Page 1
تمهيد
اصطدمت الطائرة المروحية بالانحناءات الصخرية للجبل المغطى بطبقات كثيفة من الثلج.تطاير الزجاج، وصرّ الحديد على الصخور، وانطلقت ألسنة اللهب الحمراء من المحرك المشتعل، ما جعل المكان الذي لطالما رآه كريستيان كومنتاروس صفحة من اللون الأبيض الناصع إلى مزيج من النار والجليد.
عانى كريستيان كي يتخلص من حزام الأمان، فيما أصبح عاجزاً عن رؤية أي شيء أمامه. تحركت المروحية، وانزلقت عدة أقدام. انتشرت النيران في كل مكان، بينما أحاط اللهب الحامي بكريستيان من كل الجهات. سحب حزام الأمان من جديد حتى تمكن من نزعه.
ملأ الدخان رئتيه، وبدأت أنفاسه تنقطع.
فكر كريستيان بارتباك أن أمامه خيار بين الحياة والموت، وهو قرار لا يختلف كثيراً عن القرارات الأخرى. يقوم الإنسان بما عليه القيام به، وبعد ذلك ينتظر العواقب.
فعل كريستيان ما يجدر به فعله، والآن سينتظر النتيجة.
فيما ارتفع هدير اشتعال النيران أكثر انزلقت المروحية مجدداً فوق الثلج.
يا إلهي! رمى كريستيان نفسه، ومد يديه في الهواء كي يتمسك بأي شيء تصل إليه يداه، لكنه لم يجد ما يتمسك به بل راح يتدحرج حتى اصطدم بكتلة ثلجية متحركة.
فكر وهو يكاد يصاب بالصمم بسبب صوت الانفجار: انهيار ثلجي آخر!
ولم يشعر بشيء بعد ذلك...
******
Page 2
1 – أعمى وصمّاء
- آه... لا! لست مهتماً. قل لها أن ترحل.هذا الصوت الخشن العميق لا يمكن أن يكون إلا صوت كريستيان كومنتاروس نفسه.
وقفت إليزابيت هاتشت وسط القاعة الخارجية أمام المكتبة، وأخذت نفساً عميقاً وهي تحاول المحافظة على شجاعتها. لن يكون الأمر سهلاً، لكن في النهاية ما من شيء سهل في ما يخص حالة كريستيان كومنتاروس. الحادث لم يكن سهلاً وكذلك فترة إعادة التأهيل ولا حتى الوصول مكان إقامته.
استغرقت الرحلة يومين. أتت بالطائرة من لندن إلى أثينا، ثم استقلت السيارة إلى سبارتا. بدت الرحلة من أثينا إلى سبارتا من دون نهاية. مع ذلك كان عليها متابعة الرحلة مشياً على القدمين لبعض الوقت ثم ركوب عربة يجرها الحمار لنصف المسافة عبر الجبل في أراضٍ وعرة قاسية.
لم تستطع إليزابيت أن تفهم لِما قد يرغب أي كائن لاسيما رجل لا يمكنه الرؤية أو المشي أن يسكن في دير قديم بني فوق منحدرات صخرية في تايغتوس، أحد أعلى الجبال في بيلوبونيز. لكن الآن، وبما أنها وصلت إلى هنا فهي غير مستعدة للرحيل قريباً من جديد.
- قطعت المرأة مسافة طويلة كي...
تمكنت إليزابيت من معرفة صاحب الصوت. إنه أحد الخدم الذين التقت بهم عند الباب.
- اكتفيت من المساعدة المزعجة الذي يقدمها مركز الرعاية. تباً لهم!
أغمضت إليزابيت عينيها، وأخرجت نفسها ببطء وهي تعد حتى العشرة...
سبق لفريق العمل في أثينا أن أخبرها أنها ستقوم برحلة طويلة إلى أحد القصور القديمة.
تم تحذيرها بأن الوصول إلى تايغتوس ذات الطبيعة الوعرة متعب تماماً كالاهتمام بكريستيان. أشار مساعدوها أيضاً إلى أن الرحلة عبر هذا الجبل المليء بالآثار البيزنطية يبدو مستحيلاً، لكنها حالما ركبت العربة التي يجرها الحمار حتى وجدت أنها مستعدة للأمر. ظنت أنها تعرف ما هي قادمة عليه، تماماً مثلما ظنت أنها تدرك ما تفعله حين وافقت على الاهتمام بالسيد كومنتاروس بعد خروجه من المشفى الفرنسي. وفي الحالتين أخطأت إليزابيت التقدير.
جعلتها الرحلة المتعبة تشعر بالارهاق وبالألم في معدتها وفي رأسها.
موافقتها على الاهتمام بالسيد كومنتاروس ليستعيد صحته جعلتها تعاني الأمرين. من الواضح أنه على وشك جعل شركتها تشرف على الإفلاس.
شعرت إليزابيت بالتوتر لسماعها صوت تحطم زجاج. تلت ذلك مجموعة كبيرة من اللعنات والشتائم باللغة اليونانية.
- إنه مجرد زجاج... سيتم تغييره سريعاً.
- أنا أكره هذا بانو... أكره كل شيء...
- أعلم ذلك.
Page 3
أصبح صوت بانو خفيضاً الآن، ولم يعد باستطاعة إليزابيت أن تسمع الكثير مما يقال، لكن يبدو أنه كان يحاول تهدئة أعصاب السيد كومنتاروس. إلاّ أن ذلك لم يساعد في تهدئة أعصاب إليزابيت على الإطلاق. قد يكون السيد كريستيان كومنتاروس مالك ثروة طائلة وقادراً على تحمل مستوى معيشي يسمح له بالانعزال عن العالم والعيش في جبال ال بيلوبونيز، لكن ذلك لا يبرر تصرفاته. من الواضح أن تصرفاته سببها نفسيته المحطمة وحالته المزرية. إنها هنا لأن كريستيان كومنتاروس لم يستطع التعامل مع أي ممرضة من اللواتي أتين قبلها بسبب أعصابه الثائرة وغضبه الدائم.
ارتفعت الأصوات من جديد في المكتبة. استمعت إليزابيت -وهي تجيد اللغة اليونانية بامتياز- إلى المحادثة التي تدور بشأنها. كريستيان كومنتاروس لا يرغب بوجودها هنا، أما بانو وهو أحد كبار الخدم فأخذ يقنعه بأن ليس من التهذيب أن يطلب من الممرضة الرحيل من دون أن يقابلها. لكن السيد كومنتاروس قال إنه لا يكترث للتصرف بتهذيب.
التوى فم إليزابيت حين سمعت الخادم يقترح تقديم العصير لها، لكن ابتسامتها الملتوية اختفت بسرعة حين أجابه كريستيان أن ممرضات مركز الرعاية البدينات لا يرفضن تناول أي شيء يقدم إليهن، وربما تود الأنسة هاتشت أن تستفيد من تناول وجبة طعام كاملة.
أصر بانو قائلاً: "أحضرت الآنسة هاتشت معها حقيبة وأمتعة، وهي تنوي البقاء".
- البقاء؟!
- نعم سيدي.
لم يكن باستطاعة نبرة صوت الخادم اليوناني أن تحمل المزيد من الاعتذار، لكن كلماته جعلت كريستيان يطلق المزيد من الشتائم.
- بحق السماء، بانو! دع بقايا الزجاج الآن، واذهب للتعامل معها. زودها بعربة، وأحضر لها حماراً. قم بذلك الآن.
