبانة:
- أنت لبانة بنت إياد السلميّ!
- نعم
- كم أنضجتك الغربة!
لم تستغرب لبانة من أن يعرفها الناس في الرقّة، فسبع سنوات ليست بالغياب الطويل، لتحول حال الوجوه فيه، وها هي تعود لتجد نـزلاً جميلاً تديره امرأة، لتعرف منها أحوال البلاد، وأخبار العباد، مذ غادرتهم.
لم تَنَمْ لبانة تلك الليلة، وبقي قيس الصغير في حجرها يتململ من حديث أمّه مع محبوبة إلى الفجر. كانت لبانة في شوق لتلقى أباها وإخوتها الذين لم تسمع عنهم خبراً كلَّ ذلك الوقت. محبوبة طمأنتها أنّهم بخير، فأبوها يتردّد على النـزل كلّما نـزل من دير زكّا، حيث زراعته، إلى الرقّة، وإخوتها امتلكوا زراعةً في الرقّة السوداء، جنوبيّ الجسر، وأكثرهم يقيم فيها.
- مالَكِ سكنْتِ يالبانة؟ ها قد حكيت لك الحكاية من أوّلها إلى آخرها!
حوّلت لبانة نظرها نحو الشرفة، فأضاءت عينيها المشاعلُ المزروعة على جانبـي الجسر في الطريق الممتدّة أمام النـزل، وبدت تجاهد دموعها:
- هذه أوّل مرّة أرى الرقّة، وأمّي ليست في الدنيا، غادرتُ دير زكّا بعد وفاتها بقليل.
- رحمها الله، كلّنا ميّتون! هيّا خبّريني أنت عن أحوالك، وإن بدوتِ على خير ما يرام!
- حمداً لله! لاشكّ في أنّ خبر زواجي لم يخْفَ على أحد في الرقّة، فحينما كنت أدرس النسْخ والترجمة في دير زكّا، أحببتُ العالم الذي وفد إلينا من بغداد، وتزوّجته، ورحلت معه، وهناك أنجبتُ قيساً. كنتُ سعيدة جدّاً، وكان رجلاً من درر الرجال، علماً، وديناً، وخُلقاً، وقد ذاع صيته في بغداد، فأوفده الخليفة إلى خراسان، ليقيم مكتبة هناك على شاكلة مكتبة بغداد، فسافر، وانقطعت عنّا أخباره، مرّ على غيابه سنوات أربع، وبقيت على أمل عودته، لكنّ أخباراً وصلت بأنّ المقام طاب له هناك، فبنى بامرأة خراسانيّة، بل يقول بعضهم هي ابنة الوالي، والله أعلم!
بقيت أعمل هناك في النسخ، سوق الوراقة عامرة في بغداد، وجمعت مالاً كثيراً، لكنّ الغربة قتلتني، فقد تركت وطني من أجل الرجل، والرجل غاب، ولم يعد لي سبب للبقاء، ومتاعي ليس بالثقيل: قيس، وبعض الكتب، حملتهم معي، وركبت إلى هنا.
غداً، إن شاء الله، أذهب إلى دير زكّا، فأقيم مع أبـي أيّاماً، لقد أوحشني كثيراً، ثمّ سأعود إلى هنا، لأبدأ العمل، وأنظر فيما سيقدّر الله لي أن أفعل.
مع نهاية الحديث، كان جسر من الألفة قد مُدَّ بين المرأتين، محبوبة التي اعتادت سماع حكايات الناس، ولبانة التي بدأت السطر الأوّل في حكايتها.