- لكنها أتت من لندن...
- لا يهمني إن كانت قد أتت من القمر. ليس من شأنها القدوم إلى هنا. تركت لها رسالة مع شركة التأمين. تلك المرأة تعرف تماماً أنني لم أطلب منها المجيء، وليست مشكلتي أنها أضاعت وقتها.
بمناسبة ذلك الحديث فكرت إليزابيت وهي تفرك رقبتها للتخلص من الألم أنها تضيع وقتها بالوقوف هنا. حان الوقت لتقدم نفسها له وتقطع ذلك النقاش. رفعت كتفيها، وأخذت نفساً عميقاً، ثم دفعت الباب الطويل لينفتح. أصدر كعبا حذائها المنخفضان طقطقة خفيفة على الأرض الخشبية فيما دخلت إلى الغرفة.
- مساء الخير، سيد كومنتاروس.
جالت بعينيها بسرعة على النوافذ وعلى طاولة القهوة وعلى الجرائد المكدسة فوق طاولة موضوعة في الزاوية. لابد أنها متراكمة منذ أشهر، ولم يقم أحد بقراءتها بعد.
- أنت متطفلة، ومسترقة للسمع!
قال كريستيان ذلك من كرسيه المتحرك، فيما الغضب والسخط باديين بوضوح في صوته
ارتفعت الأصوات من جديد في المكتبة. استمعت إليزابيت -وهي تجيد اللغة اليونانية بامتياز- إلى المحادثة التي تدور بشأنها. كريستيان كومنتاروس لا يرغب بوجودها هنا، أما بانو وهو أحد كبار الخدم فأخذ يقنعه بأن ليس من التهذيب أن يطلب من الممرضة الرحيل من دون أن يقابلها. لكن السيد كومنتاروس قال إنه لا يكترث للتصرف بتهذيب.
التوى فم إليزابيت حين سمعت الخادم يقترح تقديم العصير لها، لكن ابتسامتها الملتوية اختفت بسرعة حين أجابه كريستيان أن ممرضات مركز الرعاية البدينات لا يرفضن تناول أي شيء يقدم إليهن، وربما تود الأنسة هاتشت أن تستفيد من تناول وجبة طعام كاملة.
أصر بانو قائلاً: "أحضرت الآنسة هاتشت معها حقيبة وأمتعة، وهي تنوي البقاء".
- البقاء؟!
- نعم سيدي.
لم يكن باستطاعة نبرة صوت الخادم اليوناني أن تحمل المزيد من الاعتذار، لكن كلماته جعلت كريستيان يطلق المزيد من الشتائم.
- بحق السماء، بانو! دع بقايا الزجاج الآن، واذهب للتعامل معها. زودها بعربة، وأحضر لها حماراً. قم بذلك الآن.
- لكنها أتت من لندن...
- لا يهمني إن كانت قد أتت من القمر. ليس من شأنها القدوم إلى هنا. تركت لها رسالة مع شركة التأمين. تلك المرأة تعرف تماماً أنني لم أطلب منها المجيء، وليست مشكلتي أنها أضاعت وقتها.
بمناسبة ذلك الحديث فكرت إليزابيت وهي تفرك رقبتها للتخلص من الألم أنها تضيع وقتها بالوقوف هنا. حان الوقت لتقدم نفسها له وتقطع ذلك النقاش. رفعت كتفيها، وأخذت نفساً عميقاً، ثم دفعت الباب الطويل لينفتح. أصدر كعبا حذائها المنخفضان طقطقة خفيفة على الأرض الخشبية فيما دخلت إلى الغرفة.
- مساء الخير، سيد كومنتاروس.
جالت بعينيها بسرعة على النوافذ وعلى طاولة القهوة وعلى الجرائد المكدسة فوق طاولة موضوعة في الزاوية. لابد أنها متراكمة منذ أشهر، ولم يقم أحد بقراءتها بعد.
- أنت متطفلة، ومسترقة للسمع!
قال كريستيان ذلك من كرسيه المتحرك، فيما الغضب والسخط باديين بوضوح في صوته
Page 4
بالكاد نظرت إليزابيت نحوه. توجهت نحو الطاولة المليئة بالأدوية التي وصفت له، وقالت: "أنت تصرخ سيد كريستيان، لذا ما من داعٍ لاستراق السمع. أما بالنسبة لكوني متطفلة فربما أكون كذلك لو لم أكن هنا بسبب المهمة التي أوكلت إلي وهي الاهتمام بك".
أخذت إليزابيت إحدى علب الدواء لتقرأ الوصفة، ثم حملت علبة أخرى. أول أمر قد يخطر ببال مسؤول طبي هو أن يعرف ما هي الأدوية التي يتناولها المريض.
ارتعد جسد كريستيان في كرسيه المتحرك وهو يحاول اللحاق بمصدر الصوت ليفهم تحركاتها. كانت عيناه مغطاتين بضمادة بيضاء تلتف حول رأسه، فيما تعاكس اللون الأبيض مع لون شعره الأسود.
- استغنيت عن خدماتك مسبقاً.
- تم رفض طلبك، ولست أنت من يقرر في هذا الأمر الآن.
أجابته إليزابيت بذلك وهي تعيد علب الدواء إلى الطاولة لتراقبه. أظهرت الضمادة المربوطة حول عينيه شكل وجهه وتقاسيمه. بدت عظام وجنتيه بارزة، أما ذقنه فقاسية وفكه القوي مغطى بلحية سوداء خشنة. مما يبدو الآن، لاشك أنه لم يحلق ذقنه مذ غادرت الممرضة السابقة.
انحنى كريستيان ببطء في كرسيه، وقال: "من الذي يقرر إذاً؟"
- معالجوك الفيزيائيون.
- معالجي الفيزيائيون؟
- نعم! نحن على اتصال يومي بهم سيد كومنتاروس، والأشهر الأخيرة جعلتهم يشككون بقدراتك العقلية.
- لاشك أنك تمزحين!
- على الإطلاق! هناك نقاش يدور حول نقلك للاهتمام بك بشكل أفضل في...
- اخرجي من هنا!
صرخ كريستيان وهو يشير بإصبعه نحوالباب: "اخرجي الآن".
لم تتحرك إليزابيت بل أحنت رأسها لتراقبه عن كثب. بدا منظره مشعثاً ورثاً بعكس ما كتب عنه في السابق بأنه رجل ثري أنيق، يملك القصور والأراضي في جميع أصقاع الأرض، وبأن لديه عشيقة جميلة في كل مكان يملكه.
- إنهم يشعرون بالقلق عليك، وكذلك أنا. أنت بحاجة إلى المساعدة.
- هذا محال. لو كان أطبائي قلقين بشأني لأتوا إلى هنا، أما أنت فلا تعرفينني. لا يمكنك أن تأتي وتطلقي الأحكام بعد دقيقتين من المراقبة.
- بل أستطيع، لأنني أتابع حالتك منذ اليوم الأول... منذ أن خرجت من المستشفى. لا أحد يعرف أكثر مني عنك وعن الاهتمام اليومي بك. لو أنك كنت هكذا من قبل لاعتقدنا أن تصرفاتك هذه هي جزء من شخصيتك، لكن اليأس أمر جديد...
- لست يائساً. أنا متعب فقط.
- إذاً دعنا نتعامل مع ذلك. هل هذا ممكن؟
أخذت إليزابيت إحدى علب الدواء لتقرأ الوصفة، ثم حملت علبة أخرى. أول أمر قد يخطر ببال مسؤول طبي هو أن يعرف ما هي الأدوية التي يتناولها المريض.
ارتعد جسد كريستيان في كرسيه المتحرك وهو يحاول اللحاق بمصدر الصوت ليفهم تحركاتها. كانت عيناه مغطاتين بضمادة بيضاء تلتف حول رأسه، فيما تعاكس اللون الأبيض مع لون شعره الأسود.
- استغنيت عن خدماتك مسبقاً.
- تم رفض طلبك، ولست أنت من يقرر في هذا الأمر الآن.
أجابته إليزابيت بذلك وهي تعيد علب الدواء إلى الطاولة لتراقبه. أظهرت الضمادة المربوطة حول عينيه شكل وجهه وتقاسيمه. بدت عظام وجنتيه بارزة، أما ذقنه فقاسية وفكه القوي مغطى بلحية سوداء خشنة. مما يبدو الآن، لاشك أنه لم يحلق ذقنه مذ غادرت الممرضة السابقة.
انحنى كريستيان ببطء في كرسيه، وقال: "من الذي يقرر إذاً؟"
- معالجوك الفيزيائيون.
- معالجي الفيزيائيون؟
- نعم! نحن على اتصال يومي بهم سيد كومنتاروس، والأشهر الأخيرة جعلتهم يشككون بقدراتك العقلية.
- لاشك أنك تمزحين!
- على الإطلاق! هناك نقاش يدور حول نقلك للاهتمام بك بشكل أفضل في...
- اخرجي من هنا!
صرخ كريستيان وهو يشير بإصبعه نحوالباب: "اخرجي الآن".
لم تتحرك إليزابيت بل أحنت رأسها لتراقبه عن كثب. بدا منظره مشعثاً ورثاً بعكس ما كتب عنه في السابق بأنه رجل ثري أنيق، يملك القصور والأراضي في جميع أصقاع الأرض، وبأن لديه عشيقة جميلة في كل مكان يملكه.
- إنهم يشعرون بالقلق عليك، وكذلك أنا. أنت بحاجة إلى المساعدة.
- هذا محال. لو كان أطبائي قلقين بشأني لأتوا إلى هنا، أما أنت فلا تعرفينني. لا يمكنك أن تأتي وتطلقي الأحكام بعد دقيقتين من المراقبة.
- بل أستطيع، لأنني أتابع حالتك منذ اليوم الأول... منذ أن خرجت من المستشفى. لا أحد يعرف أكثر مني عنك وعن الاهتمام اليومي بك. لو أنك كنت هكذا من قبل لاعتقدنا أن تصرفاتك هذه هي جزء من شخصيتك، لكن اليأس أمر جديد...
- لست يائساً. أنا متعب فقط.
- إذاً دعنا نتعامل مع ذلك. هل هذا ممكن؟
Page 5
فتحت إليزابيت ملفها الجلدي، وسحبت منه ورقة ملاحظات. على المرء أن يكون حذراً هذه الأيام. عليها حماية وكالتها وفريق عملها، لذا تعلمت منذ البداية أن تسجل كل شيء.
- من المؤسف أنك لاتزال بهذه الحالة. من المؤسف أن تعزل نفسك هنا في تايغتوس بينما هناك الكثير من الأشخاص بانتظارك في أثينا، وهم يريدونك أن تعود إلى المكان الذي تنتمي إليه.
- أنا أعيش هنا بشكل دائم الآن.
حدقت إليزابيت به، وقالت: "ألا تنوي العودة يوماً؟"
- أمضيت سنوات وأنا أقوم بإصلاح هذا المكان وتحويله إلى منزل عصري يلبي كل حاجاتي.
- حصل هذا قبل أن تصاب، أما الآن فالعيش هنا ليس أمراً عملياً بالنسبة إليك. لا يمكنك أن تطير...
- لا تخبريني بما يمكنني أولا يمكنني فعله!
ابتلعت إليزابيت ريقها، وحاولت من جديد: "ليس من السهل أن يأتي أصدقاؤك وعائلتك لزيارتك. أنت منعزل تماماً هنا".
- هذا ما أتمناه.
- لكن كيف ستستطيع أن تتعافى كلياً وأنت بمفردك في مكان يعتبر بدون شك من أكثر الأماكن عزلة وبعداً في اليونان؟
حرك كريستيان رأسه ما جعلها تشعر بقوته وعنفوانه، ثم ردد بعناد وبصوت بارد: "هذا هو منزلي".
- ماذا عن الشركة والأعمال؟ هل تخليت عنها إلى جانب تخليك عن عائلتك وأصدقائك؟
- أهكذا تتصرفين دائماً؟
- آه! نعم. أنا لست هنا لأهدهد لك سيد كومنتاروس، أو لأسمعك الأشياء الجميلة التي تجعلك تضحك. أنا هنا لجعلك تقف على قدميك من جديد.
- لن يحدث هذا.
- ألأنك تحب أن تكون عديم الجدوى أم لأنك خائف من الألم؟
لم يقل كريستيان شيئاً للحظة، ثم بهت وجهه تحت الضمادات التي تلفه. أخيراً وجد صوته فقال: "كيف تجرؤين؟ كيف تجرؤين على اقتحام منزلي...؟
- لم يكن اقتحاماً سيد كومنتاروس. استغرقت الرحلة يومين إلى هنا بما في ذلك استخدام الطائرة وسيارات الأجرة والحافلات وحتى الحمار.
ابتسمت إليزابيت قليلاً، إنه آخر مكان تتمنى أن تقصده، وهو آخر شخص تتمنى الاعتناء به. تابعت تقول: "مرت سنة على الحادث. لم يعد هناك من سبب طبي لتكون عديم الجدوى".
- اخرجي من هنا!
- لا يمكنني ذلك بما أنه لا يوجد مكان آخر أقصده. عليك أن تعرف أن الظلام حل وأصبح من الصعب ركوب الحمار نزولاً
- لا... لا أعلم، فأنا أعمى. لا فكرة لدي عن الوقت أو اليوم.
- من المؤسف أنك لاتزال بهذه الحالة. من المؤسف أن تعزل نفسك هنا في تايغتوس بينما هناك الكثير من الأشخاص بانتظارك في أثينا، وهم يريدونك أن تعود إلى المكان الذي تنتمي إليه.
- أنا أعيش هنا بشكل دائم الآن.
حدقت إليزابيت به، وقالت: "ألا تنوي العودة يوماً؟"
- أمضيت سنوات وأنا أقوم بإصلاح هذا المكان وتحويله إلى منزل عصري يلبي كل حاجاتي.
- حصل هذا قبل أن تصاب، أما الآن فالعيش هنا ليس أمراً عملياً بالنسبة إليك. لا يمكنك أن تطير...
- لا تخبريني بما يمكنني أولا يمكنني فعله!
ابتلعت إليزابيت ريقها، وحاولت من جديد: "ليس من السهل أن يأتي أصدقاؤك وعائلتك لزيارتك. أنت منعزل تماماً هنا".
- هذا ما أتمناه.
- لكن كيف ستستطيع أن تتعافى كلياً وأنت بمفردك في مكان يعتبر بدون شك من أكثر الأماكن عزلة وبعداً في اليونان؟
حرك كريستيان رأسه ما جعلها تشعر بقوته وعنفوانه، ثم ردد بعناد وبصوت بارد: "هذا هو منزلي".
- ماذا عن الشركة والأعمال؟ هل تخليت عنها إلى جانب تخليك عن عائلتك وأصدقائك؟
- أهكذا تتصرفين دائماً؟
- آه! نعم. أنا لست هنا لأهدهد لك سيد كومنتاروس، أو لأسمعك الأشياء الجميلة التي تجعلك تضحك. أنا هنا لجعلك تقف على قدميك من جديد.
- لن يحدث هذا.
- ألأنك تحب أن تكون عديم الجدوى أم لأنك خائف من الألم؟
لم يقل كريستيان شيئاً للحظة، ثم بهت وجهه تحت الضمادات التي تلفه. أخيراً وجد صوته فقال: "كيف تجرؤين؟ كيف تجرؤين على اقتحام منزلي...؟
- لم يكن اقتحاماً سيد كومنتاروس. استغرقت الرحلة يومين إلى هنا بما في ذلك استخدام الطائرة وسيارات الأجرة والحافلات وحتى الحمار.
ابتسمت إليزابيت قليلاً، إنه آخر مكان تتمنى أن تقصده، وهو آخر شخص تتمنى الاعتناء به. تابعت تقول: "مرت سنة على الحادث. لم يعد هناك من سبب طبي لتكون عديم الجدوى".
- اخرجي من هنا!
- لا يمكنني ذلك بما أنه لا يوجد مكان آخر أقصده. عليك أن تعرف أن الظلام حل وأصبح من الصعب ركوب الحمار نزولاً
- لا... لا أعلم، فأنا أعمى. لا فكرة لدي عن الوقت أو اليوم.
Page 6
شعرت إليزابيت بالحماوة في وجنتيها، كما شعرت بالانزعاج والقرف معاً. إن كان يتوقع أن تشعر بالأسف من أجله فهو مخطئ، وإن كان ينوي أن يهددها أو يخيفها فهو مخطئ أيضاً. بإمكانه أن يصرخ ويكسر الأغراض، لكنها لا تنوي الشعور بالجبن كجرو كلب صغير. كونه يونانياً مشهوراً يملك شركة تساوي مليارات الدولارات لا يعني أنه يستحق احترامها. الاحترام يُكتسب ولا يعطى بشكل تلقائي.
- إنها الساعة الرابعة سيد كومنتاروس، ومعظم أجزاء الجبل أصبحت مغمورة بالظلال. أنا لا أستطيع العودة الليلة حتى لو أردت ذلك، كما أن أطباءك أعطوني الصلاحية لأبقى هنا، وهذا ما سأفعله. إما أن تقبل ببقائي أو أنه سيتم نقلك إلى مركز إعادة التأهيل في أثينا. عليك أن تختار.
- هذه ليست خيارات واسعة.
- لا!
حملت إليزابيت أحد الأدوية الموصوفة له، ثم فتحت العلبة البلاستيكية كي تعرف كم حبة بقيت لديه. هناك ثلاث فقط من أصل ثلاثين. أعيد وصف هذا الدواء له منذ أسبوع فقط!
- أمازلت تعاني من قلة النوم سيد كومنتاروس؟
- نعم.
- مازلت تعاني من الألم إذاً!
شدت دفتر الملاحظات فوق صدرها وهي تحدق به. على الأرجح أنه أصبح مدمناً عن مسكنات الألم هذه. غالباً ما يحدث ذلك. على المرء أن يواجه الأمر.
تحرك كريستيان كومنتاروس في كرسيه.
- وكأنك تكترثين!
لم يرف لإليزابيت جفن. لن تسمح بأن يجعلها رثاؤه لنفسه تشعر بالشفقة. الرثاء للنفس هو جزء من العلاج، لكنه يأتي في المراحل الأولى. وبما أن كريستيان كومنتاروس لم يتجاوزها بعد، فهذا يعني أنه لايزال أمامه درب طويل ليقطعه. أجابته بجفاء: "بل أنا أهتم".
لكنها لم تقل أنها أيضاً تكترث لمستقبل شركتها "مركز الدرجة الأولى للرعاية"، ولم تقل إن تقديم العناية الطبية لكريستيان كومنتاروس كاد يدمر الشركة التي أسستها منذ أربع سنوات.
- أنا أكترث، لكنني لست كالأخريات. لن أعاملك برقة، ولن أتحمل أعذارك لأسمح لك بتنفيذ عميلة القتل.
- وما الذي تعرفينه عن القتل أيتها الآنسة العظيمة؟
حرك كريستيان كرسيه إلى الأمام، فأخذت العجلات تفتت الزجاج المنتشر على الأرض.
- كن حذراً سيد كومنتاروس! ستثقب العجلات.
- جيد. أريد أن أثقبها. أنا أكره هذا الكرسي... أكره كوني لا أرى، وأكره العيش بهذا الشكل.
- إنها الساعة الرابعة سيد كومنتاروس، ومعظم أجزاء الجبل أصبحت مغمورة بالظلال. أنا لا أستطيع العودة الليلة حتى لو أردت ذلك، كما أن أطباءك أعطوني الصلاحية لأبقى هنا، وهذا ما سأفعله. إما أن تقبل ببقائي أو أنه سيتم نقلك إلى مركز إعادة التأهيل في أثينا. عليك أن تختار.
- هذه ليست خيارات واسعة.
- لا!
حملت إليزابيت أحد الأدوية الموصوفة له، ثم فتحت العلبة البلاستيكية كي تعرف كم حبة بقيت لديه. هناك ثلاث فقط من أصل ثلاثين. أعيد وصف هذا الدواء له منذ أسبوع فقط!
- أمازلت تعاني من قلة النوم سيد كومنتاروس؟
- نعم.
- مازلت تعاني من الألم إذاً!
شدت دفتر الملاحظات فوق صدرها وهي تحدق به. على الأرجح أنه أصبح مدمناً عن مسكنات الألم هذه. غالباً ما يحدث ذلك. على المرء أن يواجه الأمر.
تحرك كريستيان كومنتاروس في كرسيه.
- وكأنك تكترثين!
لم يرف لإليزابيت جفن. لن تسمح بأن يجعلها رثاؤه لنفسه تشعر بالشفقة. الرثاء للنفس هو جزء من العلاج، لكنه يأتي في المراحل الأولى. وبما أن كريستيان كومنتاروس لم يتجاوزها بعد، فهذا يعني أنه لايزال أمامه درب طويل ليقطعه. أجابته بجفاء: "بل أنا أهتم".
لكنها لم تقل أنها أيضاً تكترث لمستقبل شركتها "مركز الدرجة الأولى للرعاية"، ولم تقل إن تقديم العناية الطبية لكريستيان كومنتاروس كاد يدمر الشركة التي أسستها منذ أربع سنوات.
- أنا أكترث، لكنني لست كالأخريات. لن أعاملك برقة، ولن أتحمل أعذارك لأسمح لك بتنفيذ عميلة القتل.
- وما الذي تعرفينه عن القتل أيتها الآنسة العظيمة؟
حرك كريستيان كرسيه إلى الأمام، فأخذت العجلات تفتت الزجاج المنتشر على الأرض.
- كن حذراً سيد كومنتاروس! ستثقب العجلات.
- جيد. أريد أن أثقبها. أنا أكره هذا الكرسي... أكره كوني لا أرى، وأكره العيش بهذا الشكل.
Page 7
أطلق شتمية بينما أنهى خادمه تنظيف الأرض بمكنسة صغيرة. ما إن هدأ كريستيان حتى أخفض كتفيه وأرخى رأسه. إنه اليأس!
رنّت الكلمة في أذنها مفسرة كل ما تراه وما تشعر به. مزاجه السيء ليس نابعاً من غضبه، بل هو أسوأ من ذلك. إنه نابع من يأسه. إنه يائس بالفعل فهو مجرد بقايا رجل، كما فكرت إليزابيت وهي تشعر بالقليل من التعاطف.
ما إن شعرت بذلك التعاطف يملؤها حتى دفعته بعيداً واستبدلت الحنان بالحزم. سيتحسن بالتأكيد. ما من سبب يمنعه. أشارت لبانو بأنها تريد أن تتكلم مع سيده بمفردهما، فهز رأسه وغادر المكتبة مع الوعاء المليء ببقايا الزجاج.
بعد أن أغلقت باب المكتبة قالت له: "الآن سيد كومنتاروس علينا أن نسترجع برنامج إعادة التأهيل، لكن لا يمكننا القيام بذلك إن بقيت مصراً على إزعاج ممرضاتك".
- كن جميعهن غير صالحات ودون المستوى المطلوب...
قاطعته وهي تجلس فوق كرسي ذي ذراعين: "الممرضات الست... كلهن؟"
جميع الممرضات المتخصصات في مركز الرعاية جربن التعامل معه. في الواقع لم يعد هناك من يرسلونه. بالرغم من ذلك لا يمكن ترك السيد كومنتاروس بمفرده. إنه بحاجة لأكثر من مجرد خادم. فهو لايزال بحاجة إلى اهتمام طبي على مدار الساعة.
أخذ كريستيان يطرق بأصابعه فوق المقبض المعدني للكرسي المتحرك، ثم قال: "إحدى الممرضات لم تكن سيئة. حسناً! إنها كاليستا. لكن صدقيني، إن كانت هي الأفضل، فعليك أن تستنتجي كم أن الأخريات سيئات.
- الآنسة أرفانتينوس لن تعود.
بدأ غضب إليزابيت يتصاعد. بالطبع! طلب كريستيان إعادة الممرضة التي تحكّم بها بشكل فظيع. بالكاد تخرجت الفتاة المسكينة من مدرسة التمريض لتقع بين يدي كريستيان كومنتاروس! بالنسبة لرجل أصيب بجروح مميتة، يبدو أنه خبير جداً في الإغواء.
أحنى كريستيان رأسه، وقال: "أهذا اسم عائلتها؟"
- تصرفت معها بطريقة سيئة جداً. إنك في الثلاثين... ماذا؟"
قلبت إليزابيت ملفه، وتحققت من عمره، ثم تابعت تقول: "...تكاد تبلغ السادسة والثلاثين من عمرك وهي بالكاد تبلغ الثالثة والعشرين. هل تعلم أنها استقالت؟ تركت مكتبنا في أثينا بعد أن شعرت بضعف كبير في ثقتها بنفسها".
- لم أطلب منها أن تقع في حبي!
- في حبك؟ ليس للحب دخل بالموضوع. أنت أغويتها لتتخلص من الملل.
- فهمتني بشكل خاطئ أيتها الممرضة كراتشيت...
صمت كريستيان قليلاً، ثم تابع يقول: "أنت إنكليزية. أليس كذلك؟"
- أنا أتكلم الإنكليزية. نعم.
- حسناً، كراتشيت! لقد فهمتني بشكل خاطئ. أنا عاشق، ولست محارباً.
تدفقت الدماء إلى وجنتي إليزابيت: "هذا يكفي!"
رنّت الكلمة في أذنها مفسرة كل ما تراه وما تشعر به. مزاجه السيء ليس نابعاً من غضبه، بل هو أسوأ من ذلك. إنه نابع من يأسه. إنه يائس بالفعل فهو مجرد بقايا رجل، كما فكرت إليزابيت وهي تشعر بالقليل من التعاطف.
ما إن شعرت بذلك التعاطف يملؤها حتى دفعته بعيداً واستبدلت الحنان بالحزم. سيتحسن بالتأكيد. ما من سبب يمنعه. أشارت لبانو بأنها تريد أن تتكلم مع سيده بمفردهما، فهز رأسه وغادر المكتبة مع الوعاء المليء ببقايا الزجاج.
بعد أن أغلقت باب المكتبة قالت له: "الآن سيد كومنتاروس علينا أن نسترجع برنامج إعادة التأهيل، لكن لا يمكننا القيام بذلك إن بقيت مصراً على إزعاج ممرضاتك".
- كن جميعهن غير صالحات ودون المستوى المطلوب...
قاطعته وهي تجلس فوق كرسي ذي ذراعين: "الممرضات الست... كلهن؟"
جميع الممرضات المتخصصات في مركز الرعاية جربن التعامل معه. في الواقع لم يعد هناك من يرسلونه. بالرغم من ذلك لا يمكن ترك السيد كومنتاروس بمفرده. إنه بحاجة لأكثر من مجرد خادم. فهو لايزال بحاجة إلى اهتمام طبي على مدار الساعة.
أخذ كريستيان يطرق بأصابعه فوق المقبض المعدني للكرسي المتحرك، ثم قال: "إحدى الممرضات لم تكن سيئة. حسناً! إنها كاليستا. لكن صدقيني، إن كانت هي الأفضل، فعليك أن تستنتجي كم أن الأخريات سيئات.
- الآنسة أرفانتينوس لن تعود.
بدأ غضب إليزابيت يتصاعد. بالطبع! طلب كريستيان إعادة الممرضة التي تحكّم بها بشكل فظيع. بالكاد تخرجت الفتاة المسكينة من مدرسة التمريض لتقع بين يدي كريستيان كومنتاروس! بالنسبة لرجل أصيب بجروح مميتة، يبدو أنه خبير جداً في الإغواء.
أحنى كريستيان رأسه، وقال: "أهذا اسم عائلتها؟"
- تصرفت معها بطريقة سيئة جداً. إنك في الثلاثين... ماذا؟"
قلبت إليزابيت ملفه، وتحققت من عمره، ثم تابعت تقول: "...تكاد تبلغ السادسة والثلاثين من عمرك وهي بالكاد تبلغ الثالثة والعشرين. هل تعلم أنها استقالت؟ تركت مكتبنا في أثينا بعد أن شعرت بضعف كبير في ثقتها بنفسها".
- لم أطلب منها أن تقع في حبي!
- في حبك؟ ليس للحب دخل بالموضوع. أنت أغويتها لتتخلص من الملل.
- فهمتني بشكل خاطئ أيتها الممرضة كراتشيت...
صمت كريستيان قليلاً، ثم تابع يقول: "أنت إنكليزية. أليس كذلك؟"
- أنا أتكلم الإنكليزية. نعم.
- حسناً، كراتشيت! لقد فهمتني بشكل خاطئ. أنا عاشق، ولست محارباً.
تدفقت الدماء إلى وجنتي إليزابيت: "هذا يكفي!"
Page 8
انخفض صوته، وأصبح أكثر عمقاً وخشونة وهو يقول: "أنا لم أفرض نفسي على امرأة يوماً. ما حصل هو أن العزيزة اللطيفة كاليستا هي من فرضت نفسها علي".
- سيد كومنتاروس!
بدأت إليزابيت تشعر بعدم الارتياح، فأمسكت قلمها بشدة وهي تشعر بالانزعاج. إنها تكره ابتسامته الساخرة ونبرة صوته. تمكنت من معرفة السبب الذي جعل كاليستا تستقيل. كيف ستتمكن فتاة صغيرة من التعامل معه؟
تابع كريستيان يقول: "أعتقد أنها أرادت أن تعرف ما الذي يستطيع أن يفعله شخص معوق مثلي، لكنها اكتشفت أنه بالرغم من أنني لا أمشي لكنني لا أزال...".
- سيد كومنتاروس! أنا لا أريد سماع التفاصيل.
وقفت إليزابيت من مكانها، فيما شعرت فجأة بالظلام يلف الغرفة. إنه وقت متأخر من بعد الظهر، إلاّ أن السماء خالية من الغيوم والشمس مشرقة. لم تدرِ لماذا كانت الستائر والنوافذ مغلقة تمنع دخول الهواء المنعش.
دفع كريستيان كرسيه المتحرك نحوها وهو يقول: "لكنك تحتاجينها".
كان كُمّا قميصه الزرقاء القطنية مرفوعين إلى الخلف فوق ذراعيه، فظهرت عروقه النافرة تحت بشرته. كان يملك بشرة سمراء جميلة في ما مضى، لكنها اختفت منذ فترة طويلة. بهت اللون الأسمر بسبب قضاء أشهر طويلة داخل المنزل. تابع يقول: "ربما وصلتك معلومات خاطئة مفادها أنني استغليت كاليستا. حصلت كاليستا على ما أرادت الحصول عليه".
أدارت إليزابيت رأسها بعيداً، وصرت أسنانها، ثم قالت: "كانت رائعة؛ ممرضة شابة واعدة".
- لا أعلم إن كانت رائعة، لكنها ساذجة. وبما أنها استقالت بدأت تبعثين لي الممرضات السيئات الآتيات من الجحيم.
- نحن لا نوظف ممرضات آتيات من الجحيم. جميع الممرضات لدينا ذوات كفاءة عالية ويملكن صبراً...".
- لكنهن مقرفات!
تراجعت إليزابيت إلى الخلف وهي تعبس: "ماذا؟ إنه اتهام قاسٍ وغير صحيح".
- قاسٍ، لكنه صحيح. لم أردهن في منزلي، وكنت أرفض أن يلمسنني.
هكذا إذاً! لم يكن يريد ممرضات بل فتاة آتية من أحد أفلام آخر الليل؛ شعر طويل، جسم متناسق وتلبس تنورة ضيقة قصيرة. أخذت إليزابيت نفساً عميقاً وهي تجاهد للمحافظة على صبرها المهني. بدأت تفهم الآن كيف يحطم ممرضاته؛ يستمر في تعذيبهن حتى يطلبن نقلهن.
حسناً! لن تسمح للسيد كومنتاروس بالتغلب عليها. لن يستطيع فعل ذلك، لأنها لن تسمح له.
- هل كانت كاليستا تملك رائحة مقرفة أيضاٍ؟
- لا، بل تملك رائحة من الجنة.
- سيد كومنتاروس!
بدأت إليزابيت تشعر بعدم الارتياح، فأمسكت قلمها بشدة وهي تشعر بالانزعاج. إنها تكره ابتسامته الساخرة ونبرة صوته. تمكنت من معرفة السبب الذي جعل كاليستا تستقيل. كيف ستتمكن فتاة صغيرة من التعامل معه؟
تابع كريستيان يقول: "أعتقد أنها أرادت أن تعرف ما الذي يستطيع أن يفعله شخص معوق مثلي، لكنها اكتشفت أنه بالرغم من أنني لا أمشي لكنني لا أزال...".
- سيد كومنتاروس! أنا لا أريد سماع التفاصيل.
وقفت إليزابيت من مكانها، فيما شعرت فجأة بالظلام يلف الغرفة. إنه وقت متأخر من بعد الظهر، إلاّ أن السماء خالية من الغيوم والشمس مشرقة. لم تدرِ لماذا كانت الستائر والنوافذ مغلقة تمنع دخول الهواء المنعش.
دفع كريستيان كرسيه المتحرك نحوها وهو يقول: "لكنك تحتاجينها".
كان كُمّا قميصه الزرقاء القطنية مرفوعين إلى الخلف فوق ذراعيه، فظهرت عروقه النافرة تحت بشرته. كان يملك بشرة سمراء جميلة في ما مضى، لكنها اختفت منذ فترة طويلة. بهت اللون الأسمر بسبب قضاء أشهر طويلة داخل المنزل. تابع يقول: "ربما وصلتك معلومات خاطئة مفادها أنني استغليت كاليستا. حصلت كاليستا على ما أرادت الحصول عليه".
أدارت إليزابيت رأسها بعيداً، وصرت أسنانها، ثم قالت: "كانت رائعة؛ ممرضة شابة واعدة".
- لا أعلم إن كانت رائعة، لكنها ساذجة. وبما أنها استقالت بدأت تبعثين لي الممرضات السيئات الآتيات من الجحيم.
- نحن لا نوظف ممرضات آتيات من الجحيم. جميع الممرضات لدينا ذوات كفاءة عالية ويملكن صبراً...".
- لكنهن مقرفات!
تراجعت إليزابيت إلى الخلف وهي تعبس: "ماذا؟ إنه اتهام قاسٍ وغير صحيح".
- قاسٍ، لكنه صحيح. لم أردهن في منزلي، وكنت أرفض أن يلمسنني.
هكذا إذاً! لم يكن يريد ممرضات بل فتاة آتية من أحد أفلام آخر الليل؛ شعر طويل، جسم متناسق وتلبس تنورة ضيقة قصيرة. أخذت إليزابيت نفساً عميقاً وهي تجاهد للمحافظة على صبرها المهني. بدأت تفهم الآن كيف يحطم ممرضاته؛ يستمر في تعذيبهن حتى يطلبن نقلهن.
حسناً! لن تسمح للسيد كومنتاروس بالتغلب عليها. لن يستطيع فعل ذلك، لأنها لن تسمح له.
- هل كانت كاليستا تملك رائحة مقرفة أيضاٍ؟
- لا، بل تملك رائحة من الجنة.
Page 9
للحظة شعرت إليزابيت أن كريستيان يبتسم. في الواقع ابتسامته تلك جعلت إليزابيت تشعر بالسخط الشديد. اقترب منها أكثر، وتابع يقول: "لكن بعد رحيل كاليستا بدأت ترسلين لي الممرضات العجائز كي تعذبيني... كي تعاقبيني على ما هو في الحقيقة ذنب كاليستا، ولا تقولي إنهن لسن عجائز. صحيح أنني أعمى، لكنني لست غبياً".
ارتفع ضغط دم إليزابيت مجدداً، وقالت: "أرسلت إليك ممرضات ناضجات، لكنهن مدربات بشكل ممتاز ومهيئات للعمل الصارم".
- إحداهن كانت رائحتها كرائحة محل لبيع السجائر، وأخرى كرائحة محل يبيع السمك. أنا واثق أن واحدة أخرى بدت كأنها تعمل على متن سفينة حربية.
- أنت تهين ممرضاتي!
- أنا أتكلم بصدق. أنت استبدلت كاليستا بحارسات سجون.
ازداد غضب إليزابيت، وشدت شفتيها معاً. كريستيان كومنتاروس محق تماماً. بعد معاناة المسكينة كاليستا عمدت إليزابيت إلى تعيين ممرضات كبيرات في السن لا يتجاوبن مع إغوائه، إنما يقمن بالاعتناء به فقط. أدركت أنه يحتاج إلى العناية المميزة جداً. ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تشعر بالقليل من التسلية. قد يكون كريستيان عاجزاً عن المشي وفاقداً للبصر، لكن عقله يعمل بشكل ممتاز.
كانت لاتزال تبتسم وهي تدرس حالته بقلة صبر مدركة خطورة جراحه والأشهر الطويلة المؤلمة من إعادة التأهيل. إنه محظوظ للنجاة من حادث مروع كالذي تعرض له. يمكن للجرح الذي أصاب رأسه أن يحدث تأثيرات جمة في الدماغ، لكن لحسن الحظ أن عقله بقي سليماً. بإمكانه أن يسير من جديد، لكن مسألة استعادة البصر بقيت غير مضمونة. في بعض الأحيان يقوم الدماغ بشفاء نفسه وفي أحيان أخرى لا يفعل. لكن الوقت والعلاج المستمر هما اللذان يقرران. أجبرت إليزابيت نفسها على التكلم بحماس وهي تقول: "حسناً! أصبح ذلك كله من الماضي الآن. لقد تخلصت من الممرضات مصارعات الثيران، وأنا هنا الآن...".
- وأنت على الأرجح أسوأ منهن جميعاً.
- بالفعل! أنا كذلك. يقول الجميع إنني أسوأ كابوس قد يصيب أي مريض.
- إذاً، بإمكاني مناداتك الممرضة كراتشيت؟
- إن أردت ذلك، أو بإمكانك مناداتي الممرضة هاتشت، وسأرد بجميع الأحوال.
جلس كريستيان بصمت، والحذر يزداد في تعابير وجهه. شعرت إليزابيت بالابتسامة ترتفع على جانبي فمها. لم يستطع هزمها. إنها تعلم تماماً كيف يفكر اليونانيون الأثرياء. سبق أن تزوجت بأحدهم.
- حان وقت التحرك، وأول أمر سنبدأ به هو وجبة الطعام. أعلم أن الوقت متأخر، لكن هل تناولت الغداء؟
- لست جائعاً!
أقفلت إليزابيت دفتر الملاحظات، وأعادت القلم إلى حقيبتها الجلدية.
- أنت بحاجة إلى تناول الطعام. جسدك بحاجة إلى الغذاء. سأحاول إعداد وجبة خفيفة.
تحركت نحو باب المكتبة وهي غير مستعدة لتضييع الوقت بالنقاش.
حرك كريستيان كرسيه إلى الأمام، فاصطدم بالأريكة من دون قصد. ظهر الغضب في كل زاوية من وجهه، وقال: "أنا لا أريد أن آكل...".
- بالطبع لا. لماذا تأكل بينما أصبحت مدمناً على الأدوية المسكنة للألم؟
أظهرت إليزابيت ابتسامة شديدة لم يستطع كريستان رؤيتها، وتابعت تقول: "الآن اعذرني. سأرى ما يمكننا إعداده لإطعامك".
ارتفع ضغط دم إليزابيت مجدداً، وقالت: "أرسلت إليك ممرضات ناضجات، لكنهن مدربات بشكل ممتاز ومهيئات للعمل الصارم".
- إحداهن كانت رائحتها كرائحة محل لبيع السجائر، وأخرى كرائحة محل يبيع السمك. أنا واثق أن واحدة أخرى بدت كأنها تعمل على متن سفينة حربية.
- أنت تهين ممرضاتي!
- أنا أتكلم بصدق. أنت استبدلت كاليستا بحارسات سجون.
ازداد غضب إليزابيت، وشدت شفتيها معاً. كريستيان كومنتاروس محق تماماً. بعد معاناة المسكينة كاليستا عمدت إليزابيت إلى تعيين ممرضات كبيرات في السن لا يتجاوبن مع إغوائه، إنما يقمن بالاعتناء به فقط. أدركت أنه يحتاج إلى العناية المميزة جداً. ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تشعر بالقليل من التسلية. قد يكون كريستيان عاجزاً عن المشي وفاقداً للبصر، لكن عقله يعمل بشكل ممتاز.
كانت لاتزال تبتسم وهي تدرس حالته بقلة صبر مدركة خطورة جراحه والأشهر الطويلة المؤلمة من إعادة التأهيل. إنه محظوظ للنجاة من حادث مروع كالذي تعرض له. يمكن للجرح الذي أصاب رأسه أن يحدث تأثيرات جمة في الدماغ، لكن لحسن الحظ أن عقله بقي سليماً. بإمكانه أن يسير من جديد، لكن مسألة استعادة البصر بقيت غير مضمونة. في بعض الأحيان يقوم الدماغ بشفاء نفسه وفي أحيان أخرى لا يفعل. لكن الوقت والعلاج المستمر هما اللذان يقرران. أجبرت إليزابيت نفسها على التكلم بحماس وهي تقول: "حسناً! أصبح ذلك كله من الماضي الآن. لقد تخلصت من الممرضات مصارعات الثيران، وأنا هنا الآن...".
- وأنت على الأرجح أسوأ منهن جميعاً.
- بالفعل! أنا كذلك. يقول الجميع إنني أسوأ كابوس قد يصيب أي مريض.
- إذاً، بإمكاني مناداتك الممرضة كراتشيت؟
- إن أردت ذلك، أو بإمكانك مناداتي الممرضة هاتشت، وسأرد بجميع الأحوال.
جلس كريستيان بصمت، والحذر يزداد في تعابير وجهه. شعرت إليزابيت بالابتسامة ترتفع على جانبي فمها. لم يستطع هزمها. إنها تعلم تماماً كيف يفكر اليونانيون الأثرياء. سبق أن تزوجت بأحدهم.
- حان وقت التحرك، وأول أمر سنبدأ به هو وجبة الطعام. أعلم أن الوقت متأخر، لكن هل تناولت الغداء؟
- لست جائعاً!
أقفلت إليزابيت دفتر الملاحظات، وأعادت القلم إلى حقيبتها الجلدية.
- أنت بحاجة إلى تناول الطعام. جسدك بحاجة إلى الغذاء. سأحاول إعداد وجبة خفيفة.
تحركت نحو باب المكتبة وهي غير مستعدة لتضييع الوقت بالنقاش.
حرك كريستيان كرسيه إلى الأمام، فاصطدم بالأريكة من دون قصد. ظهر الغضب في كل زاوية من وجهه، وقال: "أنا لا أريد أن آكل...".
- بالطبع لا. لماذا تأكل بينما أصبحت مدمناً على الأدوية المسكنة للألم؟
أظهرت إليزابيت ابتسامة شديدة لم يستطع كريستان رؤيتها، وتابعت تقول: "الآن اعذرني. سأرى ما يمكننا إعداده لإطعامك".
Page 10
يقع المطبخ الحجري في قبو داخل البرج. وجدت هناك الخادم والطباخة ومدبرة المنزل مجتمعين حول طاولة حجرية تعود للعصور الوسطى. كانوا يجرون حديثاً شيقاً فلم يتنبهوا لدخول إليزابيت. وعندما أدركوا أنها أصبحت هناك صمت الثلاثة، واستداروا ليواجهونها بتفاوت في حرارة الاستقبال.
لم تتفاجأ إليزابيت. أولاً، لأنها -بعكس جميع الممرضات السابقات- ليست يونانية. ثانياً، لأنها بالرغم من كونها أجنبية فهي تتكلم اليونانية بطلاقة. ثالثاً، لأنها لم تظهر أي اهتمامٍ متميز برئيسهم لمجرد أنه رجل يوناني ثري وذو سلطة كبيرة.
قالت محاولة التغاضي عن الترحيب الجليدي: "مرحباً! أعتقد أن بإمكاني تقديم المساعدة في ما يخص غداء السيد كومنتاروس".
تابع الجميع التحديق بها إلى أن قام بانو بالتكلم: "السيد كومنتاروس لا يتناول الغداء".
- هل يتناول فطوراً متأخراًً؟
- لا! القهوة فقط.
- إذاً، متى يتناول الطعام؟
- لا يأكل إلا في المساء.
- فهمت. وهل يأكل جيداً في المساء؟
عبست إليزابيت بينما راقبت الموظفين الثلاثة وهي تتساءل منذ متى هم يعملون في خدمة كريستيان كومنتاروس، وكيف يتعاملون مع مزاجه السيء.
أجابت الطباخة القصيرة وهي تمسح يديها بمئزرها الأبيض: "أحياناً. لكنه بالكاد يأكل شيئاً في أحيان أخرى. في السابق كان يتمتع بشهية على الطعام فيأكل السمك والموساكا والدولما والجبنة واللحمة والخضار، لكن ذلك كان قبل الحادث".
هزت إليزابيت رأسها وهي سعيدة لأن أحدهم يعرفه من قبل وقوع الحادث. هذا جيد، فالوفاء علامة جيدة، لكن استخدام الوفاء بشكل خاطئ قد يعرقل مسيرة شفاء كريستيان كومنتاروس.
- سنبدأ بتقديم وجبة خفيفة له في الحال. ربما نعد سلطة هورياتيكي.
اقترحت إليزابيت السلطة اليونانية التي يفضلها الأوروبيون والأميركيون وهي عبارة عن جبنة فيتا مع البصل والبندورة والخيار مع زيت الزيتون والقليل من خل العنب المصنوع منزلياً.
- لا بد من وجود مكان مشرق في الخارج حيث بإمكانه الاستمتاع بوجبته. يحتاج السيد كومنتاروس إلى التعرض لأشعة الشمس وتنشق الهواء النقي...
- عذراً سيدتي، لكن الشمس تزعج السيد كومنتاروس.
- هذا لأنه يقضي الكثير من الوقت في الظلام. سيفيده الضوء كثيراً. تحرك أشعة الشمس غدده النخامية، وتساعده على التخلص من اكتئابه ما يعجل عملية الشفاء. لكن بما أنني لاحظت أنه يمضي معظم الوقت في الداخل بإمكاننا تقديم الطعام اليوم في مكان ظليل. أعتقد أنه يوجد مكان مسقوف على الشرفة.
أجابت الطباخة: "نعم، سيدتي. لكن السيد كومنتاروس لن يقبل بالخروج".
- آه! بل سيفعل.
ابتلعت إليزابيت ريقها، واستجمعت كل ما لديها من تصميم. علمت أن كريستيان سيخرج في النهاية، لكن ذلك سيحدث بعد صراع طويل.
جلس كريستيان في المكتبة، وأصغى إلى صوت خطوات الممرضة الانكليزية وهي تبتعد متوجهة نحو المطبخ، وبعد دقائق طويلة سمعها وهي عائدة. رفع رأسه وهو ينظر إلى الفراغ بما أنه لا يرى سوى الظلمة منذ وقوع الحادث، أي منذ أربعة عشر شهراً وأحد عشر يوماً.
لم تتفاجأ إليزابيت. أولاً، لأنها -بعكس جميع الممرضات السابقات- ليست يونانية. ثانياً، لأنها بالرغم من كونها أجنبية فهي تتكلم اليونانية بطلاقة. ثالثاً، لأنها لم تظهر أي اهتمامٍ متميز برئيسهم لمجرد أنه رجل يوناني ثري وذو سلطة كبيرة.
قالت محاولة التغاضي عن الترحيب الجليدي: "مرحباً! أعتقد أن بإمكاني تقديم المساعدة في ما يخص غداء السيد كومنتاروس".
تابع الجميع التحديق بها إلى أن قام بانو بالتكلم: "السيد كومنتاروس لا يتناول الغداء".
- هل يتناول فطوراً متأخراًً؟
- لا! القهوة فقط.
- إذاً، متى يتناول الطعام؟
- لا يأكل إلا في المساء.
- فهمت. وهل يأكل جيداً في المساء؟
عبست إليزابيت بينما راقبت الموظفين الثلاثة وهي تتساءل منذ متى هم يعملون في خدمة كريستيان كومنتاروس، وكيف يتعاملون مع مزاجه السيء.
أجابت الطباخة القصيرة وهي تمسح يديها بمئزرها الأبيض: "أحياناً. لكنه بالكاد يأكل شيئاً في أحيان أخرى. في السابق كان يتمتع بشهية على الطعام فيأكل السمك والموساكا والدولما والجبنة واللحمة والخضار، لكن ذلك كان قبل الحادث".
هزت إليزابيت رأسها وهي سعيدة لأن أحدهم يعرفه من قبل وقوع الحادث. هذا جيد، فالوفاء علامة جيدة، لكن استخدام الوفاء بشكل خاطئ قد يعرقل مسيرة شفاء كريستيان كومنتاروس.
- سنبدأ بتقديم وجبة خفيفة له في الحال. ربما نعد سلطة هورياتيكي.
اقترحت إليزابيت السلطة اليونانية التي يفضلها الأوروبيون والأميركيون وهي عبارة عن جبنة فيتا مع البصل والبندورة والخيار مع زيت الزيتون والقليل من خل العنب المصنوع منزلياً.
- لا بد من وجود مكان مشرق في الخارج حيث بإمكانه الاستمتاع بوجبته. يحتاج السيد كومنتاروس إلى التعرض لأشعة الشمس وتنشق الهواء النقي...
- عذراً سيدتي، لكن الشمس تزعج السيد كومنتاروس.
- هذا لأنه يقضي الكثير من الوقت في الظلام. سيفيده الضوء كثيراً. تحرك أشعة الشمس غدده النخامية، وتساعده على التخلص من اكتئابه ما يعجل عملية الشفاء. لكن بما أنني لاحظت أنه يمضي معظم الوقت في الداخل بإمكاننا تقديم الطعام اليوم في مكان ظليل. أعتقد أنه يوجد مكان مسقوف على الشرفة.
أجابت الطباخة: "نعم، سيدتي. لكن السيد كومنتاروس لن يقبل بالخروج".
- آه! بل سيفعل.
ابتلعت إليزابيت ريقها، واستجمعت كل ما لديها من تصميم. علمت أن كريستيان سيخرج في النهاية، لكن ذلك سيحدث بعد صراع طويل.
جلس كريستيان في المكتبة، وأصغى إلى صوت خطوات الممرضة الانكليزية وهي تبتعد متوجهة نحو المطبخ، وبعد دقائق طويلة سمعها وهي عائدة. رفع رأسه وهو ينظر إلى الفراغ بما أنه لا يرى سوى الظلمة منذ وقوع الحادث، أي منذ أربعة عشر شهراً وأحد عشر يوماً